رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الاولي
خرجت ضي من المكان كالمجنونة، تخطو بلا وعي، وكأنَّ قدميها تحملانها بعيدًا عن كل شيء، بينما عقلها لم يكن يرى سوى ما حدث في تلك الأيام.
كل مشهد كان يعاود الظهور أمام عينيها، كل كلمة، كل خيانة، وكل لحظة شعرت فيها أنَّ حياتها تُنتزع من بين يديها.
استقلَّت سيارتها، وانطلقت لمسافة.. رفعت هاتفها تبحث عن اسم دارين في هاتفها.
تردَّدت لحظات، ثم ضغطت زرَّ الاتصال.
جاءها صوت دارين بعد رنَّاتٍ قليلة:
— ألو؟
تنفَّست ضي ببطء، وحاولت أن تخفي ارتجاف صوتها:
— أهلًا يا دارين، عاملة إيه؟
ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يأتيها صوت دارين متحفِّظًا:
— من معي؟
— أنا ضي...زوجة الدكتور يوسف.
تغيَّرت نبرة دارين فجأة، وكأنَّها تذكَّرتها للتو:
— آه...تذكَّرتك جيِّدًا، أهلًا ضي.
ظلَّت ضي تحدِّق في الطريق أمامها، وعيناها تحملان غضبًا لم تستطع الكلمات أن تخفيه:
— يوسف كان حكالي قبل كده إنِّك كنتِ عايزة تعملي جولة سياحية وتشوفي الأماكن القديمة في مصر... وأنا بصراحة كنت محتاجة أغيَّر جو شوية، فقولت لو حابة نتجوَّل سوا.
ابتسمت دارين من الطرف الآخر:
— نعم...ولكنه أخبرني أنَّه مشغول، ولكنِّي سعيدة أنَّك تذكَّرتيني ولكن متى؟
أجابت ضي دون تردُّد:
— دلوقتي.
ثم أضافت وهي تتعمَّد جعل صوتها طبيعيًّا:
— أنا أصلًا بتجوَّل في شوارع مصر القديمة، والأماكن هنا جميلة جدًّا... أكيد هتعجبك.
ساد صمتٌ قصير، ثم نظرت دارين سريعًا إلى الشخص الجالس بجوارها، فوجدته يومئ لها بالموافقة:
_بالتأكيد عزيزتي، سأكون سعيدة، أرسلي لي عنوانك.
تساءلت ضي سريعًا:
— ليه! هوَّ إنتِ مش في بيت بابا؟
أجابتها دارين ببساطة:
— لا..لقد تركته منذ فترة، أسكن في الأحياء الشعبية..لقد أحببتها كثيرًا.
ارتسمت على شفتي ضي ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها:
— زي ما تحبِّي.
أنهت المكالمة، ثم ألقت الهاتف بجوارها.
وبمجرَّد أن أغلقت الخط، تبدَّلت ملامحها تمامًا، وانفجر الغضب الذي كانت تكبته.
قبضت على المقود بقوة حتى ابيضَّت مفاصل أصابعها، وهمست من بين أسنانها:
— اصبري عليَّا يا حيوانة...بقى حشرة زيِّك تدخل بيتنا وتسمِّمنا، وفاكرة إنِّ الموضوع هيعدِّي كده؟
كانت عيناها تشتعلان بنار الانتقام، بينما السيارة تشقُّ طريقها.
عند دارين..
كانت دارين تقف أمام موشيه، وقد بدت على وجهها علامات الحيرة:
— لا أعلم لماذا هاتفتني ؟
رفع موشيه عينيه إليها، ثم قال ببرود:
— لا أعلم ولكن ابقي معها، وسنعرف بالطبع.
ثم اقترب منها قليلًا، وأضاف بنبرةٍ حاسمة:
— أرى أنَّ هذه فرصة كي تزوري أخت يوسف..لابد لنا أن ندخل منزل هذا الرجل، نريد تصوير منزله.
تنهَّدت دارين بضيق:
— حاولت قبل ذلك وفشلت، وذهبت ليوسف ولكنَّه قال لي أنَّه مشغول.
ثم تردَّدت قبل أن تقول:
— هل تعلم أنَّه اختُطف من أحدهم ؟
قطَّب موشيه جبينه:
— اختُطف! من؟
— يوسف.
صمت لحظة، ثم سألها:
— من الذي اختطفه، ولماذا؟
هزَّت دارين كتفيها:
— لا أعلم رأيت الخبر .
قال موشيه وهو يضيِّق عينيه:
— يبدو أنَّ الموضوع مرتبط بشغل والده.
— ممكن.
ثم التقطت حقيبتها واستعدَّت للرحيل:
— لقد اتفقت مع تلك الفتاة نتجوَّل، لكنَّها اعتذرت بمرضها هي، وبالفعل الطبيب خرج من منزلها.
تغيَّرت ملامح موشيه قليلًا عند سماع الاسم:
— هل علمتي شيئًا عن هذه الفتاة؟
ابتسمت دارين ابتسامة خبيثة:
— كانت زوجة سريَّة لأحد أفراد العائلة، وعرفت أنَّها حدثت قضية بسببها...فحاولت أستغلّ الموضوع.
ضحكت بخفّّة، ثم تابعت:
— هل تعلم أنَّها ساذجة جدًّا؟ لقد وثقت بي بشكلٍ مثير للدهشة، خرجنا معًا أكتر من مرَّة، وزرتها كثيرًا.
قال موشيه:
— لكنَّها لم تفيدنا بشيء.
رفعت دارين عينيها إليه:
— ستفيدنا موشيه...سنستغلَّها بأي طريقة.
ثم أشارت بيدها نحو هاتفها:
— هيَّا، سأذهب إلى دعوة زوجة الطبيب
ابتسم موشيه ابتسامة خافتة:
— هيَّا.
وفي الجهة الأخرى...
كانت ضي لا تزال تقود سيارتها، لكن غضبها بدأ يتحوَّل إلى هدوءٍ مخيف.
كانت تعرف أنَّها لا تستطيع أن تُظهر لدارين ما يدور داخلها.
مرَّت الدقائق ببطء.
وبعد أكثر من نصف ساعة، توقَّفت ضي في أحد شوارع مصر القديمة.
ألقت نظرة حولها، ثم التقطت هاتفها لتتأكَّد من الموقع.
وفجأة تذكَّرت أنَّ المكالمة ما زالت مفتوحة:
— وبعدين يا حيوانة؟ ابعتيلي لمَّا توصلي...لازم أقفل التليفون.
ثم أغلقت الاتِّصال، ورفعت عينيها نحو الطريق.
بعد دقائق، ظهرت سيَّارة أجرة توقَّفت على مسافة قريبة.
فُتح الباب، وترجَّلت دارين منها.
تقدَّمت بخطواتٍ هادئة نحو سيَّارة ضي، وعلى وجهها ابتسامة ودودة لا تعكس شيئًا ممَّا يدور خلفها.
أمَّا ضي...
فكانت تراقبها من خلف زجاج السيارة بعينينِ جامدتين.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم همست لنفسها:
— أهلًا بيكي يا دارين...
وتوقَّفت لحظة، قبل أن تضيف في سرِّها:
— خلِّينا نشوف مين فينا هيعرف التاني على حقيقته الأوَّل..
بالمكان الذي يُحتجز فيه معتز..
جلس بلال أمام عمِّه مالك، وملامحه لم تعد تشبهه..غضبٌ مشتعل، وقهرٌ ثقيل، ونيران أضرمتها الأيام الأخيرة داخل صدره حتى انعكس لهيبها على عينيه.
طالعه مالك بصمتٍ للحظات، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يجعلها هادئة:
ـ أنا عاذرك يا بلال، والله عاذرك...بس الموضوع يا ابني ما يتاخدش كده..إحنا في دولة قانون.
رفع بلال عينيه إليه، وكانت نبرته تحمل اختناقًا واضحًا:
ـ عمُّو مالك، مازتحاولش تقنعني... لأنِّي المرَّة دي مش هسمع كلامك.
قطَّب مالك جبينه، وقال بحدَّة:
ـ يعني إيه مش هتسمع كلامي؟
نهض بلال فجأة، وأشار إلى الغرفة خلف الباب الحديدي، وكأنَّ مجرَّد النظر إليها أشعل غضبه من جديد:
ـ أنا عايز آخد حقِّي من الراجل ده.
ثم ابتلع غصَّة علقت بحلقه، وأضاف سريعًا:
ـ ومتخافش يا عمُّو...مش هقتله.
صمت للحظات، قبل أن تخرج كلماته التالية مكسورة:
ـ حضرتك سمعت...وشوفت اللي حصل..ترضاها عليَّ يا عمُّو؟
لم يجد مالك ما يقوله.
نهض من مكانه ببطء، وسأله:
ـ إنتَ عايز إيه يا بلال؟
استدار إليه بلال، وعيناه تلمعان بقهرٍ لم يستطع إخفائه:
ـ حقِّي...وحق مراتي يا عمِّي.
ارتجف صوته قليلًا، لكنَّه تابع:
ـ حق الأيام اللي عشناها...حق الخوف اللي عاشته بسببه...حضرتك مكنتش موجود وشوفت بعينك اللي حصل.
اقترب منه مالك خطوة، محاولًا تهدئته:
ـ أبوك وعمَّك لو عرفوا إنَّك عملت حاجة هنا، مش هيسكتوا.
ضحك بلال ضحكة خالية من أي فرح:
ـ وأنا مش همشي يا عمُّو...قبل ما آخد حقِّي.
وقبل أن يرد مالك، دوى صوت خطواتٍ في المكان، ثم ظهر آسر..
فألقى مالك نظرة على بلال، ثم على آسر، وقال بسخرية متوتِّرة:
ـ الله أكبر عليكم يا ولاد الشافعية...هوَّ إيه اللي بيحصل، وإنتَ كمان عايز إيه؟
لم يجبه آسر..
كانت عيناه قد تحرَّكتا بالفعل نحو الباب المصفَّح بالأقفال الحديديَّة.
اقترب منه، ثم قال:
ـ افتح الباب يا عمُّو مالك.
تنهَّد مالك بضيق:
ـ وبعدهالكم بقى؟ يعني أنا بنفسي اللي مستلمه، متخافوش..هاخد حقُّكم.
ـ عمُّو مالك!
خرجت الكلمة من فم آسر كصرخة، ثم ركل الباب بقدمه:
ـ والله ما فتحت الباب، لأولَّع فيه... افتح الباب!
التفت مالك إلى بلال.
لم يحتج الأخير إلى الكلام، اكتفى بإيماءة حاسمة:
ـ حقِّي يا عمُّو...مش هتراجع.
ظلّّ مالك للحظات يحدِّق فيهما، ثم زفر باستسلام، وأخرج المفاتيح.
ما إن وطأت أقدامهما الغرفة حتى رفع معتز رأسه ببطء.
كان مقيَّدًا، مستندًا إلى الجدار، ووجهه يحمل آثار ما تعرَّض له، لكن عينيه ظلَّتا محتفظتين بذلك الاستفزاز البارد.
وحين وقعت عيناه على بلال، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة:
ـ جوز حبيبتي جه...
تجمَّد بلال للحظة.
ثم دفع المقعد الحديدي بقدمه حتى انزلق على الأرض، وجلس أمامه، مسندًا ذراعيه إلى ركبتيه.
مال برأسه قليلًا، وقال بهدوءٍ مخيف:
ـ إيه ده يا عمُّو مالك، من إمتى وإيدك حنيِّنة كده؟ إحنا منعرفش عنك كده.
ردَّ مالك ببرود:
ـ متستفزنيش..يلا.
رفع معتز عينيه إلى بلال، وقال:
ـ ورِّيني نفسك يا أبو إيد حديد.
اقترب بلال منه خطوة، ثم ابتسم ابتسامة لم تحمل أي دفء:
ـ عيوني...بس كده.
تحرَّك نحو أحد الأجهزة الموجودة في الغرفة، بينما ظلَّ مالك يراقبه بقلق.
لم يكن الخوف على معتز، ولكن على بلال..
الذي يعميه غضبه.
لكز مالك ذراع آسر هامسًا:
ـ الحق ابن عمَّك.
رفع آسر حاجبه، وعيناه لا تفارقان بلال:
ـ وحضرتك فاكر إنِّي هوقفه؟
ـ آسر...
التفت إليه مالك وقال بصرامة:
ـ إحنا عايزينه حي..عمَّك إلياس عايزه حي لأسباب تخصُّه، امسك المتخلِّف ده، ولَّا أخرَّجكم إنتوا الاتنين برَّه.
تقدَّم آسر نحو بلال، ثم وقف أمامه مباشرة:
ـ بلال...
لكن بلال لم يلتفت.
ظلَّ يحدِّق في معتز، وعيناه تحملان كل الغضب الذي عجز عن إخراجه طوال الأيام الماضية.
اقترب آسر أكثر، وقال بصوتٍ أخفض:
ـ بلال، بصِّلي.
استدار بلال إليه ببطء:
ـ ابعد يا آسر.
_بلال اهدى متبقاش مجنون.
_عارف لو قرَّبت منِّي، هكهر. بك مكانه.
جلس ورفع قدمه فوق المقعد وأشار للرجل الذي وصل:
_خلَّعه كل هدومه، عايزه كما ولدته الستِّ اللي معرفش اسمها.
نظر الرجل إلى مالك، فأومأ له، قام بنزع ملابسه بالكامل، مع نظرات معتز لبلال المستفزَّة.
قام بلال بتعذيبه بطريقة جعلت معتز يصرخ، بعدما قابل تعذيبه بضحكاتٍ ساخرة.
اقترب مالك بعدما فقد بلال السيطرة، وهو يضع جهاز الكهرباء بمناطق حسَّاسة فتوقَّف حتى أصبح بينه وبين معتز، ثم قال بحزم:
ـ أنا فاهم وجعك...وفاهم إنَّك عايز حقَّك، بس مش كدا يا بلال.
ضحك معتز بصوتٍ مرتفع، وهو يصف جسد رولا بوقاحة وكل ما فعله معها.
اقترب مالك قبل بلال، وصفعة قوية حتى طارت بها أسنان معتز، ثم لكمة قويَّة بصدره، تراجع مالك، يشير إلى آسر وبلال:
_يستاهل إنُّكم تتسلُّوا عليه..
جلس آسر بعد خروج مالك، بينما ظلَّ بلال واقفًا أمام معتز، يحدِّق فيه بصمت.
صمتٌ كان أشدُّ رعبًا من أي صرخة.
كانت صورة زوجته لا تفارقه...وجهها المرتجف، عيناها الممتلئتانِ بالخوف، اللحظة التي أدرك فيها أنَّها كانت وحدها أمام ذلك الوحش.
قبض يده حتى ابيضَّت مفاصل أصابعه.
رفع معتز عينيه إليه، وقال بابتسامةٍ مستفزَّة:
ـ حلوة رولا..لم يكمل، اندفع بلال نحوه، وأمسكه بعنف، ثم دفعه بعيدًا وهو يصرخ:
ـ اسمها ما يطلعش من بوقَّك!
ـ بلال!...نطق بها آسر وتابع:
_اتوصَّى جامد عايز أسمع الصوت بوضوح.
كانت عينا بلال محمرَّتين، وصوته يرتجف من الغضب.
التفت إلى معتز، اندفع نحوه، وأفرغ فيه غضبه المكبوت، وقام بتعذيبه بأشع الطرق وصدره يعلو ويهبط بعنف، ويداه ترتجفان.
نظر إلى معتز، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
ـ الموت راحة ليك.
اقترب منه مجدَّدًا، وانحنى أمامه، وأعاد ما يفعله، هو مرَّة وآسر مرَّة، مع صرخات معتز.
بعد فترة..
دلف الياس المكان الذي يُحجز به معتز، وهو يتحدَّث بهاتفه:
_خلاص يا إسحاق، ظبَّط وابعت ياخدوه، بس أكيد مش النهاردة.
_أوعى تموُّته يا إلياس، ما تخلنيش أندم إنِّي عرَّفتك مكانه.
توقَّف إلياس:
_ممكن تقفل يا إسحاق، لو موَّ ته يبقى برحمه، اقفل وابعت فريقك ياخده، بس مش قبل ما آخد حق ولادي.
قالها وأغلق الهاتف، دلف للداخل وجد مالك جالسًا على مقعدٍ بالخارج، وبيده كوب من القهوة، يرتشف منها ويدندن مع بعض الأغاني التي تصدح من هاتفه..
وهو يضع ساقيه فوق المكتب.
ضحك إلياس على هيأته:
_مش عايز غدا يا باشا؟
اعتدل وهو يبصق القهوة:
_إلياس...إنتَ فين، لا إنتَ جاي ليه، قصدي، هوَّ مش تعبان، مين اللي جابك؟.
اقترب منه إلياس يطالعه بتدقيق:
_إنتَ سخن يا بني، مالك عامل زي الستّ اللي بتخــ ون جوزها كدا؟!
_إنتَ بتشبِّهني بست يا إلياس!
رفع إلياس حاجبه يدقِّق النظر به، وقبل أن يتحدَّث استمع إلى ضحكات بالداخل، ثم صرخات معتز.
التفت إلى مالك سريعًا، ثم إلى الباب المغلق وصوت الضحكات:
_مين جوَّا، وإيه الصويت دا؟
_بلال وآسر، بيجوِّزوا معتز، صعب عليهم أصله عدَّى الخمسين ولسة أعزب.
دفع إلياس الباب، توقَّف مذهولًا، وهو يرى معتز بلا ثياب يمشي على يده كالحيوان حولهم وهم يضحكون:
_بلال...استدار سريعًا هو وآسر بنفس اللحظة.
_برة...نظر إليه بلال بصمت، ثم ألقى الجهاز الذي بيده، واتَّجه بنظراته إلى معتز:
_مع السلامة يا سوسو، كانت استضافة حلوة.
قالها بلال، واستدار للمغادرة، تقابلت نظراته بإلياس، ولكنَّه لم يهتم لنظرات إلياس الغاضبة، فقال:
_مبقاش ينفع لحاجة، لا هوَّ بنت ولا راجل..
ممكن تاخدني في فريق التعذيب، هرفع راسك وتنشهر أكتر، عمُّو مالك دا غلبان.
_اطلع برَّة يلا.
_على فكرة أنا دكتور ومشهور، وليَّا وضعي مش حلو تقولِّي يلا.
_آسر...خد الحيوان دا وامشوا من هنا.
اقترب بلال أكثر من إلياس:
_خدت حقِّي اللي حضرتك وأبويا راكنينه من سنين علشان مصالحكم.
أشار إلى معتز:
_مش هينفعك بحاجة، قطعت لسانه القذر، علشان يعرف يغلط في مراتي، أه وبالنسبة لعينه التانية، سبتها علشان قضاء حوائحه، مش ناقصين قرف.
قالها وتحرَّك، وإلياس يتابعه بغضبٍ حارق.
رفع عينه إلى مالك:
_قولِّي اعمل فيك إيه.
_تشكرني طبعًا، لأنِّي متعبتش في حاجة، كنت عايز مراحل تعذيب، أهو جبنا اللي يعذِّب بطريقة تفوق العقل.
_مالك...قالها من بين أسنانه.
_نعم يا أخو مراتي.
أفلت إلياس ابتسامة رغمًا عنه:
_قعداتك مع العيال دي خطر يا مالك.
_مش أخطر من عمُّهم صدَّقني.
_قعدت يوم واحد مع بلال وبقيت ترد، تخيَّل لو قعدت أسبوع.
_والله أنا زهقت من بلال وعم بلال.
_الله أكبر عليك، ولسة يا أستاذ مالك.
وصل إليهم أرسلان:
_إيه اللي حصل؟
وقبل أن يرد إلياس ارتفع رنين هاتفه.
_إلياس.
_فيه إيه يا ميرال؟.
_ضي...ضي عرفت إنِّ دارين هيَّ اللي سـ مِّمت يوسف وموِّتت الأجنَّة، وخرجت من البيت زي المجنونة.
_خلاص يا ميرال اقفلي.
زفر باختناق...طالعه أرسلان باستفهام:
_فيه إيه؟
_بنتك المتخلِّفة، راحت لدارين.
_ضي..
_هوَّ إنتَ عندك بنات تانية، أرسلان لم البتِّ دي، أصل والله لو حطِّتها في دماغي لأكرَّهها عيشتها.
_خلاص...يا إلياس هتصرَّف.
عند ميرال..
ظلّّت تدور حول نفسها:
_وبعدين يا ماما، أنا خايفة على ضي
من إلياس، المرَّة اللي فاتت عدِّت بسلام.
_كلِّمي يوسف، يلحقها قبل أبوه.
_بتِّصل ما بيردش.
اِّتصلي تاني، إلياس مش هيسكت.
لم ينقطع رنين الهاتف، ابتعد عن المريض:
_آسف...لحظة وراجع لك.
نظر للهاتف، فوجد والدتها، قطَّب جبينه، فوالدته لم تلح بالاتِّصال هكذا، رفع الهاتف وأجابها:
_أيوة يا ماما...حضرتك كويسة؟
_آسفة حبيبي، عارفة إنَّك مشغول، بس مراتك.
تنهَّد يمسح على شعره:
_مالها؟..
صمتت ميرال وتردَّدت بإخباره فقال:
_ماما، عندي عملية بعد نصِّ ساعة، ومش فاضي لجنان ضي..هكلِّمها وأبعت لها بلال.
جاءه صوت والدته حادًّا، يحمل من القلق ما جعل يوسف يتوقَّف مكانه:
_مراتك عرفت إنِّ دارين كانت عايزة تسمِّمك...وهيَّ اللي شربت مكانك السم، اتصرَّف بقى.
انعقد حاجبا يوسف، ولم يستوعب ما سمعه:
_حضرتك بتقولي إيه؟
_اللي سمعته يا يوسف...ضي ممكن تموِّت دارين.
تجمَّدت ملامحه لثوانٍ، ثم تمتمت والدته بنبرةٍ أكثر خوفًا:
_لا...مش ممكن، دي هتموِّتها فعلًا.
تذكَّر يوسف يوم تسمُّم ضي...وجهها الشاحب، جسدها المنهك، والخوف الذي عاشه وهو يراها بين الحياة والموت.
همس بصدمة:
_يعني...بابا كان بيضحك عليَّا؟!
_حبيبي، مش وقته..اللي عرفته إنِّ البنت دي وراها بلاوي، ومعنى إن أبوك سايبها تحت رعايته يبقى عايز يوصل لحاجة..الحق مراتك...وممكن تئذي ضي كمان..دي ماضيها أسود، وأبوك نفسه بيقول عليها شيطانة، فاكر يوم عملية الحقن المجهري؟
تسارعت أنفاس يوسف:
_مالها بالحقن مش فاهم؟.
_بدَّلت الأدوية اللي قتلت الأجنَّة.
اتَّسعت عيناه في صدمة:
_إيه...اللي حضرتك بتقوليه دا؟
_اقعد واسأل، بس بعد ما تلحق مراتك، لأن لو سبتهم لبعض...يا هيَّ تموِّت دارين، يا دارين تموِّت مراتك.. غير أبوك وعمَّك كمان.
_تمام...أنا هتصرَّف.
أغلق معها الهاتف، وظلَّ للحظات يحدِّق أمامه، كأنَّ عقله يرفض أن يستوعب كل ما سمعه.
ثم أسرع إلى هاتفه، وقام بمهاتفة زوجته.
على متن قارب في نهر النيل...
جلست ضي أمام دارين، تشير إلى المقعد المقابل بيدها:
_اقعدي.
جلست دارين وهي تجول بعينيها في المكان، ثم ابتسمت بإعجابٍ متصنَّع:
_حقًّا...المشهد مبدع هنا.
رفعت ضي عينيها إليها ببطء، وارتسم على شفتيها شيء يشبه الابتسامة:
_بتعرفي تعومي يا جهنم؟
اختفت ابتسامة دارين، وتغيَّرت لهجة ضي بصورة مفاجئة جعلتها تنتبه إليها.
_ماذا؟
نهضت ضي من مكانها، واقتربت منها بخطواتٍ هادئة، لكنَّها كانت تحمل تهديدًا واضحًا:
_بقى حشرة قذرة زيِّك...تحاول تسمِّم جوزي، وتقتل ولادي؟
ارتبكت دارين للحظة، لكنَّها تماسكت سريعًا ورفعت ذقنها:
_لا أعلم ماذا تقصدين.
في تلك لحظة، انقضَّت ضي على خصلاتها، وقبضت عليها بقوَّة جعلت دارين تشهق.
_متفكَّريش إنِّي كيوت يا حبيبتي...أنا أدوس عليكي بجزمتي، ومش هيرمش ليَّ جفن.
حاولت دارين إبعاد يدها، لكن ضي تركت شعرها فجأة، ثم عادت إلى مقعدها وكأنَّ شيئًا لم يحدث.
رفعت عينيها إليها وقالت ببرودٍ مخيف:
_ودلوقتي يا حلوة...إيه رأيك نلعب مع بعض لعبة حلوة؟
طالعتها دارين بريبة.
أشارت ضي إلى النيل:
_بصِّي للنيل...واملي عينيكي منه، أصل نفسي أشوف مواهبك.
ضحكت دارين بصوتٍ مرتفع، محاولةً إخفاء توتُّرها خلف غرورها:
_أستطيع أن أفعل كل شيء.
رفعت ضي كوبها، أخذت تلفُّه بين أصابعها وهي تتأمَّلها من خلفه:
_حقًّا...اللي اختشوا ماتوا.
_ماذا تقولين؟
_بمدح فيكي يا عدوِّتي المَدوِّدة.
ضيَّقت دارين عينيها:
_أنا لم أحبُّك قط.
انفجرت ضي بضحكةٍ ساخرة:
_وأنا واقعة في غرامك من الدور الميَّة يا شرارة ونار.
تجهَّم وجه دارين:
_لماذا تنعتينني بتلك الأسماء البذيئة؟ لي أسماء جميلة.
انحنت ضي، وضعت الكوب على الطاولة، ثم رفعت عينيها إليها ببراءةٍ مصطنعة:
_أكيد طبعًا...نارين.
اشتعل الغضب في عيني دارين:
_إن لم يعجبك، لا يهمُّني.
توقَّفت ضي عن الضحك.
نهضت، ثم اقتربت منها حتى أصبحت أمامها مباشرة، وانحنت قليلًا لتلتقي عيناها بعيني دارين:
_تعرفي أنا جبتك هنا ليه؟
رفعت دارين حاجبها باستخفاف:
_لا يهمُّني..أعلم أنَّك منزعجة مني لأنَّني جميلة..وزوجك يراوغني.
ابتسمت ضي ابتسامة باردة:
_لا يهمُّني إن كنتِ جميلة ولا حتى ملكة جمال العالم، لأنِّي شيفاكي شبه البورص على الحيطة...وجوزي مين يا بورص اللي هيبص عليكي.
اقتربت أكثر، وهمست:
_ إنتِ غبية أوي.
تراجعت دارين قليلًا:
_علاقتي بزوجك أقوى بكتير ممَّا تتخيَّلين، وبعدين..ألم يقولوا إنَّكم المصريين تحبُّوا المراوغة؟..فزوجك يراوغني.
ابتسمت ضي ابتسامة جانبية:
_جوزي يراوغك كده، مش كده؟
قطبت دارين جبينها:
_ماذا تقولين؟
_أيوه صح...زي ما بتقولي، هو يراوغني، وأنا أراوغه، علشان نجيبك هنا ونراوغك إحنا الاتنين.
اتَّسعت عينا دارين:
_ماذا تقولين؟
ضحكت ضي:
_أسلوب مراوغة يا حبيبة أبوكي، مرفوع بالجزمة...ما أخدتيهوش في المدرسة؟
ظلَّت دارين تحدِّق بها بعدم فهم.
وفجأة، التفتت ضي نحو الرجل المسؤول عن القارب وصاحت:
_عمُّو حسنين، هات الحبل...القراميط جاعت وأنا قلبي رهيِّف!
نهضت دارين مذعورة:
_ماذا تقصدين؟
التفتت إليها ضي، وفي عينيها لمعة مخيفة:
_هنتراوغ مع بعضينا، متقلقيش...زي مراوغتك مع جوزي، بس المرة دي مراوغة بريئة.
ثم مالت برأسها وأضافت:
_ألم تسمعي عن البراءة؟
_لا أعلم ماذا تقصدين!
_معاكي تليفونك؟
أخرجت دارين هاتفها بتردُّد ورفعته أمامها.
أشارت ضي إليه:
_ادخلي جوجل.
_لماذا؟
_اكتبي: "إزاي المصريين بيذبحوا الشاة ويسلخوها."
اتَّسعت عينا دارين:
_ماذا تقصدين؟!
لم تجبها ضي.
فقط أمسكت الحبل، وربطته حول المقعد بإحكام، بينما كانت دارين تتابعها بذهول يتصاعد إلى رعب:
_هل جننتِ؟! أنتِ مجنونة حقًّا!
رفعت ضي عينيها إليها:
_متأخَّرة أوي على المعلومة دي.
لحظة واحدة ثم دفعت المقعد بقوة نحو حافَّة القارب.
صرخت دارين، وقبل أن تستوعب ما يحدث، سقطت في مياه النيل.
وقفت ضي مكانها تراقبها دون أن تتحرَّك، ثم تمتمت ببرود:
_تعرفي؟ أنا فعلًا قلبي رهيِّف...بس مش لدرجة إنِّي أسيب حقِّ جوزي وولادي.
وفجأة، دوى صوت محرِّك قارب سريع يقترب.
رفعت ضي رأسها.
وبدون تفكير، قفز مالك إلى المياه فور رؤيته لدارين، محاولًا إنقاذها.
لم تلتفت ضي، فقط أشارت للرجل:
_رجَّعني على الشط.
بعد فترة، وصلت إلى الكمبوند.
دخلت المنزل بخطواتٍ هادئة، لكن ما إن ولجت إلى الداخل حتى استمعت الى صوت إلياس الغاضب يهزُّ أرجاء المكان:
_ضي!
توقَّفت.
أغمضت عينيها للحظة، ثم زفرت بضيق.
كانت تعرف أنَّ ما فعلته لن يمرَّ عليه مرور الكرام.
تقدَّم إلياس نحوها، والغضب يشتعل في عينيه:
_إنتِ اتجنِّنتي؟!
لم تجبه.
اقترب أكثر، ثم رفع كفَّه وصفعها بقوة.
تجمَّدت ضي في مكانها.
شهقت، وارتفعت يدها إلى وجنتها، بينما اتَّسعت عيناها بصدمة لم تكن من الألم بقدر ما كانت من أنَّها لم تتوقَّعها منه.
ترقرقت الدموع في عينيها.
لكن إلياس لم يلتفت إليها..فقال صائحًا:
_المرَّة اللي فاتت عدِّيتها من خوفك على جوزك...لكن تتعدِّي حدودك بالشكل ده؟! أنا أحطِّك تحت رجلي يا بت!
توقَّفت الكلمات في حلقها.
في تلك اللحظة، جاء صوت يوسف من خلفهما، حادًّا كالسيف:
_بابا!
استدار إلياس..تقدَّم يوسف سريعًا، ثم وقف أمام ضي، حاجبًا إياها عن والده:
_مقبلش حد يهين مراتي...مهما كان هوَّ مين.
رفع إلياس حاجبه بسخرية وغضب:
_لا والله؟ ما تيجي تدِّي أبوك قلمين يا دكتور!
ثبَّت يوسف عينيه عليه، رغم النار التي اشتعلت داخله:
_آسف لحضرتك...بس إهانة مراتي غير مقبولة، أنا أعرف أحاسبها، وأعرف أوقفها عند حدَّها، من غير ما حضرتك تهينها.
صمت إلياس للحظات، ثم أشار إلى الباب:
_طيب خدها وامشي من قدَّامي.
ثم نظر إلى ضي، وأضاف بحدَّة:
_وعيب أهينك قدَّامها...لأنَّك ابني.
التفت يوسف إلى ضي.
رأى الدموع عالقة بعينيها، ووجنتها تحمل أثر الصفعة.
تبدَّلت ملامحه للحظة...
بين غضبٍ من والده، وخوفٍ على زوجته، وصدمة ممَّا فعلته هي.
مدَّ يده إليها دون كلمة.
فتردَّدت ضي للحظة، ثم وضعت يدها في يده.
وضغط عليها يوسف بقوة، وكأنَّه يقول لها دون صوت:
أنا غاضب منك...لكنَّكِ لن تكوني وحدك.
تحرّك يوسف بصحبة ضي، ونظرات العتاب لا تفارق والده، وكأن صمته كان أقسى من أي كلمة يمكن أن يقولها.
ظلّ إلياس واقفًا مكانه، يراقبهما حتى ابتعدا، ثم كوّر قبضته بقوة، غاضبًا من نفسه قبل أي شخص آخر.
كان يعلم أنه أخطأ... يعلم أن ما فعله لم يكن يليق به، وأن يده ما كان يجب أن تمتد عليها مهما بلغ غضبه، لكن ما فعلته ضي في الآونة الأخيرة كان قد تجاوز كل الحدود، ودفعه للحظة فقد فيها السيطرة على نفسه.
التفت على صوت سيارة أرسلان وهي تتوقف أمام المنزل، وترجّل الأخير منها مسرعًا، متجهًا إليه بقلق.
_البنت في المستشفى... ضي مجتش ولا إيه؟
لم يجبه إلياس.
اكتفى بنظرة مثقلة، ثم استدار وتركه وصعد إلى المنزل بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة كانت تزيد من ثقل ما يحمله بصدره.
دلف إلى الداخل، فوجد ميرال تقترب منه بلهفة.
_إيه؟... لقيت ضي؟
لم يرد. مرّ من جوارها مباشرة، واتجه إلى مكتبه، ثم أغلق الباب خلفه بهدوء غريب.
ظلت ميرال تنظر إلى الباب المغلق، وكأنها تحاول أن تفهم من ملامحه ما عجز عن قوله.
وصلت فريدة إليها بعد لحظات.
_واقفة كده ليه يا ميرال؟
التفتت إليها ميرال وهمست بقلق:
_إلياس جه... بس ما اتكلمش معايا، دخل وقفل الباب.
وقبل أن تكمل، وصل أرسلان.
_فين إلياس؟
أشارت ميرال بعينيها نحو المكتب، لكن فريدة أوقفته قبل أن يتحرك.
_استنى... إيه اللي حصل؟ لحقتوا البنت؟
أومأ أرسلان.
_آه... مالك أخدها المستشفى.
تغيّرت ملامح ميرال سريعًا.
_طيب وضي؟ فين ضي؟
تنهد أرسلان قبل أن يجيب:
_في بيتها. عربيتها تحت، وبكلمها ما بتردش.
_بس يوسف رد وقال إنها مش عايزة تكلم حد.
تبادل الثلاثة النظرات، ثم قالت فريدة بمرارة:
_يبقى أخوك قابلها وفشّ غله فيها.
تحرك أرسلان نحو المكتب، وفتح الباب دون طرق.
كان إلياس واقفًا أمام النافذة، يعطيه ظهره. تحرك أرسلان نحوه وهو يقول:
_ما بتردش ليه؟... أنتَ قابلت ضي؟
لم يرد إلياس.
اقترب أرسلان منه ببطء، يراقب ملامحه الجامدة، حتى قال بصوت أكثر حدة:
_إلياس...
رفع إلياس رأسه ببطء، وبقي صامتًا لثوانٍ، قبل أن تخرج كلماته مثقلة بالندم:
_مدّيت إيدي عليها... غصب عني.
تجمّد أرسلان في مكانه.
تابع إلياس، وهو يمسح على وجهه بعصبية:
_خرجتني عن شعوري... عمايلها زادت عن الحد، وبقت بتعمل حاجات ممكن تأذي نفسها وجوزها... وأنتَ أكيد فاهم أنا قصدي إيه.
حدّق به أرسلان غير مصدق.
_إيه؟... ضربتها؟
لم يجبه إلياس، فقط أغمض عينيه، وكأن السؤال وحده كان كافيًا ليعيد إليه المشهد كاملًا.
أدار أرسلان وجهه للحظة، ثم نظر إلى الباب وكأنه سيغادر، فأوقفه إلياس بصوت خافت:
_أرسلان...
توقف الأخير دون أن يلتفت.
قال إلياس بحزن:
_أنا عارف إني غلطت.
استدار أرسلان إليه.
_أنا مش زعلان منك عشان ضي... اللي مزعلني إننا عمرنا ما مدّينا إيدينا على ولادنا وهم صغيرين، ولا عمرنا وصلناهم لمرحلة نخاف فيها منهم أو يخافوا مننا... ليه يوصل بينا الحال إننا نضربهم وهما كبار؟
انخفضت عينا إلياس، ثم قال بصوت مبحوح:
_علشان كبروا يا أرسلان... وكبر معاهم وجعنا، وبقوا يدخلوا في حاجات أكبر منهم... وإحنا بقينا مش عارفين نلمّهم.
ساد الصمت بين الشقيقين.
كان كل واحد منهما يعرف أن السنوات التي مرّت لم تكن سهلة، وأن أبناءهما لم يعودوا أطفالًا يمكن احتواء أخطائهم بكلمة أو عقاب بسيط.
قال أرسلان أخيرًا:
_هروح أشوف ضي... وأنتَ كلم إسحاق. أنا أخدت معتز وسلّمته له.
رفع إلياس عينيه إليه.
_شوفت بلال عمل فيه إيه؟
تنهد أرسلان، وظهرت في عينيه لمعة غضب مكتوم.
_بلال محروق يا إلياس... دي مراته. اللي حصل لها حصل قدامه، وغصب عنه شافها في الحالة دي.
سكت للحظة، ثم أضاف:
_صدقني... أنا نفسي كنت هموّته. معرفش إزاي مسكت نفسي.
قال إلياس بجمود:
_طيب لو موته... كان هيبقى أحسن.
نظر إليه أرسلان طويلًا، ثم قال:
_ ينفع نبقى رجالة قانون ونبقى قطاع طرق في نفس الوقت؟
رفع أرسلان حاجبه.
_إلياس...
قاطعه الأخير:
_ الموضوع ده مفيهوش قانون بالنسبالي. ولولا إني وعدتك إنه هيرجع سليم، كنت قطّعت جسم الحيوان ده حتت.
تنفس إلياس بعمق، ثم قال:
_خلاص... انسى. أهو إسحاق هيتصرف معاه.
أومأ أرسلان، فتساءل إلياس:
_عملت إيه مع الواد اللي اسمه موشيه ده؟
استند أرسلان إلى حافة المكتب، وقد عادت ملامحه للصرامة التي يعرفها الجميع.
_كله تمام... وفيه كام واحد كده هيقربوا منه ويساعدوه، بحجة إنهم محتاجين فلوس.
_ يعني هدخله بيت إسحاق؟
_آه.
رفع إلياس حاجبه باستغراب.
ابتسم أرسلان ابتسامة باردة وقال:
_لازم يدخل... علشان نمسكه من غير ما يحس. وفي نفس الوقت، فرصة كويسة نعرف هو شغال لمين وعايز يوصل لإيه.
ــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل يوسف – قبل قليل
تحركت معه طوال الطريق دون أن تنطق بكلمة واحدة.
كانت صامتة بشكل أقلقه، وكأنها أغلقت كل الأبواب داخلها، ولم تعد تملك حتى القدرة على العتاب.
وصلت إلى المنزل، ثم صعدت إلى غرفتها بخطوات بطيئة. دلفت إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها، ونزعت ثيابها بهدوء غريب.
كان يوسف يراقبها من مكانه بصمت.
لم يسألها، ولم يحاول إجبارها على الكلام.
تمدّدت فوق الفراش، وسحبت الغطاء حول جسدها، ثم احتضنت نفسها كطفلة تحاول الاحتماء من العالم بأكمله.
تنهد يوسف بعمق.
اقترب منها، خلع جاكيت بدلته ووضعه جانبًا، ثم تمدّد بجوارها، وسحبها إلى أحضانه دون كلمة.
تصلّب جسدها للحظات... ثم أغمضت عينيها.
ثوانٍ فقط، وانكسر كل شيء بداخلها.
انفجرت باكية، وكأنها كانت تحبس دموعها منذ ساعات، وربما منذ أيام.
دفنت وجهها في صدره، وانطلقت شهقاتها متقطعة، بينما ظل يوسف يحتضنها بقوة، يمسح على خصلاتها بحنان، وينحني بين الحين والآخر ليقبّل رأسها.
اكتفى بأن يكون بجوارها.
وبعد وقت طويل، هدأت شهقاتها تدريجيًا، حتى استسلم جسدها للإرهاق وغلبها النوم.
ظل يوسف بجوارها، يراقب ملامحها الهادئة بعد عاصفة البكاء، حتى ارتفع رنين هاتفه.
مدّ يده بحذر، وأجاب بصوت خافت:
_ أيوة يا بلال.
أتاه صوت بلال من الطرف الآخر:
_ إيه اللي حصل؟ وضي عملت إيه؟ مزعّلة بابا وعمي؟
زفر يوسف بضيق، وألقى نظرة على ضي النائمة.
_ بعدين... لما أشوفك نتكلم. المهم، كنت فين من الصبح؟
صمت بلال لحظة، ثم أجاب بصوت مرهق:
_ كنت باخد حقي... وحق رولا.
اعتدل يوسف في جلسته، ثم نهض مبتعدًا عن الفراش حتى لا يوقظها.
_ مش فاهم... عملت إيه؟
_ بعدين يا يوسف، أنا لسه راجع ومصدّع وراسي تقيلة... يلا، سلام.
وأغلق الخط.
ــــــــــــــــــــــــــ
عند رولا...
دلفت رولا إلى منزل والدها وهي تجر حقيبتها خلفها، بينما كانت يدها الأخرى تمسك بيد طفلها الصغير.
رفعت رحيل عينيها إليها باستفهام، وما إن رأت الحقيبة حتى تبدلت ملامحها.
— حبيبتي... إنتوا مسافرين ولا إيه؟
هزت رولا رأسها، وحاولت أن تمنع ارتجاف صوتها:
— لا يا ماما...
توقفت لحظة، ثم قالت:
— أنا سبت البيت.
اتسعت عينا رحيل.
— مش فاهمة... بيت إيه يا رولا؟
ابتلعت رولا غصتها.
— بيتي يا ماما.
ثم أخرجت الكلمات بصعوبة:
— أنا رفعت قضية طلاق على بلال... لأنه رفض يطلقني.
شهقت رحيل، وكأن الكلمات صفعتها.
في تلك اللحظة، خرج يزن من مكتبه، فتوقف حين رأى ابنته وحقيبتها.
— رولا!
لكنها لم تلتفت.
صعدت الدرج بخطوات سريعة، والدموع تملأ عينيها.
التفتت رحيل إلى زوجها بذهول:
— يزن... إيه اللي بيحصل؟
ظل يزن ينظر إلى الدرج الذي اختفت خلفه ابنته، ثم قال بقلق:
— معرفش... هروح أشوف أرسلان كده.
ــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل أرسلان
دخل يزن إلى المنزل، مع وصول أرسلان.
توقف الأخير حين رآه، ثم اقترب منه وربت على كتفه.
— يزن... عامل إيه؟
— الحمد لله.
تردد لحظة، ثم قال:
— كنت عايز أسألك عن بلال... هو فين؟ بتصل بيه ومابيردش.
تغيرت ملامح أرسلان، وأشار له بالدخول.
— ادخل... الموضوع كبير.
جلسا بعد دقائق، وقصّ له أرسلان ما حدث مع بلال ومعتز.
ظل يزن يستمع بصمت، ثم قال:
— والله جدع... ياريته كان موته وارتحنا.
صمت لحظة، ثم أردف:
— المهم رولا رجعت عندي... ومش عارف الموضوع بينهم وصل لإيه، وطالبة الطلاق.
رفع أرسلان عينيه إليه.
— لا... أكيد بتهزر يا يزن.
ثم ضرب كفه على ذراع المقعد بضيق:
— عارف بلال زودها شوية، بس هو معذور! اللي سمعه صعب.
تنهد يزن:
— عارف والله يا أرسلان. مالك حكالي كل حاجة. أنا محاولتش أدخل بينهم... وكنت شايف وجع بلال.
ثم أضاف بحسرة:
— بس بنتي مالهاش ذنب.
صمت أرسلان قليلًا، ثم قال:
— خلاص... سيب رولا عليّا.
— يعني إيه؟
— نسيبهم بعيد عن بعض فترة. بلال يهدى وينسى اللي حصل، ورولا كمان ما تتأثرش بحالته.
هز يزن رأسه ببطء.
— أنا فكرت في كده فعلًا... بس...
رفع أرسلان حاجبه.
— بس إيه؟
خفض يزن عينيه للحظات، ثم قال بصوت خافت:
— رولا بتقولي إنها رفعت قضية طلاق على بلال... لأنه رفض يطلقها.
اتسعت عينا أرسلان.
— دي أكيد اتجننت! إيه الجنان ده يا يزن؟
ثم تابع بانفعال:
— بنتك مش عايزة تعقل خالص. أنا كلمتها امبارح وقلت لها تسيبه يومين يهدى!
رفع يزن عينيه إليه، وصوته يحمل مرارة:
— أرسلان... الموضوع بقاله أسبوع.
سكت لحظة.
— وإنت شوفت بلال كانت حالته إزاي... والبنت ما استحملتش.
— يزن، متعصبنيش!
ارتفع صوت أرسلان:
— هي ما استحملتش، وهو إيه؟! أنا قولت لها لمّوا وجع بعض! وفهمتها وجعه! عارف إنها موجوعة... بس اللي حصل أذى بلال!
رد يزن فورًا:
— ويعني هي ما اتأذتش يا أرسلان؟
سكت أرسلان.
بينما تابع يزن:
— هي ما سمعتش الكلام اللي اتقال...
— بس بلال كان عارف!
— آه، كان عارف.
ثم تنهد أرسلان، وقال بمرارة:
— بس بعد كلام الحيوان ده... صعب على أي راجل يتحمله. أنتَ كنت هتعمل إيه مكانه؟
أجابه يزن بصوت خافت:
— ما هي بنتي يا أرسلان.
صمت الاثنان.
كان كل واحد منهما يرى ألمه فقط...
تنفس أرسلان بضيق:
— أنا مش عايز شغل العيال ده يا يزن. عندي مواضيع مكفّياني، مش ناقصني بلال ورولا.
ثم نظر إليه بجدية:
— دول عندهم ولد... بيهزروا؟!
صمت لحظة، ثم قال:
— والله لو ما اتلموش... لأطلّقهم أنا بنفسي!
ابتسم يزن بمرارة:
— أرسلان... أنا جاي لك تفكر معايا.
— أفكر في إيه يا يزن؟
أشار بيده بعجز:
— بنتك رافعة قضية على ابني، وبينهم طفل! وبعدين هو لو اتأثر بكلام معتز فغصب عنه... لكن حبه ليها ما قلش في قلبه.
ثم قال بحسم:
— الاتنين دول ما يعرفوش يعيشوا بعيد عن بعض.
وقبل أن يجيبه يزن، توقفت سيارة أمام المنزل.
في تلك الأثناء دلفت سيارة بلال إلى الكمبوند.
— بلال وصل.
نهض يزن فورًا.
— هروح أكلمه قبل ما الموضوع يوسع.
أمسكه أرسلان من ذراعه:
— لا. متروحلوش.
— ليه؟
— روح لرولا.
ثم نظر إليه بجدية:
— خليها ترجع عن الجنان ده، قبل ما بلال يعرف. لو عرف، هيولّع فيها... وترجع تقولي: ابنك!
ــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل بلال
دلف بلال إلى المنزل بخطوات ثقيلة.
كان الصمت يملأ المكان.
رفع صوته:
_ رولا؟
ولكن لا رد.
كرر النداء، قبل أن تخرج الخادمة من الداخل.
— مدام رولا مشيت يا دكتور... وسابت لحضرتك الورقة دي.
توقف بلال مكانه.
— مشيت فين؟
— عند باباها.
مدّت إليه الورقة.
أخذها منها بيد مرتجفة، وفتحها.
قرأ.
ثم أعاد القراءة... ومرة ثالثة... وكأنه ينتظر أن تتغير الكلمات أمام عينيه.
ظل واقفًا للحظات طويلة، عاجزًا عن استيعاب ما قرأه.
رولا رفعت قضية طلاق.
أغمض عينيه بقوة.
هو يعلم أنه أخطأ معها... يعلم أنه دفعها بعيدًا عنه دون أن يشعر، وأن غضبه أعمى قلبه عن ألمها.
لكن هل وصل الأمر إلى أن تختار الرحيل؟
هل وصل وجعه لها إلى أن تطلب الطلاق منه؟
جلس على أقرب مقعد، وأسند رأسه إلى يده، بينما ظلت الورقة بين أصابعه.
بعد دقائق، دلف يزن إلى المنزل.
وجد بلال جالسًا وحده.
وجهه شاحب، وعيناه ثابتتان في نقطة وهمية أمامه، بينما كانت أصابعه تقبض على ورقة الطلاق بقوة.
اقترب منه يزن.
— بلال...
رفع بلال رأسه ببطء... ولم يتحدث.
جلس يزن إلى جواره، ومد يده نحو الورقة.
— كنت عايز أتكلم معاك في موضوع.
نظر بلال إلى الورقة في يده، ثم قال بمرارة:
— شوفت بنتك عملت إيه؟
رد يزن بهدوء:
— بلال... أنتَ اللي وصلتها لكده.
رفع بلال عينيه إليه، وكانت النظرة وحدها كافية لتكشف مقدار الانهيار الذي يخفيه خلف غضبه.
فقال بصوت منخفض لكنه حاسم:
— قدامها نص ساعة بس.
صمت يزن.
— لو ما رجعتش البيت... هتصرف معاها تصرف ما يعجبش حد.
— طب ممكن تسمعني؟
هز بلال رأسه.
— لا.
— بلال...
قاطعه بحدة:
— أنا مش بسمع... وداني تعباني... دماغي مش مستحملة كلام.
نهض يزن ببطء.
لكن بلال سبقه قائلًا:
— روح خلي بنتك ترجع... هي والولد.
ثم أضاف، وهو يعيد النظر إلى ورقة الطلاق:
— بدل ما أزعلها.
ــــــــــــــــــــــــــ
عاد يزن إلى منزله، طرق الباب ودلف إليها. وجدها تجلس وتنظر لطفلها بصمت. أغلق الباب واتجه يجلس بجوارها، فالتفتت إليه ثم عادت تنظر لطفلها.
_من صغرك، وأنا سايبك تاخدي قراراتك بنفسك، عمري ما دخلت في حياتك، سواء العملية أو الخاصة. كنتِ بتغلطي كتير وعدّيت، اتعرفتي على ولد مش كويس وأنتِ في ثانوي، وعدّيت. أخطاءك كانت بتكتر وكنت بعدّي، وأقول لازم تتعلم، بس للأسف، كل مرة كنتِ بتغلطي أكتر من الأول.
اتجه برأسه إليها، واختنق صوته:
_بثبتيلي إني أب فاشل.
دمعة تدحرجت رغمًا عنه، وتابع حديثه:
_عارف إني غلطت، وغلطي أكبر بكتير. أنا حاولت أربيكي أنتِ وأخوكي زي ما أنا اتربيت وربيت إخواتي. آه، كنت بمشي من دماغي، بس وقت الغلط براجع نفسي. غلطت، أكيد، مفيش حد مننا معصوم. ممكن أكون ظلمت من غير قصد، لكن عمري ما ظلمت بقصد.
انسابت دموعها، ونزلت بذقنها على ركبتيها تستمع لوالدها بقهر. رفع ذقنها وأزال دموعها.
_بلاش تخسري كل حاجة يا بنتي، وقبل ما تفكري في نفسك، فكري في ابنك. مش كل اللي بتشوفيه بيكون صح.
ارتجفت شفتيها وحاولت الحديث، إلا أنه سحبها لأحضانه، يضمها ويمسّد على شعرها.
_هو بيحبك، لكنه موجوع. سيبيه شوية، بس اللي بتعمليه غلط.
ابتعدت عنه ونظرت إليه بدموعها.
_علشان يفضل يحبني لازم ننفصل يا بابا، الكسر اللي بينا عمره ما هيتلم.
احتوى وجهها ونظر إلى عينيها مباشرة.
_غلطانة يا بنت يزن، الكسر هيكبر طول ما أنتِ بتدوسي عليه، إنما لو بعدتي وحاولتي تلحميه هيتظبط.
_أهو حضرتك اللي قلت، لو هيتلحم يعني مستحيل يرجع زي الأول. مبقتش متحمّلة نظرات النفور يا بابا.
_نفور إيه يا بنتي؟ ليه بتسميها كده؟ مش يمكن موجوع وعايز يهدى؟
_وأنا يا بابا، أنا فين من ده كله؟
_في قلبه يا بنت يزن، ولو مش مصدقة، روحي شوفي حالته بعد ما وصله اللي أنتِ عملتيه.
توقفت عن إزالة دموعها.
_أنا خلاص قررت ومش هتراجع.
نهض وتوقف بمقابلتها.
_طب وابنك، مفكرتيش فيه؟
_ماله ابني؟ هيفضل معايا طبعًا، عايز يشوفه في أي وقت.
_رولا... اسمعيني.
استدارت، تولّيه ظهرها.
_أنا قلت اللي عندي، ولو سمحت مش عايزة أتكلم في الموضوع تاني.
_طيب لو قلت إني مش موافق؟
التفتت إليه.
_آسفة لحضرتك، لكن دي حياتي أنا، ومحدش من حقه يدخل فيها.
_حتى أنا يا رولا؟
_حضرتك لسه قايل، علمتنا نعتمد على نفسنا، وده قراري، وأتمنى محدش يدخل في حياتي، وعلشان بحترم اسم العيلة اللي حضرتك خايف عليه أكتر من سعادتي، يطلقني، وبلاها قضايا.
قطع حديثهما دخول أحدهم.
_سبني معاها شوية.
_أنا مش عايزة أتكلم مع حد، قولت.
سحب يزن إلى الخارج وأغلق الباب خلفه، فتراجعت للخلف تشير إليه.
_اطلع برة بقولك.
دفعها بقوة صارخًا في وجهها:
_أنا دلعتك بما فيه الكفاية، والله لأكرهك عيشتك، علشان أعرفك إزاي ترفعي عليّا قضية طلاق.
ــــــــــــــــــــــــــ
مضى أسبوع كامل هادئًا على الجميع، وكأن العاصفة التي اجتاحت حياتهم قررت أن تمنحهم هدنة قصيرة.
وبعد أن اصطحب بلال رولا إلى منزله رغمًا عنها، وأعلن بوضوح ألا يتدخل أحد بينهما، انشغل كل فرد بحياته من جديد.
ــــــــــــــــــــــــــ
في الجامعة...
جلست فرح بين زميلاتها، بينما كان عمران يقف أمام الطلاب يشرح محاضرته بانتباه وتركيز.
مالت إحدى الطالبات نحو صديقتها وهمست بحماس:
— أنا قرأت روايات كتيرة عن الدكتور والطالبة اللي بيحبوا بعض... ياااه، نفسي أكون بطلة الرواية دي!
رفعت فرح حاجبها باستغراب وهي تنظر لصديقتها.
— مالها دي؟
ضحكت زميلتهما وقالت:
— الأستاذة يا ستي... من يوم ما الدكتور شالك قدامنا كلنا وهي ماشية تحب فيه.
قطبت فرح جبينها والتفتت إليها.
— يعني إيه؟
— يوووه، دي كل شوية توقف شرحه وتدلع، وحاجات كده غريبة... وبعد المحاضرة تجري على مكتبه، وتقعد توصف في جماله.
لم تشعر فرح بالراحة تجاه الكلام، خصوصًا حين وقعت عيناها على عمران في الجهة الأخرى من القاعة.
كان واقفًا أمام السبورة، يشرح بهدوء، غير مدرك أن هناك من يراقبه بعينين اشتعلتا بالغيرة.
سألتها فرح بحدة حاولت إخفاءها:
— يعني إيه توصف فيه؟
قهقهت زميلتها:
— مالك يا فرح؟ إيه، مفهمتيش؟ الصراحة عندها حق... الدكتور عمران يستاهل.
لم ترد فرح.
لكن عينيها ظلتا معلقتين بالطالبة التي نهضت من مكانها واتجهت نحو عمران.
راقبتها وهي تقترب منه، ثم وقفت إلى جواره تتحدث معه بابتسامة واسعة.
شعرت فرح بشيء ساخن يصعد إلى صدرها.
حاولت أن تقنع نفسها أنها لا تهتم.
لكنها كانت تهتم... وبشدة.
وبعد دقائق، لم تعد تسمع شيئًا مما يدور حولها.
نهضت فجأة، واتجهت نحوهما بخطوات سريعة.
وما إن اقتربت حتى وصل إلى مسامعها صوت الفتاة وهي تقول بدلال واضح:
— والله يا دكتور بتشرحها بطريقة... ولا العبقري! فيه حاجة كمان ممكن أسأل؟
رفع عمران عينيه إليها، ثم وقعت عيناه على فرح التي توقفت بجوارهما.
لم يتغير وجهه، لكن نظرة عينيه تغيرت للحظة... وكأنه فهم سبب وجودها المفاجئ.
— فيه حاجة؟
ردت فرح بسرعة:
— آه... فيه جزء في الكشكول مش فاهمه.
نظرت الطالبة إليها بضيق، بينما أخفى عمران ابتسامة صغيرة كادت تظهر على شفتيه.
ثم قال للفتاة بنبرة هادئة، وكأنه يتعمد إنهاء الحديث:
— آسف، المحاضرة الجاية نكمل.
ابتعدت الفتاة وهي ترمق فرح بنظرة مستفزة، بينما بقيت فرح واقفة أمام عمران بملامح متماسكة، رغم أن غيرتها كانت تفضحها.
وبعد انتهاء الحديث مع باقي الطلاب، اتجهت خلفه إلى مكتبه.
دلفت خلفه، فأشار لها بالجلوس.
— هاتي الجزء اللي بتقولي عليه.
جلست أمامه، وفتحت الكشكول دون أن تنظر إليه.
ظل ينتظر... ثوانٍ... ثم دقيقة... وأخيرًا رفع حاجبه.
— فرح؟
أغلقت الكشكول فجأة ونظرت إليه.
— نعم؟
_إزاي مش فاهمة الجزء ده؟ بسيط، وأنتِ جاوبتي قبل كده على معظمه.
لم تهتم لحديثه، كانت عيناها متعلقة بكل شيء يخصه، حتى وقعت على قميصه الذي يفتح منه أول زراير، فقالت دون وعي:
— مبحبش الراجل اللي يفتح أول زراير قميصه.
تجمّد عمران للحظة، ثم نظر إلى قميصه قبل أن يرفع عينيه إليها.
— نعم؟!
أشارت إلى صدره بضيق:
— شايفة الجو مش حر... ولا أنتَ بتحب تلمّ البنات حواليك؟
ظل عمران ينظر إليها لثوانٍ، وكأنه يحاول استيعاب ما يسمعه.
توردت وجنتاها بحمرة الخجل، وارتبكت في الحديث بعدما ذهلت من تسرعها.
فابتسم عمران ابتسامة جانبية، وقد بدأ يفهم شيئًا كانت تحاول بكل قوتها إخفاءه.
— أنتِ غيرانة؟
اتسعت عيناها.
— أنا؟! غيرانة من مين يعني؟ وعلى مين؟
— مش عارف... قوليلي أنتِ.
نهضت غاضبة، وأمسكت كشكولها.
— أنا جاية أسأل عن المحاضرة، مش جاية أتكلم في حاجات تانية.
استدارت لتغادر، لكنه قال خلفها بصوت هادئ:
— فرح.
توقفت دون أن تلتفت.
— نعم؟
ابتسم عمران ابتسامة هادئة هذه المرة:
— أول زرار هيتقفل.
التفتت إليه بسرعة، فوجدته يحدق بها بنظرة دافئة أربكتها أكثر مما أغضبتها.
— براحتك، يارب تخلعه حتى، أنا بس متعودتش أشوف دكتور كده.
نصّب عوده ونهض، يقترب منها بخطوات بطيئة.
ابتلعت ارتباكها وقالت:
— أنا مش عايزة البنات تفهم حاجة مش كويسة عن حضرتك، وعشان المحاضرة... تفضل محترمة.
رفع حاجبه وهو يقترب:
— المحاضرة تفضل محترمة؟ وهي المحاضرة مش محترمة؟
لم تجبه.
اقترب أكثر حتى أصبح بينهما خطوة واحدة.
رفعت عينيها تنظر إليه.
_آسفة... مكنش قصدي أضايق حضرتك.
ظل يحدق فيها بصمت. ابتلعت ريقها بصعوبة من نظراته.
استدارت ببطء وهي تقول:
_أنا لازم أمشي...
قالتها، وما إن استدارت لتغادر، حتى سبقها عمران ووضع كفيه على الباب، أحدهما إلى جوارها والآخر في الجهة المقابلة، فأوقفها دون أن يلمسها... لتصبح بين ذراعيه.
توقفت في مكانها فجأة.
وارتفعت دقات قلبها بعنف، واضطربت أنفاسها لمجرد اقترابه. ورائحته الهادئة تحيط بها، فحاولت أن تتمالك نفسها، وعيناها تهربان من عينيه.
فقالت بصوت متوتر:
— فيه إيه يا دكتور؟ افتح الباب.
لم يتحرك.
ظل ينظر إليها للحظات، وكأن صمتها أصبح أبلغ من أي إجابة... وخجلها أحب ما يرى.
انحنى قليلًا، وهمس بالقرب من أذنها بكلمات قصيرة، كانت كافية لتجعلها ترفع رأسها إليه سريعًا.
تلاقت عيناهما... كان قريبًا جدًا...
قريبًا حتى شعرت بأنفاسه الهادئة تختلط بأنفاسها، فتراجعت بعينيها مرتبكة، بينما ظل هو يراقب رد فعلها بابتسامة خافتة.
