رواية شلال الدم الفصل التاسع
لم تكن استعادة الشريحة المصفحة وتبرئة "ناجي" سوى ضربة أولى في قلب جحر الأفاعي، فالمافيا لا تنسى ثأرها، وحين تتهاوى أوراقها الثمينة، تتحول من شبكة تخطيط إلى وحش كاسر يضرب بعشوائية وغل.
في أطراف النجع، وقبل أن تجف دماء الخيانة في البيت المهجور، تلقت خليه المافيا المختبئة في المغارات الجبلية المتاخمة للنجع إشارة سريعة عبر أجهزة اللاسلكي المصفحة: «سقط الفريق الأول.. الشريحة أصبحت في يد البوليس وولد الدهشان.. تصفية الهدف والموقع فوراً!»
في تلك اللحظات، كانت قوات البوليس برئاسة رئيس المباحث، وبحراسة مشددة من رجال عيله الدهشان وعيله سويلم، تؤمن نقل الشريحة المصفحة والقبض على الخائن "حافظ" لنقله إلى مركز الشرطة الرئيسي. تقف السيارات المصفحة وسيارات الدفع الرباعي في موكب متراص، يتقدمه ناجي بسيارته وإلى جواره رحمة التي رفضت ترك زوجها في هذه اللحظات الفاصلة.
وفجأة.. شق عتمة الطريق الترابي الممتد بين زراعات القصب والجبل أزيز رصاص متواصل!
تطاير زجاج السيارة الخلفية لموكب الشرطة، وانفجر إطار سيارة الحراسة الأولى إثر زرع حزام من الشوك الحديدي على الطريق! انحرفت السيارات، ودوت في الفضاء صيحات التحذير:
"كمين! انزلوا يا رجالة.. انبطحوا!"
من بين مرتفعات الجبل وأعواد القصب المتاخمة، برزت ثلاثة سيارات سوداء ذات زجاج معتم، يترجل منها نحو عشرة مسلحين يرتدون أزياء تكتيكية سوداء ويحملون أسلحة أوتوماتيكية ثقيلة. أطلقوا وابلاً من النيران الكثيفة بغرض إحداث حالة من الفوضى، وتشتيت قوات البوليس لتهريب "حافظ" وقبل ذلك استعادة الشريحة أو تدميرها بمن فيها!
ردت قوات البوليس فوراً بإطلاق النار، وصاح رئيس المباحث في مكبر الصوت:
"قوات الدعم تثبت مكانها! انتشروا خلف السواتر.. متخلوش حد يهرب للجبل!"
في وسط هذه المعركة النارية الطاحنة، كان صوت الرصاص يدوي كأنه رعد يستمر بلا انقطاع. احتما ناجي ورحمة خلف هيكل السيارة المصفحة. سحب ناجي بندقيته الآلية وألقى بنظره نحو رحمة، فرأى وجهها شاحباً من هول المفاجأة لكن عينيها تثبتان بثبات الجبال.
نطق ناجي بنبرة حادة وصرامة رجولية:
"اخفضي رأسك يا رحمة! خليكي بوشك جوة العربية وما تتحركيش.. دي معركة نار، والكلاب دول جايبين آخرهم!"
قبضت رحمة على يد ناجي بصلابة وقالت بصوت هادئ رغم جحيم الرصاص حولهما:
"خلي بالك من نفسك يا ناجي.. ما تسيبش غريمك يهرب، وبنت سويلم في ظهرك تدعيلك!"
قفز ناجي كالنمر من خلف السيارة، وانضم إلى رئيس المباحث ورجال الصعيد الذين انتشروا بين الزراعات. أخذ ناجي يوجه طلقات محسوبة بدقة، مستغلاً معرفته الشديدة بطبيعة الأرض والتضاريس، بينما كانت قوات البوليس تطلق القنابل المسيلة للدموع لقطع طريق الهروب على عناصر العصابة.
حاول اثنان من عناصر المافيا التسلل نحو سيارة الترحيلات التي يُقاد فيها حافظ، لإجباره على الركوب معهم أو تصفيته لمنع اعترافه، لكن ناجي لم يمهلهما؛ أطلق عيارين ناريين متتاليين أطاحا بأحدهما أرضاً، بينما أصاب الثاني في كتفه ليرتمى بين أعواد القصب صارعاً.
مع اشتداد النار وتطويق قوات البوليس للمكان، شعر قائد المافيا بالهزيمة المحققة، فصاح برفاقه بلغة أجنبية بالانسحاب نحو الدروب الجبلية!
فر الباقون سراعاً نحو سياراتهم للهروب اتجاه دروب الجبل الواعرة، لكن الملازم أول وفرقة الصاعقة التابعة للشرطة كانوا قد أقاموا كميناً متحركاً أعلى الهضبة. انطلقت سيارات المباحث خلفهم في مطاردة هوليوودية شرسة وسط الغبار والرصاص المتبادل، حتى حوصرت سيارات المافيا عند حافة المحجر المهجور، وتم شل حركة جميع عناصرها وإلقاء القبض عليهم كلياً!
عاد الهدوء تدريجياً ليلف النجع، وارتفع دخان البارود متصاعداً نحو السماء. وقف ناجي يلهث، وثيابه مغبرة بالتراب والبارود، لكنه كان مرفوع الرأس.
جاء رئيس المباحث وشد على يد ناجي بتقدير كبير:
"سلمت يمينك يا ناجي بيه.. بفضلك وبفضل شجاعة بنت سويلم، القصة دي ما انتهتش ببحر دم في الصعيد، والعصابة كلها بقت في قبضة العدالة."
اقترب ناجي من رحمة التي خرجت من مخبئها ببطء، وتلاقت نظراتهما وسط أضواء سيارات الشرطة التي تضيء المكان. مسح ناجي جبهته وتطلع إليها بابتسامة حانية وارتياح عميق:
"النهارده انكتبلنا عمر جديد يا بنت الأصول.. والشر اللي حفروا لنا فيه، وقعوا فيه كلهم."
مسحت رحمة الغبار عن كتفه بطرف شالها، وقالت بصوت مليء بالعزة والعشق:
"الشر يزول يا ولد الدهشان.. والحر ما يهربشي في الشدائد. انطوت صفحة الغدر، ورفعنا رأسنا قبال الصعيد كله."
اقتيد جميع عناصر المافيا والخائن "حافظ" تحت حراسة مشددة نحو النيابة الكلية، لتسدل الستار على ليلة من أشرس ليالي النجع، وتبدأ مرحلة جديدة من الأمان والبناء في أرض الساقية.
لم يكن استسلام المافيا وانجلاء غبار المعركة على طريق الجبل سوى الستار الظاهري للقصة؛ ففي أروقة البوليس وعتمة الصعيد، كانت هناك خيوط متفرقة تشير إلى أن "كارولينا" وعناصر المافيا لم يكونوا ليدخلوا النجع ويتحركوا بتلك الجرأة والاحترافية دون وجود "كبير" يملك الخرائط، وينسق التحركات، ويدير المؤامرة من خلف السواتر.
في مكتب رئيس المباحث، وبحضور وكيل النيابة الكلية، كان "حافظ" يجلس على الكرسي مكبلاً بالحديد، يرتعد من هول ما شهد، ووجهه يتصبب عرقاً أصفر. إلى جواره، تقف رحمة بشرافتها وكبريائها بجانب زوجها ناجي الدهشان، بينما يجلس الحاج سويلم والحاج عمران بعيون تشتعل غضباً ورزانة.
ضرب رئيس المباحث بيده على الطاولة بصرامة هزت الجدران، ونظر إلى حافظ قائلًا:
"انطق يا حافظ! المافيا دخلت النجع بعتاد وسلاح تكتيكي، وعرفوا مواعيد تحركات شحنات الماي والديناميت بالساعة! الخواجاية كانت كارت في اللعبة.. مين العقل المدبر اللي أداهم الشفرات ورسم خريطة الساقية والدوار؟!"
انهار حافظ وسقط على ركبتيه يبكي بكسرة وذل:
"والله ما أني يا بيه! أني كنت عبيط وطمعان في لا راضى والزعامة.. الخواجاية كانت بتاخد الأوامر بالتليفون المصفح من حد كبير أوي في المركز.. حد يملك نفوذ ويمشي بيننا في المجلس وكأنه ملاك!"
ساد الصمت وتوترت الأجناس. تقدم ناجي خطوة نحو حافظ وجذبه من ياقة جلبابه بصوت كالرعد:
"انطق اسمه يا عويل قبل ما أقطع خبرك بيدي! مين اللي باع الصعيد وأرض العيلتين للغرباء؟!"
صرخ حافظ وهو يتنفس بصعوبة:
"الشيخ توفيق!.. توفيق القناوي.. كبير المجمعات والمحاجر!"
هبط الاسم كالصاعقة على الحاضرين! اتسعت عينا الحاج سويلم بذهول، ووقف الحاج عمران ممسكاً بقلبه من الصدمة. "الشيخ توفيق القناوي"؛ الرجل الخمسيني صاحب الهيبه الدينية والوجاهة الاجتماعية، الذي كان يدخل مجالس الصلح بين العائلات، ويجلس على يمين الكبار في كل حادثة، يظهر في العلن كحمامة سلام، بينما ينسج في الخفاء أبشع صور الخيانة!
أسرع رئيس المباحث بفك شفرة الهاتف المصفح الخاص بكارولينا بفضل التجهيزات التقنية الحديثة، لتظهر الرسائل الصوتية والتسجيلات الموثقة!
كان صوت "توفيق القناوي" واضحاً وجلياً وهو يوجّه كارولينا والمافيا:
(فجروا محطة الساقية واقتلو ناجي وإذا حاول حافظ يتراجع أزحوه من السكة.. أراضي آل سويلم وآل الدهشان لازم تتباع بملليم للشركة الأوروبية عشان ناخد حصتنا ملاين بالدولار!)
لم تنتظر القوة الأمنية لحظة واحدة؛ انطلقت ثلاث سيارات شرطة مدعومة بقوات الصاعقة ورجال آل الدهشان وآل سويلم نحو السرايا الخاصة بـ "توفيق القناوي" على أطراف المركز.
وصلت القوات لتجد سرايا القناوي مدججة بالحرس الخاص. حاول توفيق الهروب من المخرج الخلفي المطل على المزارع وهو يحمل حقائب تحتوي على ملايين الجنيهات والعملات الأجنبية، لكن ناجي كان قد حاصر المخرج بنفسه برفقة رجاله!
وقف توفيق القناوي محاصراً، وتلاقت عيناه بعيني ناجي المشتعلتين بنار الجبل. سحب توفيق مسدسه الشخصي بحركة يائسة، لكن رحمة التي كانت تتابع من داخل سيارة الحراسة صاحت بتحذير: "حاسب يا ناجي!"
في أسرع من البرق، ركض ناجي وطرح توفيق أرضاً بضربة حاسمة، ليتساقط السلاح والحقائب على التراب، وتنقض عليه قوات المباحث وتقيد يديه بالحديد أمام رجاله وأهل النجع الذين تجمعوا بذهول!
وقف الحاج سويلم يتطلع إلى توفيق القناوي المقيد على الأرض وقالت نبرته المكسورة بالحرقة:
"كنت بياع كلام يا توفيق.. بتاكل في صحافنا وتدبر قتل أولادنا وتبيع أرض الصعيد للأغراب؟! الثعبان الناعم أشد خطورة من الأفعى الجريحة!"
صرخ توفيق بهستيريا وغل:
"الصعيد لازم كان يتغير! الفلوس والشركات هي اللي تحكم، مش عائلات الدهشان وسويلم اللي قفلوا الجبل في وشنا!"
رد عليه ناجي بصوت يقطر كبرياء ورجولة:
"الصعيد أصول ونخوة يا قناوي، واللي يبيع طينه وناسه عشان الفلوس، ينداس بالصرم تحت جبل الساقية!"
اقتيد رأس المؤامرة "توفيق القناوي" مع الخائن حافظ وعصابة المافيا في موكب حراسة مشددة إلى جهات التحقيق العليا، لتنكشف كل خيوط المؤامرة الشيطانية، وتسقط الأقنعة عن كل من حاول إحراق نجع الصعيد.
