رواية جبروت جبل الفصل التاسع 9 بقلم نون


 رواية جبروت جبل الفصل التاسع 

جبل كان واقف على الباب مسدسه مرفوع بس إيده.. إيده اللي عمرها ما ارتعشت وهي بتطلق النار دلوقتي بترتجف.  الرعشة دي كانت من منظر نقطة الدم اللي سالت من رقبة ورد

دياب كان لاصق ضهره في الحيطة، وورد قدامه  والمطواة على شريانها. نفسه كان سريع ومتقطع من جرح كتفه اللي لسه بينزف، بس عينيه كانت صاحية ومتنبهة زي ذيب محاصر.

قال دياب 
شايف يا جبل؟ شايف إزاي الدنيا بتلف؟ من خمس سنين وقفتني قدام الرجالة وطردتني زي الكلب وشلت مني أرضي وكرامتي.. والنهاردة أنا اللي ماسك روحك في إيدي.. مش روحك أنت لأ.. حاجة أغلى من روحك.. الحتة اللي لو اتقطعت من جسمك تموت واقف.

جبل مردش. فكه كان مقفول على بعضه بقوة لدرجة إن عضلات وشه كانت بارزة. عينيه مثبتة على عيون ورد. كان بيدور فيها على إشارة.. على أي حاجة.. على اللمعة اللي بيعرفها في عينيها لما بتفكر.

ورد كانت حاسة بكل حاجة. حاسة بسن المطواة البارد على رقبتها، وحاسة بأنفاس دياب الساخنة  وحاسة بنبض شريانها بيخبط في السكينة مع كل دقة قلب
بس كانت حاسة كمان بحاجة تانية.. حاسة بعيون جبل عليها.. وشايفة فيهم رعب.

جبل بيخاف عليها. جبل اللي بيخوّف الصعيد كله.. بيخاف عليها هي.

في اللحظة دي، ورد عرفت إنها لو سابت جبل ينزل سلاحه ويستسلم لدياب عشان ينقذها، مش بس هيموت.. ده هيموت مكسور.

ورد بلعت ريقها وحست بالمطواة بتتحرك مع حلقها. كل خلية في جسمها كانت بتصرخ من الخوف بس عقلها كان شغال بسرعة البرق. افتكرت كلمة جبل لما قالها"أنتي شوكة في حلق اللي يعاديكي
 طيب يا جبل.. الشوكة دي هتغرز دلوقتي.

ورد نظرت في عيون جبل نظرة طويلة، نظرة وداع مخلوطة بإصرار، وهمست بشفايف بالكاد بتتحرك
- متنزلش إيدك يا جبل.

ثلاث كلمات بس.. بس كانوا كفاية يفهم جبل إنها بتقوله "أنا هتصرف.. كُن جاهز.

قبل ما دياب يفهم اللي بيحصل ورد عملت حاجة محدش كان يتوقعها. 

بدل ما تسحب راسها لورا بعيد عن المطواة زي ما أي حد طبيعي هيعمل، دفعت راسها للأمام ناحية السكينة! المطواة جرحت رقبتها جرح سطحي طويل بدأ ينزف فوراً، بس الحركة المفاجئة خلت دياب يتلخبط ويرجّع إيده للحظة واحدة غريزياً.. لحظة واحدة بس.

اللحظة دي كانت كل اللي جبل محتاجه.

في جزء من الثانية، أسرع من طرفة عين، جبل كان ضغط على الزناد.

جبل بدقة صياد الصعيد اللي اتعلمها من جده وأبوه، ضرب في إيد دياب اللي ماسكة المطواة. الرصاصة دخلت في رسغه وطلعت من الناحية التانية، والمطواة طارت في الهوا

دياب عوى عواء ذيب مجروح وإيده اتدلت جنبه 

ورد رمت نفسها على الأرض في اللحظة اللي سمعت فيها صوت الرصاصة، وجبل كان عداها في خطوتين. مسك دياب من رقبته بإيد واحدة ورفعه في الهوا على الحيطة

صوت ارتطام جسم دياب بالحيطة رج الأوضة. ورزعه على الارض

جبل كان فوقه في ثانية، ركبته على صدر دياب، وإيده اليمين قابضة على رقبته بقوة خلت وش دياب يبقى أزرق، واليد التانية مرفوعة بالمسدس فوق راسه.

زأر جبل بغضب
خمس سنين سبتك عايش عشان دم عمي اللي في عروقك...خمس سنين وأنا عارف مكانك وقادر أمحيك من على وش الأرض وساكت والنهاردة بتيجي في عقر داري وتلمس اللي أنا..

سكت جبل فجأة. لسانه اتلجم عن الكلمة اللي كانت هتطلع. بلع ريقه وكمّل بصوت أخطر

اللي أنا حاسبها أمانة في رقبتي؟

ضغط جبل على رقبة دياب أكتر. عيون دياب بدأت تطفي، بس فجأة حس جبل بإيد ناعمة بتمسك دراعه اللي قابضة على رقبة دياب. إيد بتسحبه بالراحة.

ورد كانت ورا جبل على الارض ودمها بينزل من رقبتها على كتفه. صوتها كان واطي ومبحوح من الجرح

كفاية يا جبل.. كفاية.. لو قتلته هتبقى قاتل ومطلوب وأنا هضيع. سيبه للقانون يا جبل.. سيبه يعيش عشان يشوف عزك ...وهو هيكون مكسور أحسن ما يموت ويستريح. موته راحة ليه.. بس عيشته مذلول دي هي العقوبة الحقيقية.

إيد جبل فضلت قابضة على رقبة دياب ثواني تقيلة. صدره كان بيطلع وينزل بعنف. الصراع اللي جواه كان أعنف من أي معركة  في حياته. عقله بيقوله اقتله.. قلبه بيقوله اسمع كلامها.

فك جبل قبضته ببطء. 

دياب اتنفس بصعوبة وكح  جبل قام وقف، وبص تحت رجله على دياب وقال 

انت عايش عشان هي طلبت.. بس لو عينك شافت طريق النجع تاني ولو حتى في المنام.. هبعتلك الموت لحد عندك في سريرك.

لفّ جبل وشاف ورد واقفة، بتترنح من كتر الدم اللي نازل من رقبتها ومن الضربة اللي أخدتها من دياب. وشها كان شاحب زي القمر اللي غاب عن السما الليلة دي. في عينيها ابتسامة خفية وكأنها بتقوله "شوفت؟ مكسرتش."

جبل مش بقى بيفكر. مد ذراعيه الاتنين ولمّها عليه. ضمها لصدره ضمة كسرت كل القواعد اللي حطها لنفسه. كفه الخشنة سندت راسها على كتفه، وباطن إيده الكبيرة غطت الجرح اللي في رقبتها عشان يوقف الدم.

همس في ودنها بصوت مكسور مسمعوش حد قبل كده
سامحيني.. سامحيني يا ورد.. كل جرح فيكي بسببي أنا..

ورد مردتش. بس إيدها الصغيرة اللي بتترعش طلعت من تحت ذراعه، وقبضت على جلبابه فوق قلبه.. قبضة ضعيفة بس فيها كل الكلام اللي مقدرتش تقوله.

جبل حملها على دراعيه وطلع بيها من الأوضة 

على السلم قابله هريدي والغفر بسلاحهم وعينيهم فيها رعب
رجالة دياب اتمسكوا يا كبير التلاتة اللي دخلوا من السور الخلفي اتكتفوا والباقيين هربو

جبل مبصلهومش. كان عينه على ورد اللي غمضت عينيها في حضنه. 
قال بصوت واحد خلص حساباته مع الدنيا

هاتوا الدكتور من البندر حالاً وأي حد يقرب من الجناح الشرقي من غير إذني هضربه في بالنار ودياب كتفوه وخلوه بينزف لحد ما الصبح أشوفه.

الفجر طلع على سرايا الهوارية 

جبل كان قاعد على الأرض جنب سرير ورد ضهره مسنود على حافة السرير ورقبته مايلة لورا. مكنش نايم.. كان بيسمع نفسها. كل ما نفسها يطلع ويدخل بانتظام، صدره يرتاح ثانية وبعدين يتقبض تاني 

الدكتور كان جه في نص الليل وخيط الجرح اللي في رقبتها خمس غرز وقال إن السكينة كانت على بعد ملي واحد من الشريان ملي واحد يا جبل بيه.. ربنا ستر عليها."

لما الدكتور قال الكلمة دي، جبل طلع من الأوضة ووقف في البلكونة لوحده ولأول مرة في حياته.. عيون كبير الهوارية دمعت. 

 دمعة نزلت من عينه اليمين وجرت على خده ووقعت على السلسلة الدهب اللي لقاها واقعة من رقبة ورد على السرير ومسكها في إيده من ساعتها.

ورد فتحت عينيها الساعة ستة الصبح.

أول حاجة شافتها كانت إيد جبل الضخمة نايمة جنب إيدها على السرير، وصوابعه قابضة على سلسلتها الدهب. بصت لوشه اللي كان مايل على حافة السرير والإرهاق راسم عليه سنين زيادة. 

مدت إيدها بتعب، ومسحت خد جبل بضهر صوابعها بالراحة. 

جبل فاق فوراً من أول لمسة
لم شاف عينيها مفتوحة ملامحه  ارتخت و ارتياح عميق ظهر في عينيه كأن حد شال صخرة كانت فوق صدره.

ورد همست بصوت مجروح
 الدم غرق جلبابك يا ولد عمي ولا إيه؟

جبل ضحك. لأول مرة ورد تسمع ضحكة جبل الحقيقية. 
 ضحكة واحد اتطمن بعد ما كان فاكر إنه خسر كل حاجة
مسك إيدها وقال
الدم اللي على جلبابي ده دم غالي يا ورد.. وعشانه أنا قررت حاجة.

ورد بصتله باستفهام.

جبل كمّل بصوت حاسم فيه رجفة مخبية

 بكرة الجمعة.. هنادي على الشيخ والكبارات.. وأنتي هتبقي مرات جبل الهواري.. قدام الله والناس والنجع كله.. محدش يقدر يلمسك تاني ويقول دي بنت العم اللي ملهاش ضهر.. لأ.. أنتِ هتبقي ضهر الجبل نفسه.

ورد دموعها نزلت .... دموع واحدة اتيتمت من صغرها، واتظلمت وانضربت واتسجنت واتهددت بالموت، وفي الآخر لقت الجبل اللي كان بيرعبها هو نفسه اللي بيحميها ويطلبها لنفسه.

همست ورد
من يومي وأنا بخدم في السرايا دي وعمري ما حسيت إنها بيتي.. بس دلوقتي..

مكملتش الجملة. جبل فهم. ضغط على إيدها وقال
دلوقتي بيتك. وأنا ملكك

بره السرايا في الحوش  

كان "دياب" متكتف ومرمي على الأرض زي الكلب المجروح. إيده المضروبة بالرصاص ملفوفة بقماش متبهدل والدم ناشف عليه. عينه مليانة حقد بيغلي. 

لما سمع صوت جبل من الشباك بيقول "مرات جبل الهواري".. كز على سنانه لحد ما كادوا يتكسروا.

في نفس الوقت، في الدوار القديم على أطراف الأرض، زهرة كانت واقفة ورا باب خشب مهترئ بتسمع الخبر من واحدة من الشغالات اللي سربته. 

وشها .. بقى فيه هدوء الحية قبل ما تنقض.

مسكت طرف عبايتها السودا وقالت لأمها هنادي بصوت واطي ومن غير ما تبصلها

يا أما.. لو جبل فاكر إنه كسب.. يبقى مشافش حاجة لسه.. الحرب اللي فاتت دي كانت لعب عيال.. الحرب الحقيقية هتبدأ لما العروسة تلبس الأبيض.

هنادي بصت لبنتها بخوف حقيقي وقالت
 بتقولي إيه يا بت.. جبل لو سمع..
جبل مش هيسمع حاجة يا أما.. (قاطعتها زهرة بابتسامة) الموت الحقيقي بيجى زي السم في العسل.

هنشوف زهرة ناوية على إيه في ليلة فرح جبل وورد؟

والفرحة اللي جبل مستنيها هتكمل ولا الليلة دي هتكون أسود ليلة في تاريخ نجع الهوارية؟


تعليقات