رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل العاشر 10 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل العاشر 

عندما التقيا للمرة الثانية، تجمدت ساقا رضوان، وظل واقفًا أمام سيارتها، بينما كانت هي ما تزال بداخلها.
صُدمت زاد عندما رأته، فلم تستطع أن تنسى ما حدث لها في لقائهما الأول، وتذكرت كلماته الجارحة وتقليله من قدرها وشأنها. لم تتوقع أن يأتي شخص ويزعزع ثقتها بنفسها بتلك السرعة. غمرها شعور بالكره والحقد تجاهه، وتملكها الفضول لتعرف ما الذي أتى به إلى هنا.
هبطت من سيارتها، واتجهت نحوه حتى وقفت أمامه مباشرة.
أما رضوان، فقد ذُهل لوجودها في فيلا حسين المالكي، فلم يكن يتوقع أن يلتقي بها مجددًا. تملكه شعور بالدهشة والتخبط، لكنه تذكر أنها من هذه العائلة، وظن أنها ابنة نجيب، وعاد إلى ذهنه كل ما حدث بينهما من كلمات جارحة.
نظرت إليه وسألته بنبرة حادة:
ـ أنت!

انتبه لها، ولم يتعجب من طريقتها الفظة، ورفع حاجبه وأجابها بغرور:
ـ أفندم!

زاد:
ـ جاي هنا ليه؟

رضوان:
ـ وانتِ مالك!

زفرت بضيق شديد منه وقالت:
ـ نعم! إيه أنا مالي دي!

رد عليها بنفس التكبر:
ـ أيوه أنتِ مالك، كنتِ الواصية عليا وأنا معرفش؟ ولا يمكن يكون ده بيتك!

ابتسمت بمكر وقالت بكبرياء:
ـ أيوه برافو عليك، ده بيتي.

لم يصدقها، وابتسم ليستفزها، وقال بأسلوب مبطن:
ـ المفروض كنت أخمن من وقت ما شوفتك، لأنك داخله من البوابة زي الناس الطبيعية، مش ناطّة من فوقها زي الحرامية.

نهرته بقوة:
ـ أنت إنسان قليل الذوق.

رضوان:
ـ من بعض ما عندكم، الظاهر الحج نسي يربي بنته ولا إيه؟

صرخت في وجهه غاضبة من أسلوبه:
ـ بتقول إيه يا متخلف أنت، أنت اتعديت حدودك معايا جدًا.

ضحك رضوان بصمت، وقال ساخرًا:
ـ أيوه أيوه نسيت، مش عارف إزاي راحت عليا، أنتِ مين وبنت مين.

زاد:
ـ أنت لازم تحترم نفسك وتعرف أنت بتتكلم مع مين.

رضوان:
ـ أحب أطمنك إني عارف سيادتك والنغمة اللي خنقتني بيها دي، فهريحك وأقولك، إنك بنت نجيب المالكي اللي ساب بنته تطول لسانها على الناس ونسي يربيها.

ثم نظر إليها بتفحص، وضم شفتيه قليلًا قبل أن يقول:
ـ تصدقي أنتِ لو أختي كنت رنيتك علقة ظبطت زوايا مخك اللي فوت ده.

شهقت زاد بصدمة لجرأته معها:
ـ أنت تضربني أنا!

رد مستفزًا إياها:
ـ واكسر عضمك كمان.

صكّت على أسنانها بغضب لحدته في الحديث، واستمرت المشاجرة بينهما حتى جاء حسين، واقترب منهما وقال متعجبًا:
ـ الله! أنتوا تعرفوا بعض يا ولاد!

ردت زاد بنفور:
ـ أنا أعرف الأشكال دي! مستحيل طبعًا.

ابتسم رضوان ورد عليها بموافقة:
ـ عندك حق والله، لأن كرامتي ترفض حتى التعرف على أشكالك.

اتسعت عينا حسين وهو ينظر إليها، حتى كادت أن تنفجر من الغضب، ثم نظر رضوان إلى حسين واسترسل حديثه قائلًا:
ـ الله يكرمك يا حسين بيه، تبقى خلي بنتك تعلمها شوية من الأدب والأصول، لأنهم معدومين عندها.

استشاطت زاد، ولم تستطع أن تسيطر على نفسها أكثر من ذلك. كانت تقف أمام أبيها وقد بلغ بها الغضب مداه، بينما رضوان يقف أمامها غير مبالٍ بما تراه هي استفزازًا، فالتفتت إلى حسين وصاحت:

ـ بابا أنت ساكت للبني آدم ده ليه! عاجبك أسلوبه الوقح معايا ده!

توقفت الكلمات في أذن رضوان عند كلمة واحدة فقط.

بابا؟

استدار برأسه ببطء نحو حسين، ثم عاد ينظر إلى زاد، وكأن عقله يحاول أن يلحق بما حدث للتو.

ـ بابا؟

خرجت منه الكلمة بدهشة حقيقية، فتعلقت عيناه بحسين منتظرًا تفسيرًا لهذا اللغز الذي لم يكن في حسبانه.

أما حسين، فكان يحاول جاهدًا أن يحافظ على جديته، إلا أن ملامحه خانته، فقد بدا المشهد كله مضحكًا بالنسبة إليه.

جاهد في كبح ضحكاته، ثم قال:

ـ أيوه يا رضوان، بابا. وأحب أقدملك زاد بنتي، بس واضح كده إن في شحنة مكبوتة بينكم.

تجمد رضوان في مكانه.

نظر إلى حسين، ثم إلى المكان الذي كانت تقف فيه زاد، قبل أن يدرك أنها لم تعد أمامه.

لقد اختفت.

في لحظة واحدة، عادت إلى رأسه كل التفاصيل.

الفتاة التي اصطدم بها منذ قليل، والتي تبادل معها الكلمات الحادة، والتي لم يتردد في الرد عليها بطريقته المعتادة... كانت ابنة الرجل الذي يقف أمامه الآن.

شعر بحرارة تصعد إلى وجهه.

لم يكن يعلم.

ولو كان يعلم، لما تحدث إليها بتلك الطريقة من الأساس.

ظل صامتًا للحظات، ثم قال وهو يستعيد كلماته بصعوبة:

ـ أنا... أنا آسف على اللي حصل مني. لكن أقسم بالله ما كنت أعرف إنها بنت حضرتك.

كان اعتذاره صادقًا هذه المرة، لا يحمل أي محاولة لتبرير ما حدث بقدر ما يحمل اعترافًا واضحًا بحرج الموقف.

لكن حسين لم يغضب.

بل انفجر ضاحكًا.

رفع رضوان حاجبيه في دهشة، وظل ينظر إليه غير مستوعب.

ضحك حسين من قلبه، وكأن ما حدث أمامه لم يكن مشاجرة تزعجه، بل موقفًا أعاد إليه شيئًا من ابنته التي يعرفها.

كانت زاد قد عادت للحظة واحدة إلى طبيعتها التي يفتقدها؛ غاضبة، عفوية، تصرخ أمام أبيها دون حساب، وكأنها طفلة صغيرة لم تتعلم بعد كيف تخفي ما بداخلها.

مسح حسين على وجهه وهو يضحك، ثم رفع يده لطمأنة رضوان وقال:

ـ لا لا يا رضوان، متتأسفش يا ابني. مفيش حاجة حصلت لكل ده. واضح إنه سوء تفاهم وهيروح لحاله.

حرك رضوان رأسه، لكنه ظل يشعر بالحرج.

فالموقف لم يكن بسيطًا بالنسبة إليه، وكلما تذكر الكلمات التي قالها لها قبل أن يعرف حقيقتها، شعر برغبة في الاختفاء من المكان.

قال مرة أخرى:

ـ هو فعلًا سوء تفاهم، وبعتذر لحضرتك مرة تانية. 

استأذن بعدها، وغادر الفيلا بخطوات هادئة، إلا أن عقله لم يكن هادئًا على الإطلاق.

كان يعيد المشهد من بدايته.

من هي تلك الفتاة أصلًا؟

وكيف لم يعرف أنها ابنة حسين؟

ولماذا كان أول لقاء بينهما بهذه الصورة؟

رفع عينيه للحظة نحو الفيلا، ثم زفر وأكمل طريقه.

أما في الطابق العلوي، فكانت زاد قد وصلت إلى غرفتها وهي تكاد تنفجر من الغضب.

لم تهدأ.

ألقت بنفسها نحو النافذة، ثم أمسكت بطرف الستارة وأزاحتها بعصبية، لتراه وهو يغادر.

ظل بصرها معلقًا به.

عاد صوته إلى رأسها.

وتذكرت كلماته ونظراته وطريقته المستفزة في الحديث معها، فازدادت ملامحها احتقانًا.

حتى اعتذاره الذي سمعته قبل أن تصعد لم تستطع أن تعتبره كافيًا لمحو ما حدث.

راقبته حتى ابتعد عن الفيلا تمامًا.

ثم أسدلت الستارة بعنف، واستدارت بعيدًا عن النافذة.

وضمت شفتيها بغيظ.

كان أول لقاء بينها وبين رضوان كافيًا تمامًا لتكوين حكمها عليه.

هي لا تطيقه.

بل إنها، في تلك اللحظة تحديدًا، كانت متأكدة من شيء واحد فقط:

هي تكره رضوان... وتكرهه كثيرًا.

"القناعة هي القوة التي تجعلنا نرى الجمال في القليل، والرضا هو السحر الذي يحول القليل إلى الكثير."
عندما يعيش الإنسان بقلب قانع وروح راضية، يجد في القليل كثيرًا، وفي الرضا راحة لا تمنحها كثرة الأشياء. وهذا ما كان يؤمن به رضوان، إلا أن عزت كانت له قناعات أخرى؛ فكان يرى أن الفرصة تأتي مرة واحدة، بغض النظر عن الطريقة التي جاءت بها، ما دامت قد أتت في الوقت المناسب للشخص المناسب لها.
ظل عزت يسير في الطرقات، يفكر في أمر البطاقة، وقد وجدها فرصة لا تعوض، لكن رضوان رماها بعرض الحائط، وما باليد حيلة لفعل شيء.
امتزجت أفكاره بأشياء كثيرة بداخله، ثم تذكر رباب وابتسم؛ فهو يحبها منذ زمن، ولم يبح لها بما يحمله قلبه تجاهها، إلى أن تجرأ وأخذ خطوة بتقدمه لها، وإلى الآن لم يصدق أنها وافقت عليه.
وقف أمام محل كبير، وألقى بنظرة إلى شكله في المرآة الموضوعة على الجدار. بدأ يتفحص معالمه جيدًا؛ فهو ليس بسيئ، بل يمتلك بشرة حنطية وعيونًا سوداء وشعرًا أسود كثيفًا، لكنه مجعد بعض الشيء. لديه شارب ولحية خفيفة وليست بكثيفة، لتزيد من وسامته.
ظل يتأمل نفسه للحظات، ثم أقنع نفسه أن حتمًا وافقت عليه لأنه وسيم.
ابتسم لنفسه، وترجل إلى داخل المحل ليشتري قطعة كبيرة من الشيكولاتة ليقدمها لها كنوع من إدخال السرور إلى قلبها، ثم خرج ذاهبًا في طريقه إليها.
وعندما ولج منزلها، ألقى التحية عليهم، وجلس منتظرًا إياها في غرفة الضيوف. مرت بضع دقائق ولم تأتِ إليه، فنظر إلى ساعته وشعر بالحرج، وهمّ بالوقوف ليذهب، لكنها ظهرت أخيرًا أمامه.
رباب.
ما إن رآها حتى دق قلبه مناديًا بحروف اسمها.
جلست ولم تعره أي اهتمام؛ فهو بالنسبة لها مثل الغصة التي تقف في الحلق ولا تريد أن ترى وجهه، لكن أمها فرضت عليها أن تتأقلم مع هذه الزيجة، وإلا لم يحدث لها خيرًا.
جلس عزت مترددًا وقال:
ـ ازيك يا رباب عاملة إيه؟

أشاحت بوجهها بعيدًا وهي ترد عليه بنفور:
ـ أهلا يا عزت.

ابتسم ويشوبه بعض التوتر، وأخرج من جيبه قطعة الشيكولاتة وقدمها لها وهو يقول، متأملًا بريقها:
ـ أنا جبتلك الشيكولاتة ومش عارف انتي بتحبيها ولا لأ بس مفيش بنت مابتحبش الحاجات دي، أنا بشوف في المسلسلات التركية كده، آه منا متابع لجل عيونك، والمرة الجاية إن شاء الله أجبلك قُرص ورد مدور حلو زيك كده.

كان لصوته أثر ضجيج مزعج يشوش على أفكارها، ولم تحب نبرته البتة، فهي تنزعج منه دومًا، وزاد بغضها إليه بعد أن فكر في أن يأخذها وهي حبيبة صديقه من ضمن مستحقاته، ولم تحب طريقته، وردت ساخرة لحديثه:
ـ شيكولاتة وقُرص ورد؟ ليه حد قالك إني تعبانة واسمه بوكيه ورد مش قُرص!

ضحك وتقبل حديثها، ويرى أنه مزاح لطيف منها، وبدأ يسرد تفاصيل دقيقة لمراحل حياته منذ أول مرة رآها فيها، وهي تنظر إليه في صمت تام.
كان صمت الكلمات بينهما أشد وضوحًا من أي حديث؛ فحين يتحدث شخص مع آخر لا يتقبله، يصبح الصمت أبلغ من الكلمات. ارتسم التوتر على وجهيهما، وتجلت المشاعر المتضاربة في أعماقهما، فتنافرت الأفكار وتعانقت الحسرة بداخلها. كان المشهد يحمل في طياته معاني دفينة من الحب والكراهية، وكلما نظرت إليه بدت وكأنها تحاول أن تجد تفسيرًا لما يجمعهما رغم النفور الذي يملأ قلبها.

منذ أن أخذت حبيبة الإجازة الصيفية، وهي تساعد أمها في أمور المنزل، وهذا رغمًا عنها بسبب تنبيهات رضوان إليها بألا تترك أمها تعمل وحدها، فهي تتحمل ضغط المنزل وحدها طوال تلك السنوات الماضية، ويجب عليها أن تشعر بقليل من المسؤولية.
لكنها الآن في غرفتها منشغلة بالهاتف، وتتحدث مع صديقاتها عبر الإنترنت، وتعالت ضحكاتها. سمعتها أمها وهي تجلي الصحون، وكانت تظن أنها نائمة، فزمت شفتيها، وتركت ما في يديها، وذهبت إليها لتفتح عليها الباب مسرعة، تسير نحوها منفعلة، حيث فزعت حبيبة وتركت الهاتف، وهي تسألها دون فهم:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم، إيه يا ماما؟ داخلة كده ليه؟ في إيه؟

أمسكتها زهرة من ذراعها، وقالت بصوت جهوري:
ـ وحياة أمك مش عارفة في إيه وداخلة كده ليه؟ دنا هخلي يومك شبه شعر راسك.

ثم أكملت بتهكم:
ـ سايباني يابجحة واقفة على رجلي من صباحية ربنا، أروق وأكنس وأمسح وأنشر الغسيل، وداخلة المطبخ حيلي مهدود، قولت لنفسي: اتجبري يا زهرة، معلش تعالي على نفسك، وخشي شوفي المطبخ اللي الهانم سهرانة طول الليل وشغالة طفح، وسيبالي الحوض يضرب يقلب، وفي الآخر ألاقيكي ياللي معندك ريحة الدم، صاحية بتتسايري مع صحابك؟ والله مانتي نافعة. بقى هي نصايح رضوان ليكي؟

ابتلعت حبيبة لعابها، وردت بتوجس خوفًا منها أن تنفعل أكثر من ذلك، وقالت:
ـ وحدي الله بس يا ماما، مش كده، دنا لسه صاحية وقولت أصبح على لُبنى قبل ما أقوم أشوف ست الكل عايزة مني إيه؟

ثم أكملت بدهاء:
ـ دنا حتى كنت عايزة أخرج دلوقتي وأنادي عليكي بعلو صوتي، وأقولك: يا زهرة يا ست الكل، سيبي كل حاجة عليا، وهتلاقي ربوت ذكاء اصطناعي بيفحر في البيت مش بيشتغل، ومش بس كده، لا لا، بوشكاش محفوظ بيضحى النهارده، وبيقولك لو عايزة آثار، بعون الله أطلعلك من تحت الأرض.

ضربتها أمها على كتفها، وهي تقول بيأس منها:
ـ أهو ده اللي بناخده منك وخلاص، لماضة وطول لسان قد كده.

ثم أكملت أمها بتوعد:
ـ طب يكون في علمك بقى، إنك النهارده عليكي المطبخ من أوله لآخره، وكمان هتطبخي، وشوفي بقى هتغدي أخوكي رضوان إيه؟ هو مش حبيبك؟ ويا قلب أختك ويا روح أختك؟ ورينا بقى شطارتك يا أم لسانين أنتِ.

ثم وبختها وأنهت حديثها، تاركة إياها وما زالت حبيبة جالسة على فراشها، وهي تشعر بالاستياء، وأمسكت ذقنها وقالت:
ـ أطبخ!! أنا اتورطت! أيوه أنا اتورطت، طبيخ إيه اللي هعمله! ده رضوان كده هيخس النص لو كل من إيدي.

ثم فتحت اليوتيوب، وهي تقول بمشاكسة:
ـ يلا وأنا مالي، نجيب طريقة الشاورما وأعملهالهم، أنا نفسي فيها أوي، واللي مش عاجبه مايكلش، أصلًا رضوان وماما ولاد حلال ويستاهلوا.

أنهت حديثها، فسمعت أمها تنادي عليها بصوت عالٍ، فهمّت راكضة إليها، وأشارت إليها زهرة لتذهب إلى المطبخ؛ فليس أمامها إلا القليل من الوقت وسيأتي رضوان على الغداء.
دخلت حبيبة المطبخ وهي تنظر إليه باستياء، وبدأت المعاناة لديها. جلست أمها أمام التلفاز وهي تقوم بحياكة بعض الملابس، وتنظر إلى حبيبة التي تركض هنا وهناك ولا تدري بماذا تبدأ، وقامت بالضحك عليها، لكنها تركتها لتتعلم ما يجب على المرء فعله.

على جانب آخر، على المقهى، كان يجلس رضوان وحده يحتسي قهوته في استراحة قصيرة، ثم يعود مرة أخرى ليكمل عمله.
خرج صبحي، زوج السيدة فوزية، من البناية، وكان مهمومًا، ورأى رضوان، فاقترب منه، وبعد التحية جلس معه. طلب له رضوان كوبًا من الشاي وسأله قائلًا:
ـ مالك يا عم صبحي؟

أجابه محبطًا:
ـ خالتك فوزية تعبتني أوي معاها يا رضوان يا ابني، تعبت وزهقت ومبقتش قادر استحمل.

ربت على يده وقال مواسيًا:
ـ معلش يا عم صبحي لازم تتحمل شوية، دي مهما كانت مراتك وعِشرة عمر.

صبحي:
ـ مقولناش حاجة يا ابني، بس العيشة بالطريقة دي بقت صعبة. كل شوية تنسى وترجع تفتكر، والمصيبة إنها ما بتفوقش غير على اليوم المشؤوم اللي اتجوزت فيه. تلات سنين في الهم ده.

ابتسم رضوان وقال:
ـ ما هي برضه الصدمة كانت شديدة عليها يا عم صبحي، ما استحملتش لما شافتك وإنت عريس. بقى يا راجل، في واحد بعد جواز سبعة وعشرين سنة يروح يتجوز؟ ومين! بنت عمها! يعني حاجة منتهى الصدمة بصراحة.

تنهد صبحي وقال:
ـ غلطة عمري وبعترف بيها، بس فوزية هي السبب. جايباها لي البيت، وتقعد سيباها بالشهر ليل ونهار قدّامي، وتقولي: «أنا واثقة فيك يا صبحي، ودي بنت عمي، يعني أختي». وشوية شوية لقتني بتعلّق بيها يا رضوان، وأنا في سن حرج، المفروض تبعدني عن الستات، مش تجيبهم قدّامي وتقولي: «غمّض عينيك عن النعمة يا صبحي!.

ضحك رضوان وقال: 
ـ الجري ورا الستات عمره ما كان نعمة يا حج صبحي، بدليل أهو أنت اللي بتدفع التمن ومحتاس، علشان تلمّ عينك الحلوة دي يا راجل يا طيب.

صبحي: 
ـ عندك حق والله يا رضوان، الجري ورا الحريم فرهدة ويقصّر العمر. وتوبة، توبة يا رضوان! دي فوزية مخليّة مخي في وسط راسي، حرمت خلاص.

ثم نظر إلى رضوان وقال: 
ـ سيبك من كل ده، أنا عايزك في موضوع تاني.

رضوان: ـ خير يا عم صبحي؟

ـ في عريس جاي لأختك حبيبة، وكلّمني قاصدني علشان أنا اللي أتكلم معاك في الموضوع ده.

ظل باسل يفكر فيما قالته زاد في آخر مقابلة بينهما، وقرر أنه سيذهب إلى والدها مرة أخرى، لعله يصلح الأمر بينهما ويوافق على تلك الزيجة.

ذهب بالفعل لمقابلته في شركته، ووافق حسين على استقباله، وجلس معه ليعرف عنه أكثر من خلال كلماته وتصرفاته.

تحدث باسل قائلًا:
 ـ عمي، أنا بعرف إنك مو متقبلني، بس أنا ما بفقد الأمل، وجيت لعندك وبطلب منك وبترجاك بموافقتك وتزوجني لبنتك زاد.

زمّ حسين شفتيه وهو يتملقه بعينيه، وقال:
 ـ أنت مصمم وعندك إرادة مش عند ناس كتير، وكمان متمسك ببنتي بطريقة مش مفهومة. ممكن أعرف إيه سبب تمسكك ببنتي زاد؟

ابتسم باسل وأردف قائلًا:
 ـ أنا ما بفقد الأمل متل ما قلتلك، وبستناها لآخر العمر. عمي، أنا مو بس بحبَ لزاد، أنا بموت عليها ومستعد أعمل أي اشي لحتى تكون إلي، بس أنت وافق، عمي، الله يوفقك.

سأله حسين بدهاء وهو يقول: 
ـ كلام جميل. أفهم من كده إنك مستعد تعمل أي شيء علشان بنتي؟

أجابه دون تردد: 
ـ أي اشي، حتى بدك تجرب، شوف بعينك.

نظر إليه حسين بدهاء وهو يقول ليختبره:
 ـ أنت بتقول إن مستواك أعلى من المستوى اللي إحنا فيه، وثري وعندك ثروة كبيرة، مش ده كلامك لزاد؟

أجابه بثقة:
 ـ طبعًا عمي، أنا غني كتير، بس هادا الحكي شو دخله بطلبَ لزاد؟

ابتسم وهو يقول:
 ـ لا طبعًا، ده ليه دخل قوي، وهقولك عليه. وهو إني هوافق عليك، بس بشروطي. والشروط دي من غير مقدمات هي إني عايز تلاتين مليون مهر زاد، ويتم دفعه قبل الخطوبة، وزيهم قبل كتب الكتاب، وقبل كل ده فيلا جنب مني تشتريها وتتسجل باسمها.

تقلص وجه باسل، ونظر إليه مندهشًا وهو يتمتم بصدمة: ـ ستين مليون، وكمان فيلا بأسما؟

أكمل حسين:
 ـ ومش بس كده، أنت هتشتريلها عربية أحدث موديل، ولسه الشبكة، وهتكون شبكة ما حصلتش، ودي بقى سعرها غير محدود على حسب اللي هختاره لبنتي وقتها. أما حكاية شهر العسل ده بقى، هسيبه أنت تختار براحتك، علشان متقولش إني متحكم في علاقتك وحياتك مع بنتي.

اعتدل باسل في جلسته وتنحنح قلقًا، وظل ينظر يمنة ويسرة من شدة توتره، ولا يعلم بما يجيب.

ابتسم الأب وهو يردف:
 ـ إيه؟ عايز مهلة تفكر وترد عليا؟

وجد أنها فرصة غير قابلة للرفض، وهمّ واقفًا وأجابه بامتنان، وقال:
 ـ أي عمو، أنا بدي وقت لحتى أفكر، وبجاوبك أقرب وقت.

أشار له حسين بالذهاب دون أي كلمة، وظهرت ابتسامة على محياه وهو يقول بثقة ماكرة: 
ـ إن ما طفشتك، ما بقاش أنا حسين المالكي.

كانت زاد تقود سيارتها في إحدى الطرق العامة، وبين حين وآخر تنظر إلى ساعة يدها تتفقد الوقت. ويبدو أنها على عجلة من أمرها، لكنها تشعر بالقلق حيال مقابلة باسل مع والدها، وتريد أن تعرف هل صار الأمر كما تريد أم رفضه والدها مثل العادة.

فلم تصبر، وقامت بمهاتفة باسل، الذي أجابها على الفور وكان منفعلاً، وسرد عليها ما حدث بانزعاج تام، واتهمها هي ووالدها بأن بهذه الطريقة لا يثقون به، وأيضًا هو لا يمتلك كل هذا المال هذه الفترة، فماله حتمًا في السوق بين رجال الأعمال وغيرهم.

وأغلق الهاتف وهو متعصب.

تملّك الغضب زاد أيضًا، وغيّرت مسار طريقها حيث يعمل والدها، وذهبت إليه.

وعندما وصلت، ولجت عنده دون استئذان، وهي تردف منفعلة: 
ـ ليه يا بابا؟ ليه بتعجز الجوازة وبتعاند معانا؟ بجد نفسي أعرف ليه كل ده؟

لم يعلق على تصرفها، لكنه ضحك ساخرًا وهو يقول:
 ـ هو لحق بسلامته راح بلغك باللي حصل!

زاد:
 ـ أيوه، بلغني. هو ده مش مستقبلنا ولازم نتكلم فيه؟

انزعج الأب وصرخ بها، وقال: 
ـ لا، مش مستقبلكم! وفوقي يا زاد من الهبل اللي أنتِ فيه، الولد ده بتاع تلات ورقات ومش هينفعك.

صرّت على أسنانها وهي تقول: 
ـ أنت ليه مصمم على اللي أنت شايفه وبس؟ وبعدين أنا موافقة عليه، إيه مشكلتك معانا؟

نظر إليها، ثم ران عليه صمت، وجلس، ثم قال:
 ـ موافقة؟! أممم... أنا معنديش مشكلة، أنا كمان موافق، لكن لما ينفذ كل شروطي.

ثم نظر إليها ملمّحًا:
 ـ ولا هو مش غني زي ما أنتِ قلتي؟

أجابته بثقة: 
ـ مع إن الفلوس مش شغلاني وآخر حاجة أفكر فيها، بس أيوه، هو ملياردير.

نظر لعينيها بقوة وهو يقول:
 ـ طيب، وإيه اللي مضايقه يا زاد في إني أطلب شوية طلبات تافهة مش هتيجي نقطة في بحر غناه؟ ولا هو يا بنتي مش واثق فينا؟ ولا يمكن مستخسر وعايز الجوازة دي ببلاش؟ هو حرام يا زاد إني أأمنلك مستقبلك مع اللي هتعيشي معاه؟

أنا قولتلك أهو أنا موافق على باسل، وحطيت شروط عادية وطبيعية، زي فيلا ومهر وشبكة تأمنلك حياتك، لأنك غالية عندي ومعنديش غيرك. هو بقى لو رفض، يبقى السبب منه مش مني أنا. بس اللي مستغرب ليه إنه انفعل أول ما طلبت منه المهر والشبكة، وطلب يمشي بسرعة، مع إنه المفروض كان هيموت وأوافق! وادي أنا وافقت! مش غريبة دي يا زاد؟

اهتز شيء بداخل زاد، وظلت صامتة تفكر في حديث والدها. وطرحت بداخلها سؤالًا: رغم أن أبيها متعصب ومتشدد تجاه باسل، إلا أنه يتحدث بالمنطق هذه المرة. لماذا غضب باسل من تأمين مستقبلها؟

عاد رضوان إلى بيته وهو منهك بسبب العمل الشاق، وأيضًا يتضور جوعًا. جلس بجانب أمه بعد أن ألقى عليها التحية، وبحث بعينيه عن شقيقته، وقام بسؤالها عنها.
أجابته وسردت له ما حدث مع شقيقته، وأيضًا قالت إنها ستعدّ اليوم وجبة الغداء بنفسها.
تعجب رضوان من أنها ستفعل ذلك، فهي لا تجيد إعداد الطعام سوى بعض الأطعمة سريعة التحضير.
وقبل أن يقوم بالنداء عليها، سمع سقوط بعض الأواني بداخل المطبخ، فضحك؛ لأن هذا ناتج عن أفعالها.
ذهب ليبدل ملابسه، ثم ولج إليها في المطبخ ليتفاجأ بجهودها في إعداد الطعام بشكل احترافي، ولكن المطبخ مليء بالفوضى، وكانت أيضًا ملطخة ببعض الأطعمة في وجهها وملابسها، وحتى شعرها.
حاول جاهدًا أن يكبح ضحكاته علها لا تنفعل عليه، وحين رأته، انفعلت حقًا، وظنت أنه لا يعلم كم تعبت من أجله، فوضعت يدها بجانبها وهي تقول متعصبة:
ـ والله يا رضوان! كاتم الضحكة ليه؟ ما تضحك وخد راحتك، ولا أقولك استنى، استنى! روح نادي ماما تضحك معاك بالمرة، وهات الجيران، ما دام ده هيبسطك.

لم يستطع أن يتحمل أكثر، فانفجر في الضحك وهو يمد يده لينزع بعض الطعام العالق في شعرها، وهو يقول بدهشة:
ـ إيه يا بنتي كل الدربكة اللي عاملاها دي؟ وكنتِ بتطبخي على وشك ولا إيه؟ وإيه الصلصة اللي على شعرك دي؟ وكل دي مواعين في الحوض! كان عندك صراع في المطبخ بقى.

ردت منزعجة:
ـ ده اللي لفت نظرك يسي يا رضوان؟ المواعين والدربكة! طيب وبالنسبة لسندوتشات الشاورما دي؟ بؤبؤ عينك ما شافهاش؟ ولا إنتوا بس يا رجالة بتحبوا تشوفوا اللي إنتوا عايزين تشوفوه بس؟ ولا طبق المايونيز ده، والكاتشب، والحاجة الساقعة، وجايباها كمان سبيرو سباتس، مش أي كلام! والمخلل، والبطاطس المحمرة،كل ده عدى كده قدام عينك وما بصيتش عليه!

أسرع رضوان بوضع يده على فمها كي تصمت عن الثرثرة بصوتها العالي، وقال مندهشًا:
ـ يخرب بيت اللي يزعلك ده! أنتِ نافورة رغي يا بت، اديني فرصة أرد عليكي، أو حتى أدوق الأول وأحكم. يا ستار عليكِ، إيه ده!

نزعت يده ونظرت إليه بشرر دون أن تتفوه بكلمة، وابتسم وهو يزيح خصلات شعرها المتناثرة على عينيها، وهو يقول بحنو:
ـ بس إيه الجمال ده كله! أنتِ اللي عاملة الأكل اللي شكله يفتح النفس ده؟
لوت فمها وهي تجيبه بتصنع الحسرة:
ـ عيني عليّا، أيوه أنا. أومال فاكر مين يعني؟ ست ماما اللي رزعاني بوكس في مناخيري لوّحتها!

ابتسم بحب وقال:
ـ هيبقى أحلى أكل كلته في حياتي كلها، ده كفاية إنه من إيدك يا بيبو.
ثم ضربها على قمة رأسها ليقول ممازحًا:
ـ بت، أنا ميت من الجوع وجاي تعبان. هناكل ولا هنقضيها زعل وعصبية ومراضية؟

هدأت بسرعة وعادت لروحها الطفولية، وحملت الأطباق واضعة إياها بين يدي رضوان، وأشارت إليه ليذهب ويضعها على الطاولة، حيث إنها ستأتي بباقي الأطباق خلفه.
ثم جلسوا جميعًا، وقبل أن يضعوا أيديهم على الأطباق، أصرت على أن تطعمهم أول لقمة بيدها وتنتظر آراءهم.
كان الطعام شهيًا جدًا بالنسبة لرضوان؛ لأنه أيضًا يشعر بالجوع الشديد، فلم يتحمل، وأخذ طبقه وظل يأكل ويثني عليها بأنه لن ولم يأكل مثل هذا الطعم الرائع من قبل.
فرحت حبيبة وانتظرت الجواب من أمها أيضًا، التي جبرت بخاطرها وهي تقول لها بأنه طعام لذيذ، ويبدو أنها تفوقت على نفسها.
صفقت حبيبة فرحة، وجلست وهي تأكل بنهم وتراقب شقيقها من آن لآخر، وشعرت بسعادة كبيرة، حيث رأتهم يأكلون ومنسجمين بأدائها الرائع.
نظر إليها رضوان وقال دون تردد:
ـ في عريس متقدملك يا حبيبة.

ما إن سمعت تلك الكلمة والطعام في فمها، حتى توقفت عن المضغ وسعلت من المفاجأة.
نظرت زهرة إليه وكشّرت عيناها متسائلة:
ـ عريس! عريس إيه يا رضوان؟ أختك لسه صغيرة؟

لم يعلموا أن رضوان قام بالرفض، ولكنه فتح معهم مجالًا للحديث بينهم، وقال بمراوغة:
ـ والله يا أمي، حبيبة كبرت ومبقتش صغيرة، وخلصت ثانوية، وطبيعي يجلها عرسان، وطبيعي ناخد رأيها.

ردت حبيبة متلهفة وقالت:
ـ استني بس يا ماما، متقطعيش عليّا، مش يمكن يطلع دكتور ولا مهندس؟ لأ، أنا مش عايزة مهندس، يمكن يكون مدير بنك ولا حاجة.

ضحك رضوان، وشهقت زهرة وهي تقول:
ـ شوف البت يا ولاد! اتجننت ومخها لسع! مستعجلة على إيه إن شاء الله؟ ده لسه قدامك هم ما يتلم، وسنين طويلة على ما تخلصي جامعتك. اتهدي بقى وركزي في مستقبلك.

ردت بهمهمة ونبرة مستاءة:
ـ وليه سدّة النفس دي؟ طيب أعرف اسمه على الأقل، مش يمكن اسمه أيهم.

سمعها شقيقها وضحك بصمت، وهو يقول بمكر:
ـ اسمه متولي.

تجمدت ملامح وجه حبيبة، وانفجرت أمها في الضحك على نظرتها لأخيها، وقالت حبيبة بصدمة:
ـ متولي!

كبح ضحكاته وغمز لأمه لكي يمزحا معها، وهو يقول:
ـ آه، متولي. وهتدلعيه بقى بعد الجواز، تقوليله: يا ميتو.

تنهدت حبيبة محبطة وهي تقول بنبرة يائسة:
ـ ميتو! مش مهم الاسم، المهم الجوهر.

ثم نظرت إليه بحماس وقالت:
ـ اوصفلي شكله يا رضوان، أكيد فيه حاجة عدلة في الموضوع.

تنحنح رضوان محاولًا ألا يضحك، وبدأ في وصف شخصية مستوحاة من وحي خياله بمواصفات هي لا تحبها، ولم تستطع حبيبة أن تستمع إلى باقي حديثه، وبترت كلامه وقالت بوضوح وضجر:
ـ بس، بس، كفاية! ما تقول إنه قرد وخلاص.

انفجر رضوان وزهرة في الضحك، ثم شاركتهما حبيبة، ولم يتمكنوا من إيقافه، وكان وقتًا ممتعًا امتلأ بالضحكات التي بددت شيئًا من ثقل الأيام.

انتظرت زاد المهلة التي طلبها باسل حتى يفكر في الأمر، وهي تحاول طوال تلك الفترة أن تتمسك بالأمل، وأن تقنع نفسها بأن الأيام القليلة القادمة ربما تحمل لها حلًا ينهي هذا الصراع الذي أنهكها.
لكن الأيام مرت ثقيلة، ولم يتغير شيء.
وفي أحد الأيام، رن هاتفها، وما إن ظهر اسم باسل على الشاشة حتى أسرعت بالإجابة، وكأنها كانت تنتظر اتصاله منذ ساعات.
جاءها صوته مثقلًا هذه المرة، وبدا واضحًا من نبرته أنه لا يحمل إليها خبرًا يرضيها.
شرح لها صعوبة وضعه المادي في الوقت الحالي، وأن معظم أمواله موجودة في السوق لدى التجار ورجال الأعمال، وأنه لا يستطيع توفير المبلغ الذي يطلبه والدها في هذه الفترة، خصوصًا أن حسين، من وجهة نظره، يزيد الأمر تعقيدًا ويضع شروطًا تجعله يشعر بأن الطريق أمامه يزداد صعوبة يومًا بعد يوم.
كان باسل يرى أن والدها يتعمد تضييق الخناق عليه حتى يصل به الأمر إلى فقدان الأمل والاستسلام.
ظلت زاد تستمع إليه في صمت، وكل كلمة كانت تزيد من قلقها وحيرتها.
وحين أغلقت الهاتف، بقيت للحظات تحدق في شاشة هاتفها دون أن تتحرك، ثم وضعته إلى جوارها وجلست تفكر.
لم تكن مستعدة لخسارة باسل، وفي الوقت نفسه لم تكن تريد أن تخسر والدها أو تدفعه إلى شيء يؤذيه.
مررت يدها على وجهها في ضيق، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تبحث في رأسها عن شخص يستطيع أن يتدخل بينهما ويضع حدًا لهذا الصراع.
ولم تجد أمامها سوى عمها نجيب.
أمسكت هاتفها واتصلت به، وحين أجابها شرحت له الأمر من بدايته، وأخبرته بما حدث بينها وبين باسل، ثم طلبت منه أن يأتي ويتدخل في الأمر، وأن يتحدث مع أخيه ويحاول إقناعه بالموافقة النهائية على زواجها ممن اختارته.
أنصت نجيب إليها باهتمام حتى النهاية، وفهم منها كل ما يدور، ثم وعدها بالتدخل.
وفي اليوم التالي، ذهب إلى أخيه حسين.
كان حسين جالسًا يتابع بعض أعماله، وما إن رأى شقيقه يدخل حتى رفع عينيه إليه، بينما جلست زاد على مقربة منه تتابع الموقف بقلق، وكأنها تعرف أن الحديث القادم قد يحدد مصير كل شيء.
جلس نجيب أمام أخيه، ثم قال له بنبرة هادئة يحاول بها أن يفتح معه بابًا للنقاش:
ـ زاد كلمتني وحكتلي على كل اللي حصل بينكم الفترة اللي فاتت. وأنا جاي أقولك، استهدى بالله يا حسين يا أخويا وفكر، مش يمكن أنت ظالم الولد ده؟

رفع حسين عينيه نحو ابنته، ونظر إليها بعتاب شديد؛ فقد فهم في اللحظة نفسها أنها هي من أدخلت شقيقه الأصغر في الأمر، وأنها لجأت إليه بعدما عجزت عن إقناعه بنفسها.
شعرت زاد بنظرات أبيها، فأخفضت عينيها في صمت، بينما عاد حسين ببصره إلى نجيب، وقال بنبرة تحمل شيئًا من الضيق:
ـ وأنا هظلمه إزاي يا نجيب؟ أنا حطيت شروط وهو اللي رفض، عايزني أعمل إيه يعني؟

حاول نجيب أن يحافظ على هدوئه، وأمال جسده قليلًا إلى الأمام وهو يقول:
ـ مدام بنتك موافقة عليه، فأنا بقول يعني لو تنزل في الأرقام اللي أنت طالبها دي شوية، بصراحة شايف إن المبلغ كبير قوي، ستين مليون مش رقم صغير برده ياحسين،وهو قالك إن فلوسه في السوق.

ما إن أنهى نجيب كلماته حتى تغير وجه حسين.
اشتد انفعاله بصورة مفاجئة، وكأن الحديث كله ضغط على جرح مفتوح بداخله. ارتفع صوته، وانطلقت كلماته محملة بخوف أب يرى أن الجميع لا يفهمون ما يحاول حمايته منه:
ـ هو ما قالش حاجة! هو ما ردش أصلًا يا نجيب! هو هرب وجري أول ما حطيت شروطي! وبعدين أنتوا عايزين إيه؟ عايزين تموتوني؟ هو أنا مش من حقي أخاف على بنتي يا عالم؟ هو أنا مش من حقي أخاف على بنتي يا ناس؟

وضع حسين يده على صدره فجأة، وقد انقبض وجهه من الألم.
توقف نجيب عن الكلام، وانتبهت زاد إلى ملامح أبيها التي تغيرت في لحظة.
ـ بابا!
لكن حسين لم يستطع الرد.
ترنح جسده وسقط أرضًا أمام أعينهما.
صرخت زاد، واندفعت نحوه وهي تبكي:
ـ بابا!

أسرع نجيب إليه، وجثا بجواره يحاول الاطمئنان عليه، بينما كانت زاد ترتجف من الخوف، وقد تجمدت الدماء في عروقها وهي تراه أمامها بلا حراك.
مرت الدقائق التالية كأنها ساعات.
حضرت سيارة الإسعاف سريعًا، وحمل المسعفون حسين ونقلوه إلى المشفى الخاص، بينما لحقت به زاد ونجيب، ولم تتوقف دموعها طوال الطريق.
وقفت أمام غرفة الطوارئ وهي تعصر يديها من شدة الخوف، وكل ما كان يدور في عقلها أنها قد تكون السبب فيما حدث.
كانت تتمنى لو تستطيع العودة بالوقت إلى الوراء؛ لو أنها لم تضغط على والدها، لو أنها لم تستعن بنجيب، لو أنها لم تدخل باسل في حياتها من الأساس.
وبعد وقت بدا لها أطول من عمر كامل، خرج الطبيب من الغرفة، فتقدمت نحوه زاد بسرعة، تبحث في ملامحه عن أي شيء يطمئن قلبها.
قال الطبيب بجدية:
ـ الحمد لله، هو حالته مستقرة دلوقتي، لكنه أصيب بنوبة قلبية مفاجئة إثر انفعال حاد تعرض له، ولازم يلتزم الراحة التامة خلال الفترة الجاية، وممنوع عنه أي مجهود أو انفعال.

انهارت زاد بالبكاء.
لم تستطع هذه المرة أن تخفي دموعها أو تتظاهر بالقوة، فقد كان خوفها على والدها أكبر من كل شيء آخر.
جلست وهي تبكي قدر ما بكت، وتشعر بذنب ينهش قلبها من الداخل.
كان أبوها بالنسبة إليها الأمان الذي لا تتخيل الحياة بدونه، وفكرة أن تخسره كانت وحدها كفيلة بأن تهدم كل شيء بداخلها.
رفعت عينيها إلى باب الغرفة، وخرج صوتها متهدجًا من بين دموعها:
ـ أنا مش هقدر أعيش من غيرك يا بابا. أرجوك فوق علشان خاطري، والله هعمل كل حاجه تقولي عليها. بس أرجعلي ارجوك.

ثم أخفت وجهها بين كفيها، وبكت من جديد، بينما ظل نجيب واقفًا إلى جوارها صامتًا، وقد أدرك أن الأمر تجاوز مجرد خلاف على زواج، وأن ما حدث اليوم قد يغير كل شيء.

ـ أستاذ رضوان العطار؟

رفع رضوان عينيه عن كوب الشاي الموضوع أمامه، والتفت إلى الصوت الذي جاءه من خلفه.

كان شابًا غريبًا عن المنطقة، يقف أمامه بثبات، وينظر إليه وكأنه جاء يبحث عنه تحديدًا.

تبادل كريم وعزت النظرات في صمت، بينما عقد رضوان حاجبيه متسائلًا؛ فمنذ جلس معهم لم يأتِ أحد يسأل عنه باسمه كاملًا، فضلًا عن أن هذا الرجل لم يكن يبدو من أهل المكان.

أجابه رضوان بحذر:

ـ أيوه، مين؟

قال الشاب بهدوء:

ـ اتفضل حضرتك معانا.

ما إن سمع عزت كلماته حتى دفع كرسيه إلى الخلف ونهض، وقد تبدلت ملامحه إلى الحذر.

ـ يروح معاكوا على فين؟ وإنتوا مين!

مد رضوان يده وجذبه من ذراعه ليهدئه، ثم نظر إلى الشاب منتظرًا تفسيرًا.

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة، وقال لعزت:

ـ متقلقش من حاجة، إحنا مش هنخطفه.

ثم عاد ببصره إلى رضوان:

ـ حسين باشا المالكي تعبان، وطالب إنه يشوفك لأمر مهم.

توقف رضوان للحظة.

اسم حسين وحده كان كافيًا ليبدد شيئًا من الاستغراب، لكنه لم يبدد القلق الذي بدأ يتسلل إلى صدره.

ـ حسين باشا؟

أخرج الشاب هاتفه ومده إليه.

ـ كلمه بنفسك.

أمسك رضوان الهاتف، وما إن وضعه على أذنه حتى جاءه صوت حسين من الطرف الآخر واهنًا، متقطعًا، كأن كل كلمة تحتاج منه إلى جهد.

ظل رضوان صامتًا يستمع إليه، وكلما سمع أنفاسه الثقيلة ازداد القلق في عينيه.

كان حسين لا يزال في المشفى تحت الرعاية.

كانت زاد بجواره منذ اللحظة التي استرد فيها وعيه، ترفض أن تبتعد عنه لحظة واحدة. وحين شعر أنها استنزفت نفسها من التعب، أمرها بالعودة إلى المنزل، وأكد لها أنه بخير.

وما إن خرجت زاد حتى التفت إلى الحراس، وأمرهم بإحضار رضوان إليه في أسرع وقت.

لم يعرف رضوان ما الذي يريده منه رجل في حالته، لكنه لم يسأل.

ترك أصدقاءه واتجه معهم فورًا.

جلس في السيارة صامتًا، وعيناه معلقتان بالطريق، بينما سؤال واحد يلح عليه دون إجابة:

لماذا أنا؟

هل تعلق به حسين إلى هذا الحد؟ هل يراه كابن له؟ أم أن وراء الأمر شيئًا آخر لا يعرفه؟

ظل غارقًا في أفكاره حتى توقفت السيارة أمام مشفى تخصصي.

ترجل منها، وتبعه الحراس إلى الداخل.

كان المكان هادئًا على نحو زاد من توتره، حتى وصلوا إلى غرفة حسين.

مد أحد الحراس يده نحو الباب، لكن الممرضة اعترضت طريقهم فورًا.

ـ مش هينفع حد يقابله، الراجل تعبان جدًا، وأي مجهود بسيط هيأثر على صحته أكتر. وبنته برضه خرجت بالعافية. مش معقول كده يا جماعة، إحنا هنا في مستشفى ولازم نلتزم بالنظام.

نظر إليها رضوان باحترام، ولم يحاول مجادلتها.

ـ عندك حق طبعًا، وأنا عارف كل ده، بس صدقيني أنا مش هتأخر جوه، هما خمس دقايق وبس، ومش هخليه يتكلم كتير. الراجل طلبني بالاسم، وأكيد في حاجة مهمة، وإلا مكنش طلبني في عز تعبه.

هزت الممرضة رأسها بالرفض، وظلت واقفة أمام الباب.

لكنها لمحت حركة من داخل الغرفة.

التفتت، فرأت حسين يرفع يده إليها من خلف الزجاج.

دخلت إليه سريعًا.

لم يستغرق الأمر سوى لحظات، ثم خرجت وأشارت إلى رضوان.

ـ اتفضل، بس لو سمحت متخليهوش يتعب نفسه. خمس دقايق بس.

أومأ رضوان، ودخل وحده.

كان أول ما وقعت عليه عيناه هو وجه حسين.

لم يكن ذلك الرجل الذي رآه من قبل؛ شاحبًا، مرهقًا، تحيط به الأجهزة من كل جانب، وكأن المرض انتزع منه في ساعات ما لم تستطع السنوات أن تنتزعه.

اقترب رضوان ببطء، وجلس أمامه.

ـ ألف سلامة عليك يا حسين بيه.

حرك حسين رأسه بصعوبة، ثم ابتلع لعابه، ومد يده إلى جهاز الأكسجين لينزعه عن فمه.

ـ الله يسلمك يا رضوان، أنا بشكرك إنك لبيت طلبي وجيت على طول، متأخرتش عليا.

ابتسم رضوان رغم القلق الذي يملأه.

ـ كلام إيه ده بس يا حسين بيه؟ أنا تحت أمرك في أي وقت، والله أنا لو كنت أعرف كنت جيت من وقتها وبيت معاك.

ظهرت ابتسامة ضعيفة على وجه حسين.

ـ أصيل يا رضوان.

مال رضوان قليلًا نحوه.

ـ المهم أنت متتعبش نفسك بالكلام علشان صحتك.

خرجت من حسين تنهيدة طويلة، ثم قال بصوت أثقل من السابق:

ـ صحتي مش مهمة خلاص، أنا مبقاش فارق معايا الموت.

تغيرت ملامح رضوان.

ـ متقولش كده، ربنا يطول في عمرك.

لكن حسين لم يسمح له بإكمال حديثه.

اغرورقت عيناه، وقال:

ـ اسمعني يا رضوان في اللي هقوله ومتقاطعنيش، مفيش وقت، أنا جبتك النهارده لأني عايزك في أمر مهم.

اعتدل رضوان في جلسته.

ـ خير إن شاء الله.

صمت حسين لحظة، وكأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة.

ثم قال:

ـ بنتي زاد.

رفع رضوان حاجبيه.

ـ مالها؟

ارتعش فم حسين، وبدت في عينيه نظرة رجل لا يخاف على شيء في الدنيا كما يخاف على شخص واحد.

ـ بنتي مش عارفة مصلحة نفسها، هتروح مني وهتضيع مستقبلها، حواليها ناس كتير بيتمنوا ليها السقوط والفشل والفقر، وهي مش شايفة ولا عايزة تشوف، وجيبالي واحد طمعان في فلوسها وأنا أدرى الناس من نظرتي له، وبرده مش مصدقاني.

ظل رضوان يستمع دون مقاطعة.

ـ أنا ماليش غير زاد يا رضوان، أنا خايف عليها أكتر من خوفي على المال اللي فنيت حياتي علشان أكبر فيه، وإني أقدر أأمن ليها مستقبلها ومتحتاجش لحد من بعدي. لكن تصرفاتها الأخيرة ومن بعد موت أمها أدركت إنها مش قد المسؤولية، وهتضيع نفسها ومستقبلها قبل ما تضيع ثروتي.

توقف حسين ليلتقط أنفاسه، ثم تابع:

ـ أنا بقولك كده! بس لازم تعرف إن مش معنى كلامي إنها طايشة؛ لأ، هي عاقلة ومخلصة، بس متعودتش على حمل المسؤولية وبتثق في أي حد ثقة عمياء، وبتشوف إن الناس كلها طيبة وبتتمنى الخير لبعض. بنتي اتربت بين الهوا والميه، مدخلتش في زوايا الحياة وضغوطاتها المختلفة، أنا خايف عليها أوي يا رضوان.

أخفض رضوان عينيه لحظة.

لم يكن حديث حسين غريبًا عليه تمامًا.

فهو أيضًا، كلما أغمض عينيه ليلًا، فكر في أخته ومستقبلها، وفي اليوم الذي لن يستطيع فيه أن يبقى إلى جوارها.

لكن ما الذي يريده حسين منه؟

رفع عينيه إليه.

ـ ربنا يخليهالك، محدش ضامن بكرة فيه إيه، بس برده أنا مش فاهم حضرتك بتلمح لحاجة ومش قادر ألقطها؟

نظر حسين إليه طويلًا.

ثم قالها دون مقدمات:

ـ عايزك تتجوز زاد يا رضوان.

لم يستوعب رضوان الجملة في اللحظة الأولى.

ظل ينظر إليه وكأنه ينتظر أن يتراجع أو يوضح أنه أخطأ في التعبير.

لكن حسين لم يفعل.

اتسعت عيناه.

ـ إيه؟ أتجوز بنتك؟

أومأ حسين.

ـ أيوه، أنا مش هلاقي حد أنسب ولا أحسن منك يحافظ عليها.

مرر رضوان يده على وجهه، وكأنما يحاول أن يستوعب ما سمعه للتو.

ـ أنا كان نفسي أساعد حضرتك، بس بأي حاجة تانية غير الطريقة دي، وأنا مش هينفع أوافق على اللي أنت بتقوله ده.

اقترب صوت حسين من الرجاء:

ـ أرجوك يا رضوان وافق، وهدفعلك المبلغ اللي تقول عليه، بس بنتي أهم حاجة تكون في أمان.

انتفض رضوان من مكانه.

ـ فلوس إيه يا باشا اللي بتتكلم فيها؟ أنا مش باصص لفلوس ولا عايز فلوس منك ولا من غيرك، يفتح الله يا بيه.

هبطت دمعة وحيدة على خد حسين.

لم يمسحها.

فقط قال:

ـ وده اللي مخليني متمسك بيك ومصمم على جوزاك منها، أنت شاب محترم وبتقدر وتحترم العلاقات، وطول عمرك بتحافظ على اللي منك.

حدق رضوان فيه، وقال بانفعال:

ـ أنت متعرفش عني حاجة علشان تسلمني حتة منك.

أجابه حسين بثبات غريب:

ـ أنا عارف عنك كل حاجة يا رضوان.

توقفت أنفاس رضوان للحظة.

ابتلع الغصة التي صعدت إلى حلقه.

ـ لأ، متعرفش أنا مين وأبويا مين.

أخذ حسين نفسًا عميقًا، ووضع يده على صدره.

ـ مش مهم أنت ابن مين، المهم اللي واقف قدامي دلوقتي هو مين! أنت رضوان العطار، الشاب الجدع ابن البلد.

نظر رضوان إلى وجهه الشاحب.

فجأة لم يعد يعنيه ما يقوله الرجل بقدر ما يعنيه ألا يسقط أمامه.

اقترب منه، وجلس إلى جواره، وأمسك يده يربت عليها.

ـ طيب اهدى، الله يباركلك، أوعدك إني هفكر وأرد عليك، بس ارتاح أنت دلوقتي ونتكلم لما تخرج بالسلامة.

قبض حسين على يده قليلًا.

لم يتركها.

رفع عينيه إليه، وكأنه يريد أن ينتزع منه وعدًا قبل أن تنفد قوته.

ـ أنا حاسس إن أيامي بقت معدودة في الدنيا دي، اوعدني يا رضوان، اوعدني إنك هتفكر في طلبي منك على الأقل. أنا خايف يجرالي حاجة وأسيب بنتي تتبهدل من بعدي. زاد مش قد شر الدنيا دي.اوعدني إنك تخليك جمبها وتفضل سند ليها.

سكت رضوان.

لم يجد كلمة واحدة يستطيع أن يقولها.

كان عقله يرفض الفكرة من أساسها.

كيف له أن يتزوج زاد؟

تلك الفتاة العنيدة، ذات الأسلوب الهمجي، التي لم يشعر تجاهها يومًا سوى بالضيق والعداء.

كيف يتحول كل ذلك فجأة إلى زواج؟

حتى الفارق بينهما كبير جدًا.

ظل صامتًا، فزاد قلق حسين.

تسارعت أنفاسه، وبدأ يسعل بعنف.

انتفض رضوان من مكانه.

ـ اهدى، الله يباركلك، أوعدك إني هفكر وأرد عليك، بس ارتاح أنت دلوقتي ونتكلم لما تخرج بالسلامة.

أغمض حسين عينيه.

هدأت ملامحه قليلًا، وكأن تلك الكلمات كانت كافية لتمنحه شيئًا من الطمأنينة.

أما في داخله، فلم تكن هناك سوى أمنية واحدة:

أن يجعل الله لابنته نصيبًا مع رضوان.

فهو، رغم كل شيء، يرى أنه الأنسب لها.

خرج رضوان مسرعًا ينادي الطبيب.

دقائق قليلة، وامتلأت الغرفة بالحركة.

دخل الطبيب، ووضع الجهاز التنفسي على فم حسين، وأعطاه بعض العقاقير الطبية، ثم انتظروا حتى عادت أنفاسه إلى طبيعتها.

خرج رضوان من المشفى.

لم يعرف إلى أين يذهب.

ظل يسير بلا هدف، حتى بدت له شوارع المدينة مألوفة وغريبة في الوقت ذاته.

كان يشعر أن العالم كله ضاق فجأة، وأن سؤالًا واحدًا يطارده أينما ذهب:

لماذا أنا؟

لماذا اختارني هذا الرجل من بين ألف رجل غيري؟

هو فقير.

لا يملك ما يقدمه لفتاة تربت على غير طريقته.

لا يعرفها، ولم يرها سوى مرة أو مرتين، ولم يجمعهما يومًا سوى الكره والغلظة.

كان لا يراها بعينيه إلا امرأة متجبرة.

فكيف يتزوج بها؟

ومن أجل أبيها!

عاد رضوان إلى منزله مثقلًا بما لا يستطيع البوح به.
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه، ثم جلس على طرف فراشه، وبقي للحظات ساكنًا تمامًا.
لم يخلع ملابسه، ولم يفكر حتى في تبديلها.
كان ذهنه أكثر ازدحامًا من أن يسمح له بفعل شيء.
تاهت عيناه بين جدران الغرفة، بينما ظل حديث حسين يتردد في رأسه كأنه لم ينتهِ بعد.
«عايزك تتجوز زاد بنتي يا رضوان.»
أغمض عينيه بقوة.
لماذا هو؟
ولماذا الآن؟
كان كل شيء في حياته يسير في اتجاه لم يخطط له، وكلما حاول أن يستعيد زمام نفسه، جذبه أمر آخر إلى طريق أكثر ارتباكًا.
ظل على حاله حتى طرقت حبيبة الباب، ثم دخلت برأسها وهي تقول:
ـ رضوان؟
رفع عينيه إليها.
ـ نعم؟

ـ جايه أقولك إن ميعادنا بكرة علشان نروح الجامعة ونقدم كل الورق المطلوب.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، كانت مختلفة تمامًا عن تلك التي تسكن قلبه.
ـ حاضر يا بيبو، وأنا هروح معاكي. بس صحيني قبل المعاد.
هزت رأسها، ثم خرجت.
بقي رضوان وحده من جديد.
نظر إلى الباب بعد خروجها، ثم تنهد طويلًا.
كان هناك شيء واحد فقط يستطيع أن يخرجه من دوامة أفكاره ولو لساعات.
حبيبة.
وحلمها.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظ رضوان على الموعد، وكأنه قرر أن يضع كل ما حدث بالأمس في زاوية مغلقة من عقله.
نهض بحزم، واستعد، ثم اصطحب شقيقته إلى الجامعة.
كان يسير بجوارها، يستمع إلى حديثها عن الكلية، بينما يراقب فرحتها التي لم تستطع إخفاءها.
وعندما وقفت أمام مكتب التسجيل وبدأت في ملء الاستمارات، وقف رضوان خلفها مبتسمًا.
نظر إلى اسمها أمامه، ثم إليها.
كل هذا التعب كان يهون أمام لحظة كهذه.
حبيبة تدخل كلية الطب.
أخته التي لم يتركها يومًا، والتي حمل هم مستقبلها فوق كتفيه، بدأت أخيرًا أول خطوة نحو حلمها.
عاد بها إلى المنزل بعد انتهاء الإجراءات، ثم خرج من جديد.

كان وعد حسين يثقل عقله، لكنه لم يذهب إليه.
اكتفى بأن يطمئن عليه من أحد العاملين معه، ثم ظل يفعل ذلك طوال الأيام التالية حتى علم أنه استرد صحته وخرج من المشفى.
عندها اتخذ قراره.
لن يذهب إليه مرة أخرى.
لا يريد أن يسمع ذلك الطلب من جديد، ولا يريد أن يفتح على نفسه بابًا أغلقه بصعوبة.
مرت الأيام.
وفي إحدى الأمسيات، كان رضوان عائدًا من عمله حين استوقفه العم بيومي، صاحب ورشة الحدادة، وأعطاه راتبه الشهري.
أخذ رضوان المال وشكره، ثم عاد إلى منزله.
جلس مع حبيبة في غرفة المعيشة، وأخرج المال من جيبه ومده إليها.
ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
ـ امسكي الفلوس دي يا حبيبة، وخدي ماما وانزلي بكرة واشتري لنفسك شوية هدوم حلوة كده لزوم الجامعة.

اتسعت عيناها وهي تنظر إلى المال، ثم إليه.
لم يكن رضوان يحتاج إلى كثير من المال حتى يسعدها.
كان يكفي أن تشعر أنه يفكر فيها.
ابتسمت له، وأخذت تردد كلمات تحمل فخرها به، بينما ظل هو ينظر إليها في هدوء.
لم يكن يملك الكثير.
لكنه كان يعطيها من القليل كل ما يستطيع.

على الجانب الآخر، كانت زاد قد أصبحت أكثر التصاقًا بوالدها منذ خروجه من المشفى.
كانت ترى التعب في وجهه، وتشعر بذنب لا يفارقها، وكأن مرضه كان نتيجة مباشرة لكل ما فعلته.
أما حسين، فلم يتراجع.
ترك لها الوقت الكافي، لكنه لم يتخلَّ عن فكرته.
كان مصممًا على أن يجمع بين ابنته ورضوان.

وبعد أيام قليلة، تم الاتفاق على عقد قران عزت ورباب خلال الأيام المقبلة.
لم تسعَ فرحة عزت قلبه، وكان أول ما فكر فيه أن يذهب إلى رضوان بنفسه ليخبره.
وحين وقف أمامه، لم يكن رضوان بحاجة إلى كثير من الكلمات ليعرف الخبر.
شعر بوخزة حادة في صدره، لكنه أخفاها خلف ابتسامة ثابتة.
ـ ألف مبروك يا عزت، ربنا يتمم بخير.

ابتسم عزت بسعادة.
ـ الله يبارك فيك يا رضوان، وعقبالك كده نفرح بيك قريب أنت كمان، يلا اتجدعن وحصلني.

ضحك رضوان ضحكة خافتة لم تصل إلى عينيه.
ـ إن شاء الله نطمن عليك أنت الأول.

ثم تذكر عزت شيئًا وقال:
ـ آه كنت هنسى، رباب بعتالك السلام وبتقولك عايزاك تعملها فرح محصلش، الفراشة والأنوار من أول بيتها لحد آخر الحي كله.

صمت رضوان لحظة.
ابتلع شيئًا مرًّا استقر في حلقه، ثم قال:
ـ بس كده؟ من عينيا، هعملك فراشة، الحي كله هيتحاكى بيه.
ثم بارك له مرة أخرى.
ابتسم.
وتمنى له السعادة.
وفقط الله كان يعلم كم كلّفته تلك الابتسامة.

اقترب موعد الزفاف.
وكان رضوان بنفسه يشرف على تجهيز الفراشة والقاعة، يتنقل بين العمال ويتابع كل تفصيلة.
كان يصنع بيديه احتفالًا للرجل الذي سيأخذ المرأة التي أحبها.
ولم يكن هناك من يعرف ماذا يحدث داخله سوى الله.
وفي إحدى المرات، جاءه صبحي يستغيث به.
وقعت فوزية مغشيًا عليها فجأة.
ذهب إليه مسرعًا، وأخذ معه طبيب المركز الصحي، وبقوا حتى عادت إلى وعيها واطمأنوا عليها.
تركهم رضوان وغادر.
لكن ما إن وطأت قدماه الحارة حتى توقف.
لم يكن مستعدًا للمشهد.
زينة ملونة تمتد في المكان.
أنوار.
أصوات موسيقى وأهازيج فرح.
وضحكات تتصاعد من كل ناحية.
ظل واقفًا لثوانٍ، وكأن قدميه فقدتا القدرة على الحركة.
ثم سار.
خطوة.
تلو الأخرى.
حتى وصل إلى مصدر الاحتفال.
وهناك رآها.
رباب.
في ثوبها الأبيض.
كانت تتألق وسط الزينة، تبتسم، وعيناها تجولان بين الحاضرين حتى وقعتا عليه.
توقفت عيناهما معًا.
وللحظة، شعر رضوان أن كل الأصوات من حوله اختفت.
لم يرَ أحدًا.
لم يسمع شيئًا.
فقط رباب.
تبتسم له.
وكأن ابتسامتها تحمل ألف كلمة:
لقد انتهى كل شيء.
أنا الآن لغيرك.
وسأعيش مع غيرك.
وأنت أصبحت ماضيًا.
ظل ينظر إليها.
ثم أخذ نفسًا بطيئًا، وكأنه يحاول أن يدفن شيئًا حيًا داخله.
اختلطت مشاعره.
كان سعيدًا لها.
وسعيدًا لعزت.
لكن قلبه كان ينزف في الوقت نفسه.
وعلى شرفة المنزل، كانت زهرة وحبيبة تراقبانه.
لم تحتج حبيبة إلى أن تسأل أمها عن حاله.
كانت ترى أخاها بعينيها.
وشعرت بغصة في حلقها.
«عيناي ترى جحيمًا يأتي من داخل قلب أخي. يا ليتني أستطيع محو كل تلك الآلام التي تعتلي قلبه، لكني عاجزة أمام هذا المشهد المؤلم. أعرف حبه، وأعلم أنني لا أستطيع فعل شيء لمساعدته. أتمنى لو أستطيع أن أحمل جزءًا من ألمه على عاتقي.

في الجهة الأخرى، كان عزت يعيش أسعد لحظاته.
يرقص في ساحته، يضحك، ويحيط به أصدقاؤه.
أما كريم وعصام، فلم يكونا يشاركانه فرحته.
كان الغضب يأكلهما.
اقترب كريم من رضوان وقال:
ـ إحنا لازم نبوظ الجوازة دي.

لكن رضوان أوقفه بنظرة حاسمة.
ـ خلاص الموضوع انتهى ورباب بقت مرات أخويا، ومن هنا ورايح مش عايز أسمع كلام في الموضوع ده تاني.

ـ أنت إيه البرود اللي فيك ده يا أخي، شايف أمها بتبصلنا وتضحك علينا إزاي؟ دي زي ما تكون شمتانة فيك! أقسم بالله يا رضوان أنا لو مكانك لاتجوز في أقرب فرصة علشان أوقف الولية دي عند حدها وأرد ليها الكيل بمكيالين.

هز عصام رأسه مؤيدًا.
ـ أنا مع كريم في رأيه يا رضوان، أنت هتفضل مستنى لحد إمتى؟ أنت لازم تاخد خطوة وتفكر وتتجوز واحدة تستاهلك وتقف جمبك وتعمل عيلة، زائد إنك توري أهل رباب إن الدنيا مبتقفش على حد.

أكمل كريم بضيق:
ـ كفاية إنهم شرطوا على عزت يخليك تعمل كوشة فرحهم بإيدك، دول قاصدين يهدوك يا رضوان، فوق بقى لنفسك يا أخي.

وقبل أن يرد، لمح عصام امرأة تقترب منهم.
عرفها فورًا.
عفاف.
والدة رباب.
ابتلع ريقه وقال:
ـ استر يا رب، هي الست دي جاية علينا ولا أنا يتهايألي!

رفع رضوان عينيه.
كانت تقترب منه بالفعل.
وقفت أمامه، وابتسمت ابتسامة لم تخفِ ما في داخلها، ثم قالت:
ـ عقبالك يا رضوان. لما نفرح بيك.

زفر كريم وعصام بضيق.
أما رضوان، فلم يكن لديه ما يكفي من الطاقة ليدخل معها في معركة جديدة.
اكتفى بهز رأسه.
ـ إن شاء الله.

همّ بالانصراف، لكنها أوقفته:
ـ إيه ده يا رضوان أنت مش هتيجي تبارك لصاحبك وأخوك عزت، ده فرحه على رباب بنتي الليلة، ولا أنت مش واخد بالك! شوفت بنتي زي فلقة القمر إزاي! إسم الله عليها.

مسح رضوان وجهه، ثم نظر إليها ببرود:
ـ لا واخد بالي كويس وأنا اللي عامل الفراشة لو محدش قالك، ودي نقطة فرح صاحبي وأخويا، أما بقى العروسة حلوة ولا وحشة فده يرجع لجوزها، أنا مايخصنيش.

كبتت عفاف غيظها.
ثم لمحت زهرة في الشرفة.
رأت القلق على وجهها.
فابتسمت ابتسامة خبيثة.
اقتربت من رضوان، وخفضت صوتها:
ـ أنا عارفة إنك واخد على خاطرك من ساعة ما أمك جتلي البيت وفضلت تتحايل عليا أوافق عليك علشان متتكسرش؛ بس أنا بقى رجعتها وخاطرها هي اللي مكسور، بس غصب عني يا رضوان، البت مش موافقة، وزي ما أنت عارف كل شيء بالخناق إلا الجواز بالاتفاق.

تجمد رضوان.
لم تتحرك ملامحه في البداية.
فقط اتسعت عيناه.
التفت ببطء ناحية الشرفة.
كانت أمه هناك.
رأى الخوف في عينيها.
ولم يحتج إلى أكثر من ذلك.
عرف أن عفاف لم تكذب.
قبض يديه، ثم استدار وغادر دون أن ينطق بكلمة.
فتح باب المنزل بقوة.
أتت زهرة مسرعة، وحبيبة خلفها.
كان وجهه لا يبشر بخير.
نظر إلى أمه مباشرة.
ـ هي كلمة واحدة ومش عايز لف و دوران، أنتِ روحتي لأم رباب علشان تترجيها تجوزني بنتها!

ابتلعت زهرة ريقها.
حاولت أن تحافظ على ثباتها.
ـ أيوه روحت بس...

ضرب رضوان يده في الحائط.
شهقت زهرة وفزعت.
وضعت حبيبة يدها على فمها.
لم تتخيل أن يصل به الغضب إلى هذا الحد.
ـ ليه روحتي! ليه تذليني وتذلي نفسك ليه وعلشان إيه!

اغرورقت عينا زهرة.
اقتربت منه.
ـ علشانك يا رضوان، مقدرتش أشوفك زعلان وواحدة زي عفاف تتحكم في مشاعرك وتحرمك من البنت اللي حبتها يا ابني.

ضحك رضوان ضحكة قصيرة موجوعة.
ـ ها والنتيجة إيه يا أمي! قوليلي النتيجة إيه! ليه تعملي فيا كده وليه تروحي أصلًا ومن غير ما تعرفيني.

ثم ارتفع صوته:
ـ خلاص شايفاني عيل أوي وهموت من غير رباب! هو اللي خلقها ما خلقش غيرها! مش إحنا اللي نذل نفسنا لناس زي دول. ليه كسرتي تيجي منك أنتِ يا أمي؟

ـ يا رضوان اسمعني أنا.

ـ كفاية، مش عايز أسمع حد، هتقولي إيه تاني؟ أنا جوايا نار محدش حاسس بيها.

تحركت حبيبة نحوه.

ـ رضوان الله يخليك حاول تهدى ولا تعصبش نفسك على ناس زي دول. ماما أكيد عملت كده علشان...

قاطعها فورًا:
ـ مش عايز أسمع كلمة زياده، وكفاية أوي لحد كده.
تركهما.
وقف للحظة عند الباب، ثم نظر إلى أمه.
لم يكن غاضبًا منها فقط.
كان يشعر أن شيئًا في داخله انكسر.
أمه، التي أرادت أن تنقذه، جرحت كبرياءه دون أن تقصد.
خرج من الغرفة.
لم يعرف إلى أين يذهب.
لكن صوت الفرح كان ما يزال يصل إليه من الخارج.
موسيقى.
ضحكات.
زغاريد.
كلها كانت تتحول في أذنه إلى ضجيج مؤلم.
صعد إلى سطح المنزل.
جلس، وأسند رأسه بين يديه.
أغمض عينيه.
ظهرت رباب أمامه.
فستانها الأبيض.
ابتسامتها.
نظرتها.
ثم حديث كريم.
«لازم تتجوز.»
ثم نظرات عفاف.
ثم أمه.
ثم نفسه.
فتح عينيه فجأة.
لم يعد يحتمل.
نهض.
أمسك هاتفه.
ظل إصبعه فوق اسم حسين للحظات.
ثم ضغط اتصالًا.
جاءه الرد.
قال رضوان بصوت حاسم:
ـ أنا جاي لك حالًا يا حسين بيه، عايزك في موضوع مهم.
أغلق الهاتف.
لم يمنح نفسه فرصة للتراجع.
خرج من الحي.
حين وقف أمام حسين، كان وجهه مختلفًا.
لا تردد.
لا ارتباك.
فقط قرار اتخذه رجل وصل إلى آخر حدود احتماله.
ظل حسين ينظر إليه، وكأنه يخشى أن يكون قد فهم الأمر خطأ.
قال رضوان بوضوح:
ـ أنا موافق.

لم يصدق حسين.
ظل ينظر إليه.
وبعد حديث طويل دار بينهما، غادر رضوان.
أما حسين، فصعد إلى ابنته.
كانت زاد لا تعلم شيئًا.
أخبرها أن هناك شابًا تقدم لها، وأنه وافق عليه.
وكان الرفض هو أول ما خرج منها.
لكن حسين لم يتراجع.
ـ لو رفضتي، هحرمك من كل ثروتي. وهتبرع بكل ممتلكاتي للي يستحقها. وده أمر منتهٍ.

حدقت فيه زاد.
كان أبوها يتحدث بجدية لم ترَ مثلها من قبل.
لم تجبه.
لم تكن تريد أن تراه يمرض مرة أخرى بسببها.
لكنها لم تستطع أن تستوعب ما يحدث.
خرجت من عنده مسرعة.
وكان أول شخص فكرت فيه هو باسل.
ذهبت إليه وهي تظن أنها ستجد عنده النجدة.
وجدته في الفندق.
وحين أخبرته، كانت تنتظر أن يقف إلى جوارها.
أن يغضب.
أن يرفض.
أن يخبرها أنه لن يتركها تواجه ذلك وحدها.
لكن باسل كان يترنح، وشبه ثمل.
نظر إليها، ثم قال:
ـ حبيبتي، افهمي عليَ، أنتِ في الأول راح توافقي مشان تثبتي لَبيك إنك خلاص نسيتيه لباسل، بس قبل كتب الكتاب تحطي شرط إنه بيك يكتب كل ثروته الكِ بيع وشراء، أو يكتب لك تنازل بكل ممتلكاته شرط هاد الزواج، وبعد ما أبوكي يوافق ويكتب كل شي، تكتبي الكتاب لحد ما الأوراق تتوثق في الشهر العقاري، وبعد هيك ترمي هاد الرجال في مكب الزبالة، ووقتها أنا وأنتي بنتزوج، ومافي حدا يقدر يوقفنا وقتا، حتى أبوكي نفسه مابيقدر.

ظلت زاد تنظر إليه.
لم تتحرك.
كانت تسمع الكلمات، لكنها لم تجد لها مكانًا في عقلها.
ثم تراجعت خطوة.
وأخرى.
للمرة الأولى، شعرت أنها لا تعرف الرجل الذي أمامها.
باسل الذي ظنت أنه سيكون سندها، كان يضع خطة لسرقة أبيها، وخداع رجل لا يعرفه، ثم التخلص منه.
وفوق ذلك كله... كان ثملًا.
تغير شيء في عينيها.
انطفأت صورة الحبيب، وظهر أمامها رجل آخر.
رجل جشع.
طماع.
انتهازي.
وتذكرت كلمات أبيها.
صدقت كل حرف.
رفعت يدها وصفعته بقوة.
ـ أنا عمري ما كنت أتوقع إنك تكون بالندالة دي، وكمان سكران! أنا بحمد ربنا إن بابا رفضك، وإلا كنت هندم في كل ليلة إني متجوزة واحد زيك.

أنهت حديثها وغادرت.
ظل باسل يترنح في مكانه، واضعًا يده على وجنته، يناديها بصوت متثاقل.
لكنها لم تلتفت.
عادت زاد إلى منزلها.
لم تكن غاضبة فقط.
كانت مكسورة.
كانت قد ذهبت إلى باسل وهي تحمل أملًا واحدًا: أن تجد فيه الشخص الذي يحارب العالم من أجلها.
وعادت وهي تعرف أنها كانت مخطئة في الشخص الذي وثقت به.
جلس حسين معها أكثر من مرة.
حدثها عن خوفه.
عن مستقبلها.
عن سبب تمسكه بهذا الزواج.
ترك لها الوقت.
لم يجبرها على إجابة فورية.
لكن زاد كانت محاصرة بين رغبتها وبين أبيها.
وبعد أيام من التفكير، ذهبت إليه.
كانت عيناها ممتلئتين بالحزن.
وقالت:
ـ موافقة.

لم يفرح حسين بطريقة صاخبة.
فقط أغمض عينيه للحظة، وكأنه حمد الله في سره.
ثم أخبر رضوان.
واتفقا على أن يكون عقد القران في اليوم التالي.
حل الموعد.
جلس حسين في الفيلا ينتظر.
كان ينظر إلى الساعة بين لحظة وأخرى.
وينتظر هبوط زاد من غرفتها.
كان قلبه ينبض بقوة، ورغم القلق الذي يسكنه، كان يؤمن أن ما فعله هو الطريق الصحيح.
أما رضوان، فلم يخبر أحدًا من عائلته.
كان ما يزال غاضبًا.
لم يتحدث معهم إلا في أضيق الحدود.
ولم يعلم بزواجه سوى كريم، الذي سيشهد على عقد القران.
وصل رضوان.
كان يرتدي قميصًا وبنطالًا منسقين، لكنه لم يكن يهتم بمظهره بقدر اهتمامه بالخطوة التي جاء من أجلها.
سار ببطء نحو قاعة العقد.
كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.
لم يرَ زاد إلا مرتين.
لا يعرف عنها سوى اسمها.
ولا يعرف طباعها الحقيقية.
كل ما بينهما كان نفورًا واحتكاكات عابرة.
فما الذي يفعله هنا؟
هل جاء ليبدأ حياة جديدة؟
أم جاء فقط ليهرب من حياة لم يعد قادرًا على احتمالها؟
توقف أمام الباب.
أخذ نفسًا عميقًا.
ظل واقفًا للحظة.
ثم رفع يده ودفع الباب.
ودخل.
لم يكن يعرف أن خلف هذا الباب ستبدأ أكثر فصول حياته اضطرابًا.
ولم يكن يعلم أن الفتاة التي لم يرَ فيها يومًا سوى امرأة متجبرة، ستصبح بعد دقائق زوجته.


تعليقات