رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الحادي عشر 11 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الحادي عشر 

"تظل وحيدًا، حتى لو كان الجميع حولك، حين تنظر إلى جدران المنزل فلا ترى فرقًا بينها وبين جدران السجن، ما دمت لا تزال أسيرًا للماضي."
هكذا كانت رباب.
وحيدة... رغم أن البيت لم يعد فارغًا من البشر.
وعادت إلى منزلها الجديد بعد أسبوعين قضتهما مع عزت في شهر عسلهما، لكن شيئًا واحدًا لم يعد جديدًا بالنسبة إليها...
الندم.
كان يزداد كل صباح، ويتضخم مع كل ليلة تمر عليها وهي بجوار رجل لم تستطع أن تراه زوجًا مهما حاولت.
كلما اقترب منها عزت، حتى لو لم يفعل أكثر من أن يمسك يدها، انتفض داخلها شيء يشبه النفور الغريزي؛ كأن يده لم تكن يد زوج، بل شوكًا ينغرس في عظامها، أو جمرة تلامس روحًا لم تتعافَ من حريقها الأول.
كانت قد ظنت أن رضوان لن يحتمل رؤيتها مع رجل آخر.
ظنت أن غيرته ستدفعه للعودة إليها، وأن زواجها من عزت سيكون مجرد صدمة توقظه، فيأتي إليها، يتمسك بها، ويثبت لها أنها ما زالت تعني له شيئًا.
لكن رضوان لم يأتِ.
ومر أسبوعان كاملان...
وها هي تعود إلى بيتها الجديد، حاملة معها فستان العروس، وذكريات شهر عسل لم تعشه بقلبها، وندمًا لا تعرف كيف تتخلص منه.
جلست في إحدى غرف المنزل، تحدق أمامها بشرود، ثم أغمضت عينيها للحظات.
لو أنها تستطيع العودة إلى الوراء...
لكنها لم تكن تملك سوى حاضرها.
كان عزت قد خرج لبعض الوقت، وحين عاد، كانت أصوات مفاتيحه عند الباب كفيلة بأن تنتشل رباب من شرودها.
دخل وهو يحمل عدة أكياس من الطعام الجاهز اشتراها من أحد المحلات المجاورة، وعلى وجهه ابتسامة رجل يحاول بكل ما يملك أن يصنع حياة سعيدة مع المرأة التي لطالما أحبها.
وضع الأكياس فوق الطاولة، ثم أخذ ينادي عليها.
لم تكن ترغب في الخروج.
مجرد سماع صوته كان يضيق صدرها.
لكنها تذكرت أمها، وتذكرت أن عيونها لن ترحمها إن رأت ابنتها، وهي عروس جديدة، تهمل نفسها وتعيش بوجه عابس.
وقفت أمام المرآة، أصلحت هيئتها، ورسمت على شفتيها ابتسامة لا تشبه قلبها، ثم خرجت.
جلست أمام عزت برسمية، بينما كان هو ينظر إليها بسعادة واضحة، وكأن مجرد جلوسها إلى جواره انتصار صغير يستحق الاحتفال.
وأشار بيده إلى الطعام وقال مبتسمًا:
ـ إيه رأيك بقى يا ست الستات؟ جبتلك شوية كفتة وحمام محشي! إنما إيه! يرموا العضم! وكمان حماتي الست الكُمل، الله يباركلها، قابلتني وأنا طالع على السلم، وقالت هتبعتلنا غدا محترم ومعاه طاجن عكاوي، إنما إيه... حاجة عسل.

ظلت صامتة.
راقبها عزت لحظات، ثم مال قليلًا نحوها، وقال بتعجب:
ـ إيه؟ ساكتة ليه يا رباب؟

رفعت عينيها إليه، وأجابته باستنكار:
ـ لسه كنت هقولك تسلم، ما جابك يا عزت، بس أنت مش مديني فرصة أتكلم.

جلس أمامها متلهفًا، وكأنه وجد في حديثها فرصة جديدة ليسمع صوتها، وقال بنفي:
ـ يقطع لساني اللي جابلي الكلام ده! وأنا طول عمري أسمع صوتك اللي عامل زي الكروان يا ست الستات!

زفرت بحنق، ثم أجابته بابتسامة مصطنعة:
ـ تسلم يا عزت، وما كانش له لزوم تجيب كل الأكل ده، مادام أمي عاملة حسابنا في الغدا.

أجابها ببساطة:
ـ يا ستي، زيادة الخير خيرين.

ثم سكت.
كانت عيناه تتأملانها بإعجاب صريح، يتغزل في جمالها بصمت، بينما كانت هي تبتسم له فقط لأنها لا تريد أن يرى شيئًا آخر.
وفجأة...
صدح جرس الباب.
نهض عزت وذهب ليفتح، فأخذ الصحون من شقيقها الصغير الذي كان يحمل الطعام، ثم أغلق الباب وعاد إليها.
وضع الطعام أمامهما، وجلس بجوارها.
ولم يحتج الأمر أكثر من ثوانٍ حتى فضح الجوع نفسه.
التهم الطعام بعينيه قبل يديه، ومد يده يأكل بنهم شديد دون حتى أن يطلب منها أن تشاركه.
كانت رباب تحدق فيه بدهشة.
وحين انتبه عزت إلى نظراتها، حمحم بحرج، وكأنه تذكر فجأة أنه يجلس أمام زوجته وليس وحده، وحاول أن يبرر جوعه الشديد.
لكنه لم يستطع الانتظار أكثر.
أخذ قطعة من الطعام بيده ومدها إليها.
ترددت.
ثم أخذتها منه رغمًا عنها.
ابتلعتها بصعوبة، بينما كانت عيناها تبحثان عن مدخل للحديث الذي خرجت من أجله أصلًا.
وبعد صمت لم يطل، قالت بتفكير:
ـ إلا قولي يا عزت.

ابتسم على الفور.
ـ عيون عزت.

بادلت ابتسامته بابتسامة محبة مصطنعة، ثم وضعت قطعة الطعام في فمه وهي تقول بمكر:
ـ هو يا خويا، أنت مالكش أصحاب غير كريم وعصام ورضوان؟

أجابها وهو يلوك الطعام:
ـ لا طبعًا، ليا، بس الشغل واخدني منهم، ما فيش بينا غير سلام سلام يعني، بس ليه بتسألي؟

ابتلعت لعابها، وحاولت أن تجعل نبرتها عابرة:
ـ أصل يعني، ما فيش حد جه ينقطك ويباركلك من بعد ما رجعنا من السفر غير عصام وكريم.

ثم أشاحت بعينيها عنه، وكأن الاسم الذي ستقوله بعد قليل يحتاج منها شجاعة:
ـ حتى رضوان، اللي أنت واكل معاه عيش وملح، ما جاش يباركلك ولا سأل عليك. هي دي الأصول برضه؟

توقفت حركة عزت.
أعاد الطعام إلى الصحن، وظل صامتًا لحظات.
ثم رفع عينيه إليها.
كان في نظرته هذه المرة شيء مختلف.
شك.
وقال:
ـ هي إيه العبارة بالظبط يا رباب؟

ارتبكت.
ـ عبارة إيه؟

ـ كل يوم تفتحي موضوع جديد علشان سيرة رضوان تيجي في النص. مش خير ولا إيه؟

اندفعت مدافعة عن نفسها:
ـ قصدك إيه يا عزت؟ اظبط كلامك.

نظر إليها متهكمًا:
ـ لا يا حُب، اظبطي أنتِ، علشان أنا شامم ريحة خطر، وكده خطر فعلًا. أنا عايز أفهم إيه العبارة. يوم ما كنا هنشتري الشبكة، صممتي إن رضوان ييجي، ويوم كتب الكتاب صممتي برضه إنه يشهد على العقد، بس هو كان مسافر في تسليم طلبية للشغل، ويوم الدخلة نشفتي دماغك إنه يعمل الكوشة بنفسه، وفي الصباحية قبل ما نسافر سألتي لو مش هييجي رضوان يوصلنا لحد الموقف، ودلوقتي رضوان ما جاش ليه؟ مش خير يا ست رباب؟

تقلص وجهها.
وضاق عليها السؤال.
فنهضت فجأة، وكأن غضبها هو الحائط الأخير الذي ستختبئ خلفه، وقالت بعصبية:
ـ الزم حدودك معايا في الكلام يا عزت، ولا أنت مش عارف أنت بتتكلم مع بنت مين؟ أنا رباب. رباب بنت المعلم صفوت، كبير الجزارين، ما تنساش. وإن كان سؤالي على صاحبك، فعلشان أنت يا خويا رافع بيه الراية وطالع بيه السما، وكل شوية تقولي رضوان ده أخويا اللي ما جابتوش أمي. فقلت: يا بت، فين أخوه ده؟ مش شايفاه أخوه في الموضوع؟ وبعدين ييجي ولا ما ييجيش، هو صاحبي ولا صاحبك، والمرادي أنا هعديهالك بس علشان أنا عارفاك غشيم، بس المرة الجاية هتزعل مني أوي يا عزت.

أنهت كلامها، واستدارت وغادرت.
ناداها عزت من خلفها:
ـ خدي يا رباب! أنتِ يا بت! طب خلاص تعالي، مش قصدي! أنتِ ماشية وسايباني ليه كده؟ طيب والعكاوي!

جاءه صوتها من بعيد، غاضبًا:
ـ شبعت واتسدت نفسي، ما هي كانت جوازة سودا.

ثم أغلقت الباب خلفها بعنف.
ظل عزت ينظر إلى الباب لحظات.
تأفف، وهز رأسه بضيق، ثم عاد إلى الطعام، أمسك قطعة من اللحم وقال لنفسه بنهم:
ـ الأكل مالوش دعوة بالزعل. كُل يا عزت، كُل واملأ معدتك، وبعدين خش صالحها. دي باينها جوازة الهنا.

اقتربت الشمس من المغيب، وكانت زهرة لا تزال تجلي أرضية المنزل، بينما كانت حبيبة تجاهد لتبقى واقفة على قدميها.
لم تكن غرفة رضوان مجرد غرفة بالنسبة لزهرة.
كانت تحاول أن تجعل كل شيء فيها مرتبًا كما طلب ابنها، وكأنها بذلك تحاول إصلاح شيء آخر لا تستطيع الوصول إليه.
اعتدلت حبيبة، وكان التعب ظاهرًا على وجهها.
مسحت جبينها وقالت لأمها بامتعاض:
ـ أنا تعبت يا ماما، مش قادرة أكمل.

كانت زهرة تحمل الكتب وتنظفها، وعلى ملامحها وهن لم يكن سببه العمل وحده.
منذ عرف رضوان بما فعلته، وهو يتحدث إليهما بالحد الأدنى.
قالت دون أن تنظر إليها:
ـ بلاش دلع، إحنا قربنا نخلص خلاص.

ردت حبيبة بتأفف:
ـ دلع! هو فين الدلع ده! كفاية بجد يا ماما، دي ولا كأنها ترويقة العيد. من الصبح وأنتِ مستلماني مسح وكنس وترويق. والله حرام، أنا ضهري اشتكى. وبكرة أول يوم ليا في الجامعة، بقى ده منظر واحدة جامعية! المفروض أريحلي فيها يومين على الأقل.

ابتسمت زهرة بهدوء، وكأن شكوى ابنتها أعادتها إلى سنوات بعيدة، وقالت:
ـ آه على بنات اليومين دول! زمان وأنا في عز شبابي وفي عز دراستي، كانت أمي الله يرحمها تقولي: أنا رايحة لخالتك يا زهرة، وهغيب ساعتين زمن. أرجع ألاقي البيت بيبرق. تروح وترجع وتلاقي البيت مراية كده. مش دلوقتي، لو اتحايلنا عليكِ أسبوع مش هتخلصي برضه. بلا هم.

 وقفت حبيبة باعتراض، ورفعت كتفيها في ضيق، ثم عقدت حاجبيها وهي تنظر إليها بملامح ممتعضة، وكأنها تستنكر ما يُطلب منها، وقالت:

ـ والله كل وقت وله آذان. أنا واحدة عندي الغضروف وتعبانة طول السنة في المذاكرة ومهدود حيلي، والله حرام كده! بقى ده منظر واحدة داخلة طب؟

ابتسمت زهرة بسخرية خفيفة، وهزت رأسها وهي تضع الكتب على الرف، ثم التفتت إليها، وقد بدا على وجهها شيء من الاستنكار لحديث ابنتها:

ـ يعني اللي في طب ما بيعملوش حاجة غير المذاكرة وبس؟ ده في ناس بتبني نفسها بنفسها زائد التعليم. وبعدين هو بمزاجي؟ أخوكِ اللي طلب مننا نروق البيت حلو علشان في ضيف مهم جاي. عمومًا خلصي اللي وراكي، وخشِي نامي من العشا، مش هقولك حاجة، علشان تصحي فايقة للجامعة.

توقفت حبيبة عن العمل، وأسندت ذقنها إلى يدها، وظلت تنظر إلى أمها للحظات، وقد أثار ذكر الضيف فضولها أكثر مما أثار اهتمامها بترتيب المنزل. أخذت تفكر، تحاول أن تتذكر إن كان رضوان قد أخبرها بشيء عن الأمر، ثم قالت:

ـ تفتكري مين الضيف ده يا ماما؟

تنهدت زهرة، وأطلقت زفرة طويلة وهي تهز رأسها بيأس، ثم عادت إلى ما بيدها، وكأنها لا تريد فتح باب الأسئلة الذي تعرف جيدًا أن ابنتها لن تغلقه بسهولة:

ـ علمي علمك، وأنا ما سألتش. كنت ملبوخة في الطبيخ. ولو سألته، مش هيديني عقاد نافع. أنتِ عارفة، من يوم ما عرف باللي عملته وهو بيتكلم معانا بالعافية.

توقفت حبيبة عن تحريك يديها، وضيقت عينيها قليلًا، ثم رفعت رأسها إليها باستغراب، وكأن إجابة أمها زادت الأمر غموضًا بدلًا من أن تفسره:

ـ غريبة.

التفتت إليها زهرة بسرعة، وحدقت بها لحظة، ثم رفعت حاجبًا واحدًا وهي تستنكر طريقتها في الكلام، قبل أن تقول:

ـ هو إيه اللي غريبة يا بوز الأخص أنتِ؟

ضحكت حبيبة ضحكة قصيرة، ثم هزت رأسها وهي تشرح وجهة نظرها، وقد بدا الفضول واضحًا في عينيها:

ـ أصل كده كده رضوان قلبه أبيض وهيروق مع الوقت، بس اللي أنا مستغرباله إنه عمره ما جاب ضيف البيت، وخصوصًا لو راجل. اشمعنى بقى دلوقتي؟

ظلت زهرة تنظر إليها بصمت للحظات، وكأنها هي الأخرى لم تجد تفسيرًا مقنعًا للأمر. لكن قبل أن تجيب، لمعت عينا حبيبة فجأة، وكأن فكرة خطرت لها للتو، فاستقامت في جلستها، واتسعت عيناها بدهشة مصطنعة، ثم شهقت:

ـ يكونش الضيف ده واحدة ست يا ماما؟ أخويا انحرف بسبب الضغوطات النفسية! يلهوي!

اتسعت عينا زهرة في صدمة، ولم تنتظر حتى تكمل حبيبة ضحكتها، فمدت يدها إليها ولكزتها بقوة، ثم راحت تحدق بها بغيظ، وقد احمر وجهها من فرط الاستنكار:

ـ اخرسي! قطع لسانك، قليلة أدب! ومن إمتى أخوك بيجيب حريم البيت؟ وبعد الشر عنه من الانحراف! يا بجحة يا عديمة الدم، امشي غوري خلصي اللي وراكي، أحسن وديني أتصل عليه أخليه يكهربك.

تراجعت حبيبة قليلًا من أثر اللكزة، ثم لوت فمها اعتراضًا، وفركت ذراعها وهي ترمق أمها بنظرة متذمرة، قبل أن تعود إلى عملها متمتمة في نفسها.

لكن رغم انشغال يديها، لم ينشغل عقلها بالأمر.

ظل السؤال يلح عليها، وكلما حاولت طرده عاد إليها من جديد.

من هذا الضيف الذي سيأتي به رضوان؟

في مكان آخر...
كان كريم يجلس داخل الفيلا، لكن عينيه لم تعرفا أين تستقران.
لم يكن قادرًا على إخفاء دهشته.
كل شيء حوله كان يقول إن حسين يعيش حياة بعيدة كل البعد عن حياة رضوان.
اتسعت عيناه وهو يتأمل الفخامة المحيطة به، ثم عاد السؤال نفسه يطرق رأسه:
كيف لرجل ثري إلى هذا الحد أن يوافق على زواج ابنته الوحيدة من شاب فقير مثل رضوان؟
لم يكن ما يشعر به حقدًا.
كان سؤالًا طبيعيًا يطرح نفسه على كل من يرى هذا الفارق بعينيه.
وضع أحد الخدم الضيافة أمامه، فتقلبت عيناه في أرجاء المكان مرة أخرى، يتفحص فخامة المكان بصمت، وكأن كل تفصيلة جديدة تزيد دهشته.

وفجأة صدح هاتفه. نظر إلى الشاشة، وأستاذن بإشارة سريعة، ثم ابتعد عن مجلسهم حتى لا يصل حديثه إلى مسامعهم، وأجاب.

كان عصام.

ـ أيوه يا عصام، إحنا وصلنا من خمس دقايق. ويا ريتك كنت معايا وشفت اللي أنا شفته! الناس هنا إيه؟ غنية أوي يا عصام! دول شكلهم بيلعبوا بالفلوس لعب.

لم يهتم عصام كثيرًا بما يقوله، وجاء صوته جادًّا وهو يدخل مباشرة في صلب الموضوع:

ـ سيبك من كل ده دلوقتي. بصراحة يا كريم، أنا من وقت ما عرفت ودماغي هتتفرتك من التفكير. إزاي رضوان ما يعرفناش غير وهو رايح يكتب الكتاب، وكمان ياخدك علشان تشهد؟ ولولا كده ما كناش عرفنا! وأمه وأخته لحد دلوقتي ما يعرفوش؟ أنا مش قادر أفهم حاجة، وإزاي وقع على البنت دي؟ أنا خايف على رضوان.

عقد كريم حاجبيه قليلًا، ثم أجابه بثقة، وكأنه يعيد ترتيب الأحداث أمام صديقه:

ـ ما هو قالك يا عصام إنه شافها وهو بيسلم شغله وعجبته، وعمل موقف جدعنة مع أبوها. ولما طلب إيدها كان متوقع إنه هيرفضه، لكنه اتفاجئ بالموافقة، وحددوا كتب الكتاب النهارده، وهياخد عروسته ويروح بيها على بيته من غير هيصة، علشان والدتها متوفية من كام شهر بس. أما بقى حوار إنه معرّفش حد، فأنا بظن إن رضوان عايز يفاجئ الكل في الحارة، وخصوصًا عيلة رباب، إنه وقع على جوازة محدش يحلم بيها وعملها في أسبوعين بس، وبكده يبقى ضرب عصفورين بحجر واحد.

ساد الصمت للحظات من الطرف الآخر، وكأن عصام يحاول استيعاب الأمر، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:

ـ ممكن يكون تفسيرك صح. الخيرة فيما اختاره الله، وربنا معاه ويسعده. رضوان طيب ويستاهل كل خير.

ابتسم كريم ابتسامة جانبية، وقال ممازحًا:

ـ آه، وعقبالي أنا كمان.

اندهش عصام، وجاءه صوته مستنكرًا:

ـ عقبالك إيه يا أبو العيال؟ ما تلم نفسك شوية!

ضحك كريم بخفة، ولوّح بيده وكأن صديقه بالغ في فهم كلامه:

ـ يا عم أنا بهزر. ويلا بقى، أنا هقفل علشان رضوان بيشاورلي. شكلهم هيكتبوا الكتاب دلوقتي.

أغلق كريم الهاتف، وألقى نظرة سريعة نحو رضوان، الذي كان ينتظره بإشارة من يده، ثم نهض واتجه إلى صديقه.

وفي الجهة الأخرى، أشار حسين إلى المأذون، فاستعد الأخير لبدء ترتيبات عقد القران.

لو كان الحزن هيئة بشر...
لجلس إلى جوار زاد، وبكى معها.
كانت تجلس أمام المرآة، تحدق في انعكاس وجهها وكأنها ترى امرأة أخرى لا تعرفها.
منذ أن اكتشفت حقيقة باسل، لم تعد الأشياء كما كانت.
لم تكن قد تعلقت به إلى الحد الذي يجعل فراقه نهاية العالم، لكنها وثقت به.
وهذه كانت الطعنة الحقيقية.
أن تكتشف أن الإنسان الذي منحته ثقتك لم يكن يستحق حتى جزءًا منها.
والآن...
كان عليها أن تتزوج رجلًا لا تحمل له سوى الكراهية.
رضوان.
الرجل الذي لم تره سوى مرتين.
الرجل الذي كانت مقتنعة أنه ربما تزوجها لينتقم منها.
رفعت عينيها إلى انعكاسها في المرآة.
لماذا وافقت؟
كان السؤال يكرر نفسه داخلها.
ولماذا وافقت حتى بعد أن عرفت أنه هو نفسه؟
كيف ستعيش بقية عمرها مع رجل كهذا؟
ومع ذلك، كانت هناك حقيقة واحدة تحاول أن تطمئن بها نفسها:
ستبقى في بيت أبيها.
سيظل حسين قريبًا منها.
لن يتركها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته بوهن، ونهضت ببطء.
ارتدت فستانها بلونه الأوف وايت، بسيطًا وأنيقًا، قصيرًا بعض الشيء، تتخلله تفاصيل تضفي عليه لمسة أنثوية رقيقة.
وضعت عقدًا ناعمًا وخاتمًا واحدًا.
لم تبالغ في زينتها.
لم تكن عروسًا تشعر بالفرح.
كانت امرأة تستعد لدخول حياة لا تعرف كيف ستكون.
خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة والدتها.
جلست فوق فراشها.
وضعت يدها على وسادتها.
وبمجرد أن فعلت ذلك، انهارت مقاومتها.
انسابت دموعها في صمت.
ـ لو كنتِ هنا يا أمي...
لم تقلها بصوت.
لكن قلبها قالها.
كانت تتذكر وصيتها الأخيرة، حين طلبت منها أن تسمع كلام أبيها، لأنه يرى أشياء لا تراها هي.
مسحت دموعها حين سمعت طرقًا على الباب.
دخلت سيدة عجوز، كانت مربيتها التي رافقتها منذ طفولتها، وكانت تعرف زاد أكثر مما يعرفها كثيرون.

اقتربت منها بخطوات مترددة، وكأنها تخشى أن تفتح معها حديثًا لا ترغب في سماعه، ثم قالت:

ـ تسمحيلي أقولك حاجة يا بنتي؟

رفعت زاد عينيها إليها، وحدقت في وجهها لحظة قبل أن تجيب:

ـ قولي يا دادا.

جلست السيدة إلى جوارها، وأمسكت يدها بحنان، وربتت عليها برفق:

ـ أنا ست كبيرة وعشت معاكم هنا عمر بحاله، وعارفة ومتأكدة إن حسين بيه بيعمل اللي فيه صالح وخير ليكي.

أجابت زاد بوهن، وقد بدا التعب واضحًا في نبرتها:

ـ كلكوا بتقولوا نفس الكلام، لكن أنا مش شايفة كده للأسف.

ضغطت العجوز على يدها، ونظرت إليها بعينين تحملان مزيجًا من الحنان والعتاب:

ـ علشان أنتِ رافضة تشوفي وتدي لنفسك فرصة يا بنتي.

ثم ابتسمت، وكأنها تذكرت أمرًا جعلها أكثر ثقة فيما ستقوله:

ـ طيب أقولك على حاجة متأكدة منها!

رفعت زاد حاجبها باهتمام، وقالت:

ـ قولي يا دادا.

ـ أنا أقدر بخبرة السنين أحكم على الشخص من هيئته، وأنا شايفة إن العريس ده جدع وراجل، وباين عليه إنه ابن أصول أوي. عينه ما اترفعتش من مكانها، تحسي إنه شبعان ومش باصص للدنيا على إنها مكسب. لأ، ده هو باصص على إنه مكسب للدنيا.

نظرت إليها زاد باستغراب، وكأنها لم تصدق أن كل هذا الحكم صدر من مجرد نظرات عابرة:

ـ بقى ده مكسب للدنيا؟ كل ده شفتيه فيه وحكمتِ عليه كمان! ومن غير ما تعرفيه! أمال بقى لو كنتِ تعرفيه كنتِ قلتي إنه شيخ ومن أولياء الله الصالحين؟

ابتسمت السيدة بثقة، وهزت رأسها:

ـ ما أنا قلتلك، أنا بعرف أحكم قوي على الشخص اللي قدامي، ومن نظرة واحدة الأصل الطيب بيبان على الملامح يا بنتي.

لم تقتنع زاد، وظلت تنظر إليها بصمت، لكن شيئًا ما داخلها دفعها إلى اختبار صدق حدسها.

ـ طيب يا دادا، أنتِ فاكرة باسل؟ شفتيه هنا مرتين، جه واتقدملي قبل كده وبابا رفضه. يا ترى بقى إيه نظرتك ليه وتحكمي عليه بإيه؟

تقلص وجه العجوز باستنكار، وكأن الاسم وحده أعاد إليها شعورًا قديمًا بالنفور:

ـ هي الشياطين بتتنسي يا بنتي؟

رغم حزنها، خرجت من زاد ابتسامة رغما عنها، كانت صغيرة وسريعة، لكنها كانت أول ابتسامة حقيقية منذ وقت:

ـ وإيه اللي خلاكي تقولي عليه كده يا دادا؟

أجابتها السيدة بوضوح، دون أن تتردد لحظة:

ـ ما تزعليش مني، بس أنا ما استريحتلوش. حسيته كده، الله أكبر، شيطان ومش سهل وعايز يلعب بدماغك. عينيه واسعة ومليانة شر، آه والله. اسأليني أنا، وباين عليه قوي إنه مش سالك وبيكدب عليكي ولا بتاع جواز ولا حاجة من دي.

سكتت زاد، وانطفأت ابتسامتها تدريجيًا.

هذه المرة لم تجد ما تقوله.

تذكرت باسل.

وتذكرت أباها.

وتذكرت كل تحذير سمعته ولم تصغِ إليه.

وشعرت لأول مرة أن الماضي الذي ظنت أنها تجاوزته، عاد ليقف أمامها من جديد، لكن بصورة مختلفة.

وكان السؤال الذي أخافها أكثر من أي شيء آخر:

هل يكونون محقين في رضوان أيضًا؟

هل يكون هذا الرجل حقًا كما يرونه؟

أم أنها ستدفع ثمنًا جديدًا لثقتها الخاطئة؟

انتبهت السيدة إلى مرور الوقت، وضربت مقدمة رأسها بيدها، وقالت على عجل:

ـ يوه نسيت،أنا أصلًا جيت علشان أقولك إن سي حسين بيه.مستنيكي تحت، علشان المأذون يسألك عن موافقتك، وبناءً عليه يكتب كتابك، وتبقي مرات اللي اسمه رضوان. والله إسمه حلو أوي. 

تسارعت أنفاس زاد، وشعرت بأن الكلمات الأخيرة تحديدًا وقعت على قلبها بثقل لم تكن مستعدة له.

كلما اقتربت اللحظة، ازداد اضطراب قلبها.

وقفت.

خطت خطوة خارج الغرفة.
ثم توقفت.
كانت عيناها ضائعتين.
هل تنزل؟
هل توافق؟
هل تندم بعد فوات الأوان؟
أم ترفض الآن، وتنقذ نفسها قبل أن تغلق كل الأبواب؟
نظرت إلى السيدة، ثم هزت رأسها ببطء.
لا.
لن تهبط.
لن تتم هذه الزيجة.

وفي مكان آخر...
هبطت صفعة قوية على وجه باسل.
لم يرَ من صاحبه سوى منكبيه.
لكن الصوت الذي خرج منه كان كافيًا ليهتز له قلبه:
ـ ضيعت كل تعبنا وتخطيط سنين علشان نوقع زاد وأبوها، وأنت بكل غباء رايح تقولها فكرة تخليك في نظرها عيل مالكش تلاتين لازمة! لا وكمان بتفكر من دماغك من غير ما ترجعلي! أنت هديت كل حاجة بغبائك.

ابتلع باسل لعابه، ووضع يده على موضع الصفعة:
ـ اديني فرصة تانية يا باشا، وهجيبلك زاد تحت رجليك. أنا عملت كده غصب عني، مكنتش في وعيي.

صفعة أخرى كانت أقوى.
ـ ما هو ده اللي أنت فالح فيه، الشرب وبس! وتجيب إيه وتهبب إيه؟ ما خلاص، كل حاجة انتهت. زاد هتتجوز الليلة يا بأف. هو أنا بدفعلك ليه يا حيوان؟ أنت قضيت على كل حاجة بغبائك. غور من قدامي.

قال باسل بصدمة:
ـ مش معقول هتتجوز بالسرعة دي! بس لا، ده مش هيحصل. أنا هتصل بيها وأعتذر لها، وهعمل كل اللي أقدر عليه، بس بلاش الباشا الكبير يعرف. دي ممكن يكون فيها موتي.

لكمه الرجل بقوة أسقطته أرضًا:
ـ موتك محتوم كده كده يا باسل، وأنا لا يمكن أخسر أي حاجة بسعى ليها. فاهم! وقلتلك غور من وشي.
هرب باسل.
وظل الرجل مكانه.
لم يتحرك.
فقط كان يتنفس بصوت عالٍ، والغضب ينهش صدره.
من يكون؟
وماذا يريد من زاد ووالدها؟
وهل كانت تلك الزيجة مجرد زواج؟
أم أن الحرب الحقيقية بدأت للتو؟
بعد دقائق، وصل نجيب إلى الفيلا بعدما طلب منه حسين الحضور.
لم يكن يعلم شيئًا.
جلس إلى جوار أخيه، واستمع منه إلى ما حدث في عجالة، ثم أخبره حسين أنه يريد منه أن يشهد على عقد القران.
لكن نجيب لم يستوعب.
كان يرى أن أخاه يخطئ بحق ابنته.
حاول إقناعه بالتراجع.
لكن حسين لم يجبه.
فقط أشار إليه بالصمت.
وحين علم حسين أن زاد قررت عدم النزول، كبت انفعاله.
لم يكن أمامه سوى التصرف بحنكة.
ابتسم للضيوف وأخبرهم أن ابنته تشعر بالخجل قليلًا، وأنه سيصعد ليطمئن عليها.
وصعد.
وجدها جالسة على فراشها.

اقترب منها، وكان وجهه قد تقلص من الغضب، حتى بدت ملامحه أكثر قسوة من المعتاد.

ـ إيه اللي سمعته من أم محمد ده يا زاد؟ أنتِ فعلًا مش هتنزلي للمأذون ياخد موافقتك!

وقفت وأجابته بهدوء، على عكس الاضطراب الذي كان يعصف بداخلها:

ـ بابا، أنا فكرت كويس، وشايفة إن اللي بعمله ده ظلم في حق نفسي.

وقف أمامها، يقلب عينيه في وجهها، وكأنه يحاول أن يجد في ملامحها سببًا منطقيًا لهذا التراجع المفاجئ:

ـ ظلم في حق نفسك! وده جاية تكتشفيه دلوقتي!

انتظر.

ظلت زاد صامتة، عاجزة عن صياغة ما يدور بداخلها، بينما كانت نظرات أبيها تزداد حدة مع كل ثانية تمر دون إجابة.

فارتفع صوته:

ـ ردي عليا! أنتِ جاية ترفضي والمأذون والعريس موجودين تحت في انتظار تشريف سيادتك!

ـ أنا مايهمنيش إن كان جه ولا مجاش. ممكن يخرجوا ويمشوا زي ما جم. المهم إني أخدت قراري.

اشتدت ملامح حسين، ومد يده وأمسك ذراعها، وكأن الأمر خرج من نطاق النقاش إلى محاولة أخيرة لإيقافها قبل أن تهدم كل شيء:

ـ اللي هو إيه يا ست زاد؟

نظرت إليه بثبات، رغم ارتجاف قلبها:

ـ إني مش موافقة على الجوازة دي.

رمقها بعينيه، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على غضبه:

ـ وهو في حد ضربك على إيدك علشان توافقي؟ أنا اقترحت عليكي عرض وكان ليكي كامل الحرية، وأنتِ اللي جيتيلي بنفسك وقلتي إنك مقتنعة مليون بالمية على الجوازة دي وموافقة على رضوان. إيه اللي اتغير دلوقتي؟

ثم ضيق عينيه بشك، وكأن فكرة واحدة هي التي استطاعت أن تفسر له هذا التراجع:

ـ يمكن حنيتي لباسل وعايزاه ييجي يتقدم للمرة الخامسة؟ وفاكرة إني ممكن أوافق!

اشتعل وجهها عند سماع اسمه، وانقبض قلبها كأن الاسم وحده أعاد إليها كل ما حاولت دفنه:

ـ لو سمحت يا بابا، ما تجيبش سيرة باسل.

انفجر حسين، وقد نفد ما تبقى لديه من صبر:

ـ أنتِ كمان مش عايزاني أتكلم ولا أنطق باسمه! طبعًا، ما أنتِ عايشة بدماغك وفاكرة إن باسل ده راجل محترم ويعتمد عليه. لكن للأسف أحب أصدمك وأقولك إنه ولد نصاب، وكنتِ بالنسباله مجرد صفقة مش أكتر.

مد يده إلى جيبه.

أخرج ورقة.

ظل ممسكًا بها لحظة، ثم وضعها أمامها.

ـ عارفة الورقة دي إيه؟ ده كشف حساب بنكي باسم باسل أمجد، اللي طلع ما يملكش تمن تذكرة طيران حتى.

انتقلت عيناها بين الورقة ووجه أبيها.

شعرت كأن الأرض انسحبت من تحتها.

لم تستطع أن تستوعب الكلمات. ظلت تحدق في الورقة، وكأنها تنتظر أن تتغير الأرقام أمام عينيها، أو أن يظهر شيء ينقذ الصورة التي ظلت متمسكة بها طويلًا.

تابع حسين:

ـ أنا عارف إنك ممكن ما تصدقيش اللي بقوله، لكن الدليل بين إيديكي أهو. ودي الحقيقة. أنا طول الفترة دي وأنا بحاول أوصل لأصل الولد ده، وعرفت إن والده لبناني وأمه مصرية، واتسجنوا الاتنين في عمليات نصب واحتيال وكمان تزوير. وباسل هرب من بلده وسافر على بلاد كتير، وآخر بلد سافرها كانت تركيا. وأكيد هناك سأل عنك وعرف معلومات عن أصلك وفصلك، وأكيد لما عرف إنك بنت رجل أعمال مهم قال: بس هي دي فريستي الجديدة.

أنهى كلامه، ثم أشار إليها بسبابته، وكانت عيناه ممتلئتين بالخوف عليها أكثر من الغضب منها:

ـ تصدقي أو لأ، أنتِ حرة. بس اعرفي إني أب خايف على بنته، وبحذرك وبقولك غيري من أسلوبك وطريقتك دي، خليكي ولو لمرة واحدة قد قرار تاخديه.

هبطت يدها التي تحمل الورقة.

ظل الصمت بينهما ثقيلًا.

لم تعد تعرف ماذا تصدق.

كانت الكلمات تتصارع في رأسها؛ باسل الذي أحبته، وأبوها الذي حذرها، والورقة التي بين يديها، وكل تلك التفاصيل التي لم تكن تعرف عنها شيئًا.

ولم يعد أبوها يعرف ماذا يفعل.

فهو لا يريد إجبارها.

لكنه في الوقت نفسه كان يريدها أن تتزوج رضوان بكل ما يملك من قناعة.

كان يراه حصنًا.

رجلًا سيقف أمام الدنيا كلها إذا اقترب أحد من ابنته.

طال الصمت.

أغمض حسين عينيه، وكأنه استسلم.

ثم قال بصوت محبط، انكسر فيه شيء لم تستطع زاد تجاهله:

ـ ماشي يا زاد. زي ما تحبي. أنا مش هجبرك على حاجة أنتِ مش عايزاها. أنا هنزل ومش عارف هقول إيه للناس، بس كل ده ما يهمنيش. اللي يهمني أنتِ وبس.

سقطت الورقة من يدها.

خرج حسين.

وظلت زاد واقفة في مكانها، تنظر إلى الورقة الساقطة أمام قدميها، وكأنها تنظر إلى آخر قطعة من الوهم الذي عاشت بداخله.

خرج حسين.
وكان يحمل معه خيبة رجل لم يعد يعرف كيف يحمي ابنته دون أن يؤذيها.

حين عاد إلى الأسفل، لم يعرف كيف هبط الدرج.

كل العيون كانت تنتظر.

كانت نظرات الرجال معلقة به، والمأذون ينتظر، ورضوان جالس في صمت لا يعرف شيئًا مما دار في الأعلى.

فتح فمه ليتحدث...

وقبل أن ينطق، جاءه صوت نجيب:

ـ زاد اتأخرتي كل ده ليه يا بنتي؟

استدار حسين.

وتجمد.

كانت زاد تهبط الدرج.

وجهها ساكن.

وعيناها تخفيان عاصفة.

خطت درجة بعد أخرى، وكأنها لا تهبط سلمًا، بل تهبط نحو قرار سيغير حياتها بالكامل.

اقتربت وقالت:

ـ سوري يا عمو على التأخير، لكن في النهاية أهو جيت.

ابتلع حسين لعابه.

لم يعرف ماذا يدور داخل رأسها.

لكن نجيب لم ينتظر.

اقترب منها وأمسك ذراعها، وكان القلق ظاهرًا في عينيه:

ـ تعالي معايا يا زاد. لازم نتكلم ونحط نهاية للي بيحصل ده. أنا عارف وواثق ومتأكد إنك مغصوبة على الجوازة دي.

ثم نظر إلى أخيه:

ـ متخافيش يا زاد. طول ما أنا موجود، مفيش حد هيقدر يجبرك على حاجة.

تمالك حسين أعصابه، وظل ينظر إلى ابنته، وكأن قلبه معلق بين خوفين؛ خوف أن يجبرها، وخوف أن تندم.

ثم نظر إلى ابنته:

ـ ناوية على إيه يا زاد؟

رفعت عينيها.

وقبل أن يمنعها عمها، قالت بصعوبة:

ـ محدش غصبني على حاجة يا عمو. أنا جيت وكلي قناعة علشان أبلغ المأذون موافقتي.

ثم نظرت إلى أبيها.

وفي عينيها شيء يشبه الاستسلام.

ـ أنا موافقة يا بابا.

توقفت أنفاس حسين للحظة.

أما نجيب، فظل يحدق فيها غير مستوعب.

وحده رضوان لم يتحرك.

كل هذا حدث...

ورضوان لم يرفع عينيه إليهم.

كان يجلس وكأن جسده هنا، بينما روحه في مكان آخر.

يحمل فوق كتفيه قرارًا أثقل من قدرته على الاحتمال.

هل أخطأ؟

هل أصاب؟

هل كان يهرب من الماضي؟

أم يفتح بابًا جديدًا؟

لم يسمع من كل ما حوله إلا كلمة واحدة:

موافقة.

أغمض عينيه.

وللحظة لم يعرف إلى أي طريق يسير.

تنهد حسين، ومسح وجهه، ثم ابتسم ببشاشة مصطنعة، كمن يحاول أن يخفي ارتجاف قلبه، وجلس أمام المأذون.

ساد الصمت.

وسأل المأذون زاد إن كانت موافقة على عقد القران.

نظرت إلى أبيها.

ثم نقلت عينيها إلى رضوان.

لكنه لم ينظر إليها.

اشتعل شيء داخلها.

غضب.

حقد.

رغبة في الصراخ.

كانت تتمنى ولو نظرة واحدة منه، نظرة تشعرها أنه يدرك حجم ما يحدث لها، لكنه ظل ثابتًا، وكأن الأمر لا يعنيه.

لكنها تذكرت مرض أبيها.

تذكرت أمها.

تذكرت أنها لا تريد أن تخسر والدها كما خسرت والدتها.

فأخذت نفسًا طويلًا.

ثم حركت رأسها.

موافقة.

بدأ المأذون في عقد القران.

وشهد على العقد عم العروس وصديق العريس.

وهكذا...

في دقائق قليلة...

أصبح رضوان زوجًا لزاد.

وأصبحت زاد زوجة لرضوان.

دون فرح.

دون زغاريد.

دون قلب واحد يحتفل.

اقتربت زاد لتوقع.

رفع رضوان عينيه في تلك اللحظة.

ورآها.

تجمد.

لم يكن يتوقع أن يراها بهذا الشكل.

اتسعت عيناه للحظة، ثم نظر حوله سريعًا.

اشتدت عضلات فكه.

وصر على أسنانه.

لم يكن غاضبًا من جمالها.

كان غاضبًا من فستانها.

هي الآن زوجته.

ولا يقبل أن تكون مفاتن زوجته مباحة أمام أعين الآخرين.

أراد أن يعنفها.

لكن المكان لم يكن يسمح.

واللحظة ليست لحظة شجار.

وفي اللحظة نفسها، لمح كريم فستان زاد بوضوح للمرة الأولى. توقفت عيناه عنده لثوانٍ، ثم انتقلت سريعًا إلى وجه رضوان.
لم يكن بحاجة إلى أكثر من تلك النظرة.
عرف كريم صديقه.
وعرف أن ذلك الهدوء الذي يكسو ملامحه ليس هدوءًا على الإطلاق، وأن العرق الذي بدأ يظهر على جبينه لم يكن بسبب حرارة المكان وحدها.
لم يكن غاضبًا من جمالها.
كان غاضبًا من فستانها.

وظل كريم يراقبه للحظة، ثم صرف عينيه عنها، وقد أدرك أن رضوان دخل بالفعل إلى تلك المنطقة التي لا يسمح فيها لأحد بالاقتراب مما يعتبره حقًا له.
كبت رضوان غضبه.

انتظر حتى انتهى المأذون، ثم طلب من كريم أن ينصرف وأنه سيلحق به بعد قليل.

عرف كريم من العرق الذي نفر على جبين صديقه أنه حقًا غاضب.

فانصرف دون كلمة.

وقف حسين.

اقترب من ابنته.

ضمها.

واغرورقت عيناه:

ـ ألف مبروك يا زاد، مبروك يا بنتي.

لم تتأثر.

لم تنظر إليه.

احتقن وجهها، وقالت بثبات ونبرة خافتة:

ـ ميرسي لحضرتك يا بابا.

اقترب نجيب.

كانت الحيرة تأكل ملامحه:

ـ مبروك يا زاد، ولو إني مش فاهم حاجة خالص من اللي بتحصل هنا، وكنت أتمنى إن ليلة فرحك تكون غير كده. أنا بصراحة مش قادر أفهم لحد دلوقتي ولا أستوعب! بقى زاد المالكي فرحها يتم سُكيتي!

رمقه حسين بصرامة، وكأنه لا يحتمل كلمة أخرى قد تزيد ارتباك ابنته:

ـ قول كلام فيه خير يا نجيب. وبعدين دي رغبتي. وفرح إيه اللي أنت عايزني أعمله! أنت ناسي إن ثريا لسه ما تمت سنة على وفاتها!

حرك نجيب رأسه، وما زال غير مقتنع.

أما رضوان فظل صامتًا.

ينتظر فقط العودة.

وفجأة قالت زاد بعفوية، وكأنها تريد الهروب من المكان كله قبل أن يزداد اختناقها:

ـ خلصتوا؟ وكل حاجة مشيت زي ما أنتوا عايزين؟ بعد إذنكم بقى هطلع أستريح في أوضتي.

اتسعت عينا نجيب.

كان يظن أن رضوان سيعيش في القصر! إذن فهذا ما يسعى إليه ذلك الرضوان، الثروه، لا زاد.

نظر إلى رضوان.

ونظر رضوان الي حسين، كانت نظرته تحمل سؤالًا واضحًا.

فأدرك رضوان أن حسين لم يخبرها.

فقد عرض عليه حسين أن يأتي هو وعائلته ليعيشوا معهم، لكنه رفض رفضًا قاطعًا.

رجولته لا تسمح له أن يعيش في بيت زوجته.

سيأخذ زوجته إلى منزله.

حرك حسين رأسه مطمئنًا رضوان.

ثم اقترب من ابنته ووضع يده على كتفها:

ـ تريحي إيه بس! مش هينفع اللي بتقوليه ده يا زاد. أنتِ خلاص، أصبحتي من اللحظة دي مسؤولة من رضوان، وهتروحي معاه على بيته.

تجمدت.

دق قلبها بعنف.

وكأنها للمرة الأولى فهمت أن كلمة «موافقة» لم تكن نهاية الأمر، بل كانت بداية حياة لم تستعد لها.

وتجمد نجيب معها.ولم يفهم شيئاً. 

لم يستطع كبح نفسه:

ـ إيه العبث اللي بسمعه ده يا حسين؟ أنت عايز بنتنا زاد، بنت حسين المالكي، تعيش في مكان شعبي؟! إيه اللي جرالك؟ مش كفاية إنها اتجوزت سُكيتي من غير لا فرح ولا يحزنون، كأنها مطلقة أو عاملة عاملة! أنا مش قادر أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط هنا.

ضرب حسين بعكازه الأرض، وارتد صوت الضربة في المكان:

ـ خليك محضر خير يا نجيب، يا إما تتكل على الله تشوف وراك إيه! أنا أبوها ولسه عايش، وأنا أدرى بمصلحة بنتي.

نظرت زاد إلى أبيها.

هذه المرة امتلأت عيناها بالحزن.

ـ مصلحتي! مصلحتي في إنك تدفني في مكان لا رُحته ولا شفته قبل كده؟ وأنت عارف ومتأكد إنه أكيد مكان بيئة ومستحيل أعيش فيه لأنه مش مكاني ولا شبهي. بابا، أنت ليه بتعمل معايا كل ده؟

أغمض رضوان عينيه.

ظل صامتًا.

كان الغضب يغلي في صدره.

هو لا يسمح لأحد أن يقلل من قيمته.

ولا يحتمل الإهانة.

لكن حسين أبقى من أن يرد عليه أمامه.

انتظر.

أراد أن يرى إلى أين سينتهي الأمر.

أما حسين، فلم يكن يريد أن ينفعل عليها.

كان يعرف الفارق.

ويعرف أن ابنته لم تعش يومًا حياة كهذه.

لكنه كان يريدها أن ترى.

أن تتعلم.

أن تعرف أن الدنيا ليست القصور فقط.

أخذ نفسًا عميقًا وقال بحنان:

ـ ما لوش لزوم الكلام ده يا زاد، وأنتِ عارفة إن البنت لما بتتجوز بتروح على بيت جوزها. وبعدين أنتِ مش لازم تحكمي على الكتاب من عنوانه. أنا متأكد إن رضوان هيعمل المستحيل علشان يخليكي مبسوطة وسعيدة.

ازداد وجهها تعكرًا عند سماع اسمه.

ثم نظرت إلى أبيها بدموع مكبوتة:

ـ بس أنا مش عايزة أروح معاه. أنا عايزة أفضل هنا جمبك ومعاك.

لم يتحمل.

ضمها إلى كتفه.

وكانت يده تربت على ظهرها ببطء، بينما حاول أن يخفي عن الجميع ألمًا يضغط على صدره:

ـ وأنا مش هسيبك ولا هبعد عنك. كل شوية هتلاقيني جاي لحد عندك وأقضي معاكي أكبر وقت. وهو أنا ليا مين غيرك علشان أخاف عليه وأراعيه؟ أنا عمري ما هبعد عنك يا حبيبتي.

أغمضت عينيها.

وأخفت رأسها في كتفه.

لم تجبه.

ظل يحاول.

مرة...

ومرة...

حتى استسلمت أخيرًا.

تحركت خطوة نحو الباب.

لكن صوت رضوان أوقفها:

ـ استني عندك، أنتِ هتخرجي بفستانك ده كده!

توقفت.

التفتت إليه.

نظرت إليه باستخفاف:

ـ نعم! أنت بتكلمني أنا؟

زم رضوان شفتيه، ووضع يده في جيبه بثقة:

ـ أظن مفيش حد هنا أني أكلمه بصيغة الأنثى غيرك. ومن هنا ورايح مفيش حد يحق له يشوف حتة منك، وأظن أنتِ دلوقتي مراتي ومن حقي أحافظ عليكي.

ثم أشار إلى فستانها برأسه:

ـ اتفضلي غيري اللي أنتِ لابساه ده.

اندهش حسين.

ورغم ذلك، تسللت إلى قلبه فرحة صغيرة.

فهو، رغم كل شيء، لمح في كلام رضوان شيئًا يطمئنه؛ غيرة رجل يرى زوجته مسؤوليته، حتى لو كانت بداية زواجهما بهذه الفوضى.

الحرب بدأت.

ونجيب لم يعد يحتمل.

تركهم وغادر قبل أن يرتكب جريمة.

أما زاد، فشعرت أن ضغط الدم في رأسها ارتفع.

جزت على أسنانها:

ـ اسمع يا بني آدم أنت، أوعى تفكر إنك هتفرض سيطرتك عليا. ده بُعدك! ومش علشان اتجوزنا تفتكر إن بكده اتملكت مني. لا يا أستاذ، ده حلم بعيد عن عينك إنه يتحقق.

ابتسم رضوان.

ابتسامة صغيرة مستفزة، لم تعرف هل كانت هدوءًا أم استفزازًا متعمدًا.

ثم تجاهلها تمامًا، والتفت إلى حسين بأدب:

ـ ممكن بعد إذنك يا عمي تطلب من أي حد من الشغالين يجيب أي بالطو؟ علشان شكل بنتك هتتعبني، وأنا بصراحة روحي في مناخيري ومستعجل. عندي شغل وعايز أشوف أكل عيشي.

وافق حسين على الفور.

أرسل المربية التي كانت تحمل حقائب زاد، وطلب منها أن يضعوا الحقائب في السيارة وأن تأتي بمعطف طويل لابنته.

لكن زاد لم ترَ شيئًا سوى الحقائب.

حقائبها.

جاهزة.

حدقت فيها للحظات، وشعرت بغصة في حلقها.

كان الأمر بالنسبة إليها كأن الجميع خطط لحياتها الجديدة دون أن يسألها.

اشتعل غضبها أكثر.

عاد رضوان يحمل المعطف.

اقترب منها.

وضعه على كتفيها بهدوء، وقال بنبرة مستفزة:

ـ كده تمام. والست الكويسة هي اللي تسمع كلام جوزها وتقوله نعم وحاضر. اقفلي البالطو، ويلا بينا على الحارة.

جزت على أسنانها عند كلمته الأخيرة.

ولم تجد ما تفعله سوى أن تضرب الأرض أمامها بقدميها من شدة الغضب.

نظر حسين إليها بحيرة.

بدأ يشك فعلًا أن ابنته ستصاب بالجنون قبل أن تغادر.

أما رضوان فلم يهتم.

أشار إليها أن تتحرك.

خرجت أمامه.

وعيناها تتوهجان بنيران الغضب والحقد.

ما إن وصلت إلى السيارة حتى استقلت المقعد الخلفي وأغلقت الباب، متعمدة أن تمنعه من الجلوس إلى جوارها.

توقف رضوان لحظة.

نظر إلى الباب.

ثم ابتسم بسخرية خفيفة.

كان من السهل أن يغضب.

لكن عنادها أثار داخله رغبة غريبة في استفزازها أكثر.

وصعد إلى المقعد الأمامي بجوار السائق، دون أن يعلق.

تحركت السيارة.

ظل كل منهما صامتًا، وبينهما مسافة مقعد كامل، لكنها بدت كأنها مسافة بين عالمين لا يعرف أي منهما كيف يعبرها.

عاد كريم إلى منزله.

اتصل بعصام، وسرد له ما حدث.

كانت إيمان قد سمعت جزءًا من الحديث، فأتت إليه مسرعة:

هل ما سمعته حقًا؟

أشار لها بالجلوس.

وحكى لها كل شيء.

ظلت تستمع، لا تعرف هل تفرح لرضوان أم تحزن عليه.

لكنها في النهاية تمنت له الخير.

وقبل أن تفتح فمها لتحدث كريم في أمورها الخاصة، وجدته عاد إلى هاتفه وانشغل به.

تنهدت.

وصمتت من جديد.

غابت الشمس.

ولج الليل ببطء.

وكانت السيارة تشق طرقًا لم تعرفها زاد من قبل.

كلما ابتعدت السيارة عن عالمها، شعرت بشيء في صدرها ينكمش أكثر.

حتى توقفت.

رفعت عينيها.

ونظرت من خلف زجاج السيارة.

الحارة.

للمرة الأولى.

شوارع متعرجة.

أزقة ضيقة.

بيوت متلاصقة.

جدران أنهكها الزمن.

وأصوات تأتي من كل اتجاه.

تجمدت ملامحها.

لم تكن صدمة المكان وحدها.

بل صدمة الحقيقة.

هنا ستعيش.

هنا بيت زوجها.

هنا حياتها الجديدة.

شعرت بغربة خانقة، وكأنها ألقيت فجأة في عالم لا ينتمي إليها ولا تعرف كيف تنتمي إليه.

لم تشعر بالسيارة وهي تتوقف إلا عندما فتح الحارس الباب.

نزلت ببطء.

وضعت قدمها على الأرض، وظلت عيناها تتحركان في كل اتجاه.

دهشة.

اشمئزاز.

خوف.

وإنكار.

كان رضوان قد نزل بالفعل.

تحدث مع السائق، وأخذ الحقائب، ثم أشار إليها.

ـ تعالي. دي العماره اللي ساكن فيها.

لم تجبه.

تحركت خلفه.

دخلت المبنى.

صعدت الدرج.

وفي كل درجة كانت تشعر أنها تبتعد أكثر عن عالمها القديم.

كانت على وشك أن تتقيأ من شدة الضيق والاشمئزاز.

تذكرت تحذير والدها.

لا تحكمي على الكتاب من عنوانه.

لكنها لم تكن ترى كتابًا.

كانت ترى سجنًا.

وأخيرًا...

وطأت قدماها عتبة المنزل.

توقفت.

لم تصدق.

نظرت حولها.

الجدران المتعبة.

الأثاث البالي.

المكان الضيق.

كل شيء كان يصرخ في وجهها بأنها لم تعد في بيت حسين المالكي.

ولأول مرة منذ زواجها...

شعرت أن الأمر حقيقي.

هذه حياتها.

هذا بيتها.

وهذا الرجل...

زوجها.

أما رضوان، فكان يراقبها من طرف عينه.

رأى نظرتها إلى البيت.

رأى الاشمئزاز الذي لم تستطع إخفاءه.

وشعر بشيء ينقبض داخله.

لم يكن بحاجة إلى سؤالها.

كانت ملامحها تجيب.

كان يعرف أنها ستكره المكان.

ويعرف أنها ستراه أقل من مستواها.

لكنه لم يملك ترف أن يكون رجلًا آخر.

هذا بيته.

وحياته.

والزواج نفسه لم يكن نابعًا من قلبه.

كان زواجًا صنعته الظروف.

ضرورات متشابكة.

وهروبًا من ماضٍ أرهقه.

وهو الآن مجبر على أن يتحمل امرأة لم يخترها بقلبه، تمامًا كما أنها مجبرة على رجل لم تختره بقلبها.

في الداخل...

كانت زهرة في المطبخ تعد نوعًا من الحلوى للضيف الذي سيأتي.

أما حبيبة، فكانت في غرفتها تمشط شعرها بعد حمام طويل، وقد أعدت ملابس الجامعة لليوم التالي.

كانت تفكر في الطب.

في المسؤولية الجديدة.

في حلم ظل بعيدًا حتى صار الآن على بعد خطوة.

وبينما كانت تمشط شعرها...

سمعت صوت إغلاق باب الشقة.

ثم تسللت رائحة عطر إلى المكان.

توقفت.

رفعت رأسها باستغراب، واستنشقت الرائحة:

ـ ده إيه الريحة الجامدة دي؟ معقول وصّلالي من برة؟ ده باين إن الضيف ده متريش ومبيحطش غير ماركات.

سكتت لحظات.

لكن الفضول انتصر.

وضعت فرشاة شعرها.

ارتدت حجابها.

فتحت باب غرفتها.

وتوقفت.

تسمر جسدها.

وخفق قلبها بعنف.

كانت أمها تقف أمام رضوان.

والصدمة مرسومة على وجهها.

سمعتها تقول:

ـ مراتك! مراتك إزاي يا رضوان؟

كان يمكنه أن يتجاهل غضبها.

كان يمكنه أن يرد عليها ببرود.

لكنه لم يفعل.

لم ينسَ ما حدث.

نعم.

كان ما زال مجروحًا.

لكنها أمه.

ولهذا ظل احترامه لها حاضرًا.

قال بهدوء:

ـ أيوه يا أمي، مراتي. اتجوزنا النهارده، وهحكيلك كل حاجة، بس بعدين.

لم تستطع زهرة حتى أن تغلق عينيها.

لم تكن تستوعب.

رضوان...

تزوج؟

اليوم؟

وأين كانت؟

ومن هي؟

وفي اللحظة نفسها، كانت زاد تقف خلفه.

لم تهتم كثيرًا بمن يقف أمامها.

كانت تريد فقط أن تنتهي هذه الليلة.

أن تدخل غرفة.

أن تغلق بابًا.

أن تختبئ من هذا العالم كله.

رأت حبيبة.

لكنها لم تعرها اهتمامًا.

تأففت بصمت.

كانت تريد الراحة.

وهي تعلم في أعماقها...

أن الراحة انتهت.

اقتربت حبيبة من أخيها.

كانت الصدمة تكاد تعقد لسانها:

ـ مراتك! طيب إمتى وإزاي؟

تنهد رضوان.

كان يريد أن ينهي كل شيء.

غاضب من نفسه.

من قراراته.

من الماضي.

ومن الجميع.

قال بجدية:

ـ زي ما سمعتي يا حبيبة. زاد مراتي. إمتى وإزاي، زي ما أنتوا شايفين. هو أنتوا مش كنتوا عايزيني أتجوز؟ أديّني اتجوزت. والموضوع خلص. يعني لحد هنا واتقفل.

ساد الصمت.

لم تعرف زهرة ماذا تقول.

ولم تعرف حبيبة أين تنظر.

أما زاد...

فوقفت وسط البيت الذي لم تعرفه إلا منذ دقائق.

تحت سقف رجل لم تعرفه إلا مرتين.

وبجوار زوج لم تختره.

وكانت هذه...

البداية الحقيقية للحرب.


تعليقات