رواية درة الجبالي الفصل العاشر
چاي تطالب بمرتك يا صالح؟ ولا چاي تدور على الجبر اللي هندفنك فيه بجد المرة دي؟ عشان لو فكرت ترفع عينك في حُرمة عزيز الجبالي، چُسماً بالله لأخلي الغربان تتعشى بلحمك الليلة چُدام البلد كلها!"
صوت عزيز الجبالي طلع زي زئير أسد جريح، شق سكون الصدمة اللي نزل على الساحة كلها، وصوت كلماته ارتد على حيطان السرايا ورعب قلوب الحاضرين. كان واقف زي الجبل، إيده اليمين ماسكة الطبنجة وموجها لسدر "صالح"، وإيده الشمال لافة بقوة حوالين وسط "درة"، مخبيها ورا ظهره العريض وكأنه بيحجبها عن عيون الدنيا كلها.
صالح ضحك ضحكة ناشفة وباردة مفيهاش أي مشاعر، وخد خطوة لقدام ولا هامه المسدس، وقال بنبرة كلها استفزاز:
"حُرمتك؟ درة دي حلالي أنا يا عمدة.. بنت عمي ومرتي اللي دخلت عليها چابلك. القانون والشرع بيچولوا إنها لساتها على ذمتي. إنت اللي اتچوزت واحدة متچوزة يا كبير الجبالية، يعني الچوازة باطلة، والواد اللي چابته ديه، ابن حرام!"
عزيز ماستناش ثانية، ضرب رصاصة نزلت في الأرض بين رجلين صالح بالظبط. الغبار والحصى طاروا، وصالح اتنتر لورا بخضة باينة، في الوقت اللي الضيوف صرخوا وتراجعوا لورا.
"اخرس يا كلب!" عزيز زأر وعروق رقبته كانت هتتفجر من الغضب. "كلمة كمان عن ولدي ومرتي وهفرغ الرصاص ديه كله في نفوخك! الشرع اللي بتتكلم عنه ديه، هو اللي چالك تغيب وتخلي أهلك يدفنوا جثة محروچة ويچولوا دي جثة صالح؟ الشرع هو اللي خلاها تقعد في عدتها سنة تبكي عليك بدل الدموع دم، والحكومة تطلعلك شهادة وفاة؟ درة خلصت عدتها، وأنا دخلت عليها بشرع الله، وبقت مرتي چُدام ربنا والخلق. إنت اللي ميت يا صالح، والميت ملوش دية عندي!"
درة كانت واقفة ورا عزيز، بترتجف زي عصفور مبلول بفيضان الشتا. نفسَها مقطوع، وعينيها متوسعة بذهول وهي باصة لملامح الراجل اللي حبته في يوم وبكت عليه لحد ما دموعها نشفت. صالح كان حب طفولتها، بس الشخص اللي واقف قدامها دلوقت بوشه المتشوه ببعض الندوب ونظراته القاسية الطماعة، مش هو صالح اللي عرفته.
"صالح..." درة همست بصوت مكسور، وخدت خطوة صغيرة من ورا ظهر عزيز عشان تبصله. "إنت حي؟ كيف؟ إحنا دفناك بإيدينا! إنت سيبتني أتعذب سنة بحالها، سيبتني أموت كل يوم وإنت عايش؟!"
صالح بص لها وحاول يرسم نظرة حزن مزيفة وقال: "غصب عني يا درة! الحادثة اللي حوصلت كان فيها صاحبي، هو اللي مات واتفحم ومحدش عرفه. أنا كنت مصاب وفي غيبوبة، ولما فُقت، عرفت إن عليا ديار وتار من ناس تجيلة، لو كنت ظهرت كانوا هيقتلو*ني بجد. استخبيت لحد ما لميت الچريشين وسديت ديوني ورچعتلك... رچعت عشان أخدك في حضني يا حبيبتي، بس لچيت العمدة سارچك مني!"
"كدااااب!" درة صرخت بانهيار والدموع نازلة من عينيها بتكويها. "إنت لو كنت بتحبني بجد، مكنتش سيبتني لچاهلية التار والديون! إنت عرفت إني اتچوزت، وعرفت إني ولدت، بس مظهرتش غير دلوك! مظهرتش غير لما سمعت إن عزيز كتبلي نص أملاكه! إنت چاي تدور على الفلوس يا صالح، مش على مرتك!"
كلماتها كانت زي السيف اللي كشف حقيقته البشعة. عينين صالح لمعت بالخزي والغضب، في الوقت اللي عزيز اتلفت لها ونظراته كلها فخر وعشق لذكائها وقوتها. عزيز شدها لحضنه أكتر، ورفع صوته عشان يسمع الكل:
"سمعت مرتي چالت إيه؟ درة لو كانت رايداك، كانت رمت نفسها تحت رچليك دلوك. بس هي خابرة زِين إن حضن الجبالي هو الأمان اللي بجد. شهادة الوفاة طالعة، وعدتها خلصت، وچوازنا سليم مية في المية في المحكمة والشرع. ولو فكرت تلعب بديلك يا صالح، چُسماً برب الكون، لأخليك تتمنى الموت اللي مثلته وماتطولهوش. رضوااان! ارموا الكلب ديه بره، والضيافة خلصت، كل واحد على داره!"
عزيز أشار للغفر اللي اتقدموا بسلا*حهم وأحاطوا بصالح ورجالته. صالح عرف إن المواجهة المسلحة دلوقت خسرانة، فتراجع لورا بابتسامة خبيثه وقال قبل ما يلف ويمشي:
"المعركة لساتها في بدايتها يا عمدة. درة هترچعلي، بنص أملاكك اللي كتبتهالها... وهنشوف مين اللي هيكسب في الآخر."
المجلس انفض، والسكون الكئيب رجع يخيم على السرايا، بس سكون وراه عاصفة.
أول ما عزيز ودرة دخلوا جناحهم، درة قفلت الباب وانهارت على الأرض تبكي بحرقة وصوت شهقاتها يقطع القلب.
عزيز رمى سلا*حه على الطاولة وأسرع عليها. نزل على ركبه وضمها لصدره بقوة وهو بيمسح على شعرها بحنان.
"هششش... اهدي يا چلب عزيز. دموعك دي بتكوي صدري بالنار. بتعيطي ليه دلوك؟ خايفة منيه؟ قسماً بالله لو طار في السما لأچيبهولك راكع!"
درة رفعت وشها المبلول بالدموع وبصت في عينيه برعب حقيقي: "أنا خايفة من فراقك يا عزيز! خايفة الشرع يفرقنا! خايفة أكون في نظره ونظر الناس عايشة في الحرام معاك! أنا چلبي هيچف لو بعدت عنك أو عن رحيم!"
عزيز مسك وشها بين كفيه الضخام، ومسح دموعها بصوابعه، ونظراته كانت بتولع بصدق.
"إياكي، إياكي أسمعك بتچولي الكلمة دي تاني! إنتي حلالي يا درة.. حلالي چُدام ربنا چبل الناس. طالما الحكومة طلعت شهادة وفاة وإنتي كملتي عدتك، چوازنا شرعي وسليم. ولو هو ظهر، المحكمة بتخير الست بين چوزها الأول والتاني. وإنتي اختارتيني يا درة، إنتي فضحتيه چُدام الكل."
درة شهقت بصوت واطي: "يعني هو ملوش حج فيا؟"
"ملوش غير التراب اللي هسفهوله!" عزيز همس بشراسة، قبل ما ملامحه تلين وتتحول لعشق خالص. "إنتي روحي يا درة. أنا الموت أهون عليا من إني أشوفك بتبعدي خطوة عن حضني. أنا عزيز الجبالي، ممكن أهد الصعيد كله، وأحرچ السرايا باللي فيها، بس مفرطش في شعرة منيكي."
عزيز شالها من على الأرض بالراحة وحطها على السرير. قلع عبايته وقعد جنبها. كانت لسه بترتجف، فخدها في أحضانه تاني وخلى رأسها على صدره تسمع دقات قلبه المنتظمة اللي بتدي الأمان.
"عزيز..." درة همست بعد ما هديت شوي: "هو أنا ظالمة؟ لما شُفته، چلبي مادقش واصل. حسيت إني بشوف واحد غريب مأعرفوش. كل اللي كنت خايفة عليه هو إنت وابني. معقولة العشق القديم يموت بالسرعة دي؟"
عزيز رفع دقنها وابتسم ابتسامة دافية طيرت كل خوفها: "العشق القديم كان عشق عيال يا درة.. عشق اتولد في الضلة ومات في أول مطب. بس اللي بيني وبينك، ديه عشق اتعمد بالنار والدم. أنا دخلت چلبك وكسرت أبوابه، وبنيت جواه چلعِتي. إنتي مابتحبيهوش لأنك ببساطة... مابتحبيش حد غيري."
درة وشها احمر وابتسمت وسط دموعها: "غرورك ديه مفيش حاجة هتكسره أبداً يا كبير الجبالية."
عزيز وهو بيهمس بصوت رايق عمل قشعريرة في جسمها: "الغرور ديه بيركع تحت رچليكي إنتي وبس. الليلة دي أنا هنسيكي كل خوف، وهخليكي تتأكدي إنك ملكي، چسد وروح، وإن مفيش راچل على وش الأرض يجدر يقاسم عزيز الجبالي في أنفاسك."
درة استسلمت وذابت، والغرفة تحولت لمحراب لعشق مابيعترفش بالماضي ولا بيخاف من المستقبل.
تاني يوم الصبح، قنا كلها كانت بتتكلم عن رجوع صالح الميت.
في سرايا الجبالية، عزيز كان قاعد في مكتبه بيسمع المحامي بتاعه، وجنبه رضوان.
"يا بيه، زي ما چولتلك عشيات، الموقف الجانوني في صالحنا بنسبة كبيرة." المحامي قال وهو بيمسح نظارته بتوتر. "شهادة الوفاة طالعة بحكم محكمة. هو عشان يلغيها، لازم يرفع قضية 'إثبات حياة'، ودي بتاخد شهور، وفي الوقت ديه، چوازك من الست درة ساري. بس المشكلة إن صالح معاه محامي تقيل من البندر، وناويين يرفعوا قضية بطلان زواج وتزوير، وبيتهموا الست درة إنها كانت عارفة إنه عايش واتچوزتك طمعاً في الورث!"
عزيز ضرب بإيده السليمة على المكتب الخشبي ضربة هزت الأوضة: "يقطع لسان اللي يجيب سيرتها بالشين! أنا عايزك ترفع عليه قضية ترويع، وتزوير ، واتهام بالهروب من العدالة. لو المحاكم مخلصتش، أنا هخلص بيدي!"
"اهدى يا عمدة، القانون هياخد مجراه. إحنا هنثبت إننا الضحية."
عزيز أشار للمحامي يمشي، وتلفت لرضوان اللي كان واقف مستني: "رضوان.. الحراسة تتضاعف على السرايا. مفيش دبانة تدخل ولا تخرج من غير علمي. ورحيم ميفارقش حضن درة، ولا درة تخطي عتبة باب الجناح من غير حرس."
"أوامرك يا بيه، رچباتي سدادة."
في مكان تاني، بعيد عن السرايا، في بيت مهجور على أطراف البلد.
صالح كان قاعد على كرسي مكسور بيدخن بشراهة ووشه مولع غضب. الباب الخشبي اتفتح ودخل منه راجل ملثم، أول ما شال اللثام ظهر وش "دياب".. أخو صالح اللي عزيز طرده بعد محاولة اغتياله!
"حمد الله على السلامة يا خوي." دياب قال وهو بيحضن صالح بقوة. "لما بعتلي مرسال تجول إنك حي، مصدچتش نفسي!"
صالح زق أخوه وقال بجفاء: "كنت حي وميت في نفس الوجت يا دياب. بس چولي، إنت إزاي معرفتش تحمي مرتي وتخليها في دارنا لحد ما أرجع؟ سيبتها تتچوز العمدة اللي ذلنا؟"
دياب رد بغل: "أنا حاولت أقتله عشيات، بس هي اللي حامت عنه! البت دي سحرتله وهو سحرلها. درة باعتك يا صالح، باعت دمك لچل فلوس الجبالي، ودلوك هي ست السرايا ومعاها عيل منه، وكمان كاتبيلها نص أملاكه!"
عينين صالح لمعت بجشع أسود، ورمى السيجارة وداس عليها برجله: "عشان إكده أنا رچعت. العشق والهوى ديه لعب عيال، أنا ماليش في درة دلوك، أنا ليا في الفلوس اللي اتكتب باسمها. الجبالي فكر إنه كسب، بس إحنا هنكسره كسر ميتچبرش."
"وهنعمل إيه؟ السرايا مليانة غفر، والجبالي مبينامش." دياب سأل بحماس.
صالح ابتسم ببرود: "الجبالي روحه في حاجتين.. مرته، وابنه. لو رفعنا قضية، المحكمة ممكن تاخد سنين، وهو بنفوذه هيكسبها. إحنا هنضرب ضربة تخليه يبوس رچلينا عشان نتنازل، وتخلي درة تمضيلي على أملاكها بيع وشرا من غير ما تفكر."
صالح قرب من أخوه وهمس له بخطة مرعبة بتستهدف أضعف حلقة في قلعة عزيز.
مرت 3 أيام مشحونة بالتوتر. عزيز مسبش السرايا، ودرة عايشة في قلق مستمر رغم محاولات عزيز إنه يطمنها.
في الليلة الرابعة، هبت عاصفة ترابية شديدة على قنا، ومعاها النور قطع فجأة عن البلد كلها، وبما فيها السرايا. الأنوار انطفت والعتمة سادت المكان.
في جناح العمدة، درة كانت بترضع الصغير "رحيم" على ضوء شمعة خافتة، وعزيز واقف في الشرفة بيبص بره بقلق وبيكلم رضوان في التليفون عشان يشغل المولدات.
"حاضر يا عمدة، المولد الكبير فيه عطل بسيط، الرچالة بيصلحوه وخمس دچايج والنور يرجع." رضوان قال.
عزيز قفل التليفون ولف لدرة: "متخافيش يا درة، النور هييجي دلوك."
"أنا مش خايفة طول ما إنت معايا يا حبيبي." درة ابتسمت برقة، وحطت رحيم في سريره بعد ما نام وغطته.
فجأة، صوت انفجار عالي هز الناحية الخلفية للسرايا! الحيطان اتهزت والغفر صرخوا بره:
"يا عمدة! هجوم على المخازن اللي ورا! حريچة في المخازن!"
عزيز اتنتر وسحب سلاحه فوراً. بص لدرة اللي عينيها اتوسعت برعب.
"خليكي إهنه، واچفلي الباب على نفسك بالمفتاح وماتفتحيش لمخلوج مهما حوصل!" عزيز أمرها بصوت حاسم، وجري بره الجناح ناحية الانفجار.
درة جرت وقفلت الباب بالمفتاح وقلبها بيدق زي الطبولة. راحت لسرير رحيم وحضنته وهو بدأ يعيط من صوت الانفجار.
العاصفة بره كانت بتعوي، وصوت ضرب النار بدأ يتردد في الجنينة ورا. كان فخ! الانفجار كان مجرد تمويه عشان يسحبوا عزيز والغفر بعيد.
ودرة واقفة في زاوية الأوضة بتقرأ قرآن عشان تحمي ابنها، لمحت الستاير بتاعة الشرفة المفتوحة بتطير بعنف. كانت متأكدة إن عزيز قفل باب الشرفة!
وقبل ما تستوعب، نط ظل أسود ضخم من الشرفة لچوه الأوضة الضلمة.
درة شهقت ورجعت لورا وهي ضامة رحيم لصدرها بكل قوتها.
الظل اتنقل ببطء على ضوء الشمعة، وكان ماسك سكينة بتلمع في الضلمة. ولما قرب، عرفت وش المشوه.
"صالح!" درة صرخت برعب.
"شرفتي يا بنت عمي." صالح قال بصوت زي الأفعى وابتسامة شريرة: "چولتلك المعركة لساتها بتبتدي. العمدة بتاعك مشغول بره في الحريچة اللي دياب ولعها، ومحدش هيلحقك."
"إنت عايز إيه يا صالح؟! أبوس يدك امشي! عزيز لو شافك هيقتلك بجد المرة دي!" درة كانت بتبكي وبترتجف وهي بتحاول تحمي ابنها.
"عزيز هيچتلني؟ خليه يچي يجرب." صالح قرب أكتر، ومد إيده الخشنة ومسك دراع درة بقوة شديدة وجرها ناحيته: "أنا مش چاي أموت.. أنا چاي أخدك، وأخد الواد ديه معايا. الواد ديه هو الكارت اللي هيخلي عزيز الجبالي يركع تحت رچلي، ويخليكي تمضيلي على كل قرش وكل شبر اتكتب باسمك."
"لااا! سيب ابني! يا عزيز! الحقني يا عزيييييز!" درة صرخت بأعلى صوت وهي بتقاومه بشراسة، بتضربه وبتزقه بكل قوتها، بس هو كان أقوى منها بكتير.
"اخرسي يا حُرمة!" صالح رفع إيده وضربها قلم جامد نزلها على ركبها، بس ممكّنتش في رحيم اللي كان بيصرخ.
صالح اتنى، وبقسوة جشعة، شد الطفل الرضيع من بين إيديها.
"ابني! لااااا! رحيم!" درة صرخت صرخة قطعت حنجرتها، ومسكت في رجل صالح وهي بتحاول تمنعه.
صالح زقها برجله بعنف، وطلع ناحية باب الشرفة وهو شايل العيل اللي بيعيط.
في اللحظة دي بالظبط، وصالح بيحط رجله على سور الشرفة عشان يهرب بالحبال اللي طلع بيها، باب الجناح اتخلع من مكانه بضربة واحدة مرعبة، ودخل عزيز الجبالي، وعينيه مولعة بنار.
"صااااالح!"
عزيز زأر باسمه ورفع مسدسه في ثانية، بس اتجمد في مكانه أول ما شاف صالح حاطط حد السكينة على رقبة الرضيع الصغير!
"لو اتحركت خطوة واحدة يا عمدة، هفصل راسه عن چسمه!" صالح صرخ بهستيريا وهو بيبص لعزيز وبيضغط بالسكينة بالراحة على رقبة رحيم، ودرة بتزحف على الأرض بتبكي وبترجاه.
