رواية انا مش رقم اثنين الفصل العاشر 10
نوفيلا:
#انا مش رقم اثنين
بقلم نسرين بلعجيلي
@Nisrine Bellaajili
_الفصل العاشر_
الحقيقه.....
كانت مريم مغمضة عينيها، لكن النوم كان رافض يقرب منها. كل ما تحاول تهرب، ترجع نفس الكلمتين يرنوا في ودنها :
"وصلت عندها؟"
عندها...
الكلمة دي كانت أقسى من أي اعتراف، لأنها ببساطة أكدت لها إن فيه مكان ثاني، وربما قلب ثاني عمر بيروح له.
قلبت وشها ناحية عمر، كان نايم أو بيحاول يمثل إنه نايم. بصت لظهره طويلًا، افتكرت أول سنة جواز، كان مستحيل ينام من غير ما يحضنها، وكان يقول لها وهو يضحك :
"أنا باعرف أنام من ريحة شعرك."
إبتسمت وقتها، لكن ابتسامتها ماتت بسرعة. حتى الذكريات بقت بتوجع. حست إن فيه حاجة اتكسرت جواها، مش الحب، لأنها كانت لسه بتحبه، ولا الكرامة، لأنها كانت لسه واقفة، اللي اتكسر.. هو الأمان.
الإحساس إنها كانت المكان اللي بيرجع له مهما تعب. أول مرة في حياتها تحس إنها غريبة في بيتها، وأغرب واحدة في قلب جوزها. نزلت دمعة على المخدة، وبعدين دمعة ثانية، وبعدين بكت في صمت.. من غير صوت.
كانت خايفة يسمعها، مش علشان ما يشمتش فيها، لكن لأنها للمرة الأولى ما بقتش واثقة إنه هيزعل علشان دموعها.
طلعت الشمس.. من غير ما تنام دقيقة واحدة. عمر قام بدري، لبس هدومه في هدوء. كان بيتجنب يبص لها. وقبل ما يخرج وقف عند باب الأوضة، لف ناحيتها لقاها مغمضة عينيها، إفتكر إنها نايمة. همس :
ـ خليكِ مرتاحة.
وأغلق الباب..
بعد ما خرج فتحت مريم عينيها ببطء، كانت مستنية يمكن يقرب، يمكن يقول آسف، يمكن يحضنها، يمكن حتى يكذب كذبة جديدة. المهم يحاول، إنما خرج بمنتهى السهولة، كأن اللي حصل بينهم إمبارح ماكانش نهاية عالمها.
طول اليوم.. كانت ماشية في البيت كأنها بتدور على نفسها، كل ركن كان فيه ذكرى، كل صورة كانت بتسألها سؤال واحد :
هو إمتى اتغير؟ وإمتى أنا ماخدتش بالي؟
رجع عمر بعد الشغل، دخل البيت. لقاها قاعدة في الصالة، ولا فيه أكل ولا تلفزيون، ولا حتى نور، غير الأباجورة الصغيرة.
رفعت عينيها عليه وقالت بهدوء أخافه :
ـ أقعد يا عمر.
حس إن قلبه وقع، قعد قدامها، فضلت ساكتة شوية وبعدين قالت :
ـ أنا مش هسألك كنت فين لأنك هتكدب، ومش هسألك كنت مع مين، لأنك هتنكر. أنا هسألك سؤال واحد، لو جاوبتني عليه، ممكن لسه يبقى فيه أمل.
رفع عينيه إليها وقال بصوت متوتر :
ـ إسألي.
بلعت ريقها وقالت :
ـ إنت لسه بتحبني؟
السؤال وقع عليه كأنه حجر، فتح بقه وقفله. كانت أول مرة يكتشف إن أصعب سؤال مش "مين سارة؟"
لكن...
"أنا لسه في قلبك؟"
طال صمته، طال جدًا ومريم كانت بتراقب ملامحه. كل ثانية سكوت كانت بتاخذ منها سنة كاملة. إبتسمت ابتسامة باهتة وقالت وهي تهز رأسها :
ـ خلاص.. عرفت الإجابة.
وقف بسرعة :
ـ لا يا مريم إنتِ فاهمة غلط.
رفعت كفها تمنعه من الاقتراب وقالت والدموع محبوسة في عينيها :
ـ إوعى تقول فاهمة غلط، الكلمة دي ماتت امبارح.
ثم وقفت أمامه لأول مرة.. وقفت قوية رغم إنها من جواها كانت منهارة، وقالت :
ـ مين سارة؟
ساد الصمت، كان الصمت أطول من أي اعتراف، همست :
ـ جاوبني مرة واحدة في حياتك من غير كذب، من غير لف، من غير "موضوع شغل"، من غير "إنتِ فهمتي غلط". جاوبني بالحقيقة، مين سارة؟
ظل عمر واقفًا كأن الأرض إتسحبت من تحت رجليه. إسم "سارة" كان واقف على طرف لسانه، لكن خروجه كان معناه إن حياته كلها هتتغير. بلع ريقه وقال بصوت خافت :
ـ دي... واحدة أعرفها.
إبتسمت مريم إبتسامة وجعت عمر أكثر من أي دموع. هزت رأسها ببطء :
ـ لأ. مش هينفع، مش بعد اللي حصل، مش بعد الرسالة، ولا بعد سكوتك، ولا بعد إنك ماعرفتش تحلف.
ثم اقتربت منه خطوة وقالت وهي تنظر مباشرة في عينيه :
ـ دي مين؟ واحدة كنت بتحبها؟ ولا واحدة بتحبك؟ ولا واحدة بقت بينك وبين مراتك؟
سكت.. أغمض عينيه للحظة، قال بصعوبة :
ـ كنت أعرفها قبل ما أتجوزك.
تجمدت مريم، لكنها تماسكت :
ـ وكلمتك ثاني إمتى؟
فضل ساكتًا.
ـ قبل شهر؟ قبل سنة؟ من إمتى يا عمر؟
خرج صوته مكسورًا :
ـ من كام شهر.
ضحكت.. لكنها كانت ضحكة موجوعة :
ـ كام شهر.. وأنا نايمة جنبك، وأنا باطبخ لك، وأنا مستنياك كل يوم وأنا فاكرة إنك بعيد علشان الشغل، وإنت.. كنت بعيد علشان قلبك راح في حتة ثانية.
حاول يقاطعها :
ـ مريم...
رفعت إيدها :
ـ لأ.. الدور عليا، خمس سنين وأنا كل مرة كنت أقول :
"تعبان."
"مضغوط."
"الدنيا شغلاه."
كنت بدافع عنك قدام نفسي وأكذب إحساسي. كل مرة قلبي يقول لي فيه حاجة غلط، أقول له : عيب، ده جوزك، ده أمانك، ده الراجل اللي اختارك. لكن طلع قلبي كان شايف الحقيقة قبلي.
نزلت دمعة من عينها ومسحتها بسرعة، ثم قالت بصوت مرتعش :
ـ تعرف إيه أكتر حاجة وجعتني؟ مش إن فيه واحدة ثانية، الوجع الحقيقي إنك كل يوم كنت تبص في عينيا وتكذب.
كل يوم، وأنا أصدقك. أنا كنت بثق فيك ثقة عمياء، الثقة دي هي اللي ماتت الليلة.
خفض عمر رأسه وقال بصوت بالكاد يُسمع :
ـ أنا ماقصدتش أوصلك لكده.
رفعت رأسها بسرعة :
ـ قصدت إيه؟ إنك تحافظ عليّ؟ ولا إنك تحافظ عليها؟ ولا إنك تحافظ على نفسك؟
إنت كنت بتحافظ على مين يا عمر؟
لم يجد جوابًا.
إقتربت منه أكثر، كانت المسافة بينهما أقل من خطوة، لكن لأول مرة حس إنها أبعد إنسانة عنه.
قالت :
ـ بص في عيني وقول لي الحقيقة، هل بتحبها؟
ساد صمت طويل، طويل لدرجة إن مريم سمعت صوت دقات قلبها. كانت تتمنى أن يكذب، أن ينكر، أن يغضب، أي حاجة، إلا الصمت، لأن الصمت كان اعترافًا.
رفع عمر عينيه إليها، كانت مليانة ندم. لكن الندم ما كانش كفاية.
قال بصوت مكسور :
ـ أيوه..
أغمضت مريم عينيها، ما صرختش، ما وقعتش، ولا حتى عيطت، بس حست إن فيه حاجة اتكسرت جواها.. للأبد
وبعد ثوانٍ فتحت عينيها من جديد. لكن مريم اللي بصت له ما كانتش هي نفس مريم اللي وقفت تستناه أربع ساعات علشان يحتفلوا بعيد جوازهم.
قالت بهدوء مخيف :
ـ وآخر سؤال يا عمر، إنت بتحبها وبتحبني؟ ولا أنا بقيت مجرد زوجة واقفـة على الهامش؟
عمر :
ـ إفهمي يا مريم، أنا بحبك وبحبها، وعايز أتجوزها.
إتصدمت مريم، وبصت له بعدم تصديق :
ـ إيه؟! تتجوزها؟! وأنا؟
رد عمر بسرعة :
ـ والله مافيش حاجة هتتغير، إنتِ ليكِ مكانتك، وهي ليها مكانتها.
قالت مريم وهي مستنكرة الوضع :
ـ لو الذاكرة ما خانتنيش، مش دي سارة بنت عمك اللي سابتك علشان الفلوس، واتجوزت واحد غني؟
رد عمر بسرعة :
ـ هي ما سابتنيش، كان عندها ظروفها.
نسرين بلعجيلي
ضحكت مريم بمرارة :
ـ وبتدافع عنها كمان؟! ودلوقتي سابت عيالها وجوزها، وجاية تدور عليك إنت؟
قال عمر :
ـ بصي يا مريم، سارة بقت وحيدة ومحتجاني. غير إن نفسيتها تعبانة جدًا، وأنا حاسس بالذنب ناحيتها. ضحت بأولادها وبجوزها علشاني.
قالت مريم باستفزاز :
ـ يا حرام.. صعبت عليا! فيه واحدة تسيب عيالها علشان راجل؟ إنت بتقول إيه؟!
قال عمر :
ـ لو سمحتِ ما تغلطيش فيها، هي طول الوقت بتتكلم عنك باحترام.
ردت مريم بانفعال :
ـ أغلط فيها؟! أنا بقول الحقيقة. وبعدين إنت عايزها كمان تتكلم عليا وحش؟ هي اللي داخلة حياتي وعايزة تاخذ جوزي مني. إنت بتقول إيه؟!
قال عمر، وهو غير قادر على مواجهتها :
ـ مريم.. أرجوكِ، الموضوع بسيط. إنتِ بتحبيني، وأنا بحبك. وافقي، وخليني أتجوزها. مش إنتِ عايزة تشوفيني مبسوط وسعيد؟
نظرت إليه مريم بذهول :
ـ أشوفك سعيد وأظلم نفسي؟
رد بسرعة :
ـ لا... لا، مافيش ظلم. بالعكس، إعتبري إنك بتعملي خير فيها وفيا، عارفة لو أنا ما اتجوزتهاش ممكن تنتحر. هي حاولت تنتحر فعلًا، لكن عمها، الراجل صاحب أبوها اللي هي بتعتبره زي عمها، هو اللي أنقذها واتصل بيا وقال لي إنها في المستشفى. بس طلب مني ما أقولهاش إنه عرفني إنها حاولت تنتحر.
نظرت إليه مريم وكأنها لا تعرف الرجل الواقف أمامها وقالت بصوت مرتعش :
ـ أنا... مش مستوعبة اللي بسمعه. ولا مستوعبة إنت بتطلب مني إيه.
ساد الصمت بينهما.. صمت ثقيل.. كأن البيت كله حبس أنفاسه. مريم كانت بتبص لعمر، لكن لأول مرة ما كانتش شايفة جوزها، كانت شايفة راجل غريب قاعد قدامها يطلب منها تشارك واحدة ثانية فيه، وكأنها بيطلب منها فنجان قهوة.
هزت راسها ببطء، وقالت وهي بتحاول تستوعب :
ـ يعني إنت داخل عليا، بعد خمس سنين جواز تقول لي وافقي أتجوز واحدة ثانية؟
رد عمر بسرعة :
ـ مش أي واحدة يا مريم، دي سارة.
إبتسمت إبتسامة ساخرة :
ـ أيوه فهمت. سارة... الإسم اللي بقيت أكرهه من غير حتى ما أعرف صاحبته.
ثم قربت منه خطوة وقالت بصوت منخفض، لكنه كان مليان وجع :
ـ تعرف أنا كنت فاكرة إن أسوأ حاجة ممكن تعملها فيا هي الخيانة، لكن طلعت غلطانة، الخيانة أهون، لأن الخاين بيستخبى. أما إنت، فجاي تطلب مني أبارك لك. جاي تطلب مني أتنازل بإيدي عن حقي.
تنهد عمر وقال :
ـ أنا مش عايز أظلمك.
ضحكت ضحكة خرجت مخنوقة :
ـ لا.. إنت بالفعل ظلمتني من يوم ما فتحت قلبك لوحدة غيري وإنت ظلمتني، من يوم ما خليتني أشك في نفسي، وإنت ظلمتني. من يوم ما بقيت أستنى منك كلمة حلوة، وأنت بتديها لغيري، وإنت ظلمتني.
خفض عمر رأسه :
ـ أنا بحبك.
صرخت لأول مرة :
ـ الحب مش بيتقسم يا عمر، لو كنت بتحبني بجد ما كنتش وقفت قدامي دلوقتي تطلب مني أوافق على كسرتي.
اتنهد وقال :
ـ الشرع محلل أربع.
ردت عليه بسرعة :
ـ الشرع أمرك كمان بالعدل، قولي تقدر تعدل بين واحدة كسرت قلبها بإيدك، وواحدة داخل تتجوزها على حساب دموع مراتك؟
سكت..
كملت وهي تبكي :
ـ كل اللي كنت محتاجاه منك إنك تختار، لكن إنت اخترت الاثنين، وأنا ما ينفعش أبقى نص اختيار.
اقترب منها وقال برجاء :
ـ مريم، بلاش تهدي اللي بينا.
رجعت خطوة للخلف :
ـ اللي بينا؟ اللي بينا إنتهى يوم ما قلبك بقى فيه مكان لغيري.
رفع صوته لأول مرة :
ـ إنتِ مكبرة الموضوع!
ضحكت وهي تهز رأسها :
ـ مكبراه؟ إنت شايف إنه طلبك طبيعي إنك تقول لمراتك: "وافقي أتجوز عليكِ" ولما ترفض تبقى هي اللي مكبرة الموضوع؟
ثم مسحت دموعها بطرف كفها واستقامت في وقفتها كأنها بتجمع آخر كرامتها، وقالت بهدوء أرعبه أكثر من صراخها :
ـ فاكر يوم كتب الكتاب؟ لما مسكت إيدي وقلت لي: "هكون سندك، وأمانك، وعمرك ماهتحسي إنك لوحدك."؟
أنا صدقتك. كنت فاكرة إن الراجل اللي قدامي هيحارب الدنيا كلها علشاني، ما كنتش أعرف إنه في يوم من الأيام هحتاج أحاربك إنت.
إقترب عمر منها وهو يحاول يمسك إيدها، لكنها سحبتها بسرعة :
ـ ما تلمسنيش.
وقف مكانه، نظر إليها بعجز :
ـ طيب، إنتِ عايزة إيه؟
بصت له طويلًا.. طويلًا جدًا.. ثم خرجت الكلمات من بين شفايفها هادئة، لكنها كانت كالرصاصة :
ـ عايزة حقي.
عقد حاجبيه :
ـ حقك إيه؟
قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه :
ـ طلقني يا عمر.
إتجمد في مكانه كأنه ما سمعش :
ـ إيه؟
ـ باطلب الطلاق. لو قلبك بقى لواحدة غيري، حررني. ما تخلينيش أعيش طول عمري زوجة على الهامش.
هز رأسه بعنف :
ـ مستحيل.. أنا مش هطلقك، إنتِ مراتي، وهتفضلي مراتي.
قالت بصوت إختلط فيه الألم بالكبرياء :
ـ يبقى إسمعني كويس، أنا مستحيل أعيش يوم واحد في حياة أنا فيها الخيار الثاني.
ثم استدارت، واتجهت نحو غرفة النوم، وقبل أن تغلق الباب التفتت إليه للمرة الأخيرة. كانت عيناها مليئتين بالدموع، لكن صوتها كان ثابتًا :
ـ من النهارده، يا أنا.. يا هي.
وأغلقت الباب خلفها.
أما عمر.. فظل واقفًا في منتصف الصالة ينظر إلى الباب المغلق. ولأول مرة شعر أن خسارة مريم قد تكون أكبر بكثير مما كان يتخيل.
