رواية نعيم الجهل الفصل العاشر 10 حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل العاشر 

دخل كايا إلى غرفة تبديل الملابس..
الخاصة بالنساء.. وما إن لمحته رنا..
حتى اتسعت عيناها بدهشة:
ــ كايا! إنت دخلت هنا إزاي؟!

ابتسم لها وكأنه لم يرتكب..
أي شيء غريب.. وقال بهدوء:
ــ وحشتيني..
بقالي أسبوع مش عارف أشوفك..

ضحكت رنا بخفة..
وهزت رأسها بعدم تصديق:
ــ إنت مجنـــ ـون.. صح؟

وقبل أن يرد..
جاء صوت البائعة من الخارج:
ــ في مشكلة يا فندم؟

اتسعت عينا رنا بفــ ــزع..
دفعت كايا خلفها بسرعة..
ثم فتحت باب غرفة القياس..
مقدارا بسيط.. ومدت يدها بالبلوزة:
ــ معلش.. ممكن تديني المقاس الأكبر؟

تناولت البائعة البلوزة منها.. وقالت:
ــ حاضر يا فندم.. لحظة واحدة..

أغلقت رنا الباب بسرعه..
ثم استدارت نحو كايا وهمست بغيظ:
ــ إنت ناوي توديني في داهية؟

اقترب كايا منها بابتسامة مستفزة:
ــ كنتـــــي وحشــــــاني..

رنا بغيظ.. وهي تخفض صوتها:
ــ وده مبرر إنك تقتحم..
غرفة تبديل الملابس؟!
في مكان عام يا كايا!

ابتسم كايا بلا مبالاة:
ــ كان لازم أشوفك..

رنا بغيظ وهي تخفض صوتها:
ــ كان ممكن تستناني بره!

كايا بنظرة عتاب:
ــ استنيتك أسبوع..

رنا رفعت عينيها إليه بضيق:
ــ وإنت شايف إن أسبوع يديك الحق..
       تعملــي فضيـــ ـحة؟!
يا بني ادم إحنا في مكان عام!

كايا اقترب منها قليلا..
وقال بنبرة أخفض:
ــ لو كنتي رديتي عليا..
مكنتش دخلت وراكي..

وقبل أن ترد..
جاء صوت البائعة من الخارج:
ــ اتفضلي يا فندم.. لقيتلك مقاس تاني..

اتسعت عينا رنا..
فوضعت يدها سريعًا على فمه:
هششش.. أنــــا هخــــرج دلوقتي..
وأشغل البنت بره.. وإنت تستنى هنا..
لحــد مـــا أبعــــدها عــــن المكـــــان..
وبعدها تخرج من غير ما حد يشوفك.. فاهم؟

نظر إليها كايا للحظة..
وكأن اهتمامها به أربكه أكثر مما توقع..
كانت يدها ما زالت تغطي شفتيه..
وقبـــــل أن تسحبهـــــا..
طبع قبلة هــــادئة على كفهـــــا..

تجمــــدت رنــــــا في مكانهــــــا..
واتسعت عيناها.. وكأنها لم تستوعب..
ما حدث إلا بعد أن شعرت بحرارة شفتيه..
على كفها.. تسارعت ضـ ــربات قلبهــــــا..
بشكل أربكها.. وامتد الارتباك إلى وجهها حتى..
أنها أصبحت عاجزة عن النظر في عينيه..

سحبت يدها منه فورا..
ثم فتحت الباب وخرجت..

ظل كايا صامت حتى ابتعد صوت خطواتها..
عندها وقعت عيناه على حقيبتها..
التي تركتها خلفها دون أن تنتبه..
تغيرت ملامحه..اقترب منهــــــا..
وفتحهــــا بحـــــذر.. ثــــم همس:
ــ سامحيني يا رنا.. بس غصب عني..

رفع عينيه نحو الباب.. 
ثم أغلق الحقيبة كما كانت.. وغادر..

         ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                «عنــــد قـــــدر ويحيــــي»

توقفت ابتسامة قدر..
نظرت إليه باستغراب:
ــ مريم.. مين؟

ابتسم يحيى..
وأشار بإصبعه ناحية إحدى الغرف:
ــ مريم.. الطفلة اللي غرفتها..
كـــــــانت جنب غرفتـــــي..
هروح أسلم عليها قبل ما نمشي..

ابتسمت قدر:
ــ طيب روح.. بس ما تتأخرش..
عشان عمتو مستنيانا..

كرمش يحيى أنفه بضيق:
ــ قصدك دركولة العصبي!

ضحكت قدر.. وضـ ـــربته بخفة على ذراعه:
ــ عيب كده... اتكلم باحترام..

وقف يحيى واتجه ناحية..
غرفة مريم.. ثم التفت لها وهو يمشي:
ــ حاضر.. بس ما يمنعش إنها برده دركولة..

ضحكت قدر وهي تتابعه بعينيها:
ــ ربنا يعينا على لسانك يا يحيى..

ابتسم يحيى.. ثم اختفى خلف باب الغرفة..

أما قدر... فظلت تراقب المكان..
الذي اختفى فيه للحظات..

وابتسامتها لم تمنع ذلك..
السؤال الذي بدأ يكبر بداخلها:
ــ يا ترى إنت مين يا يحيى؟
مين أهلك؟ وإيه اللي حصل لك؟
وليه كل 27 يوم.. بتنسى حياتك؟

بعد دقائق.. عاد يحيى..
وركبا السيارة متجهين إلى المنزل..

ظل يحيى ينظر من نافذة السيارة..
إلى الشـــــوارع مــــن حــــوله..
يحاول أن يجد فيها أي شيء..
مألوفا يــــوقظ ذاكــــــرته..

كانت قدر تراقبه من حين لآخر..
تلاحظ حيرته وصمته..

وبعد وقت قصير.. وصلوا إلى المنزل..
ما إن دخلوا.. حتى رمقت جلنار يحيى.. 
بنظرة عابسة.. ثم اتجهت إلى المطبخ دون كلمة!

تجاهلت قدر الأمر.. وقالت ليحيى:
ــ تعالى يا يحيى.. دي أوضتك..

دخــــل يحيى الغــــــرفة..
وأخذ يتأمل المكان للحظات..
ثم نظـــــر إليها بحيــــــرة:
ــ أنا مش فاكر أي حاجة هنا..

ابتسمت قدر بهدوء:
ــ الدكتور قال إن ده طبيعي..
بس ما تقلقش.. واحدة واحدة..
هتفتكــــر كـــــل حاجــــة..

ثم أشارت إلى الغرفة:
ــ يلا غير هدومك..
وأنا هحضر السفرة مع عمتو..

هم يحيى بالابتعاد..
لكنه توقف فجأة..
وأمسك يد قدر نظر إليها..
بعينين ممتلئتين بالخوف..
فهو لا يتذكر شيئا.. ولا يعرف أحدا سواها:
ــ انتي مش هتسبيني.. صح؟

ابتسمت قدر..
وضغطت على يده بحنان:
ــ لا طبعا مش هسيبك..
ماعنديش حد تاني يصدع دماغي..
غيرك! يلا بقى اغسل وشك وغير هدومك..

ابتسم يحيى..
ثم اقترب منها واحتضنها بعفوية:
ــ ربنا يخليكي ليا..

ضحكت قدر وهي تربت على ظهره:
ــ طب يلا روح قبل ما أغير رأيي!

ابتعد يحيى عنها بسرعة وقال بابتسامة:
ــ لا خلاص.. حاضر..

خرجت قدر من الغرفة..
وأغلقت الباب خلفها..
ثم اتجهت إلى المطبخ..
ما إن رأتها جلنار حتى قالت بضيق:
ــ الناس هتقول علينا إيه..
لما شاب غريب يقعد معانا في البيت؟!

ردت قدر بهدوء:
ــ عمتو.. يحيى تعبان..
وأنا ماكنش ينفع أسيبه لوحده..

رفعت جلنار صوتها بغضب:
ــ يروح يشوف أهله فين!

التفتت قدر بسرعة..
ناحية غرفة يحيى.. ثم قالت:
ــ لو سمحتي يا عمتو..
وطي صوتك ليسمعك!
وبعدين إحنا أصلا عارفين أهله مين..

هزت جلنار رأسها برفض:
ــ أنا مستحيل أوافق..
إنه يقعد معانا في البيت..

نظرت إليها قدر للحظات.. ثم قالت بهدوء:
ــ تمام يا عمتو.. هيمشي.. بس مش لوحده..

قطبت جلنار حاجبيها:
ــ يعني إيه يا قدر؟

اقتربت منها قدر وقالت بإصرار:
ــ عمتو.. من فضلك.. حاولي تفهميني...
أنا مش هقدر أسيب يحيى وهو في الحالة دي..

وفجأة ظهر يحيى عند باب المطبخ..

نظر إليهم بابتسامة بسيطة:
ــ هو في حاجة؟

التفتت قدر إليه بسرعة..
وحاولت تخفي توترها:
ــ لأ.. مفيش حاجة..

ثم نظرت إلى جلنار..
وكأنها ترجوها أن تسكت..

ابتسم يحيى بحيرة:
ــ طب إنتوا بتتكلموا عن إيه؟

ردت قدر:
ــ عن الأكل.. 
عمتو كانت بتسألني هنعمل إيه على العشا..

نظرت جلنار إلى قدر بضيق..

ظل يحيى واقف أمامهم..
بابتسامته البسيطة.. غير مدرك..
لما دار بين قدر وجلنار..

وفجأة.. وصل إشعار إلى هاتف قدر..
أخرجت هاتفها بسرعة.. وما إن قرأت الرسالة..
حتى ابتسمت.. فقد كانت الرسالة التي تنتظرها..
رفعت عينيها عن الهاتف.. وقالت بهدوء:
ــ أخيرا..

بص يحيى للموبايل في إيدها وقال بعفوية:
ــ مين حمزة ده اللي وشك ضحك..
لما شوفتي رسالته؟

حطت قدر الهاتف في جيبها..
وضــــ ــربته بخفة على كتفه:
ــ صديق.. وبعدين كده عيب..
احترم خصوصيتي شوية!

ضحك يحيى:
ــ أعمل إيه بس؟
ما أنا دماغي فاضية..
بحاول أملاها بأي حاجة..

ناولته قدر الأطباق وهي تضحك:
ــ طب بدل ما تفضل تحشر مناخيرك في..
خصوصياتي.. خد الأطباق دي حطها على السفرة..

أخذ يحيى الأطباق منها وهو يضحك..
ثم هز رأسه ببراءة واتجه بها إلى السفرة..

                 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

           «فــــي كـــافيه علـــى البحـــــر»

جلست مريم تنظر إلـــى البحر..
بعينيـــن مثقلـــتين بالحــــــزن..
وقــــالت بصـــــوت مبحـــــوح:
ــ هو ليه كل حاجة حلوة عمرها قصير؟
ليه آدم مـــ ــات؟وليه باهر وكاهان وصل..
بيهم الحال إن واحد منهم يبقى عايز يقتــ ــل..
التاني؟وليه باهر بعد هنا؟وليه ضياء بيحبني..
ومستعد يديني كل حاجة.. بس أنا مش حاسة؟
وليـــــه اللـــــي بحبــــــــه بيغيب عنــــــي؟
ليه مش عارفة أعيش حياتي زي ما أنا عايزة؟

حاول حمزة يخفف عنها.. فقال بابتسامة:
ــ إيه يا عم حمادة هلال؟ قلبتيها نكد ليه؟

نزلت دموع مريم في صمت..

لاحــــظ حمــــــزة دموعهـــــا..
فـــــــاختفت ابتسامتـــــــه..
واقترب منها ووضع يده فوق يدها:
ــ تمام.. عيطي.. يمكن ده يهديكي..

ثـــــم ابتسم لهـــــــا وقال:
ــ بس تعـــــرفي يا مــــــريم؟
مش كل حاجة حلوة عمرها قصير..
يعني مثلا.. أنا لسه موجود معاكي وجنبك..

نظـــــرت إليــــه مــــــريم..
وقالت بعفوية وسط دموعها:
ــ بقيت أخاف أخسرك يا حمزة.. إنت كمان..

توقفت ابتسامة حمزة للحظة..
وكأنه لم يتوقع منها تلك الجملة..

نظر إلى يدها تحت يده..
ثم رفع عينيه إليها وقال بهدوء:
ــ وأنا مش ناوي أخليكي تخسريني بسهولة..

ابتسمت مريم وسط دموعها..
وظل حمزة ينظر إليها للحظات..
وكأن الجملة التي قالها كانت تحمل..
وعدا أكبر مما أراد أن يظهره..

غير حمزة الموضوع فجأة..
وفرد ذراعيه في الهواء.. وقال بصوت عالي:
ــ بعيد عــــن النــــكد ده كلـــــــه..
أنا مش مصدق نفسي إني أخدت..
تصريح أقابلك كده قدام الناس..
وفـــــي كــــــافيه كمـــــان..
من غير ما أخاف أخوكي يشوفنا!

ابتسمت مريم وهي تنظر حولها:
ــ وطي صوتك يا حمزة..
الكافيه كله سمعك!

ضحـــك حمــــزة:
ــ خليهــــــم يسمعـــــوا..
دي أول مرة أحس إني خارج معاكي..
من غير ما أبص ورايا كل شوية!

ثم فرد ذراعيه براحة وقال:
ــ والله حاسس إني زي اللي كان في جرة..
وطلع بره!

ضحكت مريم وهي تهز رأسها:
ــ جرة إيه بس يا حمزة؟!يا ابني اهدى.. 
إنت فرحان كأنك واخد تصريح..
خروج مــــن السجــــ ـن!

ضحك حمزة:
ــ ما هو تصريح خروج..
رسمي يا ست دبل كوفي..
ولسه مستغرب إنهم..
ما طلبوش مني ضمانات!

ضحكت مريم:
ــ ضمانات إيه يا حمزة؟!

حمزة وهو يعد على صوابعه:
ــ ممنوع تزعلها.. ممنوع مغامرات..
من نوع فتح مقـ ـــابر..
وممنوع تناديها.. دبل كوفي..

رفعت مريم حاجبها:
ــ أهو آخر شرط ده بالذات..
إنت خالفته في أول دقيقة!

ابتسم حمزة:
ــ ما أنا قلت أجرب حظي..
يمكن المرة دي أرجع البيت..
مــــن غيـــــر محضــــر..

ضحكــــت مــــــريم:
ــ والله إنت مستفز..

حمزة :
ــ بس ضحكتي.. 
يبقى التصريح اتجدد..

مريم بابتسامة:
ــ بس مش مهمتك..
إنك تخليني دائما أضحك..

حمزة:
ــ مش مهمتي.. صح..
بس أنا مجبر أخليكي تضحكي..

رفعت مريم حاجبها:
ــ لا والله؟! مجبر يا حمزة؟

ابتسم حمزة وهو ينظر إليها:
ــ أيوه... عشان ضحكتك..
بتنور الدنيا كلها يا مريم..

ضحكت مريم وهزت رأسها:
ــ يا ابني بطل كلامك ده.. 
هصدق نفسي وأتغر عليك في الآخر!

ضحك حمزة:
ــ أهو كده التصريح اتجدد شهر كمان...

وفي وسط كل الحزن اللي كانت عايشاه ده..
كانت ضحكتها معاه هي الحاجة الوحيدة..
اللي قدرت ترجع لها للحظة..

                    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

               « فـــــي منتصف الليــــــل »

وقف كاهان وكايا خلف مبنى الشركة..
يراقبان المكان في صمت..

لاحظ كاهان توتر كايا.. فسأله:
ــ مالك متوتر ليه كده؟

تنهد كايا:
ــ ماتشغلش بالك..
إنت عرفت هتدخل الشركة إزاي؟

رد كاهان بثقة:
ــ أنا عارف إنك خايف على رنا..
اطمن.. أنا مش ممكن أعرض حياتها للخطـــ ــر!

تنهد كايا وقال بقلق:
ــ أنا أخدت مفاتيح مكتب معتز..
من شنطتها.. وخايف يكتشف إنك..
دخلت المكتب ونسخت المفاتيح دي..
مع رنا بس لأنها سكرتيرة مكتبه..

نظر كاهان إلى المبنى.. ثم قال بهدوء:
ــ اطمن.. أنا هدخل وأخرج..
من غير ما حد يحس..

ثــــم دخــــــل الي الشــــركة..
وترك كايا يراقب المكان من الخارج..
ثم اتجـــه إلى مكتب معتـــز..
بدأ يبحث بين الملفات والأدراج..
على أمل أن يجد أي شيء..
يقوده إلى زوجته وابنه..

وفجأة..
توقف عن البحث..
صوت خطوات يقترب من المكتب..
اقتربت أكثر.. حتى توقفت أمام الباب..
رفع كاهان رأسه.. وظل ساكن في مكانه..
بدأ مقبض الباب يتحرك ببطء..

وانفتح الباب..


تعليقات