رواية نعيم الجهل الفصل الحادي عشر
اتفتح الباب.. وظهر ظل يتقدم نحوه..
اتسعت عينا كاهان.. وهمس بصدمة:
ــ قدر...
تقدمت قدر إلى الداخل..
وتركت الباب مفتوح خلفها..
وفي اللحظة نفسها..
لمح كاهان أحد أفراد الأمن..
يقترب من الخارج.. اندفع نحو قدر..
جذبها إليه بسرعة.. ووضع يده على فمها..
قبل أن تصــ ـرخ.. ثم مد يده الأخرى..
وأغلق الباب بهدوء..
تجمدت قدر بين ذراعيه..
تلاقت عيناهما لثواني..
ما إن ابتعدت خطوات رجل الأمن..
حتى ضــ ـربت قدر قدم كاهان..
فأبعد يده عن فمها بسرعة..
ابتعد عنها وهو يتــ ــألم..
ونظر إليها باستغراب:
ــ انتي بتعملي إيه؟!
اتجهت قدر إلى الملفات..
وبدأت تبحث بينها:
ــ إنت اللي بتعمل إيه هنا؟!
رد كاهان بنفس الهمس:
ــ السؤال ده أنا اللي أسألهولك..
انتي بتعملي إيه في مكتب معتز؟
ردت قدر دون أن تنظر إليه:
ــ نفس اللي بتعمله إنت..
عاد كاهان إلى بحثه.. وقال بسخرية:
ــ قلبك جامد عشان يجيبك هنا..
تجاهلت كلامه..
ثم توقفت أمام أحد الأدراج:
ــ الدرج ده مقفول ليه؟
اقترب كاهان منها:
ــ ارجعي ورا.. خليني أشوفه..
وضعت قدر يدها عليه بعناد:
ــ أنا اللي شوفته الأول..
نظر كاهان إلى تصرفها الطفولي..
وهـــز رأســــــه بسخــــرية:
ــ لا.. ماهو إحنا مش واقفين..
على باب أسانسير عشان تتخانقي..
على الدور! استني ياماما..
ردت قدر بعناد:
ــ اللي فيه يخصنا إحنا الاتنين..
أبعد كاهان يدها عن الدرج:
ــ ارجعي ورا يا قدر..
حاول كاهان فتح الدرج..
بأكثر من طريقة.. دون أن يترك..
أي أثر يدل على أنه اتفتح..
ثم ضــ ــرب بقبضته على المكتب بخفة:
ــ مش هيتفتـــح...
نظرت له قدر بسخرية:
ــ طول بعرض زي الحيطة..
ومش عارف تفتح درج؟!
ارجع ورا... أنا هفتحه..
أمسك كاهان بذراعها قبل أن تتحرك:
ــ هتعملي إيه؟
ردت قدر ببرود:
ــ هكسره.. يا ذكي شان على الفاضي..
شد كاهان على أسنانه بغيظ:
ــ على أساس إني غلبان؟
أهــ ــد المكتب على دماغك دلوقتي.. صح؟
ردت قدر بعناد:
ــ طب ما تفتحه.. مستني أعزم عليك؟
كاهان نظر إليها بنفاد صبر:
ــ ماينفعش نكسر الدرج يا أذكى اخواتك..
عشان كده هيتعرف إن في حد دخل المكتب..
ثم ضـ ــرب على رأسها بخفة:
ــ فهمتي؟
تحــــركت قــــدر بعصبيـــــة..
فاصطدمت بالفــــازة الموضـــــوعة..
على طرف المكتب.. اهتزت الفازة وسقطت..
وقبــــــــل أن تلــــــمس الأرض..
أمسك كاهان بقدر بسرعة.. وشدها إليه ليثبتها..
والتقط الفازة بيده الأخرى.. تجمدت قدر للحظة..
وقد وجدت نفسها بين ذراعيه..
نظر إليها كاهان:
ــ إنتي مش هتهدي غير لما تعملي مصيبة؟
ارتبكت قدر من قربه المفاجئ..
وحاولت تبعد عنه وهي تقول بتوتر:
ــ أنا.. ماخدتش بالي..
«تحـــت مبنـــى الشــــــركة»
كان كايا يراقب مبنى الشركة..
حين لمح حمزة واقف هو الآخر يراقبه..
اقترب منه ووضع يده على كتفه:
ــ حمزة!
انتفض حمزة:
ــ بسم الله!
ضحك كايا بسخرية:
ــ بتعمل إيه هنا؟
رد حمزة.. بتلقائية:
ــ قدر فوق...
اتسعت عينا كايا:
ــ فوق؟! فوق فين؟
أشار حمزة إلى مبنى الشركة:
ــ في مكتب معتز الجمال..
وقبل أن يستوعب كايا الأمر..
لمح كاهان يخرج من المبنى ممسكا..
بيد قدر.. ويتجه بها نحو السيارة..
فتح كاهان باب السيارة:
ــ اركبي...
ركبت قدر.. وأغلق الباب..
ثم اتجه إلى مقعد القيادة..
نظر كاهان إلى كايا:
ــ كايا.. خد حمزة معاك..
ثم نظر إلى حمزة:
ــ أخلص حسابي مع الهانم دي..
ودورك بعدهـــــــا..
ركب السيارة وانطلق بها..
ظل حمزة واقف للحظات..
ثم التفت إلى كايا بحيرة:
ــ أنا مش فاهم حاجة..
هو خد قدر وراح فين؟
تنهد كايا:
ــ اركب يا حمزة.. آخر مرة أخدتك..
من المقـــ ـابر وعدت على خيــــر..
بس المرة دي شكله متعصب أوي..
نظر حمزة إلى كايا بحزن وعفوية:
ــ تفتكر هيمنعني أقابل مريم تاني؟
ابتسم كايا غصب عنـــــه..
وهــــو يبص له باستغـــــراب..
وسط كـــــل اللــــي حصــــل..
وكل المصايب اللي حواليهـــــم..
أكتر حاجة شاغلة بال حمـــــزة..
إن كاهان ممكن يمنعه من مقابلة مريم:
ــ هو ده اللي بتفكر فيه وإحنا في سيل..
من المصايب؟! اركب يا حمزة!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
« فـــــي منـــــزل كـــــاهان »
رأت مريم باهر واقف أمامها..
كان قريبا منها.. حتى إنها تستطيع رؤية..
ملامحه بوضوح.. لكنه بدا بعيدا في الوقت نفسه..
تحركت نحوه بسرعة.. لكنه ظل في مكانه..
كلما اقتربت منه.. ظلت المسافة بينهم كما هي..
وكأنهـــــا لا تتحـــــرك مــــن مكانهــــا..
توقفت مريم.. وراحت تحدق فيه بحيرة..
ثــــم وقعت عيناهــــا على يــــده..
كان الــ ـدم يتســـاقط منهــــا ببطء..
رفعت مـــريم عينيها إليـــه بخــــوف..
ظل باهر واقف كتمثال لا يتحرك..
فقط ينظر إليها.. ودمعة واحدة انزلقت..
ببـــــطء علــــى خــــده..
ــ بـــــااااهر!
استيقظت مريم بفزع..
وهــــي تصــ ــرخ باسمـــــه!
سمعت ربـــاب صــ ــراخ مــريم..
فدخلت مســـرعة إلى غرفتهـــا..
وبمجـــرد أن رأتهـــا بهذا الحــــال..
وضعت كوب الماء الذي كان في يدها..
على الكـــومود.. وجلست بجوارهــــا..
وأزاحت خصلات شعرها عن وجهها:
ــ مالك.. يا مريم؟
انهارت مريم في البكاء:
ــ باهر.. أخويا في خطـ ــــر..
حاولت رباب تهدئتها وهي..
تمسح العرق عن جبينها:
ــ اهدي يا مريم.. إنتي شوفتي كابوس..
باهر كويس...
هزت مريم رأسها برفض.. وانهمرت دموعها:
ــ لأ.. مش كابوس.. أنا شوفته يا رباب..
كان قدامي ومش قادر يوصل لي..
هـــــو محتـــاجني..
حاولت رباب ألا تسقط تلك الدمعة..
وهي ترى إلى أي حال وصلت..
مريم منذ غياب باهر!
أخذت كوب الماء من فوق..
الكومود.. ومدته إليها:
ــ طيب اهدي... واشربي..
مسحت مريم دموعها..
ثم أمسكت يد رباب بقوة:
ــ رباب... هو بيسمع كلامك.. خليه يرجع..
ترددت رباب للحظة..
فهي لا تعرف أين باهر..
لكنها ابتسمت لها بحنان:
ــ حاضر يا مريم.. هقوله يرجع..
بس انتي اهدي..
ارتمت مريم في حضن رباب..
وانفجــ ـــرت في البكاء..
أغمضت رباب عينيها بوجع..
فهي تعرف هذا الألم جيدا..
ذاقت مرارته من قبل حين فقدت أخاها..
حاولت أن تمنع دموعهــــا..
لكن دمعة واحدة خانتهــــا..
وانزلقت على خدها.. فاحتضنت مريم بقوة..
وكأنها تحاول أن تحمل عنها بعض من وجعها..
وفجأة..
دخلت إلهــــام إلى الغــــرفة..
وما إن رأت مريم بين ذراعي رباب..
حتــــى تغيـــــرت ملامحهــــا..
تقــــدمت منهـــــا بســـــرعة..
وأمسكت ذراعها بقســـ ــوة..
وأبعدتهـــــا عـــــن مـــريم:
ــ انتي بتعملي إيه؟! ابعدي عن بنتي!
نظرت رباب إليها بدهشة:
ــ أنا ماعملتش حاجة... مريم!
قاطعتها إلهام بحدة:
ــ اطلعي برا!
وإوعي تقربي من أي حد من ولادي تاني!
صمتت رباب للحظة..
ثم نظرت إلى مريم التي ظلت..
جالسة مكانها.. تائهة في حزنها..
وكأنها لم تستوعب ما حدث..
خفضت رباب عينيها..
ثم خرجت من الغرفة بصمت..
أما إلهام.. فظلت واقفة بجوار مريم..
تتابع الباب حتى أُغلق خلف رباب..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
« عنـــــد معتـــــز الجمـــــال »
كان معتز يجلس على الكرسي..
بجوار النافذة.. يشعــ ــل سيجارته بهدوء..
وكانت امرأة تخرج من حمام غرفته..
كانت ترتدي روب الحمــــام..
وتمسح شعرها بمنشفة صغيرة..
بعد أن أخذت حماما سريعــــا..
تساقطت قطرات الماء من أطراف..
شعـــــــرها علـــــى الأرض..
اتجهت نحوه وهي تعدل..
شعرها أمـــام المـــــرآة..
ثم ألقت عليه نظرة هادئة..
أما معتز... فظل صامتا..
ينفث دخــ ـــان سيجارته..
وكأن وجودها في الغرفة أمر عادي تماما..
جلست المرأة على الوسادة..
بجــــــوار كــــرسي معتـــــز..
ثم قالت بصوت مكســ ـــور:
ــ معتز... أنا عملت كل اللي طلبته مني..
نظـــــر إليهـــــا معتـــــز..
ثم مد يده ولمس خدها بهدوء:
ــ وأنا بديكي كل الفلوس..
اللي بتحتاجيها.. وزيادة حبتين..
هزت رأسها.. وسقطت دمعة من عينها:
ــ أنا مش عايزة فلوس..
رفع معتز حاجبه:
ــ أومال عايزة إيه؟
نظرت إليه بألم:
ــ ابني..
تغيرت ملامح معتز للحظة..
لكنه حافظ على هدوئه..
أكملت وهي تحاول حبس دموعها:
ــ مش كفاية كل السنين دي..
وهو بعيد عني؟حتى ما يعرفش إني أمه..
أمسك معتز شعرها من الخلف..
وجذبها نحوه.. واقترب من أذنها..
حتى أصبح همسه هو الشيء..
الــــــوحيد الــــذي تسمعــــه:
ــ انتــــي اتنـــــــازلتي عنـــــه..
وأنا اختــــرت لــــه أم تانيـــــة..
شال اسمهــــا.. وهي مــ ـــاتت..
اشتدت قبضته على شعرها:
ــ يعني لو أنا اعتبرتك أمه دلوقتي..
هتمــــ ـــوتي..
نظرت إليه المرأة والدموع..
تملأ عينيها.. وقالت بـــألم:
ــ إنت عارف إني ما اتنازلتش عنه بإرادتي..
ترك معتز شعرها فجأة..
فمالت برأسها وهي تلتقط أنفاسها...
نهض مـــــــن مكــــانه..
وعدل أكمام قميصه بهدوء..
ثم نظــــر إليهـــــا من أعلى:
ــ في النهاية.. انتي اخترتي حياتك..
رفعت المرأة عينيها إليه.. وانكسرت نبرتها:
ــ إنت حتى رافض إني أشوفه من بعيد..
حرام عليك.. ده ابني!
استدار معتز إليها بعــ ــنف..
وصفعهــــــا على وجههــا..
تجمـــدت فـــي مكانهــــا..
اقترب منها وقال بغضــ ــب مكتوم:
ــ لو سمعت الكلمة دي تاني..
هتكون آخر كلمة تقوليها..
انحنى قليـــلا نحوهـــــا..
وثبت عينيه في عينيها:
ــ ده ابني انا.. فاهمة؟
ابتعد معتز عنها.. وأشار نحو الباب ببرود:
ــ امشي دلوقتي.. ونفذي اللي طلبته منك..
ومش عايز أي عك...
ثم أضاف دون أن ينظر إليها:
ــ واعملي حسابك.. إننا مش هنتقابل..
الفترة اللي جاية..
نظرت إليه المرأة للحظات..
ثم خفضت عينيها دون رد..
اتجهت إلى الحمام.. وأغلقت الباب خلفها..
وبعد دقائق..
خرجت وقد ارتدت ملابسها..
وحمــــــــلت حقيبتهــــــا..
ثم وقفت أمام معتز للحظة..
وكأنها تنتظر منه كلمة أخيرة..
لكنـــــه لــــم يلتفت إليهــــا...
فتحت الباب وغادرت في صمت..
ظل معتز جالس بجوار النافذة..
يشعــ ـــل سيجارته من جديد.
كانت عيناه تحملان هدوءا..
يخفي وراءه شيئا أكبر..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
« عنــــد قــــدر وكـــــاهان »
توقف كاهان بالسيارة..
وما إن نزل منها حتى ضــ ــرب..
الباب بقبضة يده بعصبية..
انتبهت قدر إلى جــ ـــرح في يده..
فنزلت مــــن السيارة بســــرعة..
وفتحت صندوقهــــــا الخلفــــي..
وأخرجت علبة الإسعافات الأولية..
اقتـــــربت منــــه.. أمسكت يده..
وبدأت تمسح الــ ـدم بقطعة قطن..
وتنظــــف الجـــ ـــرح بهــــــدوء..
نظر كاهان إلى يدها باستغراب للحظات..
ثم تبدلت ملامحــــه إلى غضـــ ـــب..
وسحب يــــده منهـــــا بعــ ـــنف..
فسقطت علبة الإسعافات على الأرض..
نظر إليها بحدة:
ــ ما تلمسيش إيدي تاني يا قدر
وبعدين بتعملي إيه؟
نظرت قدر إلى يده..
ثم رفعت عينيها إليه:
ــ بعالج إيدك...
ولا إنت كنت عايز تفضل تنـ ــزف؟
سحب كاهان يده منها بعصبية:
ــ أنا مش محتاج منك حاجة.. فاهمة؟
نظرت قدر إلى علبة الإسعافات..
الملقاة على الأرض ثم إليه بهدوء مستفز:
ــ واضح.. عشان كده كنت..
بتضـ ـرب العربية بإيدك!
كاهان.. بحدة:
ــ قدر..
كنتي بتدوري على إيه في مكتب معتز؟
رفعت قدر عينيها إليه بهدوء:
ــ حاجة ما تخصكش...
وياريت تفهم إن طريقنا مختلف..
اقترب منها كاهان خطوة.. وقال بسخرية:
ــ ولما هو طريقنا مختلف.. ليه كل..
ما أبص قدامي ألاقيكي في خلقتي؟
ابتعدت قدر عنه قليلا:
ــ يمكن صدفة..
أمسك كاهان يدها وجذبها نحوه..
وثبت عينيه فــــــي عينيهـــــا:
ــ الصدف بقت كتير أوي يا قدر..
لدرجة إني بدأت أشك إنها مش صدف..
اقتــــربت قــــدر منه.. وقالت بثبـــات:
ــ إنت عايز تفضــــ ـح الـــ ـوزير السابق..
عشان اسمك يكبر.. ويقولوا كاهان الراوي..
كـــــاشف المســ ـــؤولين ورجال الاعمال
الفــ ــــاسدين.. إنمـــا أنــــــا عايـــــزة آخـــــد حقـــــي..
أخفــــى كـــــاهان وجعــــه..
فلم تكن غايته فضـــ ـح معتز..
بل الوصول إلى زوجته وابنه:
ــ كان في إيدك تاخدي حقك..
لو كنتي استخدمتي عقلك..
واتعاونتي معايا.. كان معاكي أكبر دليل..
ضد معتز الجمال.. ورحتي إديتهوله..
انفعلت قدر:
ــ سبق وقولتلك..
هو خطــ ـف عمتي وهددني بقتــــ ــلها!
اقترب كاهان منها.. وقال:
ــ ابعدي عن طريق معتز الجمال يا قدر..
لأن سكته أخطــ ــر بكتير من اللي ممكن..
خيالك يصورهولك...
وقبل أن تستوعب كلماته..
انطلقت عدة طلــ ـــقات نـــ ــارية نحوهم..
