رواية كيفك انت الفصل العاشر 10 بقلم مياده يوسف الذغندي


 

رواية كيفك انت الفصل العاشر 


زهرة.....
لم تستطع أن تبقى ثانية واحدة أخرى.
شعرت أن أنفاسها تختنق، وأن الكلمات التي سمعتها كانت كافية لتحطم كل فرحتها.
خرجت من المطبخ بخطوات سريعة، واتجهت نحو باب الشقة.
فتحت الباب...
ثم خرجت دون أن تلتفت خلفها.
أغلق الباب بهدوء.
بعد لحظات...
انتبه يحيى لصوت الباب.
عقد حاجبيه باستغراب.
يحيى..... هو مين اللي خرج؟
قام من مكانه بسرعة واتجه ناحية المطبخ.
وجد لوجين واقفة، مربعة ذراعيها، وكأن شيئًا لم يحدث.
نظر حوله.
يحيى..... فين زهرة؟
هزت لوجين كتفيها بلا مبالاة.
لوجين..... مشت.
اتسعت عينا يحيى.
يحيى..... نعم؟!
مشت يعني إيه؟
إزاي تمشي من غير ما تقول لي؟
لوجين..... وأنا أعرف منين؟
خرجت فجأة.
اقترب منها وهو ينظر إليها بعدم تصديق.
يحيى..... قالت لك حاجة؟
لوجين..... لأ.
بالعكس... كانت كويسة.
وفجأة سابت كل حاجة وخرجت.
وقف يحيى للحظة، وقلبه بدأ يدق بعنف.
ثم أخرج هاتفه بسرعة.
فتح قائمة الأرقام...
وظل ينظر للشاشة.
ثم ضرب كفًا بكف.
يحيى..... يووووه...
دي أصلًا مش معاها موبايل!
أنا بكلمها على التليفون الأرضي.
هكلمها إزاي دلوقتي؟
مرر يده في شعره بتوتر.
ثم اتجه بسرعة نحو الباب.
لوجين..... إنت رايح فين؟
لم يرد عليها.
فتح الباب ونزل يجري على السلم.
وصل إلى الشارع...
وأخذ ينظر يمينًا ويسارًا.
لكن لم يجد لها أي أثر.
كانت قد اختفت.
وقف في منتصف الشارع وهو يشعر بعجز لم يشعر به من قبل.
يحيى..... يا رب...
راحت فين بس؟
في نفس الوقت...
كانت زهرة تسير في الشارع بخطوات سريعة، ودموعها تنهمر دون أن تشعر.
لم تكن ترى الطريق أمامها.
كل ما كانت تسمعه يتردد داخل رأسها.
"إنه بيحبني... وعايز يتجوزني."
وضعت يدها على فمها حتى تمنع نفسها من البكاء بصوت مرتفع.
زهرة..... أنا كنت فاكرة...
إني جيت أشوف أسعد يوم في حياتي.
أثرها طلعت أغبى واحدة.
مسحت دموعها بعنف، وأوقفت أول سيارة أجرة مرت أمامها.
ركبت وهي تحاول أن تتمالك نفسها.
السائق..... على فين يا آنسة؟
أعطته عنوان الفندق الذي تقيم فيه مع والدتها وباقي الفتيات، ثم أسندت رأسها إلى زجاج النافذة.
أما يحيى...
فكان لا يزال يبحث عنها في كل اتجاه، وقلبه يخبره أن شيئًا كبيرًا قد حدث داخل دقائق قليلة.
لكن...
ما الذي قالته لوجين لزهرة حتى خرجت بهذه الطريقة؟
مرت الساعات على يحيى وكأنها أيام.
كان يجلس في شقته، لا يفارق الهاتف يده، ينتظر أي وسيلة يستطيع بها أن يطمئن على زهرة.
لكن لم يكن أمامه سوى رقم الهاتف الأرضي في بيت خالته.
نظر إلى الساعة...
كانت تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل.
تنهد وهو يضغط على الرقم للمرة الأولى.
رن الهاتف...
ثم أغلق قبل أن يرد أحد.
أعاد الاتصال مرة...
واثنتين...
وثلاثًا...
لكن دون جدوى.
ألقى الهاتف بجواره وهو يتمتم بضيق:
يحيى..... يا رب تكون بخير... بس هي ليه مشيت بالشكل ده؟
لم يغمض له جفن طوال الليل.
ومع أول خيط للفجر...
ظل ينظر إلى الساعة في انتظار وقت مناسب للاتصال.
وما إن دقت السابعة صباحًا...
أمسك بالسماعة واتصل سريعًا.
رن الهاتف عدة مرات...
ثم جاءه صوت صفية.
صفية..... ألو... مين؟
يحيى..... إزيك يا خالتي... أنا يحيى.
صفية..... أهلًا يا ابني... عامل إيه؟
يحيى..... الحمد لله... فين زهرة؟ ممكن أكلمها؟
صفية..... نايمة جوه... ثواني أصحيهالك.
وضعت صفية السماعة، ثم دخلت غرفة زهرة.
وجدتها مستيقظة، لكن ملامحها كانت شاحبة.
صفية..... يا زهرة... يحيى على التليفون، عايز يكلمك.
أغمضت زهرة عينيها للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
زهرة..... قوليله... مش عايزة أكلمه.
استغربت صفية.
صفية..... مالك يا بنتي؟ حصل بينكم حاجة؟
هزت زهرة رأسها وهي تدير وجهها للناحية الأخرى.
زهرة..... لو سمحتي يا ماما... قوليله إني مش هقدر أتكلم.
تنهدت صفية وخرجت، ثم أمسكت بالسماعة.
صفية..... معلش يا ابني... زهرة مش حابة تتكلم دلوقتي.
ساد الصمت للحظات.
ثم قال يحيى بصوت خافت:
يحيى..... تمام يا خالتي... خلي بالك منها.
أغلق الهاتف وهو يشعر بحيرة شديدة.
مر يوم...
ثم يومان...
ثم أسبوع.
وكان يحيى يحاول الاتصال كل فترة.
وفي كل مرة...
كانت زهرة ترفض الحديث معه.
ومع مرور أسبوعين كاملين...
أدرك أن محاولاته لن تفيده الآن.
جلس أمام مكتبه، وفتح كتبه وهو يحدث نفسه:
يحيى..... واضح إنها مش عايزة تسمعني.
خلاص...
هركز في دراستي.
ولما تيجي أجازة نص السنة...
هرجع البلد.
وساعتها...
هروح لها بنفسي.
ومش همشي...
غير لما أعرف إيه اللي حصل وخلاها تبعد عني بالشكل ده.بقلم ميادة يوسف الذغندى 
عدت الأيام، وجاءت إجازة نصف العام.
دخل يحيى منزله بعد غياب دام عدة أشهر.
وقف في الصالة يتأمل المكان الذي اشتاق إليه طويلًا، وما إن أغلق الباب خلفه حتى لمح نعمات تقف أمامه، وعلى وجهها ابتسامة غامضة.
نعمات..... يووووه... يحيى جيه!
أهلًا وسهلًا يا دكتور.
يحيى..... أهلًا... يا مرات أبويا.
أنزل حقيبته على الأرض، وأخذ يلف ميدالية المفاتيح بين أصابعه وهو ينظر إليها.
يحيى..... هو إنتِ خلاص استقريتي هنا في البيت؟
أنا كنت فاكرك رجعتي بيتك.
وقفت نعمات، ووضعت يدها في وسطها، وقالت بثقة:
نعمات..... ما هو ده بيت جوزي برضه.
ابتسم يحيى ابتسامة ساخرة.
يحيى..... آه طبعًا... بيت أبويا.
بس بيتك إنتِ هناك...
وده بيت أمي... الله يرحمها.
اختفت الابتسامة من وجه نعمات، وردت بحدة:
نعمات..... لأ... وإنت الصادق...
ده تعبي أنا وشقايا...
وأمك هي اللي سرقته مني.
اشتعل الغضب في عيني يحيى، لكنه تمالك نفسه وقال بنبرة حازمة:
يحيى..... خلي بالك من كلامك.
أمي الله يرحمها عمرها ما سرقت حق حد.
ولو عندك مشكلة معاها، فهي دلوقتي بين إيدين ربنا.
إنما اسمها متجبيهوش على لسانك بالطريقة دي.
ابتسمت نعمات بسخرية.
نعمات..... أنت لسه صغير يا يحيى...
وفيه حاجات كتير متعرفهاش.
نظر إليها يحيى بثبات.
يحيى..... ومش عايز أعرفها منك.
أنا بس جاي أقضي الإجازة مع أبويا...
ومش ناقص مشاكل من أول يوم.
وفي تلك اللحظة...
خرج الحاج محمود من غرفته بعدما سمع ارتفاع الأصوات.
الحاج محمود..... فيه إيه؟
إيه اللي حصل من أول ما الولد دخل البيت؟
ساد الصمت...
ونظرت نعمات إلى يحيى بنظرة مليئة بالتحدي، بينما حمل يحيى حقيبته واتجه إلى غرفته، محاولًا أن يسيطر على غضبه حتى لا يفسد أول يوم له في البلد.
صباح اليوم التالي...
ارتدى يحيى ملابسه على عجل.
وقف أمام المرآة لثوانٍ، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
قرر أن يذهب إلى زهرة بنفسه.
لم يعد يحتمل الانتظار أو الغموض.
فتح باب غرفته واتجه نحو باب الشقة.
لكن...
وجد نعمات تقف أمامه وكأنها كانت تنتظره.
ارتسمت على وجهها ابتسامة خبيثة، فقد كانت تعلم جيدًا إلى أين يقصد، وأرادت أن ترى انكساره بعينيها.
حاول يحيى أن يتجاوزها دون أن يتحدث.
لكنها أوقفته بصوت مرتفع.
نعمات..... إيه يا يحيى...
مش هتباركلنا؟
توقف مكانه، ثم التفت إليها ببرود.
يحيى..... ألف مبروك...
بس على إيه؟
ابتسمت نعمات ابتسامة واسعة.
نعمات..... أخوك إبراهيم هيتجوز.
حددنا كل حاجة...
والعروسة أول ما الجواز يتم هتسافر معاه.
هز يحيى رأسه بهدوء.
يحيى..... مبروك.
ردت نعمات وهي تراقب ملامحه بدقة.
نعمات..... طب ما تسأل مين العروسة.
رفع يحيى كتفيه بلا اهتمام.
يحيى..... المهم إنها عجباه...
ويكونوا بيحبوا بعض.
ضحكت نعمات ضحكة قصيرة.
نعمات..... طبعًا...
والعروسة طايرة من الفرحة كمان.
يحيى..... ربنا يسعدهم ويكتب لهم الخير.
اقتربت منه نعمات خطوة، وهي تستمتع بكل لحظة.
ثم قالت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه:
نعمات..... عارف مين العروسة؟
ظل يحيى صامتًا.
فابتسمت أكثر، وقالت ببطء شديد:
نعمات..... ...زهرة.
في لحظة واحدة...
تجمدت ملامح يحيى.
اختفت نظرة الهدوء من عينيه.
وشعر وكأن الكلمات التي سمعها أصابته في قلبه مباشرة.
نظر إليها غير مصدق.
يحيى..... إنتِ... بتقولي إيه؟
هزت نعمات رأسها بثقة، وكأنها تستمتع بوجعه.
نعمات..... زي ما سمعت...
زهرة هتبقى مرات إبراهيم.
والخطوبة خلاص اتفقوا عليها.
أما الجواز...
فأول ما يخلص ورقها  هتسافر له .
فضل يحيى ينظر إليها للحظات دون أن ينطق.
هل ما سمعه حقيقة...
أم أن نعمات بدأت لعبة جديدة؟ .......


تعليقات