رواية كيفك انت الفصل الحادي عشر 11 بقلم مياده يوسف الذغندي

 


رواية كيفك انت الفصل الحادي عشر 


رواية كيفك أنت
بقلم: ميادة يوسف الذغندى
البارت الحادي عشر
كان قلب يحيى يكاد يقف من شدة الخفقان.
منذ أن سمع كلمات نعمات، لم يعد يرى شيئًا أمامه.
لم يفكر...
لم يسأل...
كل ما فعله أنه اندفع خارج المنزل بأقصى سرعة.
ركب أول سيارة أجرة وجدها، وظل طوال الطريق ينظر من النافذة، يدعو الله أن تكون نعمات تكذب.
أن تكون مجرد محاولة جديدة لإيلامه.
لكن...
كلما اقترب من منزل زهرة، ازداد خوفه.
وما إن وصل إلى الشارع...
حتى شعر وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
الزينة تملأ المكان.
الأضواء معلقة على واجهات البيوت.
وأفراد الفراشة ينقلون الكراسي والطاولات، ويجهزون لاستقبال الضيوف.
وقف للحظات يحدق فيما يراه.
ثم همس بصوت مكسور:
يحيى..... يا رب...
متكونش الحقيقة.
ركض نحو مدخل العمارة.
وصعد السلم بسرعة جنونية، حتى كاد أن يتعثر أكثر من مرة.
كان يلهث بقوة.
لكن التعب لم يكن يعنيه.
كل ما كان يشغله...
أن يرى زهرة.
وصل إلى الطابق الرابع.
وقف أمام باب الشقة يحاول التقاط أنفاسه.
وفي تلك اللحظة...
فُتح الباب.
خرجت صفية تحمل بعض الأطباق لتسلمها لإحدى الجارات.
وما إن رأته...
اتسعت عيناها بدهشة.
صفية..... يحيى!
تعالى يا ابني...
واقف على الباب كده ليه؟
ادخل جوه.
رفع يحيى عينيه إليها، وكان وجهه شاحبًا بصورة أخافتها.
دخل بخطوات بطيئة.
وما إن أغلق الباب خلفه حتى سأل مباشرة:
يحيى..... خالتي...
أنا سمعت كلام...
وعايز أعرف...
هو صحيح؟
نظرت إليه صفية باستغراب.
صفية..... سمعت إيه يا ابني؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
يحيى..... إن...
إن زهرة...
هتتجوز إبراهيم.
ساد الصمت.
تنهدت صفية، ثم جلست على أقرب مقعد.
وأشارت له أن يجلس.
لكنه ظل واقفًا.
قالت بهدوء:
صفية..... الموضوع كبير يا يحيى...
ومكنتش أتمنى تعرف بالطريقة دي.
ازدادت دقات قلبه.
يحيى..... يعني...
الكلام صح؟
أطرقت صفية برأسها.
صفية..... أيوه...
إبراهيم اتقدم.
وحصل كلام بين ابوك وخالك واتفقوا على كل حاجه 
يحيى .........
كان مذعور من الحديث بابا اتفق مع خالى ليه ياخالتى 

صفيه .....
النصيب يايحيى واخوك إبراهيم زينه الشباب 
ولسه مفيش كتب كتاب...
لكنهم وافقوا مبدئيًا. الخطوبه والدهب والجواز هى هتسافر له وهنكتب قبلها بيوم وهتسافر له عروسه 

أغمض يحيى عينيه للحظة.
وشعر وكأن أحدهم غرس سكينًا في صدره.
يحيى..... وزهرة...
وافقت؟
صمتت صفية.
وكان صمتها كافيًا ليقتله.
همس بصوت مرتجف:
يحيى..... هي وافقت؟
أجابت بعد تردد:
صفية..... وافقت...
لكن...
قاطعها بسرعة.
يحيى..... لكن إيه؟
قالت وهي تنظر إليه بحزن:
صفية..... من يوم ما رجعت من القاهرة...
وزهرة مش هي زهرة.
كانت بتعيط كتير.
وترفض تكلم أي حد.
ولما جه إبراهيم...
وافقت من غير ما تناقش.
ولا حتى سألت.
كأنها استسلمت.
قطب يحيى حاجبيه.
يحيى..... استسلمت؟
ليه؟
ليه تعمل كده؟
قالت صفية وهي تهز رأسها:
صفية..... والله يا ابني...
أنا نفسي معرفش.
كل ما أسألها...
تقول نصيب.
وبس.
شعر يحيى بأن هناك شيئًا ناقصًا.
شيئًا لا يعرفه.
وفجأة...
سمع صوت ضحكات الفتيات يقترب من إحدى الغرف.
ثم خرجت ريم وهي تحمل بعض فساتين السهرة.
وما إن رأت يحيى...
ابتسمت.
ريم..... يحيى!
إنت جيت؟
ثم لاحظت ملامحه.
فاختفت ابتسامتها.
ريم..... مالك؟
نظر إليها مباشرة.
يحيى..... عايز أكلم زهرة.
دلوقتي.
نظرت ريم إلى صفية.
ثم قالت بهدوء:
ريم..... صعب.
البنات معاها.
وبيجهزوها عشان بالليل قراءة الفاتحة.
اتسعت عينا يحيى.
يحيى..... لا...
لازم أكلمها.
حتى لو دقيقة واحدة.
تدخلت صفية.
صفية..... يا ابني...
الوقت مش مناسب.
تنهد يحيى بقهر.
ثم قال بصوت منخفض:
يحيى..... لو سمحتوا...
قولولها إن يحيى بره.
ولو هي بنفسها قالت إنها مش عايزة تشوفني...
همشي.
ومش هرجع تاني.
نظرت صفية إلى ريم.
ثم أومأت لها.
صفية..... روحي شوفيها.
دخلت ريم إلى غرفة زهرة.
وجدتها جالسة أمام المرآة، بينما كانت الفتيات يلتففن حولها.
لكن...
رغم الفستان الجميل...
ورغم الزينة...
كانت عيناها مليئتين بالحزن.
اقتربت ريم منها وهمست في أذنها:
ريم..... زهرة...
يحيى بره.
وعايز يشوفك.
في لحظة واحدة...
تجمدت زهرة في مكانها.
وسقط المشط من يدها.
رفعت عينيها نحو المرآة.
وشعرت أن قلبها عاد ينبض بعنف من جديد...
قبل أن يطرق الباب...

وقف يحيى أمام غرفة زهرة، ورفع يده ليطرق...

لكنه تجمد في مكانه.

ظل ينظر إلى الباب للحظات طويلة.

ثم أنزل يده ببطء.

وأغمض عينيه بألم.

حدث نفسه بصوت خافت:

يحيى.....
هقول إيه؟

وهسمع منها إيه؟

لو كانت مجبرة...

مش هقدر أساعدها.

ولو كانت موافقة...

يبقى كلامي ملوش أي معنى.

تنهد تنهيدة طويلة، وكأنها خرجت من أعماق قلبه.

ثم استدار في هدوء.

مر بجوار صفية دون أن ينطق بكلمة.

اكتفى بابتسامة باهتة تخفي وراءها ألف وجع.

يحيى.....
عن إذنك يا خالتي...

ربنا يتمملها على خير.

نظرت إليه صفية بحزن شديد.

شعرت أن شيئًا انكسر داخله، لكنها لم تجد الكلمات التي توقفه.

خرج يحيى من المنزل.

نزل درجات السلم ببطء...

على عكس صعوده الذي كان مليئًا بالأمل الا يكون حقيقيا 

هذه المرة...

كان ينزل وكأنه يحمل فوق كتفيه عمرًا كاملًا من الخذلان.

خرج إلى الشارع.

لم يلتفت إلى الزينة...

ولا إلى أصوات الضحكات...

ولا إلى الأغاني التي بدأت ترتفع استعدادًا للمناسبة.

سار في طريقه بصمت.

ثم استقل أول سيارة متجهة إلى القاهرة.

طوال الطريق...

كان ينظر من نافذة السيارة.

لكن عينيه لم تكونا تريان شيئًا.

كل الذكريات كانت تمر أمامه.

ضحكتها...

خوفها عليه...

حديثهما الطويل...

أحلامهما الصغيرة...

كل شيء...

انتهى.

وصل إلى القاهرة مع حلول المساء.

صعد درجات العمارة ببطء.

أخرج المفتاح من جيبه.

فتح باب الشقة.

ثم أغلقه جيدًا خلفه...

وكأنه يغلق بابًا من حياته كلها.

خلع حذاءه دون اهتمام.

واتجه مباشرة إلى غرفته.

ألقى حقيبته في أحد الأركان.

ثم جلس على الأرض، مستندًا بظهره إلى السرير.

ظل صامتًا للحظات.

وفجأة...

انهار.

انفجر في بكاء مرير، لم يستطع أن يمنعه.

كان يبكي كطفل فقد آخر ما يملكه.

دفن وجهه بين كفيه وهو يردد بصوت متقطع:

يحيى.....
ليه يا زهرة...؟

ليه عملتي فيا كده؟

أنا كنت فاكر...

إن بعد أمي...

ربنا عوضني بيكي.

كنت فاكر إنك حضني...

وأماني...

والمكان الوحيد اللي أهرب له من قسوة الدنيا.

كنت فاكر إنك الشخص الوحيد اللي مستحيل يخذلني.

لكن...

طلع حتى إنتِ...

خذلتيني.

رفع رأسه إلى السقف، ودموعه لا تتوقف.

يحيى.....
أنا خسرت أمي...

واستحملت.

لكن خسارتك...

كسرتني.

أخذ نفسًا عميقًا، ثم مسح دموعه بعنف.

وقام ببطء نحو مكتبه.

أمسك بإطار صورة قديمة تجمعه مع زهرة وأفراد العائلة في إحدى المناسبات.

ظل يتأملها طويلًا.

ثم مرر أصابعه على وجهها داخل الصورة.

وابتسم ابتسامة موجوعة.

يحيى.....
يمكن...

مكانش ليا حق أحلم من الأساس.

ووضع الصورة داخل درج مكتبه...

وأغلقه بالمفتاح.

وكأنه يدفن قصة حب كاملة...

داخل ذلك الدرج الصغير.
بقلم ميادةيوسف الذغندى 

مر أسبوع داخل كلية الطب...
كان يحيى قد أغرق نفسه في المحاضرات والكتب والأبحاث، يحاول أن يهرب من وجعه بالعلم، حتى أصبح لا يغادر المعامل إلا إلى قاعة المحاضرات.
وفي صباح أحد الأيام...
كان العميد يجلس داخل مكتبه، يتصفح بعض الملفات.
طرق أحدهم الباب.
العميد..... اتفضل.
فتح يحيى الباب ودخل باحترام.
يحيى..... السلام عليكم يا دكتور... حضرتك بعتلي؟
رفع العميد عينيه من فوق الأوراق، وابتسم.
العميد..... وعليكم السلام.
أنت يحيى محمود؟
يحيى..... أيوه يا دكتور.
العميد..... اتفضل اقعد.
جلس يحيى وهو ينظر إليه باستغراب.
يحيى..... خير يا دكتور؟
ابتسم العميد ابتسامة واسعة.
العميد..... كل خير يا ابني.
الحكاية إن البحث العلمي اللي قدمته عن طرق التشخيص المبكر لبعض أمراض القلب وصل لعدد من الجامعات الأجنبية ضمن برنامج تبادل الأبحاث.
وساب انطباع ممتاز.
قطب يحيى حاجبيه بعدم فهم.
يحيى..... حضرتك تقصد إيه؟
فتح العميد أحد الملفات وأخرج منه خطابًا رسميًا.
العميد..... جامعة لندن اطلعت على البحث الخاص بيك...
واختارتك ضمن الطلاب المتميزين لاستكمال دراستك هناك، مع منحة دراسية كاملة.
ساد الصمت لثوانٍ...
نظر يحيى إلى العميد وكأنه لم يستوعب ما سمعه.
يحيى..... أنا... أنا؟
حضرتك متأكد؟
ابتسم العميد وهو يناوله الخطاب.
العميد..... متأكد يا دكتور المستقبل.
وده الخطاب الرسمي.
إحنا فخورين بيك جدًا.
أخذ يحيى الخطاب بيد مرتجفة، وقرأ اسمه أكثر من مرة.
لم يصدق أن اجتهاده وسط كل ما مر به أوصله إلى هذه اللحظة.
يحيى..... الحمد لله...
الحمد لله يا رب.
وقف العميد وصافحه بحرارة.
العميد..... أنا متأكد إنك هتشرف مصر كلها.
بس القرار الأخير في إيدك.
لو وافقت، هنبدأ فورًا في إجراءات السفر.
نظر يحيى إلى الخطاب مرة أخرى.
ثم رفع رأسه وقال بثبات:
يحيى..... موافق يا دكتور.
يمكن... دي بداية جديدة أقدر أبدأ فيها حياتي من أول وجديد.
ابتسم العميد راضيًا.
بينما خرج يحيى من المكتب، لا يزال يحمل الخطاب بين يديه...
غير مدرك أن هذا القرار سيغير مجرى حياته بالكامل........



تعليقات