رواية ألوان مستعاره الفصل العاشر
حبيبة حسّت برعب جمد الدم في عروقها، ضربات قلبها بقت متسارعة زي طبول الحرب، ورجليها مقتقتش تشيلها وهي منكمشة على السرير. النبرة اللي اتكلم بيها يوسف وشكل عينيه الشيطاني خلوها تحس إنها مجرد فريسة محاصرة في أوضة مقفولة مع وحش ملهوش أمان. الوجع اللي في جسمها من ضربه القديم اتقلب لخوف أعمق وأبشع، خوف ينتهك كرامتها وجسدها بالكامل.
بصت له بعيون متسعة من الصدمة، شفايفها بترتعش والدموع مغرقة وشها، وصوتها طلع مبحوح ومستنجد، خارج من وسط حشرجة الخوف اللي خنق حلقها:
ـ "يعني.. يعني أنت هتغتصبني ولا إيه؟!"
يوسف سمع الكلمة ومطرفش له رمش، بل بالعكس، ملامحه اتصلبت زيادة واستفزازه وصل لأقصى درجاته. حط إيده في جيبه ومال برأسه الناحية الثانية وهو بيطلع ضحكة باردة، عالية ومستفزة، ضحكة خالية من أي رحمة أو ندم، ورجع بص لها بقلة أدب وبجاحة متتوصفش:
ـ "أغتصبك؟! ههههههه.. إيه الألفاظ العالية دي يا هانم؟ هو فيه راجل بيغتصب مراته؟! أنتِ مراتي.. شرعاً وقانوناً، وأنا حر أخد حقي في أي وقت وبأي طريقة تعجبني!"
حبيبة زادت انكماشها وسحبت اللحاف أكتر لصدرها، وبقت تهز رأسها بنفي جنوني، دموعها نازلة كأنها شلال، وصوتها بقى صريخ متقطع من بين شهقاتها:
ـ "أنا مش لعبة في إيدك يا يوسف! حرام عليك اتقِ ربنا فيا.. أنت مش بني آدم! بلاش تعمل فيا كده قسماً بالله ما هسامحك ولا هغفرلك طول عمري!
أول ما نطقت كلمة "مش هغفرلك"، يوسف اتصلب في مكانه، وعينيه اسودت أكتر والدم فور في عروقه زي البركان، وبدل ما يمسكها، زحف بجسمه وقرب وشه منها جداً، وجز على سنانه بصوت طالع زي الفحيح، مليان قهر وغل وعصبية رجولية مجروحة:
ـ "أنتِ اللي مش هتغفريلي؟! أنتِ يا هانم اللي بتتكلمي عن الغفران؟! أنتِ عارفة اللي عملتيه فيا ده إيه؟ عارفة يعني إيه راجل بقميتي ومكاني ووضعي يبقى عايش مع واحدة جسمها معاه وعقلها وقلبها مع واحد تاني؟! عارفة يعني إيه أدخل عليكي ألاقيكي فاتحة صور كاسر وبتبصي فيها بحسرة وحب لسه عايش جواكي لليوم ده؟! ده أنتِ دبحتي رجولتي! قتلتيني في كرامتي وهيبيتي كراجل كل يوم بتقفلي بابك في وشي وتخليني أحس إني ولا حاجة!"
يوسف حط إيده على صدره وبقى يضرب عليه بوجع وقهر متداري ورا العنف، وصوته علي ونبرته بقت متحشرجة من كتر الغضب:
ـ "أنا ماسك نفسي عليكي بالعافية! أنتِ عارفة أي راجل تاني مكاني كان عمل إيه لما يعرف إن مراته بتفكر في غيره ولسه بتموت فيه؟! كان زمانه دفنك مكانك وغسل عاره بإيده! أحمدي ربنا إني لسه سايبك عايشة وبتتنفسي لحد دلوقتي وما قتلتكيش! أنا استحملت اللي مفيش راجل على وجه الأرض يستحمله.. تقليل من قيمتي، ورفض، وكسرة نفس، وفي الآخر جاية تقوليلي مش هسامحك?!"
حبيبة كانت بتسمعه وهي بتشهق برعب، الكلمات كانت بتنزل عليها زي السياط، شايفه في عينيه كمية قهر وغل مرعبين، راجل كرامته اتجرحت فبقى يتحول لوحش عايز يثبت لنفسه قبل ما يثبت لها إنه موجود.
يوسف قرب أكتر وشد دراعها بعنف وقسوة، وبص في عينيها بنظرة مظلمة مفيهاش أي نقطة رحمة:
ـ "بس لحد هنا وبس.. المهزلة دي لازم تخلص النهاردة! أنا هثبت لنفسي ولكاسر وللدنيا كلها إني راجل، وإنك ملكي وبتاعتي غصباً عنك وعن أي وهم في دماغك
حبيبة كانت بتسمعه ودموعها نازلة زي المطر، الكلمات كأنها كانت سكاكين بتدبح فيها وفي نفس الوقت بتصحي جواها ضمير مكسور. هي شافت القهر الحقيقي في عينيه، حسّت إنها فعلاً كسرته ودبحت كرامته كراجل من غير ما تقصد، وعرفت إنها كانت طرف في دمار حياته وحياتها.
بصت له بدموع كاوية وشهقات طالعة من جوه قلبها، وصوتها طلع مكسور تماماً، مليان ندم وحزن صافي:
ـ "أنا.. أنا آسفة يا يوسف.. أنا عارفة إني غلطانة وأنت معاك حق في كل كلمة قي
قلتها.. عشان كده بقولك طلقني وارتاح بقى! سيبني في حالي وأنا أوعدك مش هتعرض لا لـ كاسر ولا لـ أختك، وهاخد أمي وهمشي من هنا خالص.. ارحمني وارحم نفسك مني بقى!"
كلمة "طلقني" مع الاعتراف ده، مكنوش بالنسبة لـ يوسف طوق نجاة ولا حل.. دي كانت شرارة ولعت في الفتيل الأخير!
إحساس الراجل في اللحظة دي بيكون مرعب لأقصى درجة.. الراجل لما تحسه مراته إنه مجرد "غلطة" أو "سجن" عايزة تهرب منه، ولما تطلب الطلاق بعد ما كسرت كرامته، عقله المريض بيفسرها بإنها بتقول له: "أنت مش كفاية، وأنا طالعة منك عشان أروح للتاني"! كبرياؤه ورجولته الجريحة بيتحولوا لوحش مفترس، الوجع بيتحول لغل، والقهر بيتحول لرغبة عارمة في الانتقام والسيطرة.. مش حب، بل إثبات ملكية وكسر عين اللي قدامه عشان يسترد جزء من هيبته الضايعة!
يوسف عينيه اتسعت، وشه احمرّ وزرقّ من كتر الدم اللي فور في دماغه، وضحك ضحكة قصيرة مرعبة مليانة شر وبجاحة، ومبقاش بني آدم.. اتحول لـ وحش كاسر كلياً!
مسكها من دراعاتها الاتنين بعنف وقسوة يكسروا العضم، ورزعها في السرير وهو بيوطي عليها بكامل جسمه، ونبرة صوته كانت حشرجة غل حارقة:
ـ "أطلقك؟! أطلقك عشان تروحي له؟! عشان تخرجي من ذمتي وتروحي لللي كنتي بتبصي في صوره كسبانة ومرفوعة الرأس؟! ده بُعدك! أنتِ مش هتمشي من هنا إلا على قبرك يا حبيبة! أنا مش هسيبك تفرحي، ومش هسيبك تحسي إنك كسرتيني وخرجتي سليمة!"
حبيبة اتخضت وصرخت بعجز تحت قبضته، بس يوسف كان خلاص غايب عن الوعي وعن الرحمة، عيونه مكنتش شايفاها بني آدمة، كان شايف قدامه كبرياؤه اللي لازم يرجعه بأي تمن وبأي شكل، والضلمة غطت الأوضة على أتعس لحظة في حياتها.
يوسف كان غايب تماماً عن الوعي، الشيطان كان بيحركه، وعيونه اتعمت عن الدين والأخلاق وحتى الإنسانية. الغل والقهر اللي جواه جردوه من كل مشاعر الرحمة، وبقى شايف إن الطريق الوحيد لترجيع كرامته المهدورة هو إنه يتحول لـ جاني، إنه يفرض سلطته بالقوة ويكسر عزة حبيبة للكسرة اللي ملهاش قومة.
حبيبة كانت بتعافر بأسنانها وإيديها، بتصرخ بصوت مكتوم تحت ثقل جسمه، دموعها كانت مغرقة السرير، وحاسة إن شرفها وكرامتها وروحها بيموتوا في اللحظة دي. مسكت في كتفه بأظافرها وهي بتترجاه بأعلى صوتها المبحوح:
ـ "سيبني يا يوسف!! حرام عليك اتقي ربنا.. يا رب ياااا رب!!"
بس يوسف مكنش بيسمع، الصرخات دي بالنسبة لقلبه المريض كانت إثبات إنه أخيراً بيمتلك القوة، إنه بياخد حقه بالعافية. تثبّت إيديها الاتنين فوق رأسها بقبضة واحدة حادة زي الحديد، وبص في عينيها بنظرة مظلمة خالية من أي نقطة رحمة، وقرب من أذنها ونطق بصوت حاد ومسموم:
ـ "عايزك تصرحي بعالي صوتك.. خلي كاسر يجي يلحقك! خلي حبيبك ينفعك! من النهاردة أنتِ مجرد جثة تحت إيدي، مالكيش رأي ولا لسان يطلب طلاق!"
وانتهك كل خط أحمر، وانتهت الأوضة في ظلام دامس على واحدة من أبشع الجرائم اللي ممكن تتكتب في حق روح مظلومة.. حبيبة استسلمت في الآخر بعد ما طاقتها خلصت، وجسمها اترمى زي الريشة، عيونها باصة للسقف بشرود ميت، دموعها بتنزل في صمت رهيب، وحاسة إن النور اللي جواه انطفى كلياً ومبقاش فيه حاجة تبكي عليها تاني.
بعد ساعات..
النور بدأ يتسرب بخجل من شباك الأوضة. يوسف كان واقف قدام المراية، بيلبس قميصه بهدوء مريب، وشه خالٍ من أي ندم، بل بالعكس.. كان فيه نظرة انتصار مريضة، نظرة راجل فاكر إنه بكده استرد كرامته، برغم إنه في الحقيقة غرق في الوحل وأصبح جاني رسمي.
بص على السرير في انعكاس المراية.. حبيبة كانت منكمشة على نفسها، لافة جسمها بالغطاء، وشها أبيض زي الميتين، وعيونها باصة للحيطة بنظرة فارغة تماماً.. لا دموع، ولا حركة، ولا صوت.. صمت مرعب زي صمت المقابر.
يوسف عدل قيافة قميصه، وقرب من السرير، وبص لها ببرود قاسي وقال بنبرة تهديد:
ـ "الدرس ده يفضل في دماغك طول ما أنتِ عايشة.. أي تفكير في كاسر تاني، أو كلمة طلاق تتنطق، هتشوفي وش تاني ألعن من ده. أظن الرسالة وصلت؟"
حبيبة ما تحركتش، ولا حتى رمش عينها اتهز، كانت في عالم تاني خالص.. عالم انكسرت فيه كل حاجة حلوة.
يوسف سحب مفاتيحه وتليفونه، ورزع باب الأوضة وراه وخرج من الشقة بالكامل، وساب حبيبة غرقانة في كابوس ملهاش منه مخرج.
أول ما باب الشقة اترزع ورنت الرزعة في أركان البيت، وساد الهدوء المريب بعد خروج يوسف، فضلت حبيبة متسمرة مكانها على السرير.
علامات الصدمة كانت مرسومة على وشها بشكل يرعب؛ عينيها مفتوحة على وسعها، باصة للشيء، مبلمة في الفراغ، وجسمها منكمش تحت الغطاء كأنها جثة هامدة. مفيش دموع نازلة، ومفيش أي صوت طالع منها، الصدمة كانت أكبر من أي بكاء، كأن روحها اتسحبت منها وسابت مجرد جسد ملوش معالم.
بعد فترة ، بدأت تحاول تحرك جسمها المكسور. حطت رجليها على الأرض، بس أول ما حاولت تقف، رجليها مكانتش شايلاها خالص.. ركبتها خبطت في بعضها وارتخت، وجسمها خانها واترمى على أرضية الأوضة الخشبية بضعف.
فضلت زاحفة على الأرض لثواني، بتتنفس بصعوبة وشها ملامس للأرض، لحد ما تساندت على طرف الكومودينو والحيطة، وبدأت تتسحب ببطء شديد وبجسم بيرتعش كأنها ست عجوزة، لحد ما وصلت لباب الحمام.
دخلت وقفت تحت الدش.. فتحت المية السخنة، ونزلت المية على رأسها وجسمها وهدومها المتبهدلة. المية كانت بتنزل على بشرتها المكتومة والكدمات المزرقة في وشها ورقبتها، وكانت بتدعك جلدها بقسوة وجنون بإيديها، كأنها بتحاول تشيل أثر إيده، تنظف جسمها من الجريمة والبشعة اللي مرت بيها.. المية نازلة مغرقة هدومها وجسمها، وهي بتدعك في جلدها لحد ما احمرّ وبقى يوجعها.
وفجأة.. الجدار الصلب اللي الصدمة كانت حبساه اتكسر.
حبيبة عاشت حالة إنهيار تام.. وقعت على أرضية الحمام تحت المية نازلة عليها، وضمت ركبتها لصدرها وبدأت تصرخ وتشهق بكا يقطع القلب. صريخ مكتوم وطالع من قعر روحها، بتضرب على أرضية الحمام بإيدها وهي بتنتحب بحرقة، دموعها اختلطت بـ مية الدش، وصوت شهقاتها بقى يعلى ويكتم في هدومها عشان محدش يسمعها:
ـ "يا رب.. يا رب ماليش غيرك! يا رب خذني عندك علشان ارتاح.. خذني منه ومن القرف ده يا رب!"
فضلت غرقانة في إنهيارها ده فترة، تبكي وتشهق لحد ما طاقته اتقطعت وجسمها سقع ونفسها بقى يطلع بالعافية من كتر العياط.
في الوقت ده، برة الشقة خالص..
يوسف كان سايق عربيته بسرعة في الشوارع، إيده شادة على الدريكسيون لدرجة إن مفاصله بيضت. على الكرسي اللي جنبه كان محطوط موبايل حبيبة اللي كان سحبه منها قبل ما ينزل عشان يقفل عليها أي أمل للاتصال بأهلها أو بأي حد.
النصر الوهمي اللي حس بيه أول ما خرج بدأ يتبخر، وجنونه وغلّه مكملين معاه. سجارة ورا سجارة، وهو بيكلم نفسه بحشرجة وغضب:
ـ "أنا صح.. أنا عملت اللي أي راجل يعمله! هي اللي اضطرتني لكده.. هي اللي قللت مني وكسرت كلمتي!"
تليفون يوسف الشخصي رن.. كان سمير (الراجل اللي مكلفه يراقب كاسر).
يوسف فتح السكة وداس على زرار الميكروفون بصوت حاد ومكتوم:
ـ "إيه يا سمير؟ فيه جديد؟"
سمير نطق من الناحية التانية بتردد وقلق:
ـ "أيوة يا يوسف باشا.. كاسر بقاله كام يوم ما خرجش من فيلا أهله خالص، وفي دكاترة وممرضين داخلين طالعين من الفيلا، والواضح كده إن كاسر تعبان جداً، مركبيله أجهزة ومحاليل جوة الأوضة وعنده أزمة صحية شديدة."
يوسف اتسمر مكانه، وداس فرامل مفاجئة خلت كوتشات العربية تصرخ على الإسفلت.
عقله المريض بدأ يجمع الأحداث بسرعة وسواد: "تعبان
ابتسامة كانت قاسية ومريضة اترسمت على وش يوسف، وبص في مراية العربية ونطق بغل وشماتة:
ـ تعبان وميت في بيتك يا كاسر؟.. ده أنت طلعت أضعف من إنك تكون منافس ليا أصلاً! بس وحياة أمي ما هسيبك، اللعب معايا هيدفعك ثمنه أنت وهي.
مرت الأسابيع ثقيلة وطويلة كأنها سنوات..
خلال الأسابيع دي، كاسر كان يخوض أشرس معركة في حياته، معركة سحب السموم والمهدئات من جسمه. أيام تمر بين ألم وحمى وهلوسة، وهروب متواصل من اتصالات آيتن وإلحاحها؛ كان طارق وميرفت يتولون الرد عليها بأعذار واهية: "ضغط شغل.. مسافر يخلص صفقات.. تعبان شوية من الإرهاق"، وآيتن من الناحية الثانية الشك والزعل بياكلوا في قلبها يوم بعد يوم.
في نفس الوقت، عين سمير ما رفعتش عن فيلا كاسر. كل حركة وكل دكتور يدخل ويخرج كان بيوصل أول بأول لـ يوسف.
أما في شقة يوسف.. فالبيت تحول لمقبرة هادية. حبيبة غرقت في حالة اكتئاب حاد وجسيم؛ بقت عايشة زي الخيال، لا بتتكلم ولا بتاكل إلا بالعافية، عينها باصة للفراغ بجمود ميت. يوسف تقريباً بقاش يدخل البيت، كان مشغول طوال الوقت بين مراقبة كاسر، ومتابعة أخته آيتن اللي حالتها النفسية سائت من تجاهل كاسر لها.
لحد ما جه اليوم اللي سمير جاب فيه المعلومة القاضية لـ يوسف:
ـ "يوسف باشا.. عرفنا السر، كاسر مكنش مريض ولا عنده معالجة حيوية، كاسر كان بياخد مهدئات ومخدرات حادة وبينضف جسمه منها في البيت!"
أول ما يوسف سمع الخبر، عقله المريض والمليان بالشك اشتغل في اتجاه واحد مسموم:
"بيتعاطى مهدئات؟! وليه يتعاطى ويكتم جوه نفسه لحد ما يوصل للمرحلة دي؟ أكيد بسببها! أكيد لسه بيموت في حبيبة ومش قادر ينساها ولا يستوعب إنها بقت مراتي! التعاطي ده كان هروب منه من حبه ليها!"
الفكرة دي ولعت النار في قلب يوسف زادت غله وكيده لأقصى درجة. كان بيموت من الغيظ والقهور؛ حاسس إن كاسر برغم مرضه وغيابه لسه بيطارد حياته وبيحب مراته. وكالعادة.. كل الشحنة السوداء والغل دول، يرجع يفرغهم في حبيبة الصامتة. يدخل الشقة زي الإعصار، يزعق، يكسر، يجرّح فيها بكلمات مسمومة عن كاسر وعن خيانتها النفسية، وهي قاعدة قدامه زي الحجر، لا بترد ولا بتبكي، وصمتها ده كان بيجننه أكتر وأكتر.
ومرت الأيام.. وأخيراً أشرقت شمس التعافي!
كاسر قدر بفضل ربنا وقوته يتغلب على سموم المهدئات. وقف على رجليه تاني، وشحوب وشه بدأ يختفي، ونظرة القوة والتحدي رجعت لعينيه أشد وأقوى من الأول. حس إنه كان تايه في ظلام دامس وأخيراً رجع لكاسر الحقيقي اللي مفيش حاجة تكسره.
طوال فترة مرضه، كان طارق هو الظهر والسند؛ شايل شغل الشركة كله على كتفه، بيدير الصفقات والمشاريع بكفاءة عشان اسم كاسر ما يتهزش في السوق ولا حد يحس بغيابه.
فرحة فريال وميرفت بقمة تعافيه كانت مالهاش حدود. فريال من كتر فرحتها بابن ابنها وقربها منه وقفت وقررت:
ـ انا مش ماشيه.. أنا هفضل قاعدة معاك هنا لحد ما أطمن إنك رجعت 100%
كاسر حك رأسها بحنان وابتسم ابتسامة صافية غابت عن وشه بقالها شهور، وبعدين التفت لـ طارق، وحط إيده على كتفه وضغط عليها بامتنان حقيقي وشرف رجولة:
ـ "أنا مش عارف أقولك إيه يا طارق.. أنت أثبت لي في الأزمة دي إنك مش بس شريكي أو صاحبي، أنت أخويا اللي أمه ما ولدتهوش. شلت الشغل ورعايتي وحميت اسمي وأنا في أضعف حالاتي.. دينك ده في رقبتي لطول العمر."
طارق ضحك بنخوة ورد بثقة:
ـ "عيب عليك يا كاسر، إحنا واحد يا صاحب عمر.. المهم إنك رجعت لرجليك ولصحتك، والسوق مستنيك ترجع تحكمه تاني."
وفي وسط القاعدة الدافية دي بين العيلة.. تليفون كاسر رن.
بص للشاشة.. الاسم كان "آيتن".
كاسر أخد نفس عميق، وحس إن الوقت جه عشان يواجه ويصلح الهرب اللي هربه الأسابيع اللي فاتت. فتح السكة وصوته جه رجولي، قوي، وثابت زي زمان:
ـ "ألو.. أيوة يا آيتن."
آيتن أول ما سمعت نبرة صوته القوية المنتظمة، اتفاجأت وسكتت ثانية، وبعدين نطقِت بعتاب وزعل مخنوق:
ـ "كاسر؟! أخيرًا افتكرت إن لك خطيبة؟ أنت فين وكل الفترة دي بتهرب مني ليه؟"
كاسر بقوة وهدوء:
ـ "أنا أسف يا آيتن على الفترة اللي فاتت.. كان فيه ظروف صعبة والحمد لله عدت. أنا نازل أقابلك حالا، جهزي نفسك وأنا أعدي عليكِ نعد مع بعض ونحكي في كل حاجة."
قفل كاسر الموبايل، وبص لطارق وميرفت وفريال واستأذن منهم، ونزل بكل هيبته وقوته عشان يقابل آيتن ويبدأ يواجه الكراكيب اللي سابها وراه
