رواية ألوان مستعاره الفصل الحادي عشر
كاسر نزل وقابل آيتن في مكان هادي وراقي. آيتن كانت داخلة وهي شايلة جوة قلبها زعل وعتاب الدنيا كله، ووشها مشدود ونظراتها مليانة لوم بعد كل أسابيع الاختفاء والهروب دي.
بس أول ما قعد قدامها، كاسر بصلها وابتسم ابتسامته الساحرة القوية اللي غابت بقالها كتير، النظرة والضحكة دابت فيهم كل الفوارق والزعل. آيتن أول ما شافت ضحكته ورجوعه لهيبته وصحته، الملامح المشدودة على وشها بدأت تفك تدريجياً، وسحر رجولته ووجوده خلاها تنسى كل قسوة الفترة اللي فاتت في ثواني!
كاسر بقى يضحك ويهزر معاها بطريقته الحلوة، يلطّف الجو ويطمنها، ورجع "الواد الأمور" بشقاوته ورجولته وكاريزمته اللي بتخطف القلب. فضل يحكي لها مواقف تضحك، ويفتح معاها مواضيع طريفة ويغير مجرى الكلام بذكاء عشان ينسيها أسئلتها وشكوكها، وآيتن كانت بتسمعه وعينيها بتلمع بالفرحة، بتضحك من قلبها وهي مش مصدقة إنه قدامها بخير وبكل قوته دي تاني.
في نفس الوقت وعلى مسافة مش بعيدة.. كان سمير قاعد في عربيته، متابعهم بعيون متفتحة، معاه كاميرته وتليفونه، وبيرصد كل ضحكة وكل نظرة بين كاسر وآيتن عشان ينقل اللقطة بالكامل لـ يوسف
..........................
في صالة شقة دافية، كانت صفاء رايحة جاية بتوتر، ماسكة تليفونها في إيدها وبتعدل طرحتها بقلق واضح، وشها يبان عليه الإرهاق من كتر التفكير في بنتها.
قرب منها زوجها مجدي، كان حاطط نظارة القراءة وشايل كتاب في إيده، بص لها بنظرة هادية يحاول يمتص بيها توترها، وقال بنبرة حنونة:
ـ "في إيه يا صفاء؟ مالك رايحة جاية من بدري وكأنك شايلة طاجن ستك؟!"
صفاء اتنهدت بحسرة وحطت إيدها على قلبها:
ـ "أنا قلقانة على حبيبة أوي يا مجدي.. قلبي مكلتني عليها ومش مرتاحة خالص."
مجدي حط الكتاب على الترابيزة وقعد:
ـ "ليه بس يا شيخة؟ هي مش بتكلمك؟"
صفاء هزت رأسها بقلة حيلة وقعدت قصاده:
ـ "بتكلمني.. بس صوتها مش عاجبني خالص! البنت مخنوقة، نبرة صوتها طالع منها طعم الوجع، وطول الوقت بتقولي 'أنا كويسة' بجمود يقطع القلب.. حبيبة مش كويسة يا مجدي، أنا قلبي حاسس إن يوسف مضايقها أو عامل فيها حاجة."
مجدي طبطب على إيدها بالراحة عشان يطمنها:
ـ "يهديها ربنا يا صفاء، بلاش سوء ظن وعياط من غير سبب.. أهو جواز جديد وضغط حياة. خلاص، لما ترن علينا تاني أو نكلمها، نبقى ناخد منها ميعاد ونروحلها البيت نطمن عليها بعنينا ونقعد معاها."
صفاء بصت له برجاء ودمعة في عينها:
ـ "ياريت يا مجدي.. ياريت عشان أنا مش هيهدالي بال إلا لما أشوفها قدامي."
وفي بيت يوسف..
في أوضة النوم الهادية كأنها مقبرة، حبيبة كانت واقفة قدام الدولاب، بتطبّق هدومها بآلية وهدوء قاتل. ملامح وشها خالية تماماً من أي تعبير، عيونها ميتة كأنها في عالم تاني خالص.
دخل يوسف الأوضة بجمود وبص لها باستفزاز وبجاحة وهو حاطط إيده في جيبه:
ـ "أنتِ لسه في حالتك دي؟! مش هتطلعي منها يعني ولا ناوية تقضي عمرك كله تمثلي دور الضحية؟"
حبيبة ما اتكلمتش.. ولا حتى اتلفتت له ولا بصت ناحيته، فضلت بتطبق الهدوم بهدوء وسكون مستفز ألعن من مية كلمة.
يوسف لما حس إنه ما عرفش يستفزها ولا يخرج منها أي رد فعل، الدم فور في عروقه وتملك منه الغيظ. قرب منها بخطوات حادة، ووقف جنبها بالظبط وهو بيتنفس بعصبية وقال بنبرة مسمومة ومغلولة:
ـ "مش عايزة تشوفي حبيب القلب بيعمل إيه دلوقتي من غيرك؟!"
حبيبة فضلت على وضعها، ماسكة بلوزة بتطبقها بثبات وتجاهل تام كأنه مش موجود أصلاً.
الغيظ أكل يوسف، سحب موبايله بسرعة وفتح الصورة أو الفيديو اللي بعتهوله سمير، وحط الشاشة في وش حبيبة بالعافية قدام عينها.. الشاشة كانت معروض فيها كاسر وهو قاعد يضحك ويهزر من قلبه مع آيتن، ملامحه رجعت فيها الحياة والضحكة طالعة صافية وهو منسجم معاها لأقصى درجة.
يوسف وهو بيتنح في وشها مستني يشوف الشرر والانهيار في عينها:
ـ "شايفة؟! مرمي في بيته وبيموت؟ هههه.. أديه زي الفل، بيضحك وينبسط مع أختي ولا افتكرك أصلاً ولا دريان بيكي!"
حبيبة بصت للشاشة بجمود تام وللامبالاة مرعبة.. مفيش دموع، مفيش غيرة، ومفيش أي كسر في عينها. رفعت عينها الميتة في عين يوسف، وأخيراً طلعت صوتها البارد الهادي اللي نزل على يوسف زي الصدمة:
ـ "ربنا يهني سعيد بسعيدة."
يوسف اتسمر مكانه من ردها، الشياطين بدأت تنط قدام عينيه، وعروق رقبته برزت:
ـ "سعيد بسعيدة؟! أنتِ بتستعبطي يا حبيبة؟! يعني مش فارق معاكي؟ مش ده كاسر اللي كنتِ بتموتي فيه وتعيطي عشان صوره؟!"
حبيبة رجعت كملت تطبيق الهدوم بمنتهى الهدوء، وقالت بنبرة جافة وخالية من الحياة:
ـ "اللي كان يفرق معايا زمان مات يا يوسف.. وأنا كمان مت.. فاعمل اللي تعمله، ما بقاش فيه حاجة في الدنيا دي تقدر تحرك فيا شعور واحد.
يوسف اتجنن أضعاف! البرود والجدار الحديدي اللي حبيبة بنته حوالين نفسها كان بيقتله من جوة؛ لأن الراجل المريض اللي زي يوسف مش بيغديه إلا الصريخ، البكاء، والانهيار.. فلما يلقى قدامه حجر مابيحسش، بيحس بأكبر هزيمة في حياته!
يوسف مسكها من دراعها بعنف ورزعها قدام الدولاب، وعينيه بتقيد نار:
ـ "أنتِ بتمثلي عليّ؟ عملالي فيها جثة ومابتحسيش؟! قسماً بالله يا حبيبة لأخليكي تصرخي بدل الدموع دم، وهتشوفي مين يوسف اللي بتعامليه ببرود ده!"
حبيبة بصت له بجمود وثبات يرعب، عينها جت في عينه من غير ما ترمش، وقالت بصوت هادي زي الموت:
ـ "أنا مش بمثل يا يوسف.. أنت خدت كل حاجة، دمرت كل حاجة، فخلاص.. مبقاش فاضل جوايا حاجة تخاف عليها أو تبكي عليها. اعمل اللي تعمله، مش هتحسسني بأكتر من اللي حسيت بيه."
يوسف ساب دراعها بقرف، ورجع لورا وهو بيلف حوالين نفسه زي المجنون، وشه احمرّ وعروق رقبته كانت هتطق. سحب مفاتيحه وتليفونه ورزع الباب وراه بأعلى قوته، وخرج يسف التراب بعربيته وهو مش عارف يروح فين ولا ينفس عن الغل اللي جواه إزاي.
في الناحية الثانية.. (لقاء كاسر وآيتن)
اللقاء انتهى، وكاسر وصل آيتن لحد بيتها. آيتن كانت طايرة من الفرحة، حاسة إن كاسر القديم رجعلها، ونزلت وهي بتلوح له بإيدها وابتسامتها مالية وشها.
كاسر ابتسم لها بهدوء لحد ما دخلت، وأول ما قفل شباك العربية، الابتسامة اختفت تماماً وحل محلها الصرامة والتفكير العميق.
دور العربية ومشي، ورن على طارق:
ـ "أيوة يا طارق.. أنت فين؟"
طارق:
ـ "أنا في المكتب يا كاسر، بخلص باقي ورق الصفقات.. خير؟"
كاسر بنبرة حادة وثابتة:
ـ "ساعة وهكون عندك.. عايز نفتح كل الملفات اللي اتأجلت، واللعب اللي كان داير من ورايا في السوق الفترة اللي فاتت لازم يتقفل حساباته.. النهاردة قبل بكرة!"
طارق بابتسامة نصر:
ـ "هو ده كاسر اللي نعرفه! منتظرك يا صاحبي.
وفي نفس الوقت.. عند أم حبيبة (صفاء) ومجدي
صفاء مكنتش قادرة تصبر أكتر من كده، مسكت تليفونها وقررت ترن على يوسف نفسه بما إن تليفون حبيبة مقفول.
التليفون قعد يرن عند يوسف وهو سايق بعصبية.. بص للشاشة ولقى حماتي
يوسف جز على سنانه، ومحاولاً يظبط نبرة صوته بالعافية، فتح السكة:
ـ "أيوة يا طنط.. إزيك؟"
صفاء بلهفة وقلق ممتزج بعتاب:
ـ "إزيك يا يوسف يا بني.. أنا برن على حبيبة تليفونها مقفول بقاله فترة، قلقتوني عليكم! هي حبيبة كويسة؟"
يوسف ببرود واستعلاء:
ـ "أيوة كويسة يا طنط.. تليفونها بس فيه مشكلة ومحيط الشحن باظ، وهي نايمة دلوقتي."
صفاء بسرعة:
ـ "طيب الحمد لله.. بقولك إيه يا يوسف، أنا وعمك مجدي نازلين بكره الصبح نعدي عليكم ونشوفكم ونطمن عليها، بقالنا كتير ماشوفناهاش."
يوسف اتسمر مكانه لما سمع كلامها.. علامات الضرب والكدمات والانهيار اللي في وش حبيبة وحالتها النفسية مش ممكن حد يشوفها، ولو أمها شافتها بالمنظر ده هتقوم قيامة مش هتعرف تلمها!
يوسف بحدة ومحاولة لملمة الموقف:
ـ "بكره؟! لا يا طنط بلاش بكره، أصل أنا.. أنا مسافر بحبيبة نغير جو كام يوم عشان كانت زهقانه، لما نرجع هخليها تترن عليكِ!"
صفاء قلبت نبرتها بشك قاطع:
ـ "مسافرين؟! حبيبة مقالتليش حاجة يعني.. يوسف، أنت مخبي عني إيه؟ أنا جاية بكره أطمن على بنتي يا يوسف!"
يوسف بتوتر : ي حماتي اسف انا مش بطردك تيجي طبعا في اي وقت .... وانا كمان لما اروح هخليها تكلمك وكدا كدا هشترالها تليفون بدال البايظ دا
صفاء مش مرتاحه الي حد ما بس مشيت ورا كلامه وقفلت
عدى اليوم كالعادة.. خناق، وضغط، وسواد.
أول ما يوسف رجع البيت، نزل زن وضغط رهيب على حبيبة عشان تتصل بأمها وتأكد لها إنهم مسافرين فعلاً ومفيش داعي تيجي. حبيبة، عشان تشتري دماغها وتخلص من زنه وعصبيته، مسكت التليفون وكلمت أمها، وبنبرة حاول تطلعها طبيعية على قد ما تقدر، أقنعتها إنهم طالعين سفرية مفاجئة، وهتكلمها أول ما يوصلوا. صفاء صدقت بالعافية وهديت شوية.
تاني يوم الصبح..
يوسف كان في قمة عصبيته وجنونه بسبب برود حبيبة المستفز. خرج من البيت وهو بيتحسبن ويرزع الأبواب، ومن كتر غيظه وشرود عقله، نسي موبايل حبيبة اللي كان ساحبه منها على الجزامة عند الباب!
أول ما حبيبة سمعت صوت عربيته وهي بتبعد، خرجت من الأوضة بخطوات مكسورة، ولمحت التليفون. مسكته بإيد بترتعش، وقعدت على أقرب كرسي.
في اللحظة دي، جواه صراع رهيب.. كانت وصلت لمرحلة استسلام وواقعية قاسية. فكرت مع نفسها:
"أنا هعمل إيه؟ يوسف مش هيسيبني.. والهروب مش حل، والأيام كده كده بتمر من عمري.. يبقى تفوت وأنا هادية وساكتة بدل الحروب دي كل يوم. أنا لازم أنقذ نفسي من الجحيم ده، وأبطل تفكير في كاسر خالص.. كاسر بقى ماضي وانتهى."
فكرت مين الوحيد اللي ممكن يسيطر على يوسف ويخليه يهدى ويرحمها؟ آيتن أخته! آيتن هي الوحيدة اللي يوسف بيعمل لها حساب وبيحبها، ولو دخلت بيناتهم ممكن تضغط عليه يخف عنها ويسبها تعيش في حالها.
مسكت التليفون ورنت على رقم آيتن.
في الوقت ده بالظبط.. في كافيه راقي..
آيتن كانت قاعدة مع كاسر، بيشربوا قهوة وبيتحكوا. فجأة رن تليفون آيتن.. بصت للشاشة ولقيت رقم حبيبه
وكاسر اخد باله من اسمها
في ثانية.. قلبه دق دقة عنيفة زي الصدمة الكهربائية، ودماء جسمه كلها اتجمدت. بقى قاعد باصص لآيتن وبيسمع بتركيز رهيب كأن حواسه كلها اتجمعت في أذن واحدة.
أول ما آيتن قالت:
ـ "ألو؟"
صوت بكا وشهقات حادة .. حبيبة أول ما سمعت صوت حد برة جدران البيت ده، انهارت تماماً! مشاعر القهر والوجع اللي كانت حابساها تحت اسم "البرود" انفجرت مرة واحدة.
كاسر قلبه اتخلع من مكانه لما شاف آيتن وشها انكمش بقلق وقامت وقفت وهي بتقول:
ـ "إيه ده؟! حبيبة؟! اهدي يا حبيبة طيب بالراحة.. اهدي أنا مش فاهمة حاجة من عياطك ده! فيه إيه؟ يوسف فيه حاجة؟!"
حبيبة كانت بتبكي بحرقة ومش عارفة تطلع الكلمة، وصوت شهقاتها كان مسموع لـ كاسر اللي كان واقف قصاد آيتن، وجسمه كله بتسري فيه قشعريرة رعب وعجز.. الصوت ده، الوجع ده، هو عارفه كويس!
آيتن باستعجال ورعب:
ـ "حبيبة اهدي خالص.. أنا جايلك حالا، مسافة السكة وهكون عندك!"
قفلت آيتن السكة، وبدأت تلم حاجتها بسرعة وجنون. كاسر وقف قدامها، وسألها بذكاء وثبات محاولاً يداري الرعب اللي بياكل في قلبه:
ـ "فيه إيه يا آيتن؟ فيه حاجة معاها ولا إيه؟"
آيتن وهي بتجري ناحية خروج الكافيه:
ـ "مش عارفة والله يا كاسر! كانت بتبكي بطريقة ترعب ومفهمتش منها ولا كلمة.. لازم أروح لها شقتها حالاً!"
كاسر من غير ما يفكر ثانية:
ـ "يلا، أنا جاي معاكي أوصلك."
ركبوا العربية، وكاسر كان سايق بأقصى سرعة عنده، إيده شادة على الدريكسيون لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت، وعينيه باصة للطريق بشرود مرعب.. عقله بيلف في مية اتجاه: "يوسف عمل فيها إيه؟! البكاء ده مش بكاء خناقة عادية!"
أول ما وصلوا تحت بيتهم، كاسر وقف العربية وهدى، وبص لآيتن وقال بجمود محاولاً يحافظ على الأصول:
ـ روحيلها انتي .... أنا هستناكي هنا في العربية، ليكون الموضوع عائلي بينها وبين يوسف ولا حاجة وميصحش أدخل.
آيتن بصت له بزعل واستعجال:
ـ "بطل بقى يا كاسر! أنت واحد من العيلة خلاص، وبعدين يوسف أخويا مش فوق اصلاً، بطل عبط وانزل معايا نطمن عليها!
كاسر بلع ريقه المر.. ونزل معاها.
طلعوا الفوق، وآيتن رنت التليفون على حبيبة وهي واقفة قدام الباب:
ـ "أنا قدام الباب يا حبيبة.. افتحيلي.
جوة البيت.. حبيبة اتخضت وقامت جراي. يوسف كان قافل الباب بالمفتاح ووخده معاه، بدأت تدور بلهفة وجنون في الدرج وعلى الترابيزة على النسخة التانية من المفتاح اللي بيسيبوها للظروف.. أخيرًا لقيتها في صندوق الصالون!
حطت المفتاح في الباب بإيد بترتعش، وفتحت..
أول ما الباب اتفتح، حبيبة كانت واقفة وشها أصفر زي الليمونة، عيونها منتفخة ومحمرة من كتر البكا، وفي رقبتها وشها آثار كدمات خفيفة حاولت تداريها باسكراف بس كانت باينة..
آيتن أول ما شافت شكلها اتخضت وشهقت:
ـ "حبيبة! إيه ده؟! إيه اللي في وشك ده?!
لكن حبيبة.. في اللحظة دي بالظبط.. عينها ما جاتش على آيتن.
عينها عدت آيتن، وراحت للراجل اللي واقف وراها على السلم ببدلته وهيئته القوية.. كاسر!
الزمن اتوقف في اللحظة دي بالنسبة للاتنين..
نظرة طويلة سادها صمت قاتل.. كاسر اتسمر في مكانه، عينيه وسعت بصدمة وغل ورعب لما شاف آثار الوجع على وشها، ونفسه بدأ يعلى ويهبط كأن صدرو بيغلي. وحبيبة بصت له بحسرة ودمعة محبوسة، كأنها بتستغيث بيه بعيونها من غير ما تنطق بحرف.
آيتن مسكت حبيبة من دراعها ودخلت بيها جوة الشقة وهي بتستجوبها:
ـ "مين عمل فيكي كده يا حبيبة؟ يوسف؟! يوسف ضربك؟!"
كاسر دخل وراهم بخطوات بطيئة تقيلة زي الجبل، وقفل الباب وراه بهدوء يرعب، وعينيه متثبتة على حبيبة اللي كانت واقفة بترتعش ومهمومة في نص الصالة.
الهواء جوه الصالة كان تقيل ومكتوم، يقطع النفس.
كاسر كان واقف عند الباب، متخشب في مكانه، صامت تماماً بس عينيه كانت بتتكلم بمليون لغة. كانت عيون راجل قلبُه بيتسلخ حتة حتة وهو شايف البنت اللي حبها ونفسه يفديها بروحه، واقفة قدامه مكسورة، وشها باهت زي الموت، والكدمات معلمة على بشرتها الرقيقة. كان حاسس بقشعريرة كره وغيظ بتسري في جسمه كله، رغبته في إنه يهد البيت ده على رأس يوسف كانت عارمة، بس وجود آيتن حطه في أقفاص من حديد.
حبيبة كانت باصة للأرض، مش قادرة ترفع عينها في عين كاسر. كانت حاسة بخزي وإهانة لا يوصفوا.. مش بس من اللي يوسف عمله فيها، بس إن كاسر يرجع يشوفها في أضعف وأحقر لحظات حياتها. كانت بتنهد بنفس متقطع، شفايفها بترتعش، وكل خلية في جسمها بتصرخ من الوجع النفسي قبل الجسدي.
آيتن مسكت إيدين حبيبة اللي كانوا زي الثلج، ونبرة صوتها اتغيرت من القلق للغضب والذهول:
ـ "حبيبة! انطقي يا بنتي.. إيه اللي عمل فيكي كده؟! مين اللي علم على وشك ورقبتك بالمنظر ده؟! هو يوسف يوصل بيه الجنان لإنه يمد إيده عليكي بكده؟!"
حبيبة بلعت ريقها بالعافية، غصة الوجع واقفة في حلقها كأنها شوك. بصت لآيتن بدموع مالية عينها، وجات عينها "غصباً عنها" في عين كاسر لكسر من الثانية.. شافت في عينيه كمية ألم وحنان ورعب خلوا قلبها يتنفض.
حبيبة بصوت طالع بالحسرة ومكسور تماماً:
ـ "أنا تعبت يا آيتن.. تعبت خلاص ومبقاش فيا حيل أستحمل أكتر من كده. أنا طلبت منك تفتحيلي باب، عشان تعبت من الجحيم ده."
كاسر داس على سنانه بقوة لدرجة إن عروق فكه برزت وكان هيطحنه. أخد خطوة بطيئة لقدام، صوته طلع واطي، حاد، ومليان بحشرجة قهر مكتومة حاول يسيطر عليها بالعافية عشان آيتن ما تشكش:
ـ "هو.. هو بيعمل فيكي كده من زمان؟"
السؤال نزل على حبيبة زي الخنجر. بصت لكاسر ونظرتها كانت فيها عتاب وموت وصمت أبلغ من مية إجابة. هما الاتنين كانوا فاهمين بعض من غير كلام.. كاسر فهم إن الموضوغ مكنش مجرد ضرب أو خناق عادي، فهم إن فيه بشاعة أكبر حصلت في البيت ده، والفكرة دي بالذات خلت الدم يغلي في دماغه لدرجة إنه حس بمدى العجز اللي بيقتله.
آيتن كانت مصدومة، مسكت تليفونها بغضب شديد وقالت:
ـ "أنا هكلم يوسف حالاً.. التخلف ده لازم يقف عند حده! هو فاكر عشان أنتِ طيبة ومالكيش حد يضربه يتستقوى عليكي كده?!"
حبيبة جراي مسكت إيد آيتن بلهفة وخوف حقيقي، وعينها وسعت برعب:
ـ "لا! أرجوكي يا آيتن لا!.. بلاش تكلميه دلوقتي، قسماً بالله لو عرف إنك جيتي ولا إنك شوفتيني كده هيقتلني! أنتِ مش عارفة أخوكي بقى عامل إزاي.. يوسف اتحول لوحش، عقله اتعمى!
