رواية ألوان مستعاره الفصل الثاني عشر 12 بقلم سها رمضان


 رواية ألوان مستعاره الفصل الثاني عشر 

حبيبة بلعت ريقها بالعافية، غصة الوجع واقفة في حلقها كأنها شوك. بصت لآيتن بدموع مالية عينها، وكانت بتحاول تتنفس من غير ما تنهار، بس في لحظة خطيفة.. نظرتها راحت لـ كاسر.
​في اللحظة دي، لغة الكلام انتهت تماماً، والأحساسيس هي اللي تولت المشهد بالكامل..
​كاسر كان واقف زي الصخرة، بس من جوه كان بيتفتت. عينيه كانت بتتنقل بين الكدمات اللي على وشها وبين الدموع اللي محبوسة في عينها، وكان حاسس بجمرة نار بتتحرك في صدره. غل، قهر، وعجز رهيب شل حركته. كان نفسه يمد إيده يمسح الدمعة دي، نفسه يخبّيها جوه صدره عن العالم كله، بس قسوة الواقع ووجود آيتن حافين حواليه أسوار من شوك. عروق فكه اتصلبت من كتر ما كان جازز على سنانه عشان يمنع نفسه من إنه يتنفس بصوت عالي أو يصرخ.
​أما حبيبة.. فكانت حاسة بخزي ووجع لا يوصفوا. إن كاسر — الراجل اللي تمنت في يوم تكون معاه — يشوفها بالمنظر ده، مكسورة، متهانة، وآثار العنف معلمة على جسمها.. دي كانت بالنسبة لها طعنة ألعن من ضرب يوسف نفسه. عينها جات في عينه لثواني معدودة، ونظرتها كانت مليانة رجاء واستغاثة مكسورة، كأنها بتقوله بعينيها: "شفت وصلت لإيه؟ شفت الجحيم اللي أنا عايشة فيه؟"
​آيتن كانت عمياء عن الصمت القاتل اللي بين الاتنين، 
​كاسر غمض عينيه بقوة لكسر من الثانية، وصدره يعلى ويهبط بنفس تقيل ومكتوم. النغزة اللي في قلبه كانت بتقتله، وكلمة "هيقتلني" نزلَت عليه زي السم. أخد نفس عميق وحرق الهواء جوه صدره، وفضل باصص للأرض، صامت تماماً.. بس صمته ده كان أشد وأمرّ من مليون صرخة غضب.
​آيتن بقلة حيلة ونبرة كلها خوف على صاحبتها، تقرب منها وتحط إيدها على كتفها بالراحة:
– "تعالي اقعدي في بيتنا لغاية ما تهدي طيب... ما أنتِ مش قادرة تتكلمي، ورجلك مش شايلاكي."
​حبيبة رفضت فوراً وبحركة سريعة بعدت خطوة لورا، رفعت عيونها التايهة وجت في عيون كاسر لثوانٍ معدودة... ثوانٍ كانت كفيلة تخلي نبضات قلبه تقف. نظرة مفيهاش أي ملمح للرجاء منه، نظرة تأكيد إنه برة حياتها، وإن الشخص الوحيد اللي شاغل تفكيرها في اللحظة دي هو يوسف.
​حبيبة بنبرة صوت مبدوخة بس متماسكة بالعافية:
– "لأ يا آيتن... لا. أنا مكلمكيش عشان آجي أقعد عندك... أنا مكلماكي عشان تصلحي بيني وبين يوسف!"
​الكلمة نزلت على قلب كاسر زي طعنة خنجر مسموم. الوجع مكانش بس في الكلام، الوجع كان في استماتتها ودفاعها عن يوسف قدامه. كاسر اتسمّر في مكانه، صوابع إيده اتجمعت في قبضة مشدودة لدرجة إن عروق إيده برزت، حابس انفاسه ومبيتكلمش، بلع المرارة في حلقة وبص للناحية التانية وهو بيحاول يسيطر على البركان اللي جواه.. مجبر يفضل ساكت وشايف الإنسانة اللي بيحبها بتتحايل عشان ترجع لغيره.
​آيتن بصلتها باستغراب وصدمة من رد فعلها المستميت، نظراتها اتنقلت بين حبيبة وبين كاسر الواقف زي التماثيل، وبعدين هزت رأسها بعدم فهم وقالت بذهول:
– "يوسف؟! طيب إيه اللي حصل بينكم يوصل الموقف بالطريقة دي يا حبيبة؟ أنتِ شايفة منظرك عامل إزاي؟ يوسف عمل إيه يخلاكي بالانهيار ده كله؟!"
​حبيبة شفايفها اترعشت، وحطت إيدها على وشها تحاول تداري دموعها اللي نزلت غصب عنها، وصوتها طلع مخنوق بالشهقات:
– "هو فاهم غلط يا آيتن... والله فاهم غلط. أنا مش قادرة أتحمل فكرة إنه يمشى وهو زعلان مني أو يفكر فيا بطريقة وحشة.. أنتِ أكتر واحدة عارفة يوسف بالنسبة لي إيه!"
​كل كلمة كانت حبيبة بتقولها عن يوسف، كانت بتبني سد عالي جديد بينها وبين كاسر.. وكاسر واقف في ظلال الأوضة، حاسس إن الهواء بيقل حوليه، مستني يسمع باقي الحقيقة، ومش عارف هل قلبه هيستحمل المزيج ده من العجز والوجع ولا لأ. 
حبيبة بانهيار ورجاء بصوت مخنوق بالدموع:
– "أنا عيزاكي تقوليله يبدأ صفحة جديدة معايا... وأنا أوعده إني هعوضه، وأكدي له ده والنبي يا آيتن! من غير ما تجبريني بالله عليكِ أحكيلك إيه اللي حصل... تصرفي أنتِ من عندك، 
ايتن مسكتها من كتافها : حاضر حاضر ... لحظه اجبلك ميه
​وقبل ما آيتن تتحرك ناحية المطبخ، التفتت لـ كاسر اللي كان واقف عند الباب زي الصخرة، مسكته من دراعه وحركته من مكانه وقعدته على الكنبة جنب حبيبة:
– "اقعد يا كاسر 
​آيتن مشيت، وسابتهم في الأوضة... الصمت نزل عليهم تقيل ومخنق، أصعب وأبشع من مليون خناقة.
​كاسر فضّل باصص للأرض، جازز على سنانه وعروق إيده بارزة من كتر التوتر والغل المكتوم. الوجع اللي في قلبه كان بيقطعه، شايف الإنسانة اللي حبها وباع الدنيا عشانها، قاعدة جنبه على نفس الكنبة... بس بيناتهم جبال ووسيعات من البعد.
​أما حبيبة.. ففضلت سرحانة فيه، عينيها مثبتة على ملامح وشه الهادية القاسية، وفي لحظات الصمت دي، عقلها فتح شريط ذكرياتهم سوا، يقطع في قلبها بدون رحمة:

​افتكرت أيام زمان.. لما كان كاسر بيعيط عشانها، لما كان بيخاف عليها من الهوا الطاير.
افتكرت نظرة الحنان والدفا اللي كانت في عينيه لما كان بيوعدها إنه عمره ما هيسيبها، وإنه هيكون ليها الأمان والسند في الدنيا دي.
افتكرت ضحكته الصافية اللي كانت بتنور وشها، ولمسة إيده وهي بتطمنها في أصعب أوقاتها.
​والنهاردة؟ النهاردة هي قاعدة جنبه، مكسورة، متهانة، وشها فيه علامات العنف.. وبدل ما تكون في حضنه بيحميها، بتترجى أخته عشان ترجعها لراجل تاني بيجلد فيها كل يوم!
​الدموع نزلت من عين حبيبة صامتة وسخنة على خدها.. حسرة مريرة أكلت قلبها وهي شايفاه قاعد جنبها زي الغريب، مش قادر حتى يرفع عينه في عينها ولا يمد إيده يمسح دموعها.
​حست بقهر ملوش آخر؛ لأنها عارفة إن كاسر خلاص بقى حلم بعيد، وأنها بقسوة الظروف أصبحت ملك راجل تاني، ومفيش في إيدها غير إنها تدفن مشاعرها وذكرياتها وتكمل في الجحيم اللي اختارته أو اتفرض عليها، بينما كاسر قاعد جنبها بيتحرق في صمته، بيسمع دقات قلبها وهي بتتقطع، ومش قادر يعمل حاجة غير إنه يبلع المرارة وينتظر. 
كان قاعد جنبها على الكنبة، بس كأن فيه ما بينهم تُلّت جبال مانعين أي تواصل.. كان حاسس إن قلبه بيتمزق، وصوت أفكاره في دماغه أعلى بكتير من صوت كلامها المتهدج.
​ده اللي كان بيدور في دماغ كاسر بالعامية:
​"أنا قاعد جنبها.. نفس ريحتها اللي كانت بتجنني لسه في مناخيري، بس المسافة بيني وبينها بقت سنين ضوئية. سامعها.. سامعها بودني وهي بتترجى أخته عشان ترجعله! ترجع لمين؟ للحيوان اللي كسرها؟ للجلاد اللي علم على وشها ؟
​يا وجع قلبي عليكي يا حبيبة.. ده أنا كنت بخاف عليكي من النسمة، كنت ببقى عايز أحطك في قلب قلبي وأحميكي من العالم كله، ودلوقتي قاعد بتفرج عليكي وأنتِ بتدوسي على كرامتك ونفسك عشان خاطر واحد ما يستاهلش يبص في وشك!
​كل كلمة بتقوليها يا حبيبة بتنزل على قلبي زي طعنات السكاكين.. بتفكريني إنك خلاص بقيتي بتاعته، وإن كل اللي كان بينا بقى ذكرى مدفونة. أنا بموت وأنا شايفك بتترجي عشان ترجعي للوجع، بموت وأنا ساكت، بموت لأني مش قادر أخدك في حضني وأقولك 'أنا هنا يا حبيبة.. أنا اللي كنت هحرق الدنيا عشانك!'.
​أنا مكسور أكتر منك.. مكسور لأني مش قادر أكون البطل بتاعك، مكسور لأني واقف متكتف، وبسمعك بتطلبي من أخته تصلح بينك وبين اللي أذيكي.. يا رب صبرني على النار اللي أنا فيها دي، يا رب قدرني أتحمل اللي شايفه، لإن القعدة دي ألعن من الموت ألف مرة."
​كان قاعد ومانع نفسه بالعافية إنه حتى يبص ناحيتها، عيونه متثبتة على حتة في السجادة، وفكه مشدود لدرجة إنه حاسس إن أسنانه هتتكسر من كتر الضغط عليها، بيحاول يخنق الوجع جوه صدره عشان آيتن ما تاخدش بالها.. أو يمكن عشان هو نفسه مش عايز يواجه حقيقة إنها خلاص مابقتش بتاعته.
قطع تفكيرهم العنيف والمؤلم صوت خطوتين آيتن وهي راجعة من المطبخ وماسكة كباية المية في إيدها.
​من كتر ما حبيبة كانت غرقانة ومسحوبة في تفاصيل ملامح كاسر، اتخضت ورجعت لورا خضة خفيفة أول ما سمعت صوت آيتن بتقول:
ـ "امسكي يا حبيبة، اشربي المية دي بالراحة."
​حبيبة أخدت الكباية بإيد بترتعش، شربت بقين بالعافية عشان تبلع الجفاف اللي في حلقها، وقالت بصوت مكسور:
ـ "شكراً يا آيتن.. معلش تعبتك."
​آيتن قعدت قصادهم على الترابيزة وبصت لـ حبيبة بقلق وسألتها:
ـ "هو يوسف هيجي الساعة كام طيب هنا؟"
​حبيبة هزت رأسها بنفي وجمود وهي باصة للأرض:
ـ "مبقاش ليه مواعيد يا آيتن.. معرفش عنه حاجة ولا بيجي إمتى."
​آيتن هزت رأسها وقالت بصوت جاد:
ـ "خلاص، أنا هكلمه دلوقتي أعرف منه هو فين وجاي إمتى.. وأشوف هفضل مستنياه هنا عشان أتكلم معاه، ولا أستنى لحد ما يرجع وتتجمعوا ونقعد سوا."
​طلعت آيتن موبايلها ورنت على يوسف.. يوسف رد بعد كم رنة ببرود، وآيتن اتكلمت معاه من غير ما تبين إنها في الشقة، وسألته بطريقة عادية عن مواعيده، فأكد لها إنه هيرجع البيت على الساعة ٩.
​قفلت آيتن السكة وبصت لـ حبيبة:
ـ "خلاص يا حبيبة.. هو قال هيرجع ٩، وأنا مش هينفع أستنى كل ده عشان ميعملش مشكلة إننا هنا من غير ما يعرف.. هسيبك تهدي دلوقتي وأنا هجيله بالليل أو هكلمه يجيلي، وهظبط كل حاجة متقلقيش."
​قاموا وقفوا.. وآيتن سلمت على حبيبة وطمنتها، أما كاسر فقام بخطوات تقيلة، مشي ورا آيتن من غير ما يرفع عينه في حبيبة ولا ينطق بكلمة واحدة.. قفلوا الباب وراهم وسابوها.
​أول ما الباب اتقفل، حبيبة انهارت على الأرض مكانها! العياط والدموع ينزلوا بحرقة وجنون.. الانهيار النفسي أكلها، مش بس من وجع يوسف واللي بيعمله فيها، بس الصدمة والوجع كله كان في رؤية كاسر! إن كاسر يشوفها بالهوان ده، إنها تضعف قدامه وتطلب من أخته ترجعها ليوسف.. كان احساس بيذبح روحها من جوة.
​طول طريق العودة.. العربية كانت عبارة عن صندوق مقفول من الصمت الرهيب.
​كاسر كان سايق ودماغه بتغلي، حاطط إيده على الدريكسيون وشادد عليها لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت، وشفتيه مطبقتين بجمود قاتل، ما فتحش بقه ولا بنصف كلمة.. آيتن استغربت سكوت الصخر ده وطريقته الحادة في السواقة، بس محطتش في بالها وقالت في سرها: "يمكن متضايق من المنظر أو من يوسف ومشاكله."
​نزّلت آيتن، وكاسر طار بعربيته على الشركة!
​أول ما دخل مكتبه، قفل الباب وراه برزعة هزت الدور كله. كان هيموت من كثرة التفكير.. صورة حبيبة وهي مكسورة، أثار ضرب يوسف على رقبتها ووشها، صوتها وهي بتترجى آيتن عشان يوسف يسامحها.. كل المشاهد دي كانت بتتعاد في عقله كأنها جحيم ملوش آخر!
​وفجأة.. كاسر فقد السيطرة على نفسه تماماً!
​الشرر والغل انفجروا جوا صدره.. مسك الفازة الكريستال ورزعها في شباك الزجاج الكبير بتاع المكتب، الزجاج اتدمر ودشّش! مسك الكراسي، التحف، والورق على المكتب، وبقى يكسر ويضرب في أي زجاج يقع تحت إيده بجنون وجليد، كان بيصرخ بصوت مكتوم وعروق جبهته هتفرقع من الغيظ والقهر.
​في اللحظة دي.. فتح طارق باب المكتب بسرعة بعد ما سمع الصوت والكركبة، وأول ما دخل اتصدم بالمنظر!
​المكتب عبارة عن ساحة حرب، الزجاج مكسور ومالي الأرض، والكراسي مقلوبة، وكاسر واقف في النص، إيده بتنزف دم خفيف، وبيتنفس بصوت عالي زي الوحش المريح.
​جري طارق عليه وهو مرعوب ومصدوم:
ـ "إيه اللي بتعمله ده؟! أنت بتعمل إيه يا كاسر بس؟! فيه إيه يا جدع استهدى بالله!"
​كاسر التفت له.. عينيه كانت حمرة دم، وشكله يخرع من كتر القهر والغل، وصرخ في وش طارق بصوت هز أركان الشركة كلها:
ـ "الكلب بيضربهاااا! بيمد إيده عليهااااا يا طارق!"
​طارق اتسمر مكانه والصدمة ألجمته:
ـ "مين؟! يوسف؟! ضرب حبيبة؟!"
​كاسر مسك طارق من لياقة قميصه بجنون، ودموعه اتجمعت في عينيه بس محبوسة من الغل:
ـ "شفتههههههها! شفت الكدمات على وشها شفتها وهي مكسورة بتعيط وتترجى أخته عشان يرجعوا لبعض! الحيوان معلم على جسمها وأنا واقف متكتف زي العاجز! مش قادر آخد حقها ولا قادر أحميها!"
​طارق مسك إيدين كاسر بيحاول يهديه ويفك قبضته:
ـ "اهدى يا كاسر عشان خاطر ربنا! اهدى وافهم، أنت لو عملت حاجة دلوقتي هتخرب الدنيا وتدمرها هي قبل أي حد!"
​كاسر زق طارق ولف حوالين نفسه زي الأسد المحبوس في قفص، وبقى يضرب قبضة إيده في الحيطة بغضب:
ـ "مش قادر أهدى! مش قادر أتنفس يا طارق! النار بتآكل في صدري.. حبيبة اللي كنت بخاف ألمسها بالهوا الطاير، يوسف يمد إيده عليها ويشوهها؟! والله العظيم لأقتله! قسماً بالله ما هسيبه على وش الأرض ثانية واحدة!"
​طارق وقف قدامه بثبات وقوة وحط إيديه الاثنين على كتاف كاسر يثبته:
ـ "سمعني كويس يا كاسر! أنت كاسر.. مش واحد بلطجي هيجري يقتله وينتهي في السجن وحبيبة تتظلم أكتر! يوسف حساباته معايا ومعاك هتقف، بس بالعقل والقوة اللي تكسر رأسه للأبد! لو انقادت لغضبك ده، هضيع كل حاجة وهتضيع حبيبة معاك!"
​كاسر كان بيتنفس بصعوبة، بص لـ طارق وعينيه بتقيد نار:
ـ "العقل بيقول إن الراجل ده لازم يتربى يا طارق.. والنهارده قبل بكرة!"
طارق مسك كاسر من كتافه وبدأ يضغط عليهم بقوة، صوته كان هادي بس متماسك بيحاول يمتص الغضب المشتعل في المكان:
ـ "يا كاسر افهم واستهدى بالله! أنت كده بتهد كل حاجة.. حبيبة في الأول والأخر مراته! على سنة الله ورسوله، وكل بيت ومقفول عليه بابه وفيه مشاكله والبلاوي بتاعته. أنت مالكش صفة قانونية ولا حتى اجتماعية تتدخل بيها دلوقتي، لو رحت وعملت مصيبة، أنت اللي هتبان القاتل أو البلطجي وهو اللي هيطلع الضحية اللي بيدافع عن بيته ومراته!"
​كاسر كان بيتنفس بصوت عالي وزفير حار بيطلع من صدره، عينيه الحمرة كانت متثبتة على الزجاج المكسور في الأرض، وكلام طارق عن إنها "مراته" و"بيته" كان بيغرس سكينة ثانية في قلبه.
​طارق كمل محاولته في تهدئته:
ـ "اسمعني يا صاحب عمري.. الحب مش معناه إنك تروح ترمي نفسك وترميها هي في النار. أخته آيتن هناك، وهي اللي اتدخلت، وسيب آيتن والبيت يحلوا مشاكلهم.. أنت مش في إيدك حاجة تعملها غير إنك تهدى وتفكر بعقلك اللي طول عمره بيوزن بلد."
​وفجأة.. النفس السريع بتاع كاسر بدأ يهدى ببطء غريب.
​ملامح وشه المشدودة أوي بدأت تتغير، الغضب الأعمى اللي كان ماليه اختفى وحل محله سكون مفاجئ وجامد يرعب أكتر من الصريخ. النظرة المغلولة اللي في عينيه اتطفت، وحلت محلها نظرة حادة، باردة، ومحسوبة بالملي.
​فك قبضته من إيد طارق، ووقف بطوله ورتب قميصه ببطء، وكأن الفكرة اللي نبتت في عقله في اللحظة دي كانت المصل اللي طفى الحريق اللي جوا صدره تماماً.
​طارق بصله بشك واستغراب من التحول المفاجئ ده:
ـ "كاسر.. أنت سكت ليه؟ كاسر أنت بتفكر في إيه؟"
​كاسر بص لـ طارق وابتسم ابتسامة خفيفة، باردة كالتلج، نبرة صوته رجعت هادية وقوية وثابتة زي الصخر:
ـ "عندك حق يا طارق.. أنا آسف. غضبي كان هيعميني. أنت كلامك صح مية في المية.. دي مشاكل بيوت، وهي في الأول والأخر مراته، وأنا مالياش أي صفة أتدخل في حياتهم."
​طارق أخد نفس عميق وحس براحة كبيرة، افتكر إن كاسر فعلاً اقتنع واستوعب كلامه ورجع لعقله:
ـ "أيوه كده يا كاسر! هو ده كاسر اللي نعرفه.. استهدي بالله كده وسيب الأمور تمشي بطبيعتها."
​كاسر هز رأسه بثبات وقوة:
ـ "أنا هادي جداً دلوقتي.. هادي أكتير مما تتخيل."
​لكن اللي طارق مكنش يعرفه.. إن الهدوء ده كان الهدوء اللي بيسبق الإعصار. كاسر متهداش ولا اقتنع بسكوت، كاسر زرعت في دماغه فكرة سوداء وقاطعة: (طالما يوسف بيستقوى عليها عشان هي مراته ومفيش حاجة تكسره.. يبقى يوسف لازم يتكسر من الجذور، والرباط اللي رابطه بيها ده لازم يتقطع، مش بالضرب والخناق.. بل بإن يوسف يخسر كل حاجة يملكها، قوته، فلوسه، وحريته، لحد ما ييجي بنفسه يرمي ورقة طلاقها تحت رجليها).


تعليقات