رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثاني عشر
حلَّ الصمت بينهم، صمتٌ ثقيلٌ بدا وكأنه جاء ليكشف حجم الصدمة أكثر مما تستطيع الكلمات أن تفعل.
كانت صدمة زهرة لا توصف؛ ابنها الذي أفنت سنوات عمرها وهي تراه يكبر أمام عينيها، ويتحمّل عنها وعن شقيقته ما استطاع، اتخذ أهم قرار في حياته دون أن يخبرها.
لم يكن يؤلمها الزواج نفسه، بقدر ما آلمها أنها أُقصيت عن لحظة طالما تخيلتها، وحلمت أن تكون إلى جواره فيها؛ تختار معه، وتفرح له، وتراه عريسًا أمام عينيها.
نظرت إليه طويلًا، وكانت عيناها تحملان من العتاب ما عجز لسانها عن قوله، ثم استدارت وغادرت المكان دون كلمة واحدة.
تابعها رضوان بعينيه، لكنه لم يستطع اللحاق بها.
دخلت زهرة غرفتها وأغلقت الباب خلفها، بينما ظلت حبيبة في مكانها، تحدق في شقيقها وكأنها تراه للمرة الأولى.
لم تستطع استيعاب ما حدث.
رضوان... تزوج؟
دون أن يخبرها؟
شعرت وكأن شيئًا انكسر بداخلها، ولم يكن خبر الزواج وحده هو ما أوجعها، بل الطريقة التي حدث بها كل شيء؛ في لحظة واحدة، وجدت نفسها أمام امرأة لا تعرف عنها شيئًا، يخبرها شقيقها بأنها أصبحت زوجته.
اقترب منها رضوان بخطوات مترددة، وما إن مد يده نحوها حتى ابتعدت عنه.
لم تمنحه حتى فرصة للكلام.
ركضت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوة.
أغمض رضوان عينيه للحظات، ثم أطلق زفرة طويلة، وكأن صدره لم يعد يتسع لكل ما يحدث حوله.
كان التعب واضحًا على ملامحه، والتخبط ينهش رأسه من كل جانب.
أما زاد، فكانت تقف وسط كل ذلك كأنها دخيلة على مشهد لا تفهمه، تراقب هذه العائلة التي انفجرت في وجهها فجأة، وكل واحد منهم يحمل جرحًا سببه وجودها.
شعرت بالاختناق.
نزعت معطفها بعصبية وقالت بانفعال:
ـ تسمح تقولي أوضتي فين!
مسح رضوان وجهه بنفاد صبر، ولم يلتفت إليها، واكتفى بالإشارة نحو غرفته.
ضحكت بسخرية وهي تتجه إليها:
ـ أتمنى تكون جواها حاجة كويسة، مش زي المهزلة اللي شوفتها دي.
تركته وانصرفت، بينما تابعها بعينيه للحظات قبل أن يشيح بوجهه.
وما إن وطأت قدمها الغرفة حتى توقفت مكانها.
جالت عيناها في أرجائها بذهول.
الجدران متصدعة، والأثاث قديم، والأشياء موضوعة بطريقة عشوائية، وكل تفصيلة في المكان كانت بعيدة تمامًا عن الحياة التي اعتادتها.
انكمشت ملامحها في نفور واضح، وشعرت بغصة تصعد إلى حلقها.
كيف انتهى بها الأمر هنا؟
كيف تحولت حياتها في ساعات قليلة من فيلا فاخرة وحياة اعتادتها إلى غرفة كهذه؟
وقف رضوان عند الباب يراقبها من بعيد.
رأى الاشمئزاز في عينيها، وفهمه جيدًا.
كان يعرف الفارق بين عالميهما، ويعرف أن ما تراه الآن بالنسبة إليها صدمة حقيقية.
لكنه لم يقل شيئًا.
لم يكن لديه طاقة للدفاع عن بيته، ولا للدخول معها في معركة جديدة.
كان كل ما يشغله الآن أمه وحبيبة.
لم يتخيل يومًا أن يأتي عليه وقت يكون فيه هو سبب دموعهما.
مرت الدقائق بطيئة، ثقيلة، حتى بدت لكل واحد منهم وكأنها أعوام.
كل شخص بقي في مكانه، يحمل أفكاره وحده.
وضعت زاد هاتفها فوق المنضدة بإحباط، وكان لا يزال يضيء باتصالات متكررة من باسل.
لم تجب.
لم تكن قادرة حتى على ترتيب أفكارها.
منذ أن أمسكت القلم ووقعت على عقد زواجها، وهي تشعر بأنها لم توقّع على بداية حياة جديدة، بل وقعت بيدها على نهاية حياتها القديمة.
وفي الخارج، كانت زهرة تجلس وعيناها تفيضان بالدموع، بينما جلست حبيبة في غرفتها غارقة في صمتها، أما رضوان فظل في الصالة على كرسي الطاولة، شاردًا.
ماذا يفعل حتى يرضي أمه؟
كيف يصلح ما أفسده في لحظة؟
قطع شروده صوت باب غرفته وهو يُغلق بقوة.
رفع عينيه إليه، ثم نهض.
لم يعد يحتمل.
ذهب إلى غرفة أمه، وطرق الباب قبل أن يدخل.
وجدها جالسة، تمسح دموعها، فجلس إلى جوارها بتحفظ، كما كان يفعل في طفولته كلما أراد أن يقترب منها دون أن يعرف كيف.
ظل صامتًا للحظات، ثم جاهد نفسه على الكلام.
خرج صوته متحشرجًا:
ـ أمي، أنا عارف إني غلطت في حقك، ومكنش لازم أخبي عليكي.
ازداد بكاء زهرة، وقالت بصوت مكسور:
ـ إزاي جالك قلب تعمل فينا كده يا رضوان؟ كسرت فرحتنا ووجعت قلبي. ده اليوم اللي كنت بستناه وعايشة علشانه. كان نفسي أفرح بيك وأشوفك في الكوشة ببدلة فرحك... ليه عملت فينا كده يا ابني؟
خفض رضوان عينيه.
كان يعلم أنها محقة.
يعلم أنه أخطأ.
لكن ما كان يحتاجه الآن لم يكن محاكمة أخرى لأخطائه، بل صدرًا يختبئ فيه قليلًا.
كان متخبطًا، وفي أمسّ الحاجة إلى دعمها، بعد أعوام طويلة من الابتلاءات التي ظل يواجهها وحده.
أمسك يدها وضغط عليها بحنان واحتياج، وقال بصوت ضائع:
ـ أبوس إيدك كفاية... أنا مش عارف أتكلم ولا عارف أفكر. أنا حاسس إني بغرق ومبقتش قادر على المعافرة. أنا مهدود، ومحدش حاسس بالضياع اللي جوايا... لكن اللي هيموتني بجد اليوم اللي أشوفك فيه زعلانة ومكسورة مني وبسببي. ماما، أنا عايش علشانك إنتِ وحبيبة، مش حد تاني.
ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول أن يجمع ما تبعثر داخله من قوة، لكن أنفاسه خرجت مثقلة بالعجز، وقال بصوت منكسر لم تعتده أمه منه:
ـ أنا كل اللي محتاجه دلوقتي إني أترمي في حضنك وتطبطبي عليا... أنا مهدود. طبطبي على قلبي يا أمي.
توقفت زهرة للحظة، وكأن كلماته أصابت موضعًا هشًّا في قلبها لم تستطع أن تحميه هذه المرة.
انهمرت دموعها دون استئذان، وارتجف قلبها وهي ترى ابنها الذي اعتاد أن يقف صلبًا أمام الجميع، ويحمل عنهم أوجاعهم، يأتيها اليوم محمّلًا بوجعٍ عجز عن حمله وحده.
لم تره يومًا بهذه الهشاشة.
كان رضوان أمامها، لكنه لم يكن ذلك الرجل الذي تعرفه؛ لم يكن الأخ الذي يسند إخته، ولا الابن الذي يحاول دائمًا أن يبدو بخير حتى حين لا يكون كذلك.
كان فقط ابنها.
ابنها الذي أنهكته الحياة حتى لم يعد يملك طاقةً ليُخفي عنها شيئًا.
وفهمت من نبرة صوته أنه لم يعد يعرف إلى أين يذهب، ولا ماذا يفعل، وأنه للمرة الأولى منذ سنوات سمح لجزءه الأكثر ضعفًا أن يظهر أمامها، ذلك الجزء الذي أخفاه طويلًا خلف صلابته وكبريائه.
لم تقل شيئًا.
لم تسأله عمّا حدث، ولم تعاتبه، ولم تبحث عن تفسير لما فعله.
فعلت ما أمرها به قلبها فقط.
مدت ذراعيها نحوه، وجذبته إلى صدرها، وضمت رأسه إليها كما كانت تفعل حين كان طفلًا لا يعرف من الدنيا سوى حضن أمه.
فمهما فعل، ومهما أخطأ، سيظل ابنها الذي يسكن فؤادها قبل أي شيء.
أغمضت عينيها، واحتضنته بقوة، وكأنها تحاول أن تنتزع من جسده كل ما أثقله، أو تحمل عنه ما عجز هو عن حمله.
وفي أعماقها، أقنعت نفسها أن وراء ما فعله أمرًا لا تعرفه، وأن هناك شيئًا دفعه إلى ذلك، حتى وإن لم تفهمه الآن.
أما جرحها... فسوف يلتئم مع الوقت.
قال رضوان بصوت مكتوم، وهو لا يزال مستندًا إلى صدرها:
ـ انا مش عارف انا رايح لفين. حاسس إني بجري في مكان ضلمه مالوش آخر مش لاحق اخد نفسي. غرقان في وسط بحر ومش عارف اطلع منه. نفسي اتقطع من المعافره. حاسس إني بنتهي من قبل ما أبدا. خاطري مكسور اوي يا أمي.
انقبض قلب زهرة أكثر.
كانت تسمع كلماته، وكل كلمة منها كانت تسقط في قلبها كأنها اعتراف متأخر بكل ما عانى منه ابنها وحده، بعيدًا عن أعين الجميع.
لم يكن يطلب منها حلًا.
لم يكن يريد منها نصيحة.
كان يريد أمه فقط.
أغمض رضوان عينيه على كتفها، وهبطت دمعة هاربة من بين أجفانه، استقرت على وجهه قبل أن يمسحها.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يحاول أن يكون قويًا.
لم يحاول أن يخفي ألمه، أو يتظاهر بأنه يعرف الطريق، أو يحمل العالم فوق كتفيه كعادته.
للمرة الأولى، سمح لنفسه أن يكون الابن فقط.
كانت الشمس تتثاءب من غفوة إلى أخرى، مقتربة من إعلان بزوغها، حين استيقظ حسين فزعًا على رنين هاتفه في ذلك الوقت المبكر.
مد يده يتحسس نظارته، ارتداها، ثم أمسك الهاتف.
ما إن رأى اسم المتصل حتى اعتدل في جلسته.
زاد!
في الخامسة والنصف صباحًا؟
شعر بالقلق وأجاب فورًا:
ـ ألو... زاد، إنتِ كويسة يا بنتي؟
لم يمهله صوتها فرصة لالتقاط أنفاسه، فقد جاءه صوتها منفعلًا:
ـ وأنا هبقى كويسة إزاي وحضرتك رميتني الرمية الزفت دي؟ إنت مش قولت إنك هتبعت السواق بالعربية الصبح ياخدني؟ أنا عايزة أرجع الفيلا حالًا.
تنهد حسين ونزع نظارته، ثم قال وهو يتثاءب:
ـ يا بنتي كفاية بقى، حرام عليكي! دي خامس مرة تتصلي من امبارح لحد دلوقتي، وآخر مرة قولتلك نامي والصباح رباح.
ردت بانزعاج:
ـ ما إحنا الصبح أهو يا بابا.
نظر حسين إلى الساعة، ثم قال بسخرية:
ـ الساعة خمسة ونص الفجر يا زاد، والسواق نفسه نايم في سابع نومة. لكن أنا إزاي أنام؟ بنتي مش عاقلة ولازم تقلق البشرية كلها. نامي يا بنتي، نامي... ده نوم الظالم عبادة.
جزت على أسنانها وقالت:
ـ أنام! وأنا هعرف أنام في المكان المقرف ده؟ حضرتك لو جيت وشوفت بيتهم عامل إزاي هتقرف تقعد فيه دقيقه واحده بس.
ثم تصنعت البكاء:
ـ حرام عليك يا بابا، أنا هموت وأنام! عايزة أرجع الفيلا، أرجوك. إنت وعدتني.
زَمجر والدها:
ـ اللي بتقوليه ده ما يصحش، وما ينفعش الناس تقول إيه علينا وإنتِ راجعة يوم صبيحتك يا عروسة! وكمان الفجر؟ دي فضيحة.
اشتعل غضبها:
ـ متقولش عروسة دي لو سمحت! وبعدين الجيران عرفت منين إني اتجوزت؟
قال حسين بمكر:
ـ أنا قولتلهم وعرفت الكل. ده إنتِ فرحة عمري ولازم أنشر الخبر على أوسع نطاق، أومال إيه!
شهقت بصدمة:
ـ مش معقول! دي مصيبة.
ابتسم حسين ابتسامة جانبية، وقال:
ـ أنا عارف إني مش هخلص منك. إنتِ بت متدلعة، فين رضوان؟ هاتي أكلمه.
اتسعت عيناها:
ـ مين؟
قال بتعجب:
ـ مين إيه يا زاد؟ بقولك هاتي جوزك أكلمه.
ضغطت على شفتيها بقلق.
لم تعرف ماذا تجيبه.
منذ الأمس لم تفتح له باب الغرفة، ولم تعطه حتى ثيابًا ليبدل ملابسه، وتركت الرجل ينام خارجها.
ابتلعت لعابها وقالت بتوتر:
ـ معرفش... قصدي يعني إنه مش موجود.
صُعق حسين:
ـ نعم؟ مش موجود؟ أمال راح فين على الصبح كده؟ انطقي يا زاد وقولي اللي حصل، أحسن والله أتصل عليه وأعرف منه، وساعتها أنا هتصرف.
نفخت بحنق:
ـ هو حضرتك عايز من الزفت ده إيه؟ اللي يهمك أنا وبس. وبعدين متنساش إني وافقت عليه علشان خاطرك، مع إني مابطقش أشوف وشه، وحضرتك عايزه ينام كمان في أوضتي.
ثم صححت حديثها بحزن:
ـ أوضتي إيه بس؟ دي خرابة مش أوضة. دي اوضة الخدم عندنا أحسن منها. حقيقي الله يسامحك يا بابا.
كبح حسين ضحكته، وقال:
ـ يا حبيبتي، السعادة الحقيقية مبتتقاسش بأحنا فين! السعادة بتتقاس إحنا مع مين. وأنا فَهمتك. وقولتلك إن رضوان ده راجل بمعنى الكلمة، وبكرة هتحبيه ومش هتقدري تبعدي عنه.
ثم تنهد وأضاف:
ـ ادي لنفسك فرصة يا بنتي. بصي للناس من جواهم وشوفي معدنهم الصح. إنتِ دايمًا كان نفسك في راجل يحبك ويحترمك ويقدر وجودك كأنثى، وصدقيني مفيش غير رضوان اللي هيحقق أمنيتك.
صمتت.
لم تجبه.
فعلم حسين أنها تفكر فيما قال، فتابع بهدوء:
ـ روحي نامي يا زاد. إنتِ مانمتيش من امبارح. ارتاحي وريحي عقلك يا بنتي. أتمنى ليكي حياة سعيدة مع رضوان.
أنهت المكالمة، وظلت تحدق أمامها بشرود.
كانت كلماته تدور داخل رأسها رغم مقاومتها لها.
لكن معدتها اختارت تلك اللحظة بالذات لتعلن عن احتجاجها.
تضورت جوعًا.
نظرت حولها بحيرة.
كيف ستخرج؟
ومن أين ستأتي بالطعام؟
هي لن تستطيع البحث عن طعام في هذا المكان.
ألقت الهاتف بعيدًا، ثم ألقت برأسها على الفراش منهكة، ولم تمر دقائق حتى غلبها النوم.
استيقظ رضوان قرابة السابعة والنصف على أريكة الصالة.
فتح عينيه ببطء، ثم مسح وجهه المتعب، ومرر يده على شعره.
نظر نحو غرفته.
كان يحتاج إلى تبديل ملابسه، وشعر بإحراج شديد من فكرة أن تراه أمه بهذا الشكل.
وفجأة سمع صوت فتح باب إحدى الغرف.
انتفض واقفًا، واختبأ في أحد الأركان حتى رأى أمه تتجه إلى المرحاض.
انتهز الفرصة.
تحرك سريعًا نحو غرفتها، وخرج إلى الشرفة، ثم أخذ ثيابه من بين قطع الغسيل المعلقة، وعاد إلى الداخل قبل أن تخرج.
بدل ملابسه على عجالة، ثم اتجه إلى المطبخ.
أعد لنفسه كوبًا من القهوة، ولأمه كوبًا من الشاي، ووضع إلى جواره بعض قطع البسكويت كما اعتاد أن يفعل كل صباح.
رأته زهرة.
كتمت حزنها، وتصنعت له ابتسامة رقيقة.
ابتسم لها هو الآخر، لكنه لم يستطع إخفاء شعوره بالخجل، وكأنه يريد الهرب من عينيها.
حمحم وقال:
ـ أنا هنزل أجيب عيش وفطار، تكون حبيبة صحيت علشان الجامعة. ده أول يوم ليها ومتفق إني هوصلها.
حركت زهرة رأسها بصمت، ثم أغلقت باب الثلاجة.
لكنها تذكرت زاد، فقالت برسمية:
ـ هي مراتك مكلتش حاجة من امبارح. الأكل زي ما هو في التلاجة.
توقف للحظة.
كانت كلمة "مراتك" لا تزال غريبة على أذنه.
قبل ليلة واحدة فقط لم تكن هناك زوجة في حياته، والآن أصبح عليه أن يتعلم كيف يتصرف كزوج في غضون ساعات.
رسم ابتسامة مصطنعة:
ـ لا، أنا سألتها وقالت إنها شبعانة. وبعدين هي نامت متأخر. أنا نازل أجيب فطار وصحّي حبيبة، مش عايزين نتأخر. الطريق هيبقى زحمة.
أنهى كلامه وغادر مسرعًا.
راقبت زهرة خطواته حتى اختفى خلف الباب، ولم تسأله عن موعد نوم زاد، ولم تخبره بما رأته في الصباح؛ فقد رأته طوال الليل نائمًا على أريكة غرفة الجلوس، بعدما غلبه التعب، وظل على حاله حتى غلبه النوم.
لكن شيئًا في داخلها ازداد يقينًا...
هذه الزيجة لم تحدث من فراغ.
هناك أمرٌ ما لا تعرفه، وشيء يخفيه رضوان عنها.
تنهدت، ثم رفعت عينيها إلى السماء في دعاء صامت، وسألت الله أن يحفظ ابنها من كل مكروه، وأن يجنبه ما لا تستطيع هي أن تراه أو تعرفه.
وما إن أُغلق باب المنزل خلف رضوان، حتى تحرك مقبض باب غرفة حبيبة بهدوء.
كانت مستيقظة منذ وقت طويل، لكنها تعمدت البقاء داخل غرفتها طوال وجوده في الخارج بعدما سمعت صوته، فلم تكن مستعدة لرؤيته أو الحديث معه بعد ما فعله بها.
انتظرت حتى تأكدت من مغادرته، ثم خرجت مسرعة من غرفتها، واتجهت إلى المرحاض، قبل أن تعود إلى غرفتها وتبدأ في ارتداء ملابسها على عجل، عازمة على أن تغادر قبل عودته.
كانت لا تزال عاجزة عن مسامحته، وكلما تذكرت فعلته، عاد الغضب إلى قلبها من جديد.
بدلت ملابسها في صمت تام، ولم ترغب حتى في فتح حديث مع والدتها، إلا أن زهرة لم يخفَ عليها حال ابنتها، فعرفت من ملامحها أنها لا تزال تحمل في قلبها شيئًا تجاه شقيقها.
قالت لها بهدوء:
ـ رضوان نزل يجيب فطار وهيروح معاكي يوصلك الجامعة.
وما إن سمعت حبيبة كلماتها حتى بادرتها بالرفض، وأصرت على أن تذهب وحدها، ثم همّت بالخروج قبل عودته، وكأنها تخشى أن تجمعهما لحظة أخرى لا تريدها.
سارت في الأزقة الخلفية للمنزل حتى لا يراها، وبعد ثوانٍ أشارت إلى سيارة أجرة واستقلتها.
وحين خرج رضوان من المحل، كان يحمل الإفطار وكيس الحلوى الخاص بها.
رآها تبتعد.
لم يتفاجأ.
كان يعرف أنها صُدمت منه، وأن ما فعلته ليس أكثر من رد فعل ابنة غاضبة من أبيها.
عاد إلى المنزل، وقصت عليه أمه ما حدث.
حاولت أن تلطف الأمور بينهما:
ـ هي بس واخده على خاطرها منك، ومش هيدوم الزعل كتير.
ابتسم لها بتزييف:
ـ عارف.
جلس إلى الطاولة، لكن عيني زهرة ظلتا معلقتين على غرفته المغلقة منذ الأمس.
كانت تريد أن تعرف الحقيقة.
وضعت الخبز أمامه وسألته:
ـ مش ناوي تتكلم وتقولي الحقيقة؟
وضع كوب قهوته الباردة أمامه، وظل ينظر إليها في شرود.
هل يخبرها بكل شيء؟
أم يجمّل الحقيقة؟
كانت تعرفه جيدًا.
حتى لو قال لها إنه شعر بإعجاب أو انجذاب تجاه زاد، لن تصدقه.فلم يمضي على فراق رباب مدة قصيرة.
فماذا يفعل؟
يكذب؟
أم يقول الحقيقة؟
دارت الأسئلة في رأسه طويلًا، بينما انتظرت زهرة دون أن تقاطعه.
وأخيرًا أخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يسرد لها الحكاية.
لم يخبرها بكل شيء.
أخبرها عن لقائه الأول بزاد، وكان لقاءً سيئًا، لكن ليس بالقدر الذي قد تتخيله؛ اختلفا بسبب أمر ما داخل منزل عمها أثناء قيامه بعمله هناك.
ثم تقابلا مرة أخرى في منزل والدها، وحدثت مشاجرة بسيطة بينهما دون أسباب واضحة، وتدخل والدها.
وبعدها هاتفه حسين، وكان هو من طلب منه الزواج بابنته خوفًا عليها من أن يموت ويتركها وحيدة.
ظلت زهرة تستمع إليه، والتعجب يحتل ملامحها شيئًا فشيئًا.
حتى قال:
ـ ولما حصل اللي حصل يوم فرح رباب، وشوفت نظرة شماتة أمها ليا، ما دريتش بنفسي غير وأنا رايح لأبوها لحد بيته وبقوله إني موافق. ومن ساعتها وأنا مش قادر أرجع في كلمتي، لأني أديت كلمة للراجل ومستحيل ما أطلعش قدها.
نظرت إليه زهرة طويلًا، ثم قالت:
ـ حتى لو على حساب نفسك يا رضوان؟
ـ أيوه يا أمي، حتى لو على حساب نفسي. أنا اتعلمت إن الرجولة بتتلخص في كلمة، وأنا مش حابب يتقال عليا إني برجع في كلمتي.
هزت رأسها بأسى:
ـ بس يا ابني ده ظلم لنفسك، وظلم للمسكينة اللي جوه دي.
ابتسم ساخرًا:
ـ مسكينة! مين يا أمي دي؟ والله محد مسكين غيري.
ساد الصمت بينهما.
كل منهما غرق في عالمه الخاص.
وبعد لحظات قالت زهرة بعقلانية:
ـ مش يمكن يا رضوان اللي حصل ده يكون خير ليك؟
حك رأسه بحيرة:
ـ والله يا أمي أنا مبقتش عارف أي حاجة، ولا عارف فين الخير وفين الشر.
قاطعتْه:
ـ لا طبعًا خير! شوف سبحان الله! عفاف رفضتك علشان إنت غلبان وعلى قد حالك، يقوم ربنا معوضك بواحدة أحلى منها وأغنى كمان. حكمتك يا رب.
تنهد رضوان:
ـ أنا لا يهمني فلوسها ولا نفوذها، بس لسانها طويل أوي يا أمي. عايزة تتربى من أول وجديد. دي بتقول علينا عشوائيين وساكنين في حتة بيئة... إحنا بيئة؟
ضحكت أمه بصمت:
ـ معلش، الحتة هنا جديدة عليها خالص. إنت بتقول إنها بنت عز وعايشة في قصر، يعني مش متعودة علينا. ده كتر خير أبوها إنه وافق تعيش في حارة من أساسه.
اعترض فورًا:
ـ لا معلش يا أمي، اللي مش عاجبه يلم عزاله ويرحل. أنا الحارة وكل شبر فيها بالنسبالي عمري كله وفخر ليا، ومبحبش حد يتنطط عليا. ولو أبوها مش عارف إني راجل بجد، مكنش هيأمن عليها معايا.
ربتت على يده:
ـ استهدى بالله. أنا مش عايزاك تعكر مزاجك. روّق وقولي ناوي على إيه معاها؟
مسح وجهه، وقال بحيرة:
ـ العمل عمل ربنا... هو اللي هيحلها.
ثم تذكر شيئًا، فأضاف محذرًا:
ـ ـ أوعى يا أمي تقولي لحبيبة، أو للست اللي جوه دي، إن أبوها هو اللي طلب مني أتجوزها. هي متعرفش حاجة من دي. كل اللي تعرفه إني طلبت إيدها عادي، وهي وافقت.
ابتسمت له:
ـ سرك في بير يا ضنايا، ومتشلش هم حاجة. سيبها على الله.
ـ ونعم بالله.
كان يوم حبيبة سيئًا للغاية.
منذ لحظة وصولها إلى الجامعة وهي تتخبط من موقف إلى آخر.
دخلت من البوابة الخطأ، ثم تاهت داخل مجمع الكليات الكبير.
والأدهى أنها حين لم تجد المبنى الذي تبحث عنه، لم يخطر ببالها أنها تائهة، بل ظلت تسأل نفسها كيف اختفى المبنى الذي قدمت فيه أوراقها هي وشقيقها!
اضطرت إلى سؤال أحد رجال الأمن، فأرشدها إلى الطريق الصحيح.
وحين وصلت، لم تجد أحدًا في المدرج.
كان معظم الطلاب في الخارج، إذ إن اليوم الأول غالبًا ما يكون يوم استقبال وتعريف بالكلية، ولا تبدأ فيه الدراسة الفعلية.
جلست في أقرب ردهة، تحاول أن تستوعب ما حدث.
عائلتها.
رضوان.
الزواج.
زاد.
كل شيء حدث بسرعة أكبر من قدرتها على استيعابه.
قررت أن تذهب بعد انتهاء اليوم إلى ابنة عمها إيمان، لعلها تجد معها مخرجًا من هذه الأزمة.
وفي أثناء شرودها، اقتربت منها فتاة في عمرها، وتعرفت إليها.
تبادلا الحديث، ثم ذهبت معها للتعرف إلى باقي فتيات دفعتها، وتبادلن أرقام الهواتف، خاصة من تجمعهن ترتيبات أبجدية متقاربة.
وهناك تعرفت أيضًا إلى فتاة تدعى "حور".
تحدثتا كثيرًا، فهن من سيقضين السنوات السبع القادمة معًا، وسيشاركن بعضهن بعضًا الراوندات الإكلينيكية والتعيينات وكل تفاصيل سنوات الدراسة.
ثم ذهب بعضهن إلى إحدى الطالبات من الدفعات الأكبر، وسألنها إن كان بإمكانها التواصل معهن في حال وجود أي استفسارات.
رحبت بهن ووافقت على الفور.
وبعد ذلك طلبت حبيبة من حور أن تذهب معها إلى أحد الموظفين القدامى، حتى تفهما النظام مبكرًا وتتعرفا إلى أماكن الكلية ومبانيها.
لكن حور أوقفتها، وأصرت عليها أن تعدها بأن تعودا إلى المكان نفسه مرة أخرى.
اليوم الأول لا يتكرر.
والصور بالبالطو الأبيض الناصع لن تبقى ناصعة طويلًا.
ضحكت حبيبة، ووافقت على عرضها.
دقت الحادية عشرة صباحًا في منزل رضوان.
لم تخرج زاد من الغرفة.
أعدت زهرة وجبة الإفطار مرة أخرى، وتركتها على الطاولة، علّها تخرج في أي وقت.
ثم بعد لحظات وضعت زهرة الطعام على الموقد، وتركتها على نار هادئة حتى يكتمل نضجها، ثم خرجت إلى غرفة الجلوس وجلست أمام التلفاز تطوي الملابس بعد تجفيفها، ومن حين لآخر كانت تسترق النظر نحو الغرفة المغلقة، وكأن شيئًا ما يدفعها إلى الاطمئنان عليه رغمًا عنها.
ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بالملل والقلق معًا، وظلت عيناها تتنقلان بين الملابس التي تطويها وبين باب الغرفة المغلق.
تمتمت لنفسها:
ـ استغفر الله العظيم... وبعدين بقى في البنت اللي جوه دي؟ يا خوفي لا يكون جرالها حاجة. عايزة أطمن عليها، بس رضوان حلف عليا ما أخبطش عليها ولا أتكلم معاها في حاجة.
سكتت قليلًا، ثم قالت بتوجس:
ـ بس دي ما خرجتش من امبارح... استرها معانا يا رب. لا يحصلها حاجة ورضوان ابني...
لم تكمل.
رن جرس المنزل.
وضعت الحجاب فوق رأسها، وقبل أن تنهض، خرجت زاد من غرفتها.
بالملابس نفسها منذ الأمس.
اتجهت مباشرة إلى الباب وفتحته.
كان عامل التوصيل يحمل لها الوجبة التي طلبتها عبر الهاتف.
أخذت الكيس الكبير، دفعت الحساب، ثم تركت الباب مفتوحًا وعادت إلى غرفتها دون أن تنظر إلى زهرة أو توجه إليها كلمة واحدة.
وقفت زهرة في مكانها وفمها مفتوح من شدة الدهشة.
لم تفهم شيئًا.
خرجت مسرعة خلف عامل التوصيل، وسألته عما طلبته تلك الفتاة.
وحين علمت، عادت إلى الداخل أكثر حيرة.
هل تخبر رضوان؟
أم تترك الأمر؟
وفي النهاية قررت ألا تتدخل.
لم يستطع رضوان التركيز في عمله.
كان تجاهل حبيبة له يؤلمه كما يؤلم غضب ابنته الصغيرة منه.
طرق رضوان المطرقة على قطعة الحديد أكثر من مرة، لكن ضرباته لم تكن في موضعها الصحيح، حتى لاحظ بيومي شروده، فتوقف عن عمله والتفت إليه قائلًا:
ـ ركّز يا رضوان، إنت سرحان في إيه؟
لم يجبه رضوان، واكتفى بإيماءة مقتضبة، ثم عاد إلى عمله محاولًا أن يستجمع تركيزه.
وفي الضربة التالية، انحرفت المطرقة عن موضعها وأصابت إصبعه.
سحب يده سريعًا، وانقبض وجهه من شدة الألم، لكنه كتم تأوّهه ولم يسمح له بالخروج.
راقبه بيومي بقلق، ثم سأله:
ـ مالك يا رضوان النهارده؟ في حاجة شاغلة بالك؟
هز رضوان رأسه، وأخفى يده المصابة خلف ظهره للحظة قبل أن يجيب بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
ـ مفيش حاجة يا معلم بيومي، كل حاجة تمام.
لم يقتنع بيومي تمامًا، لكنه لم يضغط عليه.
عاد رضوان إلى عمله، محاولًا أن يتجاهل الألم الذي ما زال ينبض في إصبعه، إلا أن رنين هاتفه قطع تركيزه.
أخرج هاتفه من جيبه، وما إن رأى اسم المتصل حتى هدأت ملامحه قليلًا.
كانت أمه.
أخبرته بما حدث.
أغلق رضوان الهاتف فورًا.
وأشار إلى الصبي الصغير أن يكمل العمل حتى يعود، ثم غادر.
لم يكن إلا يريد رؤية ما فعلته تلك الحمقاء.
وحين وصل إلى المنزل، أوقفته أمه:
ـ رضوان! إيه اللي جابك السعادي؟
أجاب بثبات:
ـ جاي أشوف الهانم اللي بتفطر دليفري دي على الصبح.
وضعت يدها على وجنتها بقلق:
ـ يا ابني استهدى بالله. إنت هتخليني أندم إني قولتلك! وبعدين إنت مش قلت إنها بنت زوات؟ يعني عادي لما تطلب أكل من بره، هي لسه بدري على ما تتعود علينا. روح ارجع على شغلك، شوف أكل عيشك، الله يهديك.
لم يرد.
تجاوزها واقترب من غرفته.
فتح الباب.
وتوقف.
كانت زاد تجلس على الفراش، وحولها أنواع كثيرة من الطعام والشراب.
كانت تأكل باستمتاع واضح.
وبدا أنها نجحت في استفزازه دون أن تنطق بحرف.
اقترب منها ووقف بجوار الفراش.
لم ترفع عينيها إليه.
وقعت عيناه على فاتورة الطعام.
مد يده إلى الكيس وأخرجها.
قرأ المبلغ المدون أمامه: ٢٢٧٦ جنيهًا.
تسمرت عيناه.
لم يكن المبلغ بسيطًا بالنسبة إليه.
كان يعمل أسبوعًا كاملًا، ليلًا ونهارًا، ليجلب مبلغًا كهذا.
أما هي فقد أنفقته في وجبة واحدة.
وضع الفاتورة في جيبه دون تعليق، واتجه إلى خزانته.
فتش بين ملابسه، وأخرج مبلغًا من المال، عدّه، ثم وضعه أمامها.
كان الضيق ينهش صدره، لكنه لم يسمح له بالظهور.
قال:
ـ تاني مرة لما تعوزي حاجة تطلبيها مني أنا، وآخر مرة تطلبي حاجة، من غير ما يكون عندي علم بيها.
كانت كلماته موجهة إليها بوضوح، لكنها واصلت تجاهله، وكأنها لم تسمع شيئًا. حتى النقود التي وضعها أمامها لم تلقِ لها بالًا، وكل ما فعلته أنها أعادت الطعام إلى مكانه، ثم التقطت زجاجة المياه وفتحتها بهدوء، وسكبت قليلًا منها في كوب بلاستيكي، وأخذت منه عدة رشفات متأنية، متعمدة أن تُبقي عينيها بعيدًا عنه.
عندها أدرك رضوان ما تنوي فعله؛ كانت تتجاهله عمدًا، وكأنها قررت ألا تراه من الأساس.
اقترب منها بخطوات هادئة، حتى وقف أمامها مباشرة، ثم انحنى قليلًا إلى الأمام، وأصبح وجهه في مواجهة وجهها تمامًا، يجبرها بذلك على أن تشعر بوجوده رغم محاولتها المستميتة لتجاهله.
توجست زاد من قربه المفاجئ، وشدت أصابعها حول الكوب، إلا أنها تماسكت وظلت ثابتة أمامه، رافضة أن تمنحه ما يريده من ارتباك.
مد رضوان يده، وانتزع الكوب من بين أصابعها، ثم سألها بصوت خشن:
ـ انتِ فتحتِ الباب لبتاع الدليفري بلبسك ده؟
نظرت إليه بسخرية واضحة.
كان السؤال وحده كفيلًا بإشعال غضبها.
اعتدل رضوان وهو ينتظر إجابتها.
قامت من الفراش، ومسحت يدها بمحرمة ورقية، وقالت بكبرياء:
ـ أوعى تكون مصدق نفسك يا شاطر إنك كده خلاص بقيت جوزي وليك إنك تتحكم فيا، وكمان تتكلم معايا.
كاد أن يكون حكيمًا.
كاد.
لكن قبضته اشتدت حول الكوب حتى انضغط وتشقق بين أصابعه.
قال:
ـ وإنتِ فاكرة إنك لما تكوني مراتي دي حاجة هتبسطني؟ بس هقول إيه غير إنه نصيبي المهبب بقى.
اتسعت عيناها.
التفتت إليه بانفعال:
ـ نعم؟ إنت تطول إني أكون مراتك! إنت اللي زيك مكانوش يحلموا إني أمشي من قدامهم حتى. أوعى تنسى نفسك، إنت عايش في مقلب زبالة! وأوعى تكون فاكر إنك لما تدفعلي تمن وجبة واحدة ده هيأثر فيا وأقول عليك إنك جدع! لا يا أستاذ، فوق لنفسك.
اشتد فكه.
لكنه لم يتراجع.
ـ مقلب الزبالة ده اللي آواكي ليلة فيه، وأنا مش محتاج رأيك؛ لأنه غبار بالنسبالي بيطير في الهوا ومش متشاف. واللي يفوق هو إنتِ مش أنا. يا بنت حسين المالكي، فوقي وشوفي دلوقتي إنتِ فين ونهايتك آخرتها بقت فين! في بيتي، في أوضتي، وبتنامي على سريري. واللي أهم من ده كله إنك دلوقتي مكتوبة على اسمي مراتي. ومش معنى إني مش طايقك ولا طايق طولة لسانك إني أتهاون معاكي وأخليكي تعملي اللي إنتِ عايزاه. لا، ده بُعدك! وبقولك تاني أهو: أول وآخر مرة تطلبي أكل من بره. من هنا ورايح هتاكلي في البيت زيك زينا، واللي هيمشي علينا هيمشي عليكي. فاهمة ولا لأ؟
لم تتحمل.
جن جنونها من تلميحاته الصريحة بأنها زوجته، فصرخت:
ـ بطل تقول الكلمة السخيفة دي! أنا مش مراتك، دي شكليات مش أكتر، وقريب أوي هتطلقني. وكمان عايزني أنا آكل من أكلك؟ إنت بتحلم كتير الفترة دي.
ابتسم، وشبك ذراعيه أمام صدره ببرود:
ـ سبحان الله! تعرفي إن أحلامي بتتحقق بسرعة؟ وعايز أقولك إني حلمت بيكي امبارح، وإنك بتاكلي آخر وجبة من بره، وجيتي عندي هنا في البيت، وقاعدة متربعة كده في الأرض وبتاكلي بامية مع أمي في طبق استانلس ستيل وعيش مقمر ويتنجات مخلل.
اشتعل غضبها.
ضربت قدمها بالأرض وقالت:
ـ إنت إنسان مستفز وعديم الذوق والدم! اطلع بره.
مسح وجهه، وكبت انفعاله:
ـ عاذرك. وللأسف لازم ألتمس ليكي العذر وأقدر اللي إنتِ فيه، بس إنتِ ليكي هنا تلات أيام هستحمل فيهم أسلوبك الزبالة، وده هعتبره واجب وكرم ضيافتي ليكي. لكن بعد كده ما فيش عندي حل غير اللسوعة على دماغك علشان أربيكي من أول وجديد، أصل لسانك ده عايز قص.
ثم أشار إلى ملابسها:
ـ واسمعي يا بت إنتِ، غيري هدومك دي والبسي حاجة عدلة. إحنا ما عندناش حفلات هنا، ومش عايز أعيد كلامي كتير. فاهمة يا أمورة؟
أنهى كلامه ولم ينتظر ردًا.
كان غاضبًا بشدة.
ولا يعرف إن كان ما يفعله صوابًا أم خطأ.
وقفت زاد مكانها، واشتعل وجهها كجمر من نار.
ظلت آخر كلمة قالها تتردد داخل رأسها.
"يا أمورة."
أيه أمورة دي؟!
لم تلحق زهرة بابنها.
كانت خطواته سريعة، بينما وقفت زاد في مكانها، تحاول أن تستوعب الوقاحة التي سمعتها منه.
اقتربت زهرة منها، تريد أن تهون عليها، لكنها لم تعرف ماذا تقول.
خرجت زاد مسرعة وسألتها عن المرحاض.
أشارت لها زهرة في صمت.
ذهبت زاد بسرعة.
وما إن دخلت الحمام ورأته للمرة الأولى حتى خرجت منها صرخة مدوية.
تجمدت زهرة مكانها من الفزع.
ثم حملت الثياب بين يديها وركضت إلى غرفتها.
أما زاد، فكانت تحدق في المكان وكأنها دخلت كابوسًا جديدًا.
عاد رضوان إلى الورشة وطلب من الصبي أن يجلب له كوبًا من القهوة.
كان رأسه يكاد ينفجر من الصداع.
جلس، وأخرج فاتورة الطعام من جيبه.
ظل ينظر إليها، ثم قال لنفسه بتعجب:
ـ ٢٢٧٦ جنيه فطار! ده أنا لو مربي مزرعة فراخ مش هتفطر بالسعر ده. الله يخرب بيتك يا شيخة... ودي هلاحق عليها كل ده منين!
نفخ من شدة غيظه ويأسه.
ثم أسند ظهره إلى المقعد وقال بإحباط:
ـ مش عارف كان عقلي فين لما وافقت عليها! البت دي مش شبهنا، وكمان هتفرهدني... كل شوية زعيق وخناق، ومش حاطة واطي. دي ما فيهاش ميزة واحدة عدلة! نفسي ألاقي فيها حاجة حلوة بس علشان أرتاح حتى.
سكت لحظات، وكأنه يبحث في ذاكرته عن شيء واحد يستطيع أن يشفع لها عنده، لكنه لم يجد سوى تفاصيل صغيرة ظل يتعمد تجاهلها منذ أن عرفها.
وفجأة، عادت إلى ذاكرته تلك اللحظة التي اقترب فيها منها.
تذكر كيف وقف أمامها حتى لم يعد بينهما سوى مسافة قصيرة، وكيف ارتبكت حواسها للحظة رغم محاولتها التظاهر بالثبات. تذكر أنفاسها الدافئة حين لامست وجنته، فشعر بقشعريرة خفيفة لم يفهم سببها، ثم علقت عيناه بعينيها العسليتين.
كان فيهما شيء مختلف... لمعة هادئة وبريق خاص، كأن اللون العسلي لم يكن لونًا فحسب، بل بحرًا صغيرًا من الضوء كلما أطال النظر إليه نسي ما حوله.
وللحظة، كاد يسرح في تفاصيل وجهها دون أن يشعر، وكأن عقله نسي تمامًا كل الكلمات التي كان يرددها منذ لحظات.
لكنه انتبه إلى نفسه فجأة، وكأنه ضُبط متلبسًا بفكرة لا يريد الاعتراف بها، ثم هز رأسه بضيق من نفسه وقال:
ـ عيون إيه وزفت إيه بس يا رضوان؟ فوق يا عم، بلا عين بلا حاجب! دي بتفطر بألوفات، دي من عالم تاني مش زينا أبدًا... دي عايزه بنك مركزي،وبعدهالك يا رضوان، إيه اللي بيجرالك وبيحصل معاك بس!
وصل الصبي بالقهوة.
عاد رضوان إلى عمله، محاولًا أن يشغل يديه عن عقله.
مرت ساعات أخرى.
كانت إيمان في عملها بالمركز الصحي، تجلس إلى جوارها حبيبة التي جاءت إليها بعد انتهاء يومها في الجامعة.
قصت عليها كل ما حدث.
استمعت إيمان إليها حتى النهاية، ثم قدمت لها مشروبًا دافئًا وقالت:
ـ طيب اهدي كده، وامسكي اشربي الأعشاب دي، وبعدها هتحسي إنك بقيتي كويسة.
تنهدت حبيبة بحزن:
ـ كويسة إيه بس يا إيمان؟ أنا من وقت اللي عمله رضوان وأنا ما ليش نفس لأي حاجة. أنا لحد دلوقتي مش قادرة أصدق. ومصدومة. كل ده يعمله رضوان وفي يوم وليلة كده؟
وضعت إيمان الكوب جانبًا، ثم وضعت يدها فوق يدها:
ـ يا حبيبة، رضوان مش صغير. أخوكي كبير كفاية وواعي للي هو بيعمله، وبيتهيألي هو ما أجرمش.
اعترضت حبيبة بصرامة:
ـ لا، أجرم يا إيمان. وفي حقنا كلنا، مش هو بس. بقولك داخل علينا بواحدة لا نعرفها ولا تعرفنا، وبيقولنا مراته. وكل ده في يوم وليلة! أنا اتصدمت فيه، ولحد دلوقتي مش مصدقة عينيا. حقيقي مصدومة.
ابتسمت إيمان بهدوء:
ـ إنتِ مش مصدومة يا حبيبة... إنتِ خايفة.
نظرت إليها بدهشة.
همست بالكلمة:
ـ خايفة؟
أومأت إيمان:
ـ أيوه، خايفة. خايفة إن رضوان بالحركة اللي عملها دي يلغيكي من حياته.
حركت حبيبة رأسها بالنفي:
ـ لا طبعًا! إيه اللي إنتِ بتقوليه ده؟ أنا مش خايفة من حاجة.
واجهتها إيمان:
ـ لا، خايفة. وكمان ما تزعليش من اللي هقوله... إنتِ أنانية قوي يا حبيبة.
اتسعت عيناها:
ـ أنا أنانية يا إيمان؟ ليه إن شاء الله؟
قالت إيمان:
ـ علشان إنتِ خدتي رضوان حق مكتسب، ومخلياه كل حياتك، ومالوش أي حرية تصرف في أي شيء حتى لو يخصه.
ردت حبيبة بضيق:
ـ إنتِ بتقولي إيه يا إيمان؟ هو أي هري وخلاص علشان تضايقيني؟
قاطعتها إيمان:
ـ اسمعيني بس كويس، وما تزعليش مني. إنتِ جاية وعارفة إني أكتر واحدة فاهماكي، وأنا وإنتِ قريبين من بعض. إنتِ بتحبي أخوكي بدرجة الأبوة، وده مش عيب، بس اللي اتجوزها دي إنتِ شايفاها زوجة أب، مش مرات أخ. وخوفك اللي جواكي ده مكبوت، مش عايزة تظهريه لنفسك. خايفة إنه في يوم ياخد مراته ويبعد بعيد عنك، أو يتغير عليكي لأي سبب. لكن لا، رضوان مش كده. ده روحه فيكي إنتِ ومرات عمي.
ظلت حبيبة صامتة.
كانت كلمات إيمان تضرب الأماكن التي تحاول هي نفسها ألا تقترب منها.
تابعت إيمان:
ـ وأنانية في إنك تزعلي منه. أولًا، إنتِ مش من حقك تزعلي. رضوان ياما ضحى بحاجات كتير علشانك. ضحى بعمره كله. عمل اللي محدش عمله. رباكي وكبرك ووقف جنبك لآخر لحظة، ودايمًا شايفك بنته الصغيرة. إنتِ ما بتشوفيش فرحته بنجاحك وإنه فخور بيكي إزاي؟ رضوان شايفك أعظم إنجازاته، وإنتِ نقطة ضعفه في نفس الوقت.
ثم مالت نحوها وقالت بجدية:
ـ فبلاش تستغلي النقطة دي، وافرحي لأخوكي. ولا إنتِ عاجبك اللي عملته فيه رباب وأمها؟ ده بدل ما تباركيله وتفرحيله وتقفي جمبه وتردي جزء صغير مقابل حبه وخوفه عليكي، تقومي تعاقبيه وتخاصميه؟ فوقي يا حبيبة وما تزعليش رضوان منك. طيب تعرفي؟ والله أنا فرحتله من قلبي. مش يمكن دي عوض ربنا ليه بعد سنين التعب اللي عاشها؟
لم تجب حبيبة.
لكن للمرة الأولى، بدأت تشك في تفسيرها لمشاعرها.
كانت زهرة قد أوشكت على الانتهاء من إعداد الطعام، فوضعت اللمسات الأخيرة على ما تبقّى منه، ثم بدأت ترتب المطبخ وتعيد الأواني إلى أماكنها، تمهيدًا لإنهاء عملها.
أما زاد، فكانت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، وتنظر إلى ساعة يدها بلهفة واضحة، وقد بدأ القلق والتوتر يتسللان إلى ملامحها مع مرور الوقت.
كانت تنتظر شيئًا.
أو شخصًا.
وحين رن جرس المنزل، تنفست زاد براحة.
أخيرًا.
توجهت زهرة إلى الباب، وقبل أن تفتحه، أسرعت بوضع حجابها على رأسها والتأكد من ستر شعرها، ثم فتحت الباب بحذر.
كان أمامها رجل كبير، تبدو على ملامحه الهيبة والوقار، وخلفه رجل آخر يحمل مجموعة من الهدايا والأكياس الممتلئة.
تأملت زهرة الرجل للحظات، فلم تعرفه، فانعقد حاجباها في حيرة، قبل أن يبادرها بالسؤال:
ـ هو ده بيت رضوان العطار؟
توقفت للحظة، وما إن سمعت اسم ابنها حتى ازداد توترها، وسحبت طرف حجابها إلى الأمام تعدله على رأسها بصورة تلقائية، ثم أجابته بحذر:
ـ أيوه، هو بيته... بس مين حضرتك؟
ابتسم وقال:
ـ أنا حسين المالكي، والد زاد مرات رضوان. وأكيد حضرتك والدته الست زهرة، ولا أنا غلطان؟
ارتبكت زهرة أكثر.
لكنها رحبت به، وأذنت له بالدخول.
تركَت الباب مفتوحًا، ودخل حسين وخلفه السائق، الذي وضع الهدايا ثم انصرف.
وقف حسين في منتصف الصالة.
كانت عيناه تتنقلان بين زوايا المنزل بعناية.
وكأن شيئًا قديمًا استيقظ بداخله.
ابتسامته لم تختفِ.
وفي اللحظة التي سمعت فيها زاد صوته، خرجت مسرعة:
ـ بابا! كويس إن حضرتك جيت.
ارتاحت زهرة نوعًا ما، ورحبت به مرة أخرى:
ـ يا مرحب بحضرتك. دي خطوة عزيزة والله. اتفضل استريح. تشرب قهوة ولا أجيب عصير؟
ابتسم لها وهو يربت على يد ابنته:
ـ هكون مزعج شوية وهتعبك، وهطلب فنجان قهوة مظبوط.
ـ لا، مفيش تعب ولا حاجة. اتفضل استريح.
ذهبت إلى المطبخ.
رن هاتفها.
كان رضوان.
أجابته على الفور.
سألها عن حبيبة، فأخبرته أنها جالسة مع إيمان في عملها وستصل قريبًا.
انزعج رضوان أكثر.
حتى الآن، كانت شقيقته تختصر حديثها معه.
وفي الجهة الأخرى، أمسكت زاد يد أبيها، وأصرت أن يدخل معها الغرفة.
ما إن دخلا حتى أشارت بيدها إلى الجدران القديمة والأثاث المهترئ:
ـ شفت يا بابا؟ شفت حضرتك المزبلة اللي أنا عايشة فيها؟ بقى ده منظر سرير أنام عليه؟ البيت كله عبارة عن كراكيب. أرجوك يا بابا يلا نمشي من هنا. أنا مش طايقة أقعد هنا ثانية كمان، حاسة إن هيجرالي حاجة.
ترك حسين يدها.
تجول في الغرفة.
لمس الجدران بعينيه قبل يديه، وكأنه يبحث عن شيء يعرفه.
وقعت عيناه على رف الكتب.
اقترب.
أمسك أحد الكتب.
قرأ العنوان.
"ثقوب في الثوب الأبيض" لإحسان عبد القدوس.
توقف قليلًا.
ثم بدأ يقلب بين الكتب بأنامله.
تملك زاد الضجر:
ـ بابا، إنت واقف عندك بتعمل إيه؟ أنا حاسة إنك مبسوط هنا أكتر من الفيلا.
أومأ حسين، وكأنه يعترف بذلك فعلًا.
زاد لم تصدق:
ـ هاتلي ميزة واحدة تخليك تقدر تستنى هنا دقيقة كمان!
رسم حسين ابتسامة عميقة على وجهه، وقال:
ـ المميزات كتيرة يا زاد. وأهمهم الدفا، والحب، والهدوء، والذكريات... والريحة.
تنهد وأعاد الكتب إلى مكانها.
التفت إليها.
وجدها تنظر إليه بعدم فهم.
فأكمل وهو ينظر مباشرة إلى عينيها:
ـ أول ما دخلت البيت ده حسيت فيه بشعور غريب... شعور كنت مفتقده من صغري. زمان وأنا عندي اتناشر سنة، كنت عايش في بيئة مشابهة للبيئة دي، ويمكن أقل من البيئة دي كمان. وفي يوم وأنا قاعد بذاكر على لمبة جاز، ما تعرفيهاش إنتِ، سمعت والدي الله يرحمه بيقول لوالدتي وهو فرحان إنه جاله عقد عمل في دول الخليج. سافر وسابنا، وبعد ست شهور حجز لنا وسافرنا ليه، أنا وجدتك وعمك نجيب.
ثم ابتسم بحنين:
ـ وأنا بإيديا دول قفلت كل شبابيك البيت، وغطيت العفش والسراير بملايات بيضا. وكنت فرحان إني هسيب البلد، وأركب الطيارة وأشوف ناس تانية. وسبت كل ده، ومر بينا العمر، وسافرت بلاد كتير أوي، وكنت فاكر إني أسعد واحد في الدنيا.
تغيرت ابتسامته.
وقال بصوت أهدأ:
ـ لحد اللحظة دي لما دخلت البيت ده، شميت نفس الريحة بتاعة زمان. نفس الهدوء. رغم صوت البياعين في الشوارع، في هدوء وسلام نفسي مش هيحسه غير اللي جربه وعاشه وبعدين اتحرم منه. ذكريات جميلة... ما حسيتش بقيمتها غير دلوقتي.
سكت قليلًا، ثم ضحك:
ـ طبعًا إنتِ دلوقتي بتقولي بابا اتجنن.
ردت بسرعة:
ـ مستحيل طبعًا أقول على حضرتك كده يا بابا، لكن اللي إنت بتقوله ده كان من سنين طويلة. بس إيه علاقته بالمصيبة اللي أنا فيها؟ أنا عايزة أرجع الفيلا، بليز. أنا حاسة إني بتخنق أكتر.
أخذت نفسًا عميقًا وزفرته، ثم قالت بحزن:
ـ أنا ندمانة ندم عمري على قراري الغبي ده. يعني أنا لا بحبه ولا بطيقه، وكمان اتكتب كتابي عليه في صمت. لا شايفاه راجل المستقبل ليا، ولا في شهر عسل. أنا حياتي اتسرقت مني في لحظة يا بابا.
ضحك حسين:
ـ شهر عسل؟ وأكيد طبعًا عايزاه في وسط المحيط. مانتي متعودة على السفاري والرحلات البحرية. وليه يا بنتي تروحي وتعيشي مع الحيتان؟ ولا مثلًا ييجي إعصار يقلب اليخت وتعيشي طول عمرك معاهم تحت؟ ذنبهم إيه بس! خليكي على سطح الأرض معايا أتونس بيكي.
جزت على أسنانها:
ـ بابا، قولي الحقيقة. هو إنت متفق مع اللي اسمه رضوان ده تجننوني وتقضوا عليا، مش كده؟
دخلت زهرة في تلك اللحظة تحمل فنجان القهوة.
ـ اتفضل حضرتك القهوة.
شكرها حسين.
وضعت الفنجان على المنضدة.
وقبل أن تخرج، ترددت لحظة.
ثم حسمت أمرها:
ـ ممكن أقول حاجة؟
ابتسم حسين:
ـ طبعًا، ومن غير استئذان. اتفضلي.
ابتسمت لذوقه:
ـ تعيش يا رب.
ثم نظرت إلى زاد نظرة حنونة:
ـ أنا سمعت كلامك وأنا بعمل القهوة، وأنا مش بتصنت عليكم أبدًا والله، بس إنتِ صوتك عالي. وعلى فكرة أنا ما زعلتش منك. أنا عارفة طبعًا الفرق بينك وبيننا.
ثم اقتربت منها قليلًا:
ـ بس اللي أنا عايزة أقولهولك: إنتِ ما تعرفيش رضوان ابني، ولا تعرفي حياتنا ماشية إزاي. واللي بطلبه منك ما تتسرعيش وتحكمي عليه. إنتِ زي بنتي، وبقولك كده علشان أنا واثقة من ابني. ده مفيش أحن منه.
تنفست زهرة، ثم تابعت:
ـ أيوه، صدقيني. ده هو اللي مربي أخته، اسم الله عليه. وهي دلوقتي في كلية الطب. تعب وسهر جنبها لحد ما وصلها للي هي فيه دلوقتي، وده بفضل ربنا قبل أي شيء. ورضوان دايمًا قايم بدور الأب والابن والسند. عمره ما خلانا محتاجين لحاجة أبدًا. عمره ما كَلّ ولا مَلّ، رضوان اسم الله عليه دايمًا مكفينا وغنينا عن الدنيا وما فيها.
ثم ابتسمت:
ـ وأنا... يعني القصد من كلامي عايزة أقولك إنك تستهدي بالله، وما تزعليش منه على اللي عمله معاكي الصبح. هو بس ما بيحبش يكون مقصر في واجبات بيته. والله ده يا نور عيني لو طايل يجيب النجوم هيجيبها. دي إيده فرطة وسخية، وما يبخلش على حد أبدًا. ربنا يهدي سركم.
أنهت كلامها وغادرت.
ظلت زاد صامتة.
لم تعرف لماذا سكتت.
منذ أن وطأت قدماها هذا المنزل، لم تتحدث مع أحد سوى رضوان، وكانت ترى أن عائلته تشبهه.
لكنها الآن رأت في عيني زهرة شيئًا لم تستطع إنكاره.
صدقًا.
شيئًا جعل كلماتها تتسلل إلى مكان ما بداخلها رغم مقاومتها.
أما حسين، فغمره شعور بالفرح.
كان يرى كيف تفتح زهرة أمام ابنته الطريق لتعرف رضوان من الداخل، لا من الصورة التي رسمتها له في ذهنها.
لكنه انتبه إلى حديثها عن تصرف رضوان في الصباح، فسأل زاد.
قصت عليه ما حدث، وكيف دفع الفاتورة وأعاد لها النقود.
ابتسم حسين بفخر.
ازداد يقينه بأنه أحسن الاختيار.
جلس حسين إلى جوار ابنته، وشرح لها أن عودتها إلى منزله الآن ليست حلًا.
هو سيسافر في الغد إلى بلد أجنبي لإجراء بعض التعديلات الخاصة بعمله، ولن يعرف متى سيعود.
لذلك أراد منها أن تهدأ.
أن تمنح نفسها فرصة.
أن تتحلى برحابة الصدر.
وأن تتفهم هذه العائلة قليلًا.
لكن زاد لم تقتنع.
كان عقلها ما يزال يرفض كل نصائحه.
وأسوأ ما في الأمر أنها لم تعد تملك حتى فكرة الهروب؛ فوالدها نفسه سيتركها ويسافر.
عاد رضوان إلى المنزل.
صافح حسين مرحبًا به.
لم يتفاجأ بوجوده، فقد هاتفه قبل مجيئه بدقائق.
جلسا في الصالة وتحدثا طويلًا.
أوصاه حسين بزاد، وطلب منه أن يتحلى بالصبر.
ـ صدقني يا رضوان يا ابني زاد بنتي قلبها طيب، بس متغلف بطبقة هشة من الكبرياء. ومع الوقت الطبقة دي هتروح، وهتتعامل معاك بأسلوب أحسن. انا واثق من ده
استمع رضوان باهتمام، ووعده أن يكون حسن المعاملة معها.
وحان وقت ذهاب حسين، لكنه رفض أن يسمح له بالمغادرة قبل تناول الغداء معهم.
وافق حسين.
وضعت زهرة الطعام على الطاولة.
تصرف رضوان بعقلانية.
ذهب إلى غرفته وطرق الباب:
ـ ممكن أدخل؟
جاءه رد زاد سريعًا:
ـ لا، مش ممكن.
لم يكترث.
فتح الباب، فوجدها تتصفح هاتفها.
قال:
ـ اطلعي اتغدي مع أبوكي، ولا عايزاه ياكل لوحده؟
جزت على أسنانها:
ـ إنسان همجي! وتصرفاتك كلها غبية، وما اسموش أبوكي، فاهم ولا لأ؟
تجاهلها:
ـ دقيقتين وتكوني بره. أبوكي مستنيكي.
أغلق الباب قبل أن تمنحه فرصة لتوبخه.
نظرت حولها بجنون.
أرادت أن تلقي عليه أي شيء.
لم تجد سوى مزهرية قديمة.
أمسكتها وألقتها خلفه، فاصطدمت بالباب.
ابتسم رضوان.
نجح في استفزازها.
توجّه رضوان إلى المائدة، وأشار إلى حسين بالاقتراب منها، فابتسم حسين واستجاب له، وظل واقفًا إلى جوارها وهو يتأمل ما أعدته زهرة بسعادة واضحة؛ فقد كان يفتقد هذا الدفء.
دخل رضوان يساعد أمه في حمل الأطباق ووضعها أمامه.
أتت حبيبة في الموعد، وما إن وقعت عيناها على حسين حتى لم تتعجب كثيرًا من وجود شخص غريب في المنزل بعد ما حدث بالأمس؛ فقد بدأت تشعر أن المفاجآت لن تنتهي قريبًا.
ألقت التحية بهدوء، ثم همّت بالاتجاه مباشرة إلى غرفتها، متجاهلة وجود شقيقها، إلا أن صوته أوقفها:
ـ تعالي يا حبيبة.
زفرت بضيق، ثم عادت إليه بخطوات بطيئة، ووقفت أمامه قائلة بثبات:
ـ نعم؟
وقبل أن يتحدث رضوان، ابتسم حسين لها بعدما تأمل ملامحها قليلًا، وقال بلطف:
ـ بسم الله ما شاء الله... إنتِ بقى الدكتورة، مش كده؟
ابتسمت له ابتسامة رسمية، وأجابته بنبرة مقتضبة:
ـ لأ، مش أوي كده دكتورة مرة واحدة... أنا لسه يادوب في سنة أولى.
ابتسم حسين إعجابًا، بينما تدخل رضوان محاولًا تهدئة الأجواء بينه وبين شقيقته، وقال:
ـ حبيبة، تعالي أعرفك... حسين بيه، والد زاد.
رمقته حبيبة بنظرة شرسة، ولم يخفَ على رضوان أن طريقته في تقديم الأمر لم تساعده على الإطلاق، بل زادت من ضيقها منه، إلا أنها تماسكت وهزت رأسها لأخيها في صمت، ثم التفتت إلى حسين وقالت بأدب رسمي:
ـ آه... أهلًا بحضرتك.
بادلها حسين ابتسامتها وقال:
ـ أهلًا بيكِ يا حبيبة. وعلى كده بقى، بما إنك دكتورة المستقبل، هتبقي لينا الدكتورة ولا العلاج؟
ابتسمت حبيبة مجاملة، بينما اغتنم رضوان الفرصة ليخفف من حدة الموقف، وقال بفخر واضح:
ـ ودي عايزة كلام؟ الدكتورة حبيبة هتبقى أحسن علاج، وهتكون أكبر وأشطر دكتورة في الدنيا كلها.
نظرت إليه حبيبة للحظة، ثم أشاحت بوجهها عنه دون أن تجيبه.
أما حسين، فتبادل النظر بينهما، ولاحظ بوضوح ذلك التوتر الكامن في عيني حبيبة كلما تحدث رضوان، فعلم أن بينهما شيئًا لم ينتهِ بعد، وتوقع أن يكون سببه ما حدث بالأمس.
فقال محاولًا أن يخفف عنها:
ـ دي حاجة مؤكدة طبعًا يا رضوان، وده واضح من كلامك في كل مرة تقعد فيها معايا وتتكلم عن أختك الدكتورة حبيبة. بحس بالفخر مالي عينيك وإنت بتتكلم عنها... ربنا يحفظكم لبعض.
تنهدت حبيبة، بينما أومأ رضوان برأسه مؤمّنًا على دعائه:
ـ آمين يا رب. دي حبيبة دي، حبيبة أخوها.
ثم ابتسم حسين وهو يغير دفة الحديث:
ـ بس بقولكم إيه بقى؟ إحنا نتكلم في المواضيع دي بعدين، لأحسن طبيخ والدتك ريحته لا تُقاوم، وبصراحة أنا جُعت جدًا. إيه رأيك يا حبيبة لو تغسلي إيديكِ بسرعة وتيجي تقعدي معانا؟ علشان بصراحة أنا مش هقدر أستنى أكتر من كده... ولا أروح جعان؟
ضحكت حبيبة ضحكة خفيفة رغمًا عنها، وشعرت بالإحراج من أن ترفض طلبه، خصوصًا أنه ضيف أخيها، كما أدركت أن رفضها سيضع رضوان في موقف محرج أمامه.
فقالت بهدوء:
ـ حاضر.
ذهبت لتغسل يديها، ثم عادت بعد لحظات، وحملت أحد الأطباق من والدتها ووضعته على المائدة.
وفي تلك اللحظة، كانت زهرة تضع آخر الأطباق، فابتسمت لحسين وقالت بحفاوة:
ـ يا مرحب يا مرحب والله، نورتنا حضرتك. معلش بقى، حاجة كده على قدّ ما ربنا قسم، لكن والله لو كنت أعرف إن حضرتك جاي، كنت عملت حاجة تليق بمقامك.
ابتسم حسين وقال بعفوية:
ـ يا ست زُهرة، ده أنا جاي بيت أصيل، واللي يتعمل من إيدك يتاكل ويتحط على الراس من فوق.
ضحكت زهرة بخجل، وقالت:
ـ شاله يجبر بخاطرك،وده من ذوق حضرتك.
وفي تلك اللحظة، خرجت زاد من غرفتها، وتوقفت للحظة عندما رأت الجميع مجتمعين حول المائدة. لم تكن راغبة في الجلوس، لكنها لم تجد مفرًا بعدما أشار إليها والدها.
سمعت حسين يقول لزهرة بانبهار صادق:
ـ يا خبر يا ست زُهرة! ده إنتِ عاملة شوية أكل يفتحوا النفس ويملوا العين قبل المعدة! ما شاء الله... وتقولي حاجة على قدّ ما ربنا قسم؟ طاجن بامية باللحمة، ومحشي، وشوية ملوخية... عيني هتطلع عليها من وقت ما رضوان حطها قدامي، بصراحة! ده غير الفراخ وغيرُه وغيرُه... والله إنتِ عاملة حاجات كتير، تسلم إيدك مقدمًا.
ابتسمت زهرة بسعادة واضحة، وقالت:
ـ ألف هنا وشفا يا رب، وإن شاء الله الأكل يعجبك.
ضحك حسين وهو يلتقط أنفاسه أمام كثرة الأطباق:
ـ يعجبني إيه بس؟ ده أنا مش عارف أبدأ منين أصلًا!
ضحك رضوان للمرة الأولى منذ وقت طويل، وقال:
ـ ابدأ بالبامية يا حسين بيه، دي أمي بتعملها أحسن من أي حد.
قالت زهرة وهي تضع طبقًا أمامه:
ـ رضوان بيحبها من وهو صغير، كل ما أعملها يفضل واقف فوق دماغي في المطبخ لحد ما أخلصها.
نظر حسين إلى رضوان بابتسامة دافئة وقال:
ـ واضح إنك واخد منها حاجات كتير يا رضوان.
رد رضوان مبتسمًا:
ـ أمي دي ما يتاخدش منها غير كل حاجة حلوة، مفيهاش حاجة وحشة أصلًا.
تعلقت عينا زهرة به للحظة، وشعرت أن قلبها قد بدأ يهدأ قليلًا منذ صباح اليوم، بينما وقفت حبيبة إلى جوار والدتها، تحاول أن تخفي تأثرها بكلمات شقيقها، رغم أنها ما زالت غاضبة منه.
أما زاد، فظلت واقفة للحظات، تحدق في المائدة وما عليها، ثم في الوجوه المجتمعة حولها، وكأنها أمام مشهد لم تعتد عليه قط.
ابتسمت زهرة، وجلس رضوان، ثم تجاهل زاد التي كانت تقف خلفه، وقال:
ـ تعالي يا حبيبة، اقعدي جمبي.
ثم نظر إلى حسين وقال:
ـ اتفضل يا حسين بيه، إنت مش غريب.
ثم فكر لحظة، وكأنه تعمد أن يستفزها، وقال:
ـ تعالي يا زاد. أنا واثق إن أكل أمي هيعجبك. تعالي اقعدي قدامي وبسم الله.
كادت أن تفجر رأسه من شدة الغيظ، لكنها كبتت غضبها وجلست بجوار والدها.
كان حسين يأكل باستمتاع وحنين واضح للماضي، وكأنه يستعيد مع كل لقمة شيئًا غائبًا منذ سنوات.
أما زاد، فكانت تنظر إلى الجميع باشمئزاز واضح؛ الجميع يأكلون وكأنهم في عالم آخر، يتعاملون مع الطعام ببساطة وراحة أثارت استغرابها.
تعجبت من والدها على وجه الخصوص، إذ بدا وكأنه لم يأكل منذ أيام عدة، وهو يتناول الطعام بشهية واستمتاع لم تعهدهما فيه.
ثم تسللت رائحة الطعام إلى أنفها.
فارتجفت معدتها.
شعرت بالجوع.
لكنها عاندت نفسها.
لم تمد يدها.
حتى فوجئت بيد رضوان تضع أمامها قطعة من الدجاج.
قال بمكر:
ـ كلي واشبعي، علشان مفيش دليفري عندنا. أصلهم ما بيعرفوش يدخلوا الحارة بعد المغرب. بعيد عنك، الدنيا هنا لبش، الأوردر هايتاكل وهيقلبوا الراجل في رزقه قبل ما يوصلك هنا.
كبح حسين ضحكته.
ـ كلي يا زاد يا حبيبتي، الأكل جميل جدًا ومتأكد إنه هيعجبك.
قالت حبيبة وهي ترفع حاجبها:
ـ كلي يا مرات أخويا. جربي أكل الحواري وبعدها سمعينا رأيك.
رمقتها زهرة بنظرة تحذيرية.
وكذلك رضوان.
لكنها لم تكترث.
عادت تأكل في صمت.
تجاهلتها زاد.
نظرت إلى الطعام.
ازدادت شهيتها.
قاومت.
لكن جوعها كان أقوى.
مدت يدها، وأخذت الملعقة.
رشفت رشفة من صحن الشوربة بحذر.
توقفت.
كان الطعم... رائعًا.
لم تسمح لملامحها أن تفضحها.
خفضت عينيها، وبدأت تأكل بحذر.
لكن جوعها الشديد كان يفضح استسلامها لقوة الطبق.
ورضوان كان يراقبها.
لم يقل شيئًا.
فقط ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة لم تنتبه إليها.
بعد الغداء، انتقلوا جميعًا إلى غرفة الجلوس.
جلست حبيبة صامتة، متجاهلة شقيقها.
كانت كلمات إيمان لا تزال تتردد داخل رأسها.
لم ترد الاعتراف بأنها تشعر بالغيرة.
لا.
هي فقط خائفة.
هكذا أقنعت نفسها.
وإلا، لماذا لم تشعر بالغيرة تجاه رباب من قبل؟
كانت تكرر هذا السؤال كلما اقتربت الحقيقة منها.
وفي الجانب الآخر، كانت زاد تتصفح هاتفها.
رأت عددًا كبيرًا من المكالمات الفائتة من باسل، ورسائل كثيرة يعتذر فيها عما بدر منه، ويريد العودة إليها مهما كلفه الأمر.
تذكرت كلماته الأخيرة.
يريدها أن تتاجر بسمعتها وتنصب على والدها من أجل المال.
أغلقت الرسائل.
لم تعد تريد سماعه.
ثم دخلت إلى موقع فيسبوك، فقط لأنها لا تطيق النظر إلى رضوان.
لكن رضوان كان ينظر إليها رغمًا عنه.
وقعت عيناه عليها وهي تزيح خصلة من شعرها خلف أذنها.
احمرت وجنتاها قليلًا.
لم يستطع إغماض عينيه.
كانت ملامحها... مألوفة بطريقة أربكته.
كأن شيئًا في وجهها يطرق بابًا داخل قلبه دون استئذان.
فجأة سمع صوت حسين يتحدث.
انتبه إلى نفسه، وحمحم بإحراج، وأدار وجهه.
كان هو نفسه لا يفهم ما يحدث له.
وحسين كان سعيدًا بهذا الجو العائلي.
تحدث كثيرًا، واستمتع بالجلسة.
وبينما كان الحديث مستمرًا، صدح جرس المنزل فجأة.
توقفت الكلمات في أفواههم جميعًا، والتفتت الأنظار نحو الباب.
ثم تتابعت طرقات متعجلة عليه.
تبادلت زهرة وحسين النظرات، بينما نهض رضوان من مكانه، وقد عقد حاجبيه في استغراب.
وقبل أن يصل إلى الباب، ارتفع من الخارج صوت امرأة مذعور، تصرخ طالبة النجدة:
ـ إلحقوني... حد يساعدني!
تجمد الجميع في أماكنهم.
أما رضوان، فاتجه نحو الباب مسرعًا، وقلبه يخبره أن الأمر هذه المرة ليس زيارة عادية.
