رواية نعيم الجهل الفصل الثاني عشر
اندفع كـــــاهان وأمسك بقـــدر..
وأبعدها عن مرمى النيــ ـــران بسرعة..
ثـــم وضعهــــا خلفــــه ليحميهـــــا..
وأخــــرج مســ ــدسه وبـــدأ..
يطلــ ــق النــ ــار باتجاه المهــ ـــاجمين..
وقفت قدر خلفه لثواني.. تنظر إليه..
ثم مدت يدها وسحبت مســـ ـــدسا..
آخـــــر مــــــن خصــــــر كـــــاهان..
التفتت إلى الجانب الآخر..
وأطلــ ــقت النــ ــار هي أيضا..
وتبادل الاثنان إطـــ ـلاق النــ ـــار..
مـــن جهتـــين مختلـــــفتين..
بعد دقائق.. خفت أصوات..
إطــ ـلاق النــ ــار حتى توقفت تماما..
تراجع كل منهما خطوة إلى الخلف..
حتى التصق ظهرهما بالآخر.. في وضع دفاعي..
ظل كاهان يراقب المكان بحذر..
يتفقد كل زاوية ليتأكد من عدم..
وجود أحد.. قبل أن يخفض مسـ ــدسه ببطء.
أما قدر.. فظلت ثابتة خلفه..
تراقب الجهة الأخرى بحذر..
ثم.. التفت كاهان إلى قدر بصدمة..
ونظر إلى المســ ــدس في يدها..
ثم أنزل مســـ ــدسه ببطء:
ــ انتي بتعرفي تستخدمي الســـ ـلاح إزاي؟!
نظرت قدر إليه بهدوء:
ــ يمكن صدفة..
ظل كاهان ينظر إليها لثواني..
بدهشة.. ثم قال باستغراب:
ــ صدفة؟! ده انتي بتضــ ــربي..
كــــأنك متعــــودة عليــــه!
تجاهلت قدر كلامه.. واتجهت إلى السيارة..
وفتحت الباب.. ثــــم التفتت إليه:
ــ يلا.. وما تتعودش تستخف باللي قدامك!
نظر كاهان إليها.. ثم أعاد مســ ـدسه إلى مكانه:
ــ لا.. أوعدك إني هفكر في نصيحتك..
ثم ركب الاثنان السيارة.. وغادرا المكان!
«دخــــــل السيــــــارة»
فتحت قدر درج التابلوه..
وأخرجت قطعة قماش..
ثم أخذت المســــ ــدس الذي..
سحبته من خصر كاهان وبدأت تمسحه..
كان كاهان يتابع حركاتها بطرف عينه..
ولاحظ طريقة إمساكها للمســ ـــدس..
لـــم تكن طريقة شخص يمســــك..
ســـ ـلاحا للمـــــرة الأولـــــى..
ثم قال بحدة وهو يراقبها:
ــ مش بس بتعرفي تمسكيه..
انتي بتمسحي بصماتك منه كمان..
شكل موضوع الســـ ـلاح عندك..
مش صدفة زي ما بتقولي؟!
التفتت قدر إليه بهدوء..
ومدت له المســــ ــدس:
ــ وإنت ليه مركز معايا أوي؟
خليك في طريقك..
نظر كاهان إلى عينيها للحظات..
وأخــــذ منهــــــا المســ ــدس..
ثم أعاد نظره إلى الطريق:
ــ عينيكي فيها أسرار كتير..
بتجبرني على التركيز..
نظرت قدر أمامها بهدوء:
ــ ركز في الطريق يا كاهان..
أسراري ما تخصكش..
سكت كاهان.. وأدار نظره إلى الطريق..
صدر صوت تنبيه قصير من هاتف قدر..
نظرت إلى الشاشة.. فتغيرت ملامحها للحظة..
وأغلقتها بسرعة..
لكن كاهان كان قد لمح كلمة..
واحدة قبل أن تغلق الشاشة:
ــ يحيى؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«فــــــي منــــــــزل قــــــــــدر »
دخلت جلنار غرفة يحيى...
فوجدته جالس بجوار النافذة...
تأملته لثواني.. ثم قالت بهدوء غريب:
ــ مفيش حد ما بيغلطش..
ولما الغلطة بتكون من غير قصد..
بتبقى عادية.. حتى إنها ما تستاهلش..
إن الواحد يأنيب ضميره عليها..
صمتت لحظة.. ثم أكملت:
ــ المشكلة بقى..
لما نكون قاصدين الغلطة دي..
نظر يحيى إليها باستغراب:
ــ انتي عايزة تقولي إيه؟
تقدمت جلنار خطوة:
ــ إنت هنا ليه؟
يحيي رد بثقة:
ــ عشان ده بيتي..
ابتسمت جلنار بسخرية:
ــ بس ده مش بيتك..
قطب يحيى حاجبيه:
ــ قدر قالتلي..
قاطعته جلنار:
ــ قدر!
يعني عشان قدر قالتلك إن ده بيتك..
وإنــــك أخـــوها.. صدقت فــورا..
كده من غير ما تفكر؟
تجمد يحيى.. ثم سأل بقلق:
ــ قصدك إيه؟
اقتربت منه أكثر.. وقالت ببرود:
ــ قصدي إن هي دي الغلطة المقصودة..
صمتت لحظة.. ثم أكملت:
ــ قدر كدبت عليك..
لا إنت أخوها.. ولا ده بيتك..
نهض يحيى من مكانه بسرعة:
ــ انتي بتقولي إيه؟! قدر أختي!
وده بيتي.. حتى انتي عمتي!
نظرت إليه جلنار بثبات:
ــ مين قالك إنها أختك؟
ثم أضافت بقسوة:
ــ هو إنت فاكر أصلا إن كان ليك أخت؟!
قدر كدبت عليك حتى في اسمك..
هي ما تعرفش اسمك الحقيقي إيه..
تجمد يحيى في مكانه.. واتسعت عيناه:
ــ أنا.. يحيى؟
اقتربت جلنار منه خطوة:
ــ لأ.. يحيى ده الاسم اللي قدر اختارته..
ليك عشان تعرف تناديك..
تراجع يحيى للخلف..
ووضع يده على رأسه..
وبدأت أنفاسه تتسارع:
ــ أمال أنا مين؟!
نظرت إليه جلنار ببرود:
ــ إنت مجرد عبء على بنت أخويا..
قدر شايلة همك من غير ما يكون..
ليها أي علاقة بيك..
تجمد يحيى للحظات..
ثم رفع يديه إلى رأسه بعــ ـنف..
وكأنه يحاول انتزاع أي ذكرى من داخله:
ــ أنا مين؟!
ضــ ــرب رأسه بيديه مرة أخرى..
ثم اندفع نحو الحائط وضـ ـــرب رأسه فيه:
ــ أنا مين؟!
دخلت قدر مسرعة..
وما إن رأته بهذا الحال..
حتى اندفعت نحوه وأمسكته من ذراعه:
ــ يحيى.. اهدي! إنت بتــ ـــأذي نفسك!
حاولت إبعاده عن الحائط..
لكنه قاومها بعــ ــنف..
وضــ ـرب رأسه بيديه وهو يصـ ــرخ:
ــ أنا مين؟! أنا مين يا قدر؟!
أمسكت قدر بوجهه بين يديها..
ودموعهـــــا تنـــــــزل:
ــ إنت يحيى.. أخويا..
عشان خاطري اهدي!
نظر إليها بعينين غارقتين في الدموع..
ثم أمسك بذراعيها بعــ ـــنف:
ــ انتي كدابة! انتي مش أختي!
تألمت قدر من قبضته..
لكنها لم تحاول إبعاده:
ــ إنت أخويا.. صدقني..
من فضلك اهدي..
ظل ينظر إليها للحظات..
ثم تركها فجأة وتراجع خطوتين..
ورفع يده المرتجفة وأشار إلى جلنار:
ــ هي قالت.. قالت إني مش أخوكي..
ابتلع ريقه بصعوبة:
ــ وقالت إني عبء عليكي..
نظرت جلنار إلى قدر للحظات.
ثم عادت بعينيهــــا إلى يحيى..
وقـــــالت ببـــــرود مستفــــــز:
ــ أنا قلت الحقيقة.. إنت فاكر إن قدر..
جـــابتك هنــــــا عشــــــان بتحبـــك؟!
هي بس بتحاول تعمل نفسها مسؤولة..
عنك.. وهي أصلا مش عارفة تتخلص..
من الورطة اللي حطيتها فيها..
شهقت قدر بانفعال:
ــ عمتو... كفاية!
لكن جلنار لم تتوقف:
ــ اسألها.. خليها تقولك إنت مين بجد..
وإيه اللي يثبت إنك أخوها؟
صــ ــرخت قدر:
ــ عمتووو! اخرجي بره... اخرجي!
نظرت جلنار إليها ببرود..
ثم استدارت وغادرت الغرفة..
وأغلقت الباب خلفها..
التفتت قدر إلى يحيى..
فوجدته جالس على الأرض..
بجوار السرير.. مطأطئ الرأس..
ودموعه تنزل في صمت..
اقتربت منه ببطء.. ثم جلست إلى جواره..
مدت يدها وأمسكت يده بحنان:
ــ يحيى..
رفع عينيه إليها بصوت مكســ ـور:
ــ قوليلي الحقيقة يا قدر.. أنا أخوكي؟
ضغطت قدر على يده:
ــ أيوه... إنت أخويا..
نظر يحيى إليها بحيرة..
وكأن عينيها هما الشيء الوحيد..
الذي يحاول ان يتذكره:
ــ أمال ليه مش فاكرك؟
شعرت قدر بوخزة في قلبها..
لكنها ابتسمت رغم دموعها..
وضغطت علــــــى يـــــــده:
ــ عشان إنت لسه ما استرجعتش ذاكرتك..
بس ده مش معناه إنك مش أخويا..
هز يحيى رأسه ومسح دموعه:
ــ طب ليه عمتو بتقول إني عبء عليكي؟
سكتت قدر للحظة.. ثم قالت:
ــ عشان هي مش فاهمة اللي بينا..
يحيي نظر إليها:
ــ وانتي فاهمة؟
ابتسمت قدر وسط دموعها:
ــ أنا... فاهمه حاجة واحدة بس..
يحيي بتساؤل:
ــ إيه؟
قدر اقتربت منه أكثر..
وقالت والدموع تلمع في عينيها:
ــ إنك لما كنت خايف ومش عارف تروح فين..
جيتلي.. ولما سألتني إذا كنت هسيبك..
أنـــــا قلتـــــلك مستحيـــــــل..
خفض يحيى عينيه:
ــ بس لو طلعت مش أخوكي؟
ارتجفت شفتا قدر.. ثم قالت بثبات:
ــ حتى لو ما افتكرتش إني أختك..
أنا لسه فاكرة إنك أخويا..
يحيي نظر إليها طويلا..
ثم سأل بصوت خافت:
ــ طب لو أنا مش أخوكي.. هتسيبيني؟
أخرجت قدر من جيبها..
صورة قديمة لهما.. ومدتها إليه:
ــ أنا مش عارفة إنت مين غير إنك أخويا..
ومش مستعدة أخسرك عشان كلام عمتو..
بص.. دي صورتنا مع بعض..
أمسك يحيى الصـــــورة..
بيدين مرتجفتين.. وظل يحدق فيها..
مرر أصابعه فـــــوق وجهيهمــــــا..
ثــــــم ابتسم وسط دمـــــوعه:
ــ دي.. أنا وانتي فعلا..
ابتسمت قدر..
وقد امتلأت عيناها بالدموع:
ــ أيوه.. إنت وأنا..
ظل يحيى ينظر إلى الصورة..
وكأنه يحـــاول أن يستدعي
شيئــــــا مـــــن المــاضي:
ــ أنا تعبت يا قدر..
كل ما أحاول أفتكر حاجة..
ألاقي نفسي مش عارف أنا مين..
ثم رفع عينيه إليها:
ــ بس لما شوفت الصورة..
حسيت إنها مش غريبة عني..
احتضنته قدر.. وأغمضت عينيها:
ــ وأنا تعبت من خوفي عليك...
بس أوعدني.. ما تــ ــأذيش نفسك تاني..
هز يحيى رأسه بين ذراعيها:
ــ حاضر.. مش هعمل حاجة تتعبك تاني..
أوعدك إني مش هكون عبء عليكي..
ابتعدت قدر قليلا.. ومسحت دموعه..
بابتسامة تحاول بها تخفيف ألمه:
ــ إنت أخويا الصغير..
يعني مسؤوليتي.. مش عبء... فاهم؟
نظر إليها يحيى بابتسامة باهتة:
ــ فاهم..
وفجأة...
اختفت الابتسامة من وجهه..
ارتخت يده التي كانت تمسك بالصورة..
وسقطت من بين أصابعه..
تغيرت ملامح قدر في لحظة:
ــ يحيى؟
لم يجب..
مال جسده فجأة..
فالتقطته قدر قبل أن يسقط على الأرض:
ــ يحيى! يحيى!
وضعت يدها على وجهه..
وقد ارتجف صوتها:
ــ يحيى... افتح عينك!
لكن عينيه ظلتا مغلقتين..
نظـــرت قدر إلى الصـــــــورة..
التــــي سقطت بجـــــواره..
ثم عــــــادت بعينيها إليــــه..
وقد بدأ الخوف يسيطر عليها:
ــ يحيي!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«في اليـــوم التـــالي ــ شقــــة حمـــزة»
رن جرس الباب...
خرج حمزة من المطبخ..
وفي يده مج النسكافيه.. وفتح الباب..
دخل كاهان قبل أن..
يقول له حمزة حتى اتفضل..
كاهان:
ــ اقفل الباب وتعالى..
نظر حمزة إليه باستغراب..
ثم أغلق الباب وقال:
ــ نورت بيتي المتواضع.. أعملك قهوة؟
جلس كاهان على المقعد:
ــ اقعد يا حمزة..
وضع حمزة مج النسكافيه..
على الطاولة.. وجلس أمامه:
ــ مووووشي... وادي قعدة..
نظر إليه كاهان بثبات:
ــ قدر بتدور ورا معتز الجمال ليه؟
رد حمزة ببرود:
ــ وإنت بتسألني ليه؟ روح اسأل قدر..
مال كاهان إلى الأمام:
ــ حمزة.. إنت قريب من قدر..
وأنا متأكد إنك عارف كل حاجة..
ابتسم حمزة بسخرية:
ــ حتى لو عارف.. إنت فاكر إني..
لو أعرف حاجة عن قدر هقولك؟
اقترب كاهان قليلا..
وقال بهدوء حاسم:
ــ هتقولي يا حمزة..
عشان إنت أكيد بتخاف على قدر..
وفاهم كويس إن دخولها..
في سكة معتز الجمــــال..
وصلها لفين آخر مــــــرة..
ولولا إني كنت موجود.. كانت مــ ــاتت..
اختفت ابتسامة حمزة.. وقال بجدية:
ــ أنا معرفش حاجة يا كاهان..
ظل كاهان ينظر إليه لثواني.. ثم قال:
ــ المشكلة إنك بتكدب وحش أوي يا حمزة..
فالمرة الجــــــاية لمــــا تيجي تكـــــدب..
بلاش يكون على اللي رباك يا ابن عمتي..
تغيرت ملامح حمزة.. وقال بمرارة:
ــ وإنت لسه فاكر إني ابن عمتك دلوقتي؟
وقف كاهان ببطء.. ونظر إليه بثبات:
ــ بعد كل المصايب اللي إنت اتورطت فيها..
ومع ذلك لسه واقف قدامي دلوقتي..
ده معنـــــاه إني مــــــانستش..
ارتبك حمزة.. ونهض هو الآخر:
ــ كاهان.. أنا مش هقدر أقولك..
على حاجة تخص قدر.. هي رفضت تقولهالك..
نظر إليه كاهان طويلا..
ثم قال بهدوء حاسم:
ــ وأنا مش بطلب منك..
تخون ثقة قدر.. أنا بطلب منك..
تحميها من غلطة ممكن تقتـــ ـلها..
اقترب منه خطوة:
ــ لو هي اختارت تخبي سرها..
ده حقها.. لكن لو إنت عارف..
إن في خطـ ــر عليها وسكت..
ساعتها الموضوع مش هيبقى..
حفاظ على الثقة اللي بينكم..
صمت حمزة...
تابع كاهان بنبرة أكثر حدة:
ــ وآخر مرة هسألك يا حمزة..
قدر بتدور ورا معتز الجمال ليه؟
ظل حمزة صامت للحظات..
ثم قال بصوت منخفض:
ــ لأنها بتدور على حاجة..
لو وصلت لها.. كل حاجة هتتغير..
تغيرت ملامح كاهان:
ــ حاجة تخص معتز؟
رفع حمزة عينيه إليه:
ــ مش معتز لوحده..
اقترب كاهان:
ــ أمال تخص مين؟
تردد حمزة.. ثم قال:
ــ اسأل قدر..
هي الوحيدة اللي من حقها تقولك..
صمت للحظة.. ثم أضاف:
ــ بس أنا ممكن أقولك على حاجة تانية..
دار البدايات...
قطب كاهان حاجبيه باستغراب:
ــ دار البدايات؟
لم يجب حمزة.. بل مد يده..
إلى ورقة على الطاولة..
وأخذ قلم وكتب عليها عنوان..
ثم دفعها نحـــو كــــاهان..
أمسك كاهان الورقة ونظر إلى العنوان:
ــ دار أيتام؟
أومأ حمزة:
ــ أيوه..
ده عنوان دار البدايات..
روح هناك.. يمكن توصل لحاجة..
رفع كاهان عينيه إليه:
ــ وإنت متأكد إن المكان ده له علاقة بقدر؟
نظر حمزة إليه للحظات.. ثم قال بغموض:
ــ أنا متأكد إنك مش هتروح هناك على الفاضي..
