رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثاني عشر
كان «يونس» يقف أمام المرآة في ضوء القنديل الدافئ والخافت، يفك أزرار قميصه بإرهاق بعد يوم طويل ملتهب بالأحداث.. وفجأة، ودون أدنى استئذان أو طرقة باب، انفتح باب غرفته بدفعة قوية!
ودخلت «سمر»!
تصلب يونس في مكانه، والتفت بجسده الشامخ ونظرة عينيه تتحول في ثوانٍ معدودة من التعب إلى قسوة وشرار يطير في أركان الغرفة. تضايق وتكهربت أنفاسه من جرأتها الخبيثة، بينما كانت سمر تتقدم نحوه بخطوات بطيئة متمايلة، وفي عينيها دلال رخيص ومكر تحاول به اقتحام حصونه.
أسبلت سمر عينيها، ومالت بجسدها ونظرت لشعره وصدره، وقربت منه بوقاحة وهي تبتسم ابتسامة صفراء وتحاول تغريه وتلمس ذراعه:
ـ «مالك يا يونس كدة شايل الهم وحابس روحك؟.. ما فيش حد هيفهمك ولا يحس بيك هني قدي يا ابن عمي!»
وفجأة.. وقبل أن تمتد يدها أو تتعدى حدودها خطوة واحدة، هجم عليها يونس كالإعصار!
قبضت يده القوية على ذراعها وعصرتها بقسوة، ثم امتدت يده الأخرى لتقبض على عنقها بحسم ورعب جمد الدماء في عروقها! اضطربت أنفاس سمر وشعرت بالخنق الحقيقي تحت يده الجبارة، وعيناها تتسعان برعب لم تتوقعه إطلاقاً!
ارتفع صوت يونس بفحيح مكتوم كزمجرة الأسد، وعيناه تشتعلان غضباً ونخوة:
ـ «أنتِ اتجننتي يا بت عبد الرحيم؟! إيه اللي جابك هني؟! ازاي تتجرأي وخيالك يصور لك إنك ممكن تيجي هني وتعملي الحركة الرخيصة دي؟!»
بقلم نسرين نادر
شهقت سمر وتحشرج صوتها في حلقها، وحاولت بتمثيل ودلال ترفع يديها لتضعهما على وجه يونس أو تفك قبضته المضروبة على رقبتها، وهي تتنفس بصعوبة وتحاول تبتسم بمكر:
ـ «اهدى يا يونس.. اهدى على حالك، أنا...»
لم يدعها تكمل!
لوى يونس ذراعها خلف ظهرها بعنف وقسوة جعلتها تتلوى وتصرخ بوجع مكتوم، وأمال رأسها للأسفل وهو يهتف بصوت كالموج الهادر:
ـ «أنتِ الظاهر إن أهلك ما عرفوش يربوكي على الأدب والحياء.. وأنا اللي هربيكي وهوريكي الأدب كيف بيكون!»
في هذه اللحظات الفاصلة خارج الغرفة.. كانت «غالية» تصعد على السلم بخطوات هادئة لترتقي إلى الطابق العلوي..
وداخل الغرفة، احتدم الشجار، فصرخت سمر بمكابرة وغل، ونظرت ليونس بعينين تشتعلان حسداً وتحدياً وقالت بصوت مسموع:
ـ «أنا قلت لك قبل كدة يا يونس.. أنت من حقي أنا! مش من حق البت الخدامة دي! ومش هتبجى لغيري واصل!»
نزل الكلام على يونس كالصاعقة! وفي أقل من اللحظة.. نزل بكف يده على وجه سمر بضربة قلم طرقعت في أرجاء الغرفة وجعلت رأسها يلتف للخلف!
صرخ فيها يونس بنبرة تهز الجدران:
ـ «صحيح ما عادش عندك خَشى ولا حياء يا قليلة الرباية!! البت اللي بتتحدثي عنها دي وتبصي لها بدناءة.. دي تبجى ستك وتاج رأسك! وبكرة هتبجى ست الدوار ده كله ورأسك أنتِ وأمك تحت قدمها!»
بقلم نسرين نادر
قبض يونس على كتفها يشدها خلفه بعنف، وفتح باب الغرفة بضربة قدم، ورماها خارج الغرفة بقوة حتى سقطت سمر على أرضية الصالة العلوية بترنح ومهانة!
وفي نفس اللحظة بالضبط...
كانت «غالية» واقفة في منتصف السلم، تتصلب مكانها كالصنم من الهول والصدمة! اتسعت عيناها الخضراوان وهي تجد سمر مرمية على الأرض، ويونس يقف على عتبة باب غرفته بهيبة وثورة لا ترحم!
نظر يونس لسمر الملقاة على الأرض بنظرة كراهية وازدراء، وهتف بصوت حاسم يزلزل المكان:
ـ «إمشي من هني! وإياكِ.. إياكِ أشوف وشك قبال أوضتي تاني! وصدقيني اللي حصل النهاردة ده مش هيعدي بسلام واصل، واستني وشوفي أنا هعمل فيكِ وفأهلك إيه! إمشي من هني يا لمامة!»
وبصق يونس بجوارها بازدراء شديد، ثم خبط الباب بعنف خلفه وأغلقه بالضبة والمفتاح!
بقلم نسرين نادر
ظلت «غالية» واقفة على درجات السلم، أنفاسها متلاحقة وضربات قلبها تدق كالمطرقة، بعدما سمعت بأذنيها كيف دافع يونس عن كرامتها ورماها تحت قدميه وقال إنها ست الدوار!
أما سمر.. فعدلت جلستها بصعوبة على الأرض وهي تئن بوجع، وعدلت شعرها ومسحت نقطة دم صغيرة على شفتيها، وضعت يدها على خدها المحمر من أثر القلم الناري!
قامت سمر تترجل بخطوات ثقيلة ومترنحة دون أن تلتفت أو تلاحظ وجود غالية واقفة في الظلام على درجات السلم، ونظرت لباب يونس المغلق بغل وسواد يغلي كالبركان، ثم همست لنفسها بصوت مبحوح يقطر سماً:
ـ «وربنا لأوريك يا يونس.. وربنا لأوريك أنا هعمل فيك إيه! ما أكونش سمر لو ما خليتك تجيلي راكع تحت رجلي الاثنين هني!.. والأيام بيننا!»
ثم نزلت سمر بسرعة غاضبة وهي تلملم شتات نفسها، بينما ظلت غالية مكانها تحت تأثير الصدمة والفرحة الخافقة في قلبها!
بقلم نسرين نادر
المشهد الثاني
في الجهة الأخرى من الدوار، كانت «حكمت» تجلس في غرفتها الشبه مظلمة، تُمسك بين يديها المرتجفتين تلك السلسلة الذهبية القديمة، والشرار والدموع يتلامعان في عينيها..
وفجأة.. سحبتها الذكريات إلى الماضي البعيد، لتعود بها الأحداث بفلاش باك (منذ تسعة عشر عاماً)...
كانت ليلة شديدة البرودة من ليالي الشتاء القارسة، وصوت الرياح يعصف خارج دوار العزايزية، والظلام يلف النجع بأكمله في منتصف الليل.
وفجأة! تعالى صوت خبط شديد ومتواصل على باب الدوار الكبير، جعل «حكمت» – وكان سنها صغيراً وقتها – تفزع من مكانها وتهرول لفتح الباب.
عندما فتحت الباب، وجدت الغفير «نجاتي» يقف أمامها أنفاسه متلاحقة والبرد يجمد ملامحه، وهو يحمل بين يديه لفة صغيرة (شنطة مولود)، وهتف بخوف وارتباك:
ـ «اندهي على سي نعمان بسرعة يا حكمت! بسرعة!»
ركضت حكمت إلى الداخل، وكان «نعمان» وقتها ينزل على درجات السلم متجهاً إلى المكتب بعدما أدخل والده (الحاج الكبير العزازي) إلى غرفته ليرتاح.
أسرعت حكمت ونادت عليه بصوت متوتر:
ـ «يا سي نعمان! الغفير نجاتي برة وعايزك ضروري جوي!»
قطب نعمان حاجبيه باستغراب وهتف:
ـ «في إيه على نص الليل يا حكمت؟!»
ردت بحيرة:
ـ «ما أخبُرش يا سي نعمان، جوم شوفه بنفسك!»
خرج نعمان معها إلى مدخل الدوار، لتجد حكمت الغفير يمسك بتلك اللفة الصغيرة، فتقدمت حكمت بفضول وحنان ورفعت الغطاء، لتتفاجأ بطفلة صغيرة ملائكية الملامح نائمة بسلام، وبجوارها ورقة مطوية!
اندلع الذهول في وجه نعمان وهتف بحيرة وحسم:
ـ «إيه ده يا نجاتي؟! ومين اللي جاب البت دي هني في الوقت ده؟!»
أنزل نجاتي رأسه وقال بقلة حيلة:
ـ «والله ما أخبُر يا سي نعمان.. عربية جربت من الدوار، ونزلت منها واحدة لافّة روحها بأسود في أسود ومغطية وشها، سابت اللفة دي وجرت على طول وما لحجناهاش! ولما جربت لئيتها بني آدمة صغيرة، جلت أجيبهالك فوراً!»
نظر له نعمان بجمود وقال:
ـ «طب روح أنت دلوك يا نجاتي، وما تنطقش بكلمة واصل أمام حد!»
انصرف الغفير، في حين فتحت حكمت الورقة المطوية بحذر لقراءتها.. وما إن وقعت عيناها على السطور المكتوبة، حتى شخَصت عيناها بصدمة مروعة وظلت تتنقل بين الورقة والطفلة النائمة!
مدت حكمت يدها المرتجفة بالورقة لنعمان وهي لا تصدق ما تقرأ.
أخذ نعمان الورقة، وما إن قرأ ما فيها حتى وضع يده على رأسه بشرود وصدمة زلزلت أركانه، ثم نظر إلى الطفلة الرضيعة – والتي لم تكن سوى «غالية» – وهتف بفزع مكتوم:
ـ «يا خراب بيتك يا نعمان! يا خراب بيتك يا نعمان.. هنعملوا إيه دلوك بس يا ربي؟!»
شهقت حكمت بصدمة وقالت بنبرة مرتجفة:
ـ «كيف ده بس يا سي نعمان؟! معقولة البت دي تكون بنت أخوك؟!»
وفور أن نطقت كلماتها، تحول وجه نعمان إلى الجحيم، وهجم عليها يقبض على كتفها بنظرة مرعبة وهتف بفحيح كالذئب:
ـ «اكتِمي يا حكمت!! اكتمي وما تعرفيش مخلوق واصل بالموضوع ده! فاهمة ولا لاه؟! وإلا والله العظيم أقتلك وأدفنك مكانك هني!»
ارتعدت حكمت من تهديده وقالت بقلة حيلة ودموعها تتساقط:
ـ «كيف بس يا سي نعمان ده بتكم ومن دمكم!»
رد نعمان بصوت قاطع لا يقبل النقاش:
ـ «ما حدش هيعرف بالحديث ده واصل! وما حدش يخبر إن أخوي كان متجوز أساساً! أنتِ هتاخدي البت دي وهنجولوا إننا لقيناها حد سابها وإحنا هنسعوها ونربوها ونكسبوا فيها ثواب.. وهتربيها كأنها بتك بالظبط!»
بقلم نسرين نادر
(العودة إلى الحاضر)
أفاقت «حكمت» من شريط ذكرياتها الأليم، وانقشعت صور الماضي من أمام عينيها وهي تنتفض في غرفتها، والدموع تحرق خدودها، بينما قبضت على السلسلة الذهبية بقوة وهزت رأسها بإصرار وهي تهمس لنفسها بصوت يملؤه الندم والشجاعة:
ـ «والله يا بنيتي ما هسيبك كدة تاني.. فاكرة روحك خدامة وما لكيش أهل وأنتِ صاحبة الدار وأصلها! لازم أعرفك بالحقيقة كاملة.. حتى لو خايفة تزعلي مني إنك تعرفي إني كنت خابرة كل ده وساكتة طول السنين دي.. لاه، أنا مش هجولك أنتِ المباشرة يا غالية.. أنا هجول لـ يونس! يونس هو الوحيد اللي هيعرف يجيب لك حقك ويقف قبال أبوه والدنيا كلها عشانك!»
بقلم نسرين نادر
المشهد الثالث
ركضت «غالية» بخطوات متسارعة ونبضات قلبها تتخابط في صدرها كأنها طير مذبوح، حتى وصلت إلى غرفة «زينب» ودفعت الباب وأغلقته خلفها بسرعة وهي تتنفس بصعوبة.
انتفضت زينب من على السرير بفزع من دخلة غالية المفاجئة، ونظرت لملامحها المصدومة والمبهوتة وهتفت بقلق:
ـ «في إيه يا غالية؟! مالك داخلة كيف اللي حد بيلف وراكي؟! إيه اللي حصل يا بتي؟!»
اقتربت غالية منها وهي تضع يدها على قلبها، ونظرت لزينب بنظرات غير مصدقة وقالت بصوت مذهول:
ـ «أنا مصدومة يا زينب.. يا مَرّي على اللي شوفتُه بعيني فوق!»
توسعت عينا زينب بخوف واقتربت منها تجذبها من ذراعها:
ـ «إيه في إيه؟! ما توغوشنيش أكتر من كدة يا غالية.. جوليلي على طول إيه اللي حصل؟!»
بلعت غالية ريقها بصعوبة وقالت وهامسة بذهول:
ـ «شفت «سمر».. كانت طالعة من أوضة يونس وهي لابسة لبس عفش وقليل الحياء وفي وقت متأخر كدة! شفت يونس وهو ماسكها من ذراعها وقابض على رقبتها وبيزعق فيها بعنف، ورماها على الأرض برة الأوضة وطردها وقفل الباب في وشها! وقال لها إنها رخيصة وما تدخلش قبال أوضته تاني واصل!»
شهقت زينب وحطت يدها على صدرها بذهول وصدمة:
ـ «يا مَرّي!! وإيه اللي ودى البت المخذولة دي هناك عند يونس في وقت زي ده بروحها؟! وبباللبس ده؟! صحيح بت فلتانة وأهلها ما عرفوش يربوها على الحياء والأدب واصل!»
تابعت غالية بصوت مرتجف وهي تتذكر الموقف:
ـ «مش بس كدة يا زينب.. ده بعد ما يونس قفل الباب وبصق جنبها، أنا سمعتها وهي بتتوعّد بينها وبين نفسها بغل مالي قلبها.. كانت بتقول إنها ما تبقاش سمر لو ما خليتهوش يجي راكع تحت رجليها الاثنين!»
حركت زينب رأسها بأسف وقالت:
ـ «بت عبد الرحيم دي عقرب مسمومة ومفكرة نفسها تقدر تعمل كدة.. بس يونس رجل ولد رجل، ومسح بكرامتها الأرض وعرّفها حجمها الطبيعي! الحمد لله إن يونس وقفها عند حدها وما أداهاش فرصة، وهي آخِرها توعُّد على الفاضي وما تقدرش تعمل حاجة مع يونس واصل!»
بقلم نسرين نادر
المشهد الرابع
عندما أشرقت شمس اليوم التالي، كان الدوار يشهد تجمع العائلة بأكملها حول مائدة الإفطار الكبرى. كانت الأجواء محملة بترقب غريب بعد أن طلب «الحاج نعمان» ألا يغادر أحد المائدة لأن لديه خبراً هائلاً سيعلنه على الجميع.
كانت «سمر» تجلس في زاوية المائدة، تحاول بكل جهدها إخفاء وجهها ولَمّ شعرها لتداري أثر الضرب والقلم الناري الذي تركه يونس على وجهها في الليلة الماضية، وعيناها تنظران للأرض بغل مكتوم.
ساد الصمت المطبق، وظل الجميع ينتظرون بشغف، حتى كسرته «صفية» بنبرة قلقة متسائلة:
ـ «خير يا حاج نعمان؟ خبر إيه اللي رايد تقوله على الصبحية كدة وقاعدنا كلنا بسببه؟»
وقف «الحاج نعمان» بقامته الشامخة، ونظر نحو ابنه «يونس» الجالس بجواره بكل هيبة. مد نعمان يده وتربت على كتف يونس بحنان وفخر، ليبتسم يونس ويقف بجوار أبيه.
تنحنح نعمان وقال بصوت جهوري هز أرجاء المكان:
ـ «أنا عمدة البلد دي ونجع العزايزية بقالي أكتر من تسعتاشر سنة.. شلت الشيلة وطفت البلد وحليت مشاكل النجع كله، والنهارده جالي الوقت اللي أقول فيه إني تعبت، وما عدتش أقدر على حمول العمودية ومشاكلها.. كفايتي لحد كدة.»
اتسعت عيون الجميع بذهول، فنظر نعمان ليونس بفخر وأكمل حديثه:
ـ «وعشان كدة.. أنا قررت أتراجع وأتنازل عن العمودية لابني يونس! يونس هو أحق واحد بيها، شاف معايا كتير من وهو صغير، وحفظ الأصول وحل المشاكل وعقله يوزن بلد، راجل له كلمة وهيبة ويقدر يشيل النجع كله على كتافه.. ومن النهاردة، اسمه الرسمي: العمدة يونس نعمان العزازي!»
بقلم نسرين نادر
اندلعت الفرحة في أرجاء الصالة، وعلت الابتسامة وجه «صفية» و«زينب» و«كريمة»، بينما كانت «غالية» تقف بعيداً قليلاً وعيناها تتألقان بفرحة وفخر لا يوصفان وهي تنظر للعمدة الجديد.
في المقابل، كأن صاعقة نزلت على «وصال» و«نعمة» و«راوية» و«سمر»، واشتعل الغل في قلوبهم وهم يتهامسون بالنظرات المسمومة!
قام «حمزة» و«رجب» يهرولان نحو أخيهما يونس ويعانقانه بحرارة:
ـ «مبروك يا أخوي! تستاهلها وتستاهل أكتر منها كمان والله!»
كما تقدم عمهم «عبد الرحيم» وابتسامة رضا على وجهه وقال:
ـ «مبروك يا ولد أخوي.. طول عمرك كبير وعقلك يوزن بلد، والنجع كده هيبقى في يد أمينة.»
وحاول «عبد الحميد» أن ينهض بصعوبة وهو يبتسم بضعف ويقول:
ـ «مبروك يا ولدي.. مبروك يا عمدة النجع.»
بقلم نسرين نادر
وفي وسط هذه التبريكات، كانت «نعمة» و«وصال» تجلسان بجمود ونظرات يملؤها الغيظ، لاحظت صفية جوهم المسموم فنظرت لهما بحدّة وقالت:
ـ «جرى إيه يا وصال أنتِ ونعمة؟! مش هتقولوا ليونس مبروك ولا إيه عاد؟!»
رمقتها «وصال» بنظرة ملتوية وقالت بقلة ذوق جافة:
ـ «مبروك..»
أما «نعمة» فنظرت ليونس بابتسامة صفراء وقالت بنبرة تهكمية:
ـ «لا إزاي؟ مبروك طبعاً يا يونس.. يلا، الأب هيسلم ابنه، والابن هيسلم ابنه بكرة، وهنفضل إحنا قاعدين نتفرج عليهم طول العمر!»
لتلوي وصال فمها وترد على نعمة بتمثيل:
ـ «عندك حق والله يا نعمة.. صح لسانك!»
اشتعل الغضب في قلب «زينب»، فنظرت لخطيبها «منصور» بغيظ شديد ليتدخل، وبالفعل تقدم منصور خطوة نحو أمه «نعمة» بنبرة حازمة وصارمة:
ـ «إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا أما؟! يونس أحق واحد بالعمودية بعد عمي، وعيب أوي الكلام ده يطلع منك قبال الناس! غير إن إحنا لسة لينا حق تاني ويا بعضينا ومش ناسيينه واصل!»
ارتبكت نعمة وتغيرت ملامحها بالخوف وهي تتلعثم في كلامها:
ـ «أنا.. أنا ما قلتش حاجة يا منصور! ما قصدتش حاجة بالكلام ده واصل.. أنا بتكلم عادي يعني!»
بقلم نسرين نادر
المشهد الخامس
وبينما كان الجميع لم يستوعبوا بعد خبر العمودية والتوتر يخيم على المكان، تطلع الحاج «نعمان» في وجوههم جميعاً بنظرات ثاقبة، ثم قال بصوت جهوري وقور:
ـ «وفي خبر تاني كمان ولازم الكل يعرفه هني وساعته..»
اتسعت العيون باتجاهه في ترقب مشدود، لترد «وصال» بتهكم ونبرة مسمومة وهي تلوي فمها:
ـ «خير يا حاج؟ إيه كمان عاد؟! تكونش كمان هتكتب البيت الكبير والدوار كله باسم يونس يا حاج؟!»
نظر لها زوجها «عبد الحميد» بنظرة عتاب وحزن حاد، لكنها قلبت عينيها بمرارة غير أبهة به وبغل لا تستطيع إخفاءه.
ابتسم الحاج نعمان ابتسامة خفيفة ساخرة، فهو يفهم تماماً حجم الغل الذي يحرق قلوبهم، ونظر لوصال بثبات وقال:
ـ «لاه يا وصال.. بس الدوار ده قريب جوي هتدخله ست جديدة، وهتبقى هي فيما بعد ست الدوار ده كله.. ده إن ما كانتش بقت ست الدوار من دلوك أساساً!»
تطلعت «نعمة» و«وصال» بوجوه مشدودة ونظرات يملؤها الشك والترقب الصارم، وفي تلك اللحظة التفتت «زينب» بنظرها نحو «غالية» الواقفة في الزاوية بجوار «حكمت». مدّت حكمت يدها الحنونة وطبطبت على ظهر غالية بقوة ودعم وهي تبتسم لها، بينما كان «يونس» يرمق غالية بنظرات حاطبة دافئة يملؤها الشوق والحب أمام الجميع.
تنحنح الحاج نعمان وأعلن القنبلة التي هزت الصالة:
ـ «بعد بكرة.. هيبقى كتب كتاب وخطوبة بتنا زينب على ولدنا منصور، وبعديها على طول في نفس الليلة.. هيبقى كتب كتاب وخطوبة ولدنا العمدة يونس على غالية!»
وقع الخبر كالصاعقة المدوية! خيم الذهول المطلق على الجميع، واتسعت الأحداق في صدمة لا تُصدق!
انطلقت الابتسامة على وجه الحاجة «صفية»، وفاضت الفرحة من وجه «كريمة» و«زينب»، وهرولتا فوراً للوقوف بجوار غالية الواقفة في منتصف الصالة وخداها يشتعلان خجلاً وحياءً، ليعلو صوت الزغاريد الهادرة من كريمة وزينب ليملأ أرجاء الدوار فرحاً!
أما في الجانب الآخر.. فكان الغل والسواد يلتهم وجوه «نعمة» و«وصال» و«سمر» و«راوية».
خطت «راوية» خطوة للأمام، ونظرت لغالية بازدراء ووقاحة، ثم وجهت حديثها للحاج نعمان بنبرة حادة وساخرة:
ـ «وعلى إيه الفرحة دي كلها يا عمي؟! ولمن نيجوا نقدموا غالية هني قبال أعيان البلد والمشايخ في كتب الكتاب.. هنقولوا عليها إيه إياك؟! هنقولوا العمدة اتجوز الخدامة اللي كانت بتخدم تحت رجلين أمه؟! ولا البت اللقيطة اللي ما حيلتهاش أصل ولا فصل ولا أهل يسألوا عنها؟!»
تجمعت الدموع في عيني «غالية» من قسوة الكلام، لكن قبل أن ينطق الحاج نعمان بكلمة.. خطا «يونس» خطوة جبارة للأمام، ووقف كالسد المنيع أمام غالية، وعيناه تطيران شراراً ونظراته كفيلة بإحراق المكان، وهتف بصوت كالرعد زلزل جدران الدوار:
ـ «إكتِمي قطع لسانك يا راوية!! غالية دي اللي بتتحدثي عنها بدناءة.. جزمتها برقبتك أنتِ وأي حد يفكر يقل من قيمتها! غالية ست البنات وست الدوار ده كله، واللي يمسها بكلمة كأنه مس العمدة يونس العزازي بنفسه.. ووساعتها يقرأ على روحه الفاتحة!»
