رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثالث عشر 

انتبه الجميع إلى الصراخ القادم من الخارج، فهبّوا من أماكنهم مذعورين، بينما أسرع رضوان نحو الباب ليفتحه، وما إن فتحه حتى وجد السيدة فوزية أمامه، تلهث من شدة الركض، وملامحها مضطربة، وصوتها يعلو بالاستغاثة.

وما إن رأته حتى أمسكت بيده، وكأنها وجدت أخيرًا من يستطيع إنقاذها، وصاحت مترجية:

ـ الحقني يا رضوان، الحقني يا ابني، جاية واقعة في عرضك!

تفرّس رضوان في وجهها بقلق، ثم نظر خلفها فلم يجد أحدًا، فسألها سريعًا:

ـ خالتي فوزية، خير؟ مالك؟ عم صبحي جراله حاجة؟

كادت الكلمات تخرج من بين شهقاتها، وهي تمسح دموعًا لم تكن موجودة إلا في خيالها، ثم قالت بانهيار:

ـ الواطي الدون! يا ريته يا خويا جراله حاجة ولا غار في ستين داهية! شوفت عمل إيه فيا؟ ده عاملها واتجوز عليا يا رضوان! أنا كنت عند أمي وقلت أروح أبص عليه، لقيته بيكتب كتابه على بنت عمي وصاحبتي اللي كنت فاكراها أختي! أنا حاسة إني هموت، غيتوني يا ناس! أعمل إيه؟ بقى بعد العمر ده كله صبحي يعملها ويتجوز عليا؟

تنهد رضوان، وقد أدرك سريعًا أنها نسيت الأمر مرة أخرى، بينما تبادل الموجودون النظرات في صمت، وقد بدا على بعضهم الدهشة، وعلى البعض الآخر محاولة كتم ابتسامته.

ابتسم رضوان لها في هدوء، وأشار بيده إلى الجميع حتى يطمئنوا، ثم قال محاولًا تهدئتها:

ـ طيب استهدي بالله يا خالتي، إزاي بس الكلام ده؟ عمي صبحي ما يعملش حاجة زي دي أبدًا.

شهقت فوزية، ووضعت يدها على خصرها، ثم قالت بصوت مرتفع:

ـ ليه يا رضوان؟ حد قالك إن صبحي سبرتو من العشرة المبشرين بالجنة! ده أمه اسمها صلاحية، يعني انتهت من زمن الزمن!

انفلتت من رضوان ضحكة رغماً عنه، ثم أشار لها أن تهدأ وهو يقول:
ـ تعالي اقعدي بس وريحي، وهو دلوقتي تلاقيه جاي وهيفهمنا إيه اللي حصل.

وقبل أن ينهي جملته، ظهر صبحي في نهاية الحارة، يركض بأقصى ما لديه من طاقة، مرتديًا ملابس نومه، واضعًا يده فوق قلبه، بينما يلهث من شدة ما بذله من جهد في ملاحقتها.

وما إن وصل إليهم حتى وقف أمام زوجته، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم صاح مستاءً:

ـ يا وليّة! يا وليّة! كفاية بقى! أنا تعبت! قطعتي نفسي ومجرياني وراكي من أول الحارة لآخرها بالكلسون! أعمل فيكي إيه دلوقتي؟ أنا تعبت منك!

مد رضوان يده سريعًا ليسنده بعدما شعر أن ساقيه لم تعودا تحتملان المزيد، وقال مطمئنًا:

ـ مفيش حاجة يا عم صبحي، خالتي فوزية زي الفل.

رمقه صبحي بنظرة يائسة، ثم قال ساخرًا:

ـ دي زي الفل؟ دي زي اللفت، زي الطرشي! ده من وقت اليوم المنكوب وأنا ما شفتش يوم عدل معاها! كل يومين في نفس الموال، لحد ما خلاص دماغي هتفرقع يا ناس! أعمل فيها إيه بس؟ دي كانت جوازة الندامة يوم ما فكرت أتجوز عليها، تقولش لعنة وحلت عليا؟

ردت فوزية بغيظ، وقد استعادت طاقتها فور سماعها لكلامه:

ـ لفت مين يا راجل؟ ما إنت مهزء رايح تتجوز عليا في سنك ده! طب اختشي على دمك! رايح تتجوز بنت عمي؟ هتفرق إيه يعني عني؟ ما هي ست في الأول والآخر! هي يعني طالعة لك من الجنة وهتفرشلك الأرض ورد؟

تنهد صبحي، وأخذ يهز رأسه في أسى:

ـ لا ورد ولا بطيخ! أنا من يومها ما شفتش غير الشوك والهم والقرف. كان يوم مالوش ملامح على دماغي. يا ريتني أنا اللي أفقد الذاكرة يا شيخة علشان أرتاح منك ومن قرفك.

وبينما كانت فوزية تستعد للرد عليه، تغيرت ملامحها فجأة، وكأن شيئًا ما انطفأ داخل عقلها ثم عاد للعمل من جديد.

أخذت تنظر حولها باستغراب، ثم وقعت عيناها على رضوان، ومن بعده على زهرة وحبيبة، فسألت بدهشة:

ـ رضوان وام رضوان؟ إزيك يا بت يا حبيبة؟ هو أنا إيه اللي جابني هنا؟

ثم التفتت إلى صبحي، وما إن رأته بملابس البيت حتى اتسعت عيناها من جديد، وقالت باستنكار:

ـ يخيبك يا راجل! إنت جاي هنا بالكلسون؟ أعمل فيك إيه؟ دايمًا فاضحني كده في كل حتة! قولي يا رضوان، أعمل إيه؟

تنهد رضوان وضحك رغماً عنه، ثم أشار إليهما نحو الداخل:

ـ ما تعمليش حاجة يا خالتي. تقعدي تشربي الشاي إنتِ والراجل الطيب ده، وتستهدوا بالله، وبعد كده ترجعي على بيتكم زي الفل وآخر روقان.

وضع صبحي يديه فوق رأسه بخيبة، وقال:

ـ روقان! وهييجي منين بس الروقان يا رضوان يا ابني؟ أنا حياتي كلها بقت عبارة عن كلسون وجري في الشوارع! ما بقيتش عارف ألاقيها منين ولا منين!

ربت رضوان على كتفه، وقال محاولًا إنهاء الأمر بهدوء:

ـ معلش يا عم صبحي، إنت عارف هي تعبانة ومش في وعيها، الله يكون في عونها. مش كل شوية هنتكلم في الموضوع ده.

كان حسين يقف في مكانه يتابع ما يحدث بصمت، وقد بدت على ملامحه علامات الدهشة من هذا المشهد غير المتوقع.

أما زاد، فكانت تقف وكأنها تشاهد عالمًا لا يمت بصلة إلى أي شيء عرفته من قبل. لم تستوعب بعد كيف يمكن أن تتحول لحظة عادية داخل منزل إلى كل هذه الفوضى والصراخ والمطاردات.

شعرت برغبة عارمة في الابتعاد عن هذا الجو، فتحركت خطوة إلى الأمام، وما إن مرت بجوار فوزية حتى لمحتها الأخيرة.

توقفت فوزية فجأة، وشهقت، ثم اقتربت منها وأمسكت بذراعها دون استئذان، وأخذت تتفحصها بانبهار من رأسها حتى قدميها، قبل أن تسأل بفضول صريح:

ـ مين يا زهرة البت الحلوة دي؟ تكونش مذيعة في التلفزيون؟ آه والنبي شبههم! هو إنتوا طالعين في برنامج؟

تجمدت زاد للحظة، ثم نظرت إلى يد فوزية الملتفة حول ذراعها، وشعرت بضيق شديد من هذا التدخل المفاجئ.

حاولت أن تسحب ذراعها، لكنها لم تستطع الإفلات بسهولة، بينما ارتبكت زهرة، وتلعثمت الكلمات على لسانها.

ـ لا يا ست فوزية، ولا مذيعة ولا حاجة، دي...

سكتت.

لم تعرف كيف تكمل.

رفعت عينيها نحو رضوان، وكأنها تسأله بصمت: هل تخبرها؟ أم تحتفظ بالأمر سرًا لبعض الوقت؟

ولم يكن رضوان أقل ارتباكًا منها؛ فقد وجد نفسه فجأة أمام سؤال لا يعرف كيف يجيب عنه.

أما حبيبة، فكانت تراقب المشهد، وقد لمعت في عينيها فكرة ماكرة.

وانتهزت الفرصة قبل أن يفكر أحد في إيقافها، وقالت بصوت مرتفع:

ـ مذيعة إيه بس يا طنط فوزية؟ دي زاد المالكي، وتبقى مرات رضوان أخويا! مش تباركيله؟ اتجوز امبارح.

نظر إليها رضوان مغتاظًا، بينما صرت زهرة على أسنانها، فقد فهمت فورًا ما ترمي إليه ابنتها.

كانت تعلم أن هذا الخبر لن يبقى داخل هذا المنزل طويلًا، وأن فوزية تحديدًا قد تكون أسرع وسيلة لانتشاره في الحارة كلها.

فالسيدة فوزية، حين يتعلق الأمر بالأخبار، كانت أشبه بنشرة أخبار متنقلة؛ تعرف الخبر قبل الجميع، وما إن تعرفه حتى يصل إلى الحي كله أسرع من الإنترنت.

شهقت فوزية، واتسعت عيناها، ثم نظرت إلى زاد من جديد وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته:

ـ مراته؟! يختي زي العسل! بس بالسرعة دي يا رضوان؟ وكمان معزمتناش؟

اضطر رضوان إلى الابتسام، وقال ملطفًا:

ـ معلش يا خالتي، كل حاجة حصلت بسرعة علشان والدها مسافر، فعملنا ليلة على الضيق كده عندهم.

ابتسمت فوزية، ثم أخذت تحدق في زاد بنظرة فاحصة من رأسها حتى أخمص قدميها، وكأنها تجري عليها تقييمًا كاملًا، ثم قالت بإعجاب:

ـ يا زين ما اخترت يا رضوان! دي حلوة أوي، مش زي البت رباب، كانت معصعصة زي صباع البقسماط، مع إن أبوها جزار... بس نتن!

ثم اتسعت ابتسامتها، وربتت على ذراع زاد قائلة:

ـ مبروك يا حلوة، ألف مبروك! أنا بقى اسمي خالتك فوزية، والناس هنا بيقولولي يا لوزة، عادي.

نظرت زاد إليها بعينين امتلأتا بالغضب، ثم سحبت ذراعها بعنف من يدها، واستدارت دون كلمة، واتجهت إلى غرفتها بخطوات سريعة.

مصمصت فوزية شفتيها بسخرية، وأطلقت نظرة جانبية تحمل الكثير من التهكم تجاه تلك الفتاة التي لم تفهم حتى الآن سبب تصرفها بهذه الطريقة، ثم أشاحت بوجهها وكأن الأمر لم يرق لها.

أما صبحي، فلم يحتمل المزيد من التوتر الذي بدأ يخيم على المكان، فتقدم من زوجته وأمسك بذراعها قائلًا بضيق:

ـ يلا يا فوزية، كفاية بقى فضايح لحد كده. الناس بقت بتقول عليا صبحي أبو كلسون! منك لله يا شيخة. انجري قدامي.

نظرت إليه فوزية بضيق، ثم تبعته وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، بينما ظل رضوان واقفًا يراقبهما حتى غادرا المنزل.

وحين اختفى صوت خطواتهما، عاد الهدوء تدريجيًا إلى المكان.

التفت حسين إلى رضوان، وتبادلا النظرات للحظات، ثم ودعه حسين واستعد للمغادرة.

هبط من شقة رضوان إلى الطابق السفلي، وتبعه رضوان حتى وصلا إلى السيارة.

توقف حسين بجوارها، لكنه لم يفتح الباب على الفور.

ظل واقفًا للحظات ينظر إلى رضوان، وكأن هناك شيئًا أثقل من مجرد الوداع يريد أن يقوله قبل أن يرحل.

تنهد، ثم قال بنبرة جادة يغلفها القلق:

ـ بص يا رضوان... أنا عارف إن الجوازة دي حصلت بسرعة، وعارف إنك لسه ما لحقتش تعرف زاد كويس، بس أنا عايز منك طلب.

نظر إليه رضوان باهتمام، فأكمل حسين:

ـ زاد بنت طيبة، والله طيبة. يمكن طريقتها تضايقك، ويمكن ساعات تتصرف بشكل يبان لك إنها متكبرة أو مش مقدرة اللي حواليها، بس صدقني هي مش وحشة.

صمت لحظة، ثم أضاف موضحًا:

ـ هي عمرها ما شالت مسؤولية بجد. اتربت في بيت كل حاجة كانت متوفرة لها، وكل اللي تحتاجه كان بييجي لحد عندها، فطبيعي تكون مش عارفة تتعامل مع حاجات كتير بالشكل اللي إنت متعود عليه. ده مش مبرر لكل تصرفاتها، بس أنا عارف بنتي... قلبها أبيض، ومش بتقصد الأذى.

خفض رضوان عينيه للحظات، ثم رفعهما إليه وقال بهدوء:

ـ فاهمك يا حسين بيه، وعارف إن زاد يمكن محتاجة وقت علشان تتعود على حياتها الجديدة.

اقترب حسين منه خطوة، وقال بنبرة أكثر جدية:

ـ وأنا مش طالب منك أكتر من إنك تديها الوقت ده. عاملها بالراحة يا رضوان، وما تضغطش عليها. هي خسرت حياتها كلها في لحظة، حتى لو كانت الحياة دي مختلفة عن حياتك تمامًا.

ظل رضوان صامتًا يستمع إليه، فتابع حسين:

ـ وإوعى في يوم تمد إيدك عليها أو تأذيها بأي شكل. زاد هي كل اللي ليا في الدنيا، وأنا مطمن عليها عندك وعايز أفضل مطمن.

تغيرت ملامح رضوان، وأجابه بصدق:

ـ كلام إيه ده يا حسين بيه؟ بنتك في أمان، وأنا عمري ما أمد إيدي عليها، ولا أقبل إن حد يأذيها. لا رجولتي ولا أخلاقي تسمح إني أمد إيدي على أي واحدة ست.

تنفس حسين براحة، وربت على كتف رضوان قائلًا:

ـ أنا عارف إنك راجل، وعارف إنك قد المسؤولية. علشان كده سلمتها لك وأنا مطمن. يمكن الأيام تعلمها حاجات كتير، وواثق إنك كمان هتكتشف فيها حاجات ما شوفتهاش لسه.

ابتسم رضوان ابتسامة خفيفة وقال:

ـ إن شاء الله يا حسين بيه.

بادله حسين ابتسامته، ثم فتح باب سيارته، لكنه قبل أن يستقلها التفت إليه مرة أخرى وقال:

ـ خلي بالك منها يا رضوان... دي بنتي الوحيدة.

أومأ رضوان برأسه بثبات، وقال:

ـ من عينيا. أنا مش عايزك تقلق من حاجة. بنتك في أمان.

ابتسم حسين أخيرًا، ثم استقل سيارته وانطلق، بينما ظل رضوان واقفًا أمام المنزل يتابعه بعينيه حتى ابتعدت السيارة عن المكان.

لم يتحرك إلا بعد أن اختفت عن ناظريه، ثم استدار وعاد إلى الداخل، وفي قلبه ثقل غريب خلفته كلمات حسين، وكأن الرجل لم يترك له وصية عابرة، بل وضع بين يديه مسؤولية كبيرة لا يعرف إلى أين ستقوده.

---

أما في الطابق العلوي، فلم تكن الأجواء أكثر هدوءًا.

كانت حبيبة قد اتجهت إلى غرفتها، وما إن دخلت حتى لحقت بها زهرة بعد دقائق قليلة.

فتحت الباب ودخلت، ثم وقفت أمام ابنتها، وقالت بنبرة حازمة:

ـ حبيبة، اللي إنتِ عملتيه بره ده كله غلط في غلط. إزاي تقولي للست فوزية حاجة كبيرة زي دي؟

نظرت حبيبة إلى أمها بعيون جامدة، ثم أجابتها بانفعال:

ـ أنا ما عملتش حاجة غلط! الست سألت عن وجودها هنا وأنا رديت عليها بكل صراحة وقولت الحقيقة، فين بقى الغلط؟

تأبطت زهرة ذراعها، وأجابتها بصرامة:

ـ الغلط إنتِ عارفاه كويس! لما تتصرفي وتردي مكان أخوكي وتلغِي وجوده، وكمان هو حر كان يقول اللي يقوله.

ابتلعت حبيبة ريقها، وحاولت تهدئة نفسها، ثم قالت بهدوء مصطنع:

ـ رضوان كان هيقول نفس الكلام اللي قولته.

ثم نظرت إلى أمها، وأكملت متسائلة:

ـ هي مش مراته برده؟ مفيش حاجة بتتدارى اليومين دول يا ماما، ومكنش ينفع نكدب أو نجمل وجودها هنا. هي خلاص مراته، وهتكون موجودة هنا على طول. مش يوم أو يومين وهتمشي، يعني في الأول وفي الآخر الناس كده كده هتشوفها وكانت هتعرف.

رفعت رأسها، وكبحت دموعها، ثم قالت:

ـ ورضوان بيخاف على سمعتنا، وكان بينصح رباب بالكلام ده، وأظن إنه مش هينكر حاجة زي دي.

رمقتها زهرة بغضب وقالت:

ـ إنتِ مالك إنتِ؟  أخوكي عارف مصلحته، يقول ولا ما يقولش، هو حر.

نظرت حبيبة بعيدًا، وقد انكسر صوتها وهي تقول:

ـ هو مش راح اتجوز من ورانا وكسر فرحتنا؟ وكسر قلبي وقلبك، ومعملش لينا أي اعتبار. ولا كأننا موجودين في حياته! الوجع الكبير والصعب عدا يا ماما، بتهيألي اللي جاي هو السهل. كونهم يعرفوا من دلوقتي أحسن لينا وليهم.

اقتربت منها أمها، وجذبتها من ذراعها، وقالت بلهجة تحمل عتابًا شديدًا:

ـ إنتِ غلطتي غلط كبير في حق أخوكي.

وقبل أن تكمل، جاء صوت رضوان من خلفهما:

ـ حبيبة معاها حق يا أمي.

استدارتا إليه.

كان واقفًا عند الباب، وقد بدا الحزن واضحًا في عينيه، رغم محاولته إخفاءه.

نظرت إليه أمه، وقالت بنبرة متحشرجة:

ـ بس المفروض كانت تاخد رأيك الأول يا رضوان، وما تتكلمش في وجودك. إنت أخوها الكبير. ودي حياتك وانت حر فيها.

ابتسم رضوان ابتسامة باهتة، وقال:

ـ حبيبة شايفة إني كسرت فرحتها بعملتي دي، قال يعني أنا اللي فرحان وعايش أسعد واحد في الدنيا.

ثم نظر إلى أخته، وكانت نظرته تحمل عتابًا أعمق من الكلمات:

ـ عمري ما كنت أتخيل إنك في يوم وليلة ترمي عمري كله ورا ضهرك وتسبيني وتمشي يا حبيبة.

ثم ابتسم بحزن، وقال جملته المعتادة:

ـ بس نزعل ليه والدنيا فيها حبيبة.

اتسعت عينا حبيبة، وامتلأتا بالانكسار وهي ترى أخاها بهذه الصورة، وتسمع كل كلمة قالتها في حقه وكأنها تُعاد أمامها الآن بطريقة أكثر قسوة.

تحركت نحوه، وكادت تلقي نفسها بين ذراعيه كما كانت تفعل دائمًا، لكنها توقفت عندما أشار إليهما بيده قائلًا:

ـ انا تعبان وعايز انام. 

ثم ذهب في صمت، وفتح باب غرفته، ودخل، وأغلقه خلفه.

ظلت حبيبة واقفة مكانها للحظات، وقد أدركت الآن حجم الخطأ الذي ارتكبته حين تجاهلها أخاها وابتعد عنها.

هبطت دموعها، وحملت نبرتها الرجاء وهي تهمس:

ـ أخويا رضوان...

اقتربت منها زهرة، ووضعت يدها على كتفها، وقالت بهدوء:

ـ أنا عارفة إنك زعلانة، بس لا من حقك ولا من حقي نزعل منه. أخوكي ضحى كتير أوي علشاننا.

جلست حبيبة على فراشها، وقالت بنبرة مرتجفة:

ـ بس ده مكنش رد فعلك امبارح يا ماما. إحنا اتصدمنا منه لما عمل كده واتجوز من ورانا. إيه اللي غيرك النهارده؟ هو إنتِ بجد مبسوطة إنه اتجوز؟

أغلقت زهرة باب الغرفة، ثم أسندت ظهرها إليه، وقد أثقل الألم قلبها.

هبطت دموعها، وقالت بصوت حزين:

ـ ومين قالك إني مبسوطة؟ مفيش أم هتفرح لما تشوف ابنها بيرمي نفسه في طريق مش معروف نهايته إيه. وممكن يضيع منها.وتبقى مبسوطة.

مسحت حبيبة دموعها، وعقدت حاجبيها في حيرة، فقد شعرت أن وراء كلمات أمها شيئًا لم تفهمه بعد.

سألتها:

ـ قصدك إيه؟

أجابتها أمها بوضوح:

ـ إنتِ مفكرة إني فرحانة؟ أنا أكتر واحدة قلبي موجوع على ابني وبخته المايل. أخوكي اتجوز واحدة لا هي من توبنا ولا نعرفها، وشكل عيلتها كبيرة أوي، وبيلعبوا بالفلوس لعب. يعني بفلوسهم ونفوذهم ممكن يودوا أخوكي ورا الشمس.

وضعت حبيبة يدها على فمها بقلق، بينما تابعت زهرة حديثها:

ـ من امبارح وأنا النوم مجافي عيني، ولما أخوكي الصبح حكالي عنها وعن عيلتها خوفت. خوفت عليه، منهم يكونوا جابرينه لسبب، ولا عاملين مصيبة وبيلبسوها لأخوكي. بس لما شوفت أبوها استريحت وقلبي هدي شوية، وقلت يمكن ظني فيهم مكنش في محله. ماهو مش كل الناس الأغنيا وحشين. حسيت إن دماغي هتنفجر من التفكير، بس اللي وصلت له إني أفضل جنب ابني لآخر يوم في عمري، ومحسسوش إنه غلط. كفاية اللي عاشه وشافه من كل اللي حواليه.

مسحت دموعها، ثم أمسكت ذراع حبيبة بقوة، وقالت لها بتنبيه صارم:

ـ أخوكي من يوم رباب وهو متخبط ومش عارف بيعمل إيه، بس أنا هفضل جمبه ومعاه. وأنا عايزاكي زي ما أخوكي سند ليكي، تكوني إنتِ حضن حنين وحصن ليه. لو يوم وقع، أوعي تتخلي عنه في يوم! فاهمة ولا لأ يا حبيبة؟

هبطت دموع حبيبة مرة أخرى، ودق قلبها قلقًا من المستقبل الذي لم تستطع أمها أن تطمئنها بشأنه.

اكتفت بهز رأسها، وكأنها تقطع وعدًا صامتًا لأمها بأن تبقى إلى جوار أخيها مهما حدث.

---

وفي الجهة الأخرى من المنزل، كان رضوان قد دخل غرفته وأغلق الباب خلفه.

كانت الغرفة هي ملجأه الوحيد من كل ما يضج داخله، لكنه هذه المرة لم يكن يعلم أن زاد موجودة فيها.

كانت جالسة على فراشها، وما إن دخل حتى رفعت عينيها إليه بدهشة.

همّت أن تنهض من مكانها لتلقنه درسًا بسبب دخوله عليها دون استئذان، وتطالبه بالخروج، لكنها توقفت.

كانت ملامحه مختلفة.

لم يكن ذلك الرجل الذي اعتادت أن تراه يقابلها بالصلابة والجمود. كان وجهه يائسًا، مرهقًا، تائهًا، وكأن أفكارًا كثيرة تدور في رأسه دون أن تمنحه فرصة لالتقاط أنفاسه.

حتى إنه لم يشعر بوجودها.

راقبته زاد في صمت، ولم تعرف ما الذي غيره فجأة، لكنها لم تشغل نفسها كثيرًا بالأمر، وجلست مكانها تنتظر فقط أن يخرج من الغرفة حتى تغلق الباب خلفه وتحصل على قسط من الراحة.

مرت ثوانٍ ثقيلة.

أخذ رضوان نفسًا عميقًا، ثم مسح وجهه بكفيه، وبدا التعب واضحًا على ملامحه.

بعدها تحرك ببطء، واتجه إلى خزانته، متجاهلًا وجودها تمامًا.

فتحها، وأخرج منها غطاءً، ثم وضعه على الأرض.

لم يلتفت إليها.

كان يريد بعض الهدوء، لا أكثر.

ثم استلقى على الأرض، بلا غطاء، وأسند رأسه إلى ذراعه، بينما ظل الصمت يحيط به من كل جانب.

كان يعيش مأساته بصمت؛ مأساته التي لم يعد يعرف كيف يشرحها لأحد، ولا كيف يهرب منها.

أما زاد، فظلت تنظر إليه.

شعرت بغصة حارقة في حلقها، ولم تفهم سبب هذا الشعور الذي باغتها فجأة.

كانت مشاعر الضجر والغضب تتصارع داخلها، لكنها لم تستطع تجاهل تلك الهيئة التي بدا عليها رضوان.

ومع ذلك، ظل في داخلها غضب آخر؛ غضب من كل شيء حولها.

من هذا المنزل.

من هذه الغرفة.

من الحياة التي وجدت نفسها مقيدة بها.

وكان كل ركن في المكان يذكرها بأنها لم تعد تملك حياتها كما كانت من قبل.

---

مر يوم، وتبعه يوم آخر.

وساد الصمت أرجاء المنزل.

كان رضوان يذهب إلى عمله في صمت، وتظل زاد حبيسة غرفتها، بينما تذهب حبيبة إلى الجامعة وتعود إلى غرفتها، أما زهرة فكانت تقضي معظم وقتها بين الصلاة والدعاء.

كانت ترفع يديها كلما خلَت بنفسها، وتسأل الله أن يصلح حال ابنها مع زوجته، وأن يرزقه خيرها، ويجنبه شرها.

فليس لها سواه.

وفي غضون اليومين التاليين، كان خبر زواج رضوان قد انتشر في الحي كله، بعدما تولت السيدة فوزية مهمة نشره كعادتها، حتى لم يكد بيت في الحارة يخلو من الحديث عن زواج رضوان المفاجئ.

وكان الخبر ينتقل من شخص إلى آخر، وكلما وصل إلى أحدهم أضاف إليه من عنده شيئًا، حتى أصبح الجميع يعرف أن رضوان العطار تزوج فجأة، دون أن يعرف أحد على وجه اليقين من هي العروس، أو كيف تم هذا الزواج بهذه السرعة.

وعندما علمت رباب من عزت، الذي أخبرها عبر الهاتف بزواج رضوان المفاجئ، لم تدرك في البداية وقع الكلمات عليها.

أجابت على الهاتف بفتور، بينما تحدث عزت بفرحة:

ـ أيوه يا رباب، عرفتي اللي حصل؟

سألته بعدم اهتمام:

ـ إيه اللي حصل؟

قال عزت بفرحة، وكأنه يحمل إليها خبرًا سعيدًا:

ـ رضوان... رضوان العطار اتجوز.

وكأن دلوًا من الماء البارد سُكب فوق رأسها دفعة واحدة.

تجمدت ملامحها، وانحبس نفسها في صدرها، بينما شعرت بقلبها يهبط إلى قدميها.

لم تستوعب الكلمة التي اخترقت سمعها.

ـ رضوان... اتجوز؟

أجابها عزت ببساطة:

ـ أيوه.

اتسعت عيناها، وظلت تحدق أمامها كأنها تنتظر منه أن يتراجع عن كلماته، ثم سألته بضياع:

ـ مين اللي اتجوز يا عزت؟

ضحك عزت باستغراب، وقال:

ـ هو الصوت بيقطع ولا إيه؟ بقولك رضوان صاحبي اتجوز.

لم تكن مصدقة ما سمعته.

رضوان!

ترددت الكلمة داخل رأسها مرة، ثم مرة أخرى، حتى تحولت من مجرد كلمات إلى حقيقة ثقيلة لم تستطع روحها احتمالها.

وفجأة انفجرت في نوبة غضب عارمة.

أخذت تحطم كل ما وقعت عليه عيناها، وتدفع الأشياء من حولها بعشوائية، بينما انطلق صوتها بالصراخ والبكاء:

ـ عملتها يا رضوان! عملتها واتجوزت! مستحيل أصدق... لاااا... مستحيل!

كانت تتحرك في الغرفة بعشوائية، تدفع الأشياء وتسقطها من حولها، غير عابئة بما يتحطم تحت يديها، وكأنها تحاول تحطيم الحقيقة نفسها، لا أثاث الغرفة.

تعالى صراخها، وتبعثرت الأشياء في كل مكان، بينما ظلت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف، عاجزة عن تصديق أن رضوان، الذي ظلت تظن أن بينها وبينه فرصة لم تنتهِ، أصبح الآن زوجًا لامرأة أخرى.

وصل صوت الفوضى إلى والدتها، فصعدت إليها مسرعة.

وما إن دخلت الغرفة حتى وقعت عيناها على حال ابنتها والأثاث المبعثر من حولها، فتوقفت للحظة قبل أن تشتعل ملامحها غضبًا.

ألقت عليها نظرة حادة، وقالت بصوت مليء بالغضب:

ـ إنتِ اتهبلتي يا بنت ولا جرى لمخك حاجة؟ خلاص غضبك عماكي عن تصرفاتك؟ لو جوزك جه دلوقتي وشاف الدنيا متبهدلة كده، هتقوليله إيه يا منيلة على عينك؟

صرخت بها رباب، والدموع تغرق وجهها:

ـ رضوان اتجوز وراح مني، وإنتِ وأبويا السبب! أنا مش مسامحاكوا، فاهمة يا ماما؟ عمري ما هسامحك على اللي عملتيه فيا.

عنفتها أمها قائلة:

ـ رضوان اتجوز من غير ما حد يعرف، الكل عرف بالصدفة، يعني جواز سُكيتي، لا سمعنا له طبلة ولا طار. وتلاقيه اتجوز واحدة من الشارع زيه، علشان هي اللي هترضى تدخل في السكت كده، وترضى بظروفه وفقره.

ضحكت رباب وسط بكائها، وقالت بمرارة:

ـ لا، وإنتوا ما شاء الله اختارتوا ليا الراجل الغني اللي بيصرف عليا من جنيه لألف. إنتوا بعتوني بالرخيص يا ماما، ولا إنتِ بتكدبي نفسك ومش شايفة الحقيقة؟

اقتربت منها أمها وهي تصر على أسنانها، وجذبتها من شعرها، فصرخت رباب عاليًا، وعنفتها أمها قائلة:

ـ أنا جوزتك واحد بيحبك وعارف قيمتك، ولو قلتِ له اركع على ركبك هيركع، وهيكون تحت طوعك وزي ما إنتِ عايزة، بس إنتِ اللي غبية وجاهلة، بتدوري على اللي شايفين نفسهم حاجة. واسمعي يا بت، إنتِ حتى لو كنتِ متجوزتيش لحد دلوقتي، قسمًا بالله طول ما أنا عايشة ما تتمدي في طول رضوان ده ساعة واحدة. وخلاص، إنتِ دلوقتي ست متجوزة، يعني عيب عليكي تجيبي سيرة واحد تاني وكمان متجوز، ولا عايزة تفضحينا وسط الناس! ساعتها يبقى فيها موتك يا بنت صفوت.

توقفت رباب عن الكلام للحظات، وكأن كلمات أمها لم تصل إليها إلا الآن.

ظلت تحدق أمامها بعينين غارقتين بالدموع، وأنفاسها متقطعة، بينما كانت أصوات الأشياء المحطمة من حولها أشبه بصدى للفوضى التي اشتعلت داخلها.

أما أمها، فتركتها واقفة وسط بعثرة الغرفة، ثم أدارت ظهرها وغادرت، بعدما ألقت عليها آخر نظرة تحذير.

وبقيت رباب وحدها.

تنظر إلى الفوضى من حولها، ثم تهبط عيناها إلى يديها المرتعشتين، وكأنها للمرة الأولى تدرك أن غضبها لن يعيد رضوان إليها، وأن الرجل الذي ظلت تنتظره أصبح الآن بعيدًا عنها أكثر من أي وقت مضى.

---

وفي مكان آخر، كانت هناك فوضى من نوع آخر تتشكل في صمت.

كانت زاد تواصل رفضها القاطع للعودة إلى باسل، متجاهلة اتصالاته ورسائله، غير عابئة بما قد يترتب على تجاهلها له.

أما باسل، فكان يجد نفسه يومًا بعد آخر محاصرًا بين فشله في تنفيذ المهمة الموكلة إليه، وولائه لزعيمه، والخوف من العواقب الوخيمة التي تنتظره إن ظل عاجزًا عن إتمامها.

كانت الدائرة تضيق من حوله، والتهديدات التي تلقاها لم تترك له مساحة للتفكير أو الانتظار أكثر.

وللمرة الأولى، بدا له أن الهروب هو السبيل الوحيد للنجاة.

لم يكن هروبًا من مكان إلى آخر فحسب، بل كان محاولة يائسة لإنقاذ نفسه من مصير بدأ يراه يقترب منه خطوة بعد أخرى، والبحث عن مساحة من الأمان بعيدًا عن الفوضى والخطر اللذين أحاطا به من كل جانب.

حسم أمره، وتوجه مسرعًا إلى المطار، يحمل معه خوفه وارتباكه، ويأمل أن تفتح له العودة إلى موطنه بابًا للخلاص.

لكنه لم يكن يعلم أن هناك عينًا كانت تراقب خطواته منذ لحظة خروجه.

كان شخص ما يتابعه بصمت، يراقب تحركاته دون أن يلفت انتباهه، حتى أجرى اتصالًا هاتفيًا قصيرًا، وظل يتابعه بعينيه إلى أن استقل باسل الطائرة عائدًا إلى موطنه.

كان باسل يظن أنه أخيرًا ابتعد عن الخطر...

دون أن يدرك أن الخطر لم يكن بعيدًا عنه كما ظن.

---

وبينما كانت الخيوط تتشابك في أماكن مختلفة، عاد الهدوء الظاهري إلى منزل رضوان.

بعد انتشار خبر زواجه، بدأ أهل الحي يتناقلون الخبر بينهم، وكلٌّ يستقبله بطريقته؛ فمنهم من تعجب وألقى عليه اللوم، ومنهم من بادره بالتبريكات وتمنى له حياة سعيدة.

ولم تمضِ ساعات حتى توجهت بعض الجارات إلى منزل زهرة لتهنئتها بزواج ابنها.

كانت زاد ترفض الخروج لمقابلتهن، فاعتذرت لهن زهرة بلطف، فمنهن من التمس لها العذر وظن أنها تشعر بالخجل، ومنهن من خرجت وهي تظن أن زوجة ذلك المسكين متعجرفة ومتكبرة إلى حد كبير.

وكان من أكثر الأمور التي أثارت ضيق زاد وغضبها أن والدها اتصل بها عبر الهاتف، فطلبت منه أن يرسل إليها سيارتها الخاصة، لكنه رفض بعدما علم أن رضوان لا يقبل بهذا الأمر.

زاد ذلك من نقمتها عليه، وشعورها بأنه يضيّق عليها أكثر فأكثر، وكأن كل شيء في حياتها الجديدة يُنتزع منها شيئًا فشيئًا.

وفي ذلك الوقت، عاد الصبي مِمَّس إلى الورشة بعدما أرسله عزت، وفي يده كيس من المشروبات التي اشتراها احتفالًا بزواج رضوان.

ناوله لعزت، الذي فرح لصديقه وراح يوزع المشروبات على جميع الموجودين في الورشة، وكان من بينهم رضوان.

تناول رضوان زجاجته، لكنه وضعها جانبًا بعد لحظات، وعاد إلى عمله.

وقف عزت إلى جواره، ثم قال له معاتبًا:

ـ بس برضو أنا زعلان منك يا رضوان، معقول تتجوز وما تقوليش؟ طب يا أخي كنت لمحتلي على الأقل! أنا أكتر واحد أفرحلك، إنت أخويا يا جدع، بقى كل ده يطلع منك إنت!

اعتدل رضوان قليلًا، وأخذ يمسح جزءًا من الحديد أمامه بقطعة قماش، ثم أجابه وهو منشغل بعمله، محاولًا أن يبرر له ما حدث:

ـ ما أنا قلتلك يا عزت، الموضوع جه بسرعة، والعروسة أمها ميتة ما فيش سبع شهور، وأبوها كان عايز يأجل سنتين وأكتر، فقلت لا، كده كتير، واتكلنا على الله وكتبنا الكتاب. المهم إن كده كده أنا اتجوزت وخلاص، مش إنت كان نفسك تشوفني عريس زيك ولا إيه؟

رد عليه عزت مؤكدًا:

ـ أيوه طبعًا، ودي عايزة كلام! بس كان نفسي أشرفك وأعملك ليلة وأحييها طول الليل وأرقص فيها للصبح. بس يلا، تتعوض يوم خلفك. بس وحياة أبوك فرحنا بسرعة، وهاتلنا عزت الصغير وأنا أجيب زغلولة صغيرة كده ونفرح بيهم، علشان أنا وإنت خلاص هنجيب التلاتين سنة ولسه ما خلفناش.

سكت رضوان.

ظل ينظر أمامه للحظات، بينما تسللت كلمات عزت إلى مكان موجع داخله.

أخذ نفسًا عميقًا، وعادت إلى ذهنه طريقة زواجه؛ زواج شرعي لا ينقصه شيء من الناحية الرسمية، لكنه في داخله كان يشعر أنه سيظل مجرد زواج على الورق، وأنه لن يدوم طويلًا.

لم تكن هذه هي الحياة التي تمناها لنفسه.

كان يتمنى أن يتزوج برضا وسرور، حتى لو لم يكن يعرف شريكة حياته جيدًا، فقط ليحظى بحياة هادئة ومستقرة، بعيدًا عن كل هذا التعقيد والمشكلات التي وجد نفسه غارقًا فيها.

لاحظ عزت شروده، فربت على كتفه، ثم أشار إلى زجاجة المشروب الموضوعة إلى جواره، وقال:

ـ اشرب يا عم. وألف مبروك.

انتبه رضوان إليه، ومد يده إلى الزجاجة، بينما عاد عزت إلى عمله، تاركًا لصديقه أفكاره التي لم يجد لها مخرجًا بعد.

---

وفي مكان آخر من المنزل، كانت زهرة قد أنهت فريضة الظهر.

طوت سجادة الصلاة بهدوء، وظلت تسبح ربها للحظات قبل أن تغادر غرفتها متجهة إلى غرفة حبيبة.

كان اليوم خاليًا من المحاضرات، لذلك قررت حبيبة قضاءه في المنزل.

اقتربت منها أمها وأيقظتها برفق، ففتحت حبيبة عينيها بصعوبة وجلست على فراشها، ولا تزال غارقة في بقايا النوم.

وما إن انتبهت إلى وجود أمها حتى سألتها بصوت مثقل بالنعاس:

ـ ماما... زاد صحيت ولا لسه؟

تنهدت زهرة وأجابتها بقلة حيلة:

ـ وأنا هعرف منين يا بنتي؟ هي لحد دلوقتي ما خرجتش من أوضتها. الله يهدي الحال.

ثم عدلت حجابها، واستدارت وهي تستعد للخروج:

ـ أنا رايحة لجارتنا أم عبد الله أطمن عليها، وهقعد معاها شوية، وهارجع قبل الغدا إن شاء الله.

أومأت حبيبة برأسها، بينما غادرت زهرة الغرفة متجهة إلى جارتها.

أما حبيبة، فنهضت ببطء واتجهت إلى المرحاض، ثم عادت بعد قليل، وأدت فرضها، قبل أن تتجه إلى المطبخ.

بدأت تعد لنفسها مشروبًا وبعض السندوتشات، لتشغل وقتها وتكسر جوعها حتى يحين موعد الغداء.

وبينما كانت منشغلة بما تفعله، لمحت زاد تخرج من المرحاض، تجفف وجهها وشعرها بمحرمتها الخاصة، وتتجه بخطوات هادئة نحو غرفتها.

توقفت حبيبة للحظة، تراقبها في صمت.

كانت تفكر في طريقة تكسر بها الحاجز القائم بينهما، ليس من أجل زاد وحدها، بل لأنها تريد أن تصلح ما أفسدته بينها وبين رضوان، وتعيد الحديث معه كما كان من قبل.

وحين همّت زاد بمتابعة طريقها، نادتها حبيبة بنبرة هادئة:

ـ بعمل قهوة، أعملك معايا؟

وقفت زاد، وأشاحت برأسها بعيدًا، ثم ردت برفض مقتضب:

ـ لا، ميرسي.

ذهبت حبيبة مسرعة لتقف أمامها، وأردفت متأملة:

ـ لا ميرسي إيه؟ بس بما إنك رديتي عليا، يبقى كده إن شاء الله هنبقى أصحاب.

نظرت إليها زاد، وزفرت بحنق، وقالت:

ـ ممكن تبعدي عن طريقي.

وضعت حبيبة يديها في جيب بنطالها، وقالت بتمثيل الكبرياء:

ـ هو أنا قافلة عنك إشارة المرور؟ وبعدين إنتِ خايفة مني ليه؟ ما تخافيش، مش هاكلك. كل الحكاية إني قاعدة مخنوقة وماليش مزاج أروح الجامعة، ولقيتك صاحية دلوقتي، وزي ما إنتِ شايفة البيت فاضي علينا أنا وإنتِ، فقلت ما فيهاش حاجة يعني لو قعدنا مع بعض ودردشنا شوية مع شوب قهوة محترم.

رفعت زاد حاجبها بتعجب، وقالت:

ـ نعم؟ ندردش مع بعض! وإيه المناسبة بقى؟!

تأففت حبيبة، وكتمت غيظها من تلك الغليظة، ثم قالت باستعطاف ماكر:

ـ بمناسبة إني ماليش أخوات بنات، وطول عمري بحلم يكون عندي أخت، بس بابا مات قبل ما أشوفه حتى.

نفخت زاد بضيق وقالت:

ـ ابعدي عن طريقي قولتلك. مفيش بيني وبينك كلام.

ردت حبيبة بصدق:

ـ ممكن بقى ترمي كل حاجة حصلت على جنب وتقعدي معايا شوية؟ ولا تكوني شايفاني مثلًا وحشة علشان ما تقعديش مع واحدة زيي؟ بصي، أصل أنا هفضل أزن عليكي لحد ما توافقي.

نظرت إليها زاد بضيق، ثم قالت فجأة:

ـ بلاك كوفي.

كانت حبيبة على وشك الانفعال عليها، لكنها أغلقت فمها بسرعة حين أدركت أنها وافقت بالفعل.

تركتها زاد واتجهت إلى غرفتها، وهي تكمل حديثها دون أن تلتفت:

ـ سادة من غير سكر.

صفقت حبيبة بانتصار، وابتسمت لنجاح خطتها.

أما زاد، فألقت المحرمة بعيدًا باستياء، ووضعت حقيبتها على الفراش، وأخرجت منها سترة منزلية ومرآتها.

وبعد أن بدلت ثيابها، جلست على الفراش في صمت، تمشط شعرها وتنظر إلى المرآة الصغيرة في يدها.

تذكرت حياتها الماضية في منزل أبيها.

مرآة غرفتها الكبيرة.

سريرها الفخم.

ألوان جدرانها الزاهية البراقة.

كل شيء كان هناك يحمل ملامحها.

ثم رفعت عينيها وأخذت تتفحص الغرفة من حولها.

لم تجد مرآة واحدة سوى تلك الصغيرة التي تمسكها بيدها.

ووقعت عيناها على المكان الذي كان رضوان ينام فيه على الأرض.

شعرت بحزن عميق يتسلل إلى قلبها، وراحت تتساءل كيف انتهت بها الحياة إلى هذا المكان.

لم يكن هذا ما رسمته لحياتها يومًا.

ولم يكن هذا العالم الذي تخيلت أن تعيش فيه.

عادت زاد إلى رشدها على صوت حبيبة وهي تناديها من خارج الغرفة.

كان في نبرتها شيء من الحماس، فقالت:

ـ أنا خلصت القهوة، تعالي يلا.

ظلت زاد للحظات تحدق في انعكاس صورتها داخل المرآة، وكأنها تتردد في الخروج والجلوس معها.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم زفرته بقلة حيلة وقالت لنفسها:

ـ ماشي... أهو تغيير جو وخلاص.

وضعت المرآة جانبًا، ونهضت عن فراشها، واتجهت إلى الخارج، وهي لا تزال غير مقتنعة تمامًا بأنها على وشك قضاء بعض الوقت مع حبيبة.

---

وفي منزل آخر، كانت سما تهبط الدرج وهي ترتدي زيًا رياضيًا استعدادًا للذهاب إلى النادي لممارسة الرياضة.

كان وجهها يشع ببريق واضح من السعادة، بعدما علمت بزواج زاد بهذه الطريقة.

الشماتة التي كانت تسكن داخلها تحولت إلى فرحة وانتصار، وكأن ما حدث لابنة عمها قد حقق لها أمنية خفية.

كان أفراد العائلة يجلسون في حديقة الفيلا، يتناولون الشاي، بينما بدا الحزن والاستياء واضحين على وجه نجيب بسبب ما حدث لابنة أخيه.

اقتربت سما منه، واحتضنته من الخلف وهو جالس على كرسيه، وقالت بمرح:

ـ صباح الخير يا داد.

رد عليها بابتسامة باهتة، وجلست أمامه.

وحين لاحظت ملامحه، سألت أمها عن سبب تعكر مزاجه، فأخبرتها بما حدث.

ضحكت سما، وقالت بتعجب:

ـ إيه ده! بجد يا بابي إنت زعلان على زاد؟ طب ده أنا فرحانة جدًا.

رد عليها مازن، أخوها الأكبر:

ـ ما تبطلي استظراف بقى على الصبح. أهي اتجوزت وخلاص.

رفعت حاجبها، وأكملت:

ـ أنا مش بستظرف يا مازن، أنا بقول الحقيقة. بجد أول ما عرفت إنها اتجوزت واحد من حارة شعبية وبلدي وكمان فقير، ما تعرفش أنا فرحت أوي قد إيه.

رد كارم بتعجب:

ـ يا سلام! طيب العادي إنك تفرحي لجواز بنت عمك، لكن مش أوفر شوية فرحتك بالطريقة دي؟ وكمان إيه واحد فقير؟ وبتقوليها وإنتِ مستحملة نفسك بالعافية! هو الفقر طلع حاجة عيب وحرام وإحنا ما نعرفش ولا إيه؟

تقلص وجهها من هجومه عليها، وأجابته بنفور:

ـ لا مش حرام يا شيخ كارم، لكن ده اللي تستاهله زاد. هي طول عمرها حظها فوق قوي.

ضرب كارم كفًا بكف بتعجب واندهاش، وقال:

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله! يعني زاد حظها فوق وإنتِ اللي مش لاقية تاكلي مثلًا؟ إنتِ عايشة في عز غيرك بيتمنى نصه. يا ريت تحمدي ربنا وتقتنعي باللي إنتِ فيه واللي عندك يا سما، لأن تفكيرك بالطريقة دي مش هيخليكي تعرفي تعيشي.

انزعج مازن من شجارهما، وقال بانزعاج:

ـ بس إنت وهي، إنتوا ما تعرفوش تقعدوا شوية من غير مناظرات؟

ردت سما مدافعة عن نفسها:

ـ هو أنا قلت حاجة غلط يا مازن؟

رد عليها:

ـ أيوه يا سما، طريقتك أوفر. وبعدين عدي الموضوع، هي لا أول ولا آخر واحدة تتجوز.

صمتت سما لثوانٍ، وكأن فكرة جديدة خطرت لها، ثم اتسعت عيناها وقالت:

ـ معقول يكون اللي اتجوزته ده طمعان فيها؟ ما هي ما تجيش غير كده.

رد مازن مؤكدًا على حديثها:

ـ وإيه الجديد اللي أضافتيه حضرتك؟ طيب ما ده المفهوم من الجوازة دي. واحد مش لاقي ياكل وشحات واتجوز بنت مليونير في يوم وليلة، أكيد في سر في الموضوع وأكيد طمعان فيها.

تململ نجيب من شجارهما المستمر، ثم نهض عن كرسيه بانفعال وقال:

ـ إنتوا قعدتكم بقت غم وهم! قاعدين تحللوا على مزاجكم: طمعان فيها وما أعرفش إيه! وإنتِ يا ست سما شمتانة فيها؟ ده بدل ما تتصلي تطمني على بنت عمك؟ قاعدة تضحكي ومبسوطة فيها؟ دي عيشة تقرف!

أنهى كلامه، واتجه إلى الداخل.

نادته زوجته:

ـ رايح فين بس يا نجيب؟

أجابها وهو يشير إلى سائق سيارته كي يأتي إليه:

ـ رايح الشركة، يمكن ألاقي راحتي فيها. أصل أنا مش هرتاح طول ما أولادك بيتناقروا مع بعض زي العيال الصغيرة، حتى كمان في وجودي.

ثم ركب سيارته، وأشار إلى السائق بالتحرك.

أما سما، فظلت جالسة مكانها، تتابع السيارة بعينيها حتى اختفت، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تحمل مكرًا واضحًا.

كانت تفكر في شيء آخر.

شيء قد يجعل حياة زاد أكثر قسوة مما هي عليه بالفعل.

---

وبعد احتساء حبيبة قهوتها، ظلت تنظر إلى زاد التي كانت ترتشف قهوتها على مهل، بينما يسكن الشرود عينيها.

وبعد لحظات، كسرت حبيبة الصمت وسألتها:

ـ ها؟ إيه رأيك في القهوة اللي عملتها؟ حلوة؟ عجبتك؟

هزت زاد رأسها، وردت برسمية:

ـ ممم... كويسة.

لوت حبيبة فمها، وكأنها كانت على وشك لكمها فعلًا، لكنها تمالكت أعصابها.

فكرت سريعًا، ثم قالت:

ـ طيب حلو إنها عجبتك، دي إشارة حلوة مش وحشة. وأنا شايفة بقى إن القعدة دي ناقصها شوية سندوتشات حلوين كده، علشان أنا هموت من الجوع ولسه بدري على الغدا. ثواني وراجعة.

لم تنتظر ردًا.

نهضت مسرعة واتجهت إلى المطبخ، بينما ظلت زاد تراقبها في صمت.

وبعد لحظات، عادت حبيبة وهي تحمل صينية مليئة بأنواع مختلفة من السندوتشات، ووضعتها على الطاولة أمام زاد.

نظرت زاد إلى الطعام، ثم إلى حبيبة، وعادت بنظرها إلى الصينية مرة أخرى، وقالت بدهشة:

ـ إيه كل ده؟

أشارت إليها حبيبة بابتسامة عريضة:

ـ وإنتِ لسه شفتِ حاجة؟ إحنا هنخربها. استني بس.

وركضت مرة أخرى إلى المطبخ.

نظرت زاد إليها وكأنها بدأت تشك فعلًا في سلامة عقلها.

وبعد لحظات، خرجت حبيبة من المطبخ وهي تحمل صينية أخرى.

شهقت زاد عندما رأت ما عليها؛ عصائر متعددة في أكواب، وبجانبها دورق كبير مليء بالعصير.

همست بصدمة:

ـ مستحيل البنت دي تكون طبيعية! دي أكيد مجنونة.

وضعت حبيبة الصينية أمامها، ثم جلست وقالت بفطنة:

ـ سمعتك على فكرة، وعايزة أبشرك وأقولك إنك لسه ما شفتِيش جنان. أنا هحكيلك على حاجات إنتِ مش هتستوعبيها.

حركت زاد رأسها بالرفض، وأرادت أن تعود إلى غرفتها؛ فهي ليست جائعة ولا تريد التحدث مع أحد.

لكن حبيبة أمسكت بها وأعادتها إلى مكانها على الكرسي مرة ثانية، وهي تزيد من إصرارها على أن تشاركها الطعام:

ـ اقعدي بس، ما تبقيش قفوشة كده، مخلصتش كلامي. وبعدين خلاص إنتِ في عهدتي النهارده ومش هسيبك. بصي يا ستي، عندك هنا سندوتشات أشكال وألوان.

ثم أمسكت بعض السندوتشات المختلفة بين يديها، وبدأت تعرفها على أنواع الأطعمة المحشوة بها:

ـ بصي، ده ساندوتش فول بالزيت الحار وعليه طحينة وسلطة من عند عمي شافعي، الشهير بفوكس ملك الفول.

ودي فلافل محشية من عند نفس ذات الفوكس، ملك الفول والفلافل، وعليها كل التحبيشات اللي تفتح النفس.

وده بقى لانشون نمبر وان بالزيتون، مش أي كلام.

وده بقى ساندوتش القنبلة! يعني المربى والحلاوة والقشطة والعسل مضروبة ميكس واحد، علشان يجيبلك ذبحة صدرية وانسداد في الشرايين، بس إحنا ولا يفرق معانا.

وده بقى مخلل مشكل: لفت وجزر وبصل وليمون وزيتون، وحاجات إيه؟ روعة الروعة وجمدان السنين!

ودول بقى شوية عصاير علشان نبلع بيهم الإجرام ده كله. يلا اضربي كل دول معايا وهتلاقي نفسك في دنيا تانية.

لم تستوعب زاد ما تسمعه ولا ما تراه أمام عينيها.

كانت تحدق في الطعام وكأنها أمام مائدة من عالم آخر.

شعرت بحسرة عميقة، فهي ابنة الزوات التي لم تعتد على مثل هذه الأطعمة ولا هذه الطريقة في تناولها.

للحظات، شعرت أنها بالفعل انتقلت إلى عالم آخر، بعيد كل البعد عن حياتها السابقة وعاداتها وتقاليدها.

قررت الهروب من تلك المجنونة، لكنها وجدتها تزيد من إلحاحها، وتصر على أن تتذوق بعض اللقيمات الصغيرة، ولو من باب التجربة.

قالت زاد بتصميم ورفض قاطع:

ـ مستحيل آكل من الأكل ده. دي عمرها ما حصلت ولا هتحصل.

ردت حبيبة بذكاء:

ـ يا ستي جربي، والتجربة خير دليل.

ردت زاد بضيق:

ـ نعم؟ أجرب؟ إنتِ مفكراني داخلة مسابقة علشان تقوليلي جربي؟ ابعدي بقى واخليني أدخل جوه. أنا مش عايزة صداع.

ردت حبيبة بفطنة:

ـ شكلك خايفة! هو أنا، لا قدر الله، هضرك؟ منا باكل الأكل ده من صغري وعايشة عليه، والحي ده كله عايش عليه، وتلات أربع الجمهورية عايشة عليه، ولا حصلهم أي حاجة وحشة. أنا قلتلك من باب التجربة على الأقل، ولا إنتِ بقى خايفة بجد؟ اطمني، أنا واحدة بتشطف المواعين بمية قبل ما تغسلها علشان ما بهدلش الليفة، يعني عمري ما هأذي حد.

تأبطت زاد ذراعها ولم ترد عليها.

فأكملت حبيبة بحماس:

ـ طب بصي، أنا هاكل قدامك، أحسن تكوني فاكرة إني حاطالك حاجة في السندوتشات. وكمان هختار عشوائي، اتفقنا؟

زفرت زاد بحنق، ولم تجب.

أغمضت حبيبة عينيها، ومدت يدها واختارت بطريقة عشوائية، ثم أمسكت رغيفًا محشوًا بالفول.

فتحت عينيها وابتسمت بمرح:

ـ أهو ساندوتش فول بالديناميت! هيخلي حياتي لونها بمبي. وشوفي بعينيكِ اللي هيحصل دلوقتي... بسم الله.

ثم التهمت حبيبة طعامها بنهم وبطريقة كوميدية، وكأنها تتعمد أن تجعل المشهد أقل غرابة بالنسبة إلى زاد.

كانت زاد تراقبها بدهشة، لا من طريقة تناولها للطعام فحسب، بل من مدى استمتاعها الواضح بكل لقمة.

وبعد أن انتهت حبيبة، أشارت إليها بأن دورها قد حان، وقالت زاد:

ـ إنتِ لو مصممة، أنا هاخد لانشون. غير كده ما ينفعش.

رفضت حبيبة فورًا:

ـ لا، سوري. اللانشون ده مجهول المصدر، يعملك تلبك معوي ولا حاجة. خدي جربي الفلافل دي، وإنتِ قسم بالله هتشوطي اللانشون ده بإيدك بعيد ولا هتفكري فيه بعد النهارده. اسمعي مني، هو أنا هضرك يعني؟

ثم ناولتها رغيفًا، وقالت:

ـ امسكي، وسمي، واضربي، وارمي الدنيا ورا ضهرك.

أخذت زاد الرغيف منها، وظلت تنظر إليه بتوجس.

لكن رائحته كانت شهية على نحو لم تتوقعه.

ترددت للحظات، ثم قررت أن تخوض التجربة، لكنها قالت محذرة:

ـ هو ساندويتش واحد بس. أنا مستحيل آكل أكتر من كده.

وافقتها حبيبة على الفور، وأشارت إليها أن تبدأ.

فتحت زاد فمها ببطء، وأخذت قضمة صغيرة.

توقفت للحظة.

رفعت حاجبها بدهشة، ثم اتسعت عيناها شيئًا فشيئًا.

كان الطعم مختلفًا تمامًا عما توقعته.

بل كان لذيذًا.

لذيذًا إلى الحد الذي جعلها تنسى للحظة أنها كانت ترفضه قبل دقائق.

راقبتها حبيبة بابتسامة منتصرة، وكأنها كانت تنتظر هذه النظرة تحديدًا.

أما زاد، فظلت تنظر إلى الساندويتش في يدها، ثم أخذت قضمة أخرى دون أن تشعر.

وللمرة الأولى منذ وصولها إلى هذا المكان، اكتشفت أن بعض الأشياء التي احتقرتها من قبل ربما لم تكن سيئة كما ظنت.

---

كان حسين يتابع عمله في أحد الفنادق مع أحد رجال الأعمال، بعد أن غادر البلاد، حين رن هاتفه. ألقى نظرة سريعة على الشاشة، وما إن رأى اسم شقيقه حتى استأذن صديقه، وابتعد قليلًا عن مجلسه، ثم وقف بجانب النافذة قبل أن يجيب.

جاءه صوت نجيب من الطرف الآخر بنبرة جادة، خالية من مقدمات الحديث المعتادة:

ـ حسين، أنا عايز أكلمك ضروري في موضوع زاد.

تغيّرت ملامح حسين قليلًا، وكأنه أدرك من نبرة شقيقه أن الحديث لن يكون عابرًا، فأجابه بهدوء:

ـ موضوع إيه يا نجيب اللي يخص زاد؟

تنهد نجيب، ثم قال بجدية واضحة:

ـ موضوع جوازها يا حسين. إنت إزاي جوزت بنتك لواحد زي الولد ده؟ ده إنت جوزتها غصب عنها، والولد ده فقير وبيئته مش شبهنا ولا تناسبنا خالص.

صمت حسين لحظة، وكأن كلمات شقيقه أصابت موضعًا لم يكن يرغب في فتحه، قبل أن يرد بنبرة حاسمة:

ـ نجيب، الموضوع ده خاص بيا. أنا أبوها، وأنا الوحيد اللي أعرف مصلحتها كويس، وأكتر واحد بيخاف عليها.

لم يبدُ على نجيب الاقتناع، بل أطلق ضحكة ساخرة قصيرة، ثم قال:

ـ مصلحتها؟ ولا مصلحته هو؟ إنت عايز تقنعني إن واحد فقير زي رضوان، ومن البيئة دي، مش طمعان في ثروتك؟ يا حسين، الراجل ده أكيد ضحك على بنتك علشان فلوسك.

شد حسين قبضته قليلًا، وانعقد حاجباه، لكنه حافظ على هدوئه وهو يستمع إلى شقيقه الذي تابع حديثه بنبرة أكثر حدة:

ـ وبعدين إنت نسيت إنك رفضت ابني مازن لما اتقدم لها من تلات سنين؟ عملت وقتها دوشة كبيرة برفضك، مع إن مازن كان أولى بيها، ده ابن عمها!

تنفس حسين بعمق، ثم أجابه دون تردد:

ـ مازن مش الشاب المثالي اللي إنت شايفه يا نجيب. ابنك بيجري ورا البنات ليل ونهار، وإنت عايزني أأمنه على بنتي؟ ما يصلحش يكون زوج ليها، ومش من حقك تزعل مني علشان رفضته.

ساد الصمت للحظات، قبل أن يضيف حسين بنبرة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من العتاب:

ـ وبعدين، إنت بتتكلم عن الأولوية وكأن الجواز حق مكتسب لابن العم. كارم نفسه رفض ارتباطه ببنتي، وأنا احترمت قراره وما زعلتش منه ولا شيلت في قلبي حاجة، بالعكس... زاد احترامي ليه. فلِمّا الأمر اتجدد دلوقتي، إيه اللي خلاكوا تزعلوا؟

لم يجد نجيب ما يقوله للحظات، لكن اعتراضه ظل واضحًا في صمته، بينما أكمل حسين كلامه بحسم:

ـ الموضوع انتهى يا نجيب. زاد دلوقتي متجوزة من راجل أنا عارفه كويس، وراجل يعرف قيمتها، وأنا مش ندمان على أي حاجة عملتها.

كانت المكالمة قصيرة، لكنها تركت أثرًا ثقيلًا على الطرفين.

أنهى حسين الاتصال، وظل للحظات صامتًا، بينما كانت كلمات شقيقه تعيد نفسها في رأسه، وكأنها تحاول أن تزعزع قناعته بقراره.

وفي الطرف الآخر، أغلق نجيب هاتفه هو الآخر، وبقي جالسًا في مكانه بملامح متجهمة. لم يقتنع بكلمة واحدة مما قاله حسين، بل زاد غضبه، بعدما أدرك أن شقيقه حسم أمر زاد بالفعل، ولم يعد مستعدًا لسماع اعتراض أحد.

وهكذا انتهت المكالمة، لكن صفو كلٍ منهما كان قد تعكر، وبقي الخلاف بينهما مفتوحًا على ما قد تحمله الأيام القادمة.

وفي مكان آخر، كانت إيمان قد أنهت أعمالها المنزلية قبل أن تستعد للذهاب إلى عملها في المركز.

ارتدت ملابسها، ثم أخذت أطفالها معها لتوصلهم إلى والدتها، حيث اعتادت أن تتركهم لديها حتى تنتهي من عملها وتعود.

وفي طريقها، رن هاتفها، فوجدت كريم يتصل بها.

أجابته، فأخبرها أنه سيتأخر اليوم في عمله، لأن لديه عملًا شاقًا سيستغرق منه وقتًا أطول من المعتاد.

تفهمت إيمان الأمر، ولم تكثر من الأسئلة، واكتفت بأن أخبرته أن يعتني بنفسه وألا يُرهق نفسه أكثر من اللازم.

ـ حاضر، خلي بالك من نفسك إنت كمان.

أنهى كريم المكالمة معها.

أما هو، فما إن أغلق الهاتف حتى تبدلت ملامحه تمامًا.

لم يكن تأخره في العمل هو ما يشغله، بل شيء آخر كان ينتظره بفارغ الصبر منذ الأمس.

أمسك هاتفه من جديد، وبحث عن اسم سارة، ثم ضغط على الاتصال.

لم تتأخر في الرد، وجاءه صوتها بدلال، فارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه دون أن يشعر.

تحدث معها قليلًا، ثم أخبرها أنه سيلتقي بها اليوم في تمام الساعة الثامنة مساءً، في المكان المحدد الذي اتفقا عليه بالأمس عبر المحادثة.

أنهى المكالمة، وظل للحظات ينظر إلى شاشة هاتفه، وكأن عقله سبق الوقت بساعات إلى ذلك اللقاء.

كانت المرة الأولى التي سيراها فيها بعد كل هذه المدة.

عاد إلى عمله بنشاط لم يكن عليه منذ بداية اليوم، وصار يتابع عقارب الساعة بين الحين والآخر، متمنيًا أن يمر الوقت سريعًا حتى تأتي الثامنة، ويلتقي بسارة أخيرًا.

ولم يكن يعلم أن لقاء الليلة لن يمر كما يتخيل.


تعليقات