رواية نعيم الجهل الفصل الثالث عشر 13 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل الثالث عشر 

دخل كاهان إلى الـمكتب..
فتوقف للحظة عندمــــا..
رأى موقفا محرج أمـــامه..

ارتسمت ابتسامة جانبية..
على وجهه.. وقال بهدوء:
ــ واضح إني جيت في وقت..
مش مناسب.. أنا آسف..

انتفضت شهيرة وتليد..
لكن ليس بسبب الموقف..
الذي كانا فيه.. بل بسبب صوت كاهان..

حدقت شهيرة فيه بدهشة..
وقـــــالت دون تفكيـــــر:
ــ كــاهان؟!

رفع كاهان عينيه إليها باستغراب..
فقد عرفت اسمه قبل أن يذكره..

لكنه لم يعلق.. 
وتعامل مع الأمر وكأنه لم يسمع شيئا..

أسرعت شهيرة في ترتيب ملابسها..
ثم جلست خلف مكتبهـــــا.. 
ووقف تلـــيد بجــــوارها..

قالت وهي تحاول استعادة هدوئها:
ــ اتفضل.. أقدر أساعدك إزاي؟

ظل كاهان مبتسما..
ثم خلع نظارته واقترب من المكتب:
ــ أنا الصحفي كاهان الراوي..
وكنت جاي أعمل تحقيق..
عن حـ ـــادثة الأطفال اللي.. 
اختفوا من الدار..

رد تليد بسرعة:
ــ الأطفال رجعوا بخير وسلامة..

رفع كاهان عينيه إليه..
وتفحصه للحظات:
ــ حضرتك مين؟

أجابت شهيرة بسرعة:
ــ الأستاذ تليد.. مساعدي هنا في الدار..

أخرج كاهان ورقة من ملفه ومدها إليها:
ــ آه.. أنا عارف إنهم رجعوا..
أنا هنا عشان أعمل تحقيق صحفي..
ونصور الأطفال والدار.. وده تصريح..
من الجهة المختصة التابعة ليكم..

أخذت شهيرة الورقة..
ألقت عليها نظرة سريعة..
ثم رفعت عينيها إليه:
ــ تمام يا أستاذ كاهان.. اتفضل..

خرجت شهيرة من المكتب..
وتبعها تليد.. وظل كاهان للحظات..
يتفحص المكان بعينيه.. وكأنه يبحث..
عن شيء لا يعرفه بعد..

التفت تليد إليه:
ــ في حاجة يا أستاذ كاهان؟ 
اتفضل عشان تشوف الأطفال..

ابتسم كاهان..
ثم ارتدى نظارته وخرج معهما..

ساروا في الممرات.. وكان كاهان يتفحص..
كل شيء حوله.. الأبواب.. الغرف..
وحتى حركة العاملين والأطفال..
يبحث عن أي شيء غير طبيعي..

وفجأة...

اصطدم طفل صغير بقدمه..
بعدما خرج مسرعا من إحدى الغرف..

نظر كاهان إليه..
ثم ابتسم ونزل إلى مستواه:
ــ إنت كويس؟

تراجع عمار بخوف.. وقال بسرعة:
ــ آسف يا بيه... ما تزعلش مني..

تغيرت ملامح كاهان بدهشة.. من خوفه..
ومد يده ومسح على شعره بحنان:
ــ ما تعتذرش يا حبيبي..
إنت ما عملتش حاجة..

اقتربت شهيرة بسرعة..
وأمسكت باعمار من 
يده وأدخلته إلى الغرفة:
ــ بعتذر يا أستاذ كاهان..
بس إنــــــت عــــــارف..
صعب السيطرة على الولاد..

ظل كاهان ينظر إلى الباب..
الذي اختفى خلفه عمار..

ثم رفع عينيه إلى شهيرة..
وقد اختفت ابتسامته قليلا:
ــ واضح..

مر بعض الوقت..
ظل خلاله كاهان يتجول داخل الدار..
يلتقط صورا لأماكن محددة دون أن يلفت..
انتباه شهيرة أو تليد...

وبعد أن انتهى..
غادر الدار واتجه إلى سيارته..
حيث كان كايا ينتظره بالداخل.

ما إن ركب حتى سأله كايا:
ــ هاا... عملت إيه؟

أغلق كاهان البـــاب.. 
ثم قال وهو ينظر أمامه:
ــ مديرة الدار تعــــرفني.. 
مع إني أول مرة أقابلها..

قطب كايا حاجبيه:
ــ يعني؟

التفت إليه كاهان بابتسامة خفيفة:
ــ يعني دي إنت اللي هتجاوب عليها..

فهم كايا ما يقصده.. وأومأ برأسه:
ــ هراقب مديرة الدار..
وأعرف عنها كل حاجة... وأبلغك..

ابتسم كاهان:
ــ ومعاها واحد اسمه تليد..
شكله ماعجبنيش.

قال كايا:
ــ تمام.. هتعمل إيه؟ 
المدة اللي معتز اداها لك..
عدى منها خمس أيام..

تغيــــرت ملامح كــــاهان..
وأغلق باب السيارة بهدوء..
قبـــل أن يشغل المحـــــرك:
ــ معتز مش نــــاسي المـــدة..
وأنا كمان مش ناسي تهديده..

نظر كايا إليه:
ــ يعني؟

أدار كاهان المحرك.. وقال ببرود:
ــ هاتلي أخبار شهيرة وتليد الأول..
أما معتز.. فسيبه عليا..

انطلقت السيارة..
ظل كاهان ينظر إلى الطريق أمامه..
وعقله عالقا عند اسم واحد.. دار البدايات..

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فـــي المستشفــــى ــ بعــــد يــــومين»

جلست قدر أمام غرفة يحيى..
والحزن والأرهاق يملأن وجهها..
وعيناها معلقتان بالباب منذ ساعات..

جلست جلنار بجوارها.. وقالت بضيق:
ــ هتفضلي هنا لحد إمتى؟ 
يلا ارجعي معايا البيت..

لم تلتفت قدر إليها..

مدت جلنار يدها ومسحت على شعرها:
ــ يا حبيبتي.. هتتعبي نفسك بالشكل ده..
انتي هنا بقالك يومين.. لا بتاكلي ولا بتشربي..
هتمــ ـوتي نفسك عشان واحد غريب؟

أبعدت قدر يدها بعـ ــنف.. ونهضت:
ــ امشي.. وما تجيش تاني..

وقفت جلنار:
ــ أنا مش همشي غير وانتي معايا..
أنا مش هسيبك هنا لوحدك..

التفتت إليها قدر بغضب:
ــ وأنا مش هسيب يحيى..
هنا وأمشي! امشي يا عمتو.. امشي!

ارتفع صوت جلنار:
ــ مين يحيى ده اللي..
عاملة كل ده عشانه؟!

أشارت قدر بغضب إلى غرفة يحيى:
ــ يحيى نايم جوه..
ودخل في غيبوبة بسببك!
وانتي لسه واقفة هنا بتتكلمي..
عنه وعايزاني أسيبه وهو في الحالة دي؟!

تراجعت جلنار قليلا:
ــ أنا ما كنتش أعرف إن ده هيحصل..

نظرت إليها قدر بعينين 
ممتلئتين بالدموع:
ــ وأهو حصل!

اقتربت منها خطوة..
وصوتها يرتجف من الغضب:
ــ أنا نبهتك قبل كده..
قولتلك ابعدي عن يحيى..
بس انتي ما سمعتيش كلامي..

صمتت للحظة..
ثم أشارت إلى باب غرفة يحيى:
ــ دلوقتي هو بين الحياة والمــ ـوت..
بسبب كلامك..

نظرت إلى جلنار مباشرة :
ــ ولو قربتي منه تاني..
أو حاولتي تلعبي في دماغه..
مش هتفرق معايا إنك عمتي..

تجمدت جلنار أمامها.
أكملت قدر ببرود:
ــ المرة الجاية مش هطلب منك تمشي..
أنا اللي هخرجك من حياتي بنفسي..

ثم استدارت قدر..
وعادت للجلوس أمام غرفة يحيى

تجمدت جلنار للحظات..
ثم ابتسمت ابتسامة باردة وقالت:
ــ انتي فاكرة إنك لما تهـ ــدديني..
كده هتغيــــــري الحقيقــــة؟

التفتت إليها قدر بغضب..
اقتربت جلنار منها وهمست:
ــ خدي بالك يا قدر..
ساعات اللي بنحاول نحميه..
بيكون هو أول حاجة بتوجعنا..

جلنار تتجه نحو الخارج..
وحين وصلت إلى الممر.. قابلت يافا..
نظرت إليها للحظة.. ثم ألقت نظرة سريعة..
على قدر الجالسة أمام غرفة يحيى..
وعادت بعينيها إلى يافا..

ربتت على كتفها بخفة وقالت:
ــ عقلي صحبتك يا يافا..
وخليها ترجع البيت..

ثم غادرت دون أن تنتظر ردا..

اقتربت يافا من قدر وجلست بجوارها:
ــ انتي كويسة؟

نظرت إليها قدر بتعب..
وقالت بصوت منكسر:
ــ مش عارفة أعمل إيه..

وضعت يافا يدها على يدها:
ــ اهدي.. كل حاجة هتبقى تمام..
يحيى هيكون كويس.. ما تخافيش..

انهمرت دموع قدر:
ــ أنا مش عارفة ليه..
خايفة عليه أوي كده..

ابتسمت يافا بحنان:
ــ انتي اتعلقتي بيحيى..
بس عشان الحالة اللي هو فيها..
وعشان حاسة إنك مسؤولة عنه..

هزت قدر رأسها ببطء.. 
ومسحت دموعها:
ــ لا... مش بس كده..

نظرت إليها يافا باهتمام:
ــ أمال إيه؟

ظلت قدر صامتة..
وعيناها معلقتان بباب غرفة يحيى:
ــ معرفش.. بس وأنا جنبه بحس..
إني مش بحمي حد غريب..

سكتت لحظة..
ثم وضعت يدها على صدرها:
ــ بحس إن في حاجة جوايا..
بتقولي إنه مش غريب عني..
كأني عرفته قبل كده..

تغيرت ملامح يافا..
ونظرت إليها بدهشة:
ــ قدر.. انتي عمرك
شوفتي يحيى قبل كده؟

هزت قدر رأسها ببطء:
ــ مش فاكرة..

وفجأة..
صدر صوت جهاز المراقبة..
من داخل غـــــرفة يحيى..
رفعت قدر رأسها بسرعة..
ونهضت يافــــا معهــــا..

ــ يحيى!

اندفعت قدر نحو الباب..
لكن قبل أن تفتحه..

سمعت صوتا خافت من الداخل..
بالكـــــــاد وصـــــل إليهـــــا:
ــ قدر..

تجمدت يدها على مقبض الباب..
نظرت إلى يافا بصــ ـــدمة..
كان يحيى يناديها..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«فـــــي الجــــــريدة»

جلست مريم بجوار حمزة في مكتبه..
كان ينهي بعض الأوراق أمامه..

رفع عينيه إليها وقال باعتذار:
ــ معلش يا مريم.. كان عندي شغل مهم..
عشان كده قولتلك تعالي على الجريدة..

نظرت إليه مريم بألم.. ثم قالت:
ــ ولا يهمك يا حمزة..
ممكن تخليني أدخل مكتب آدم؟

أومأ حمزة:
ــ حاضر.. هسلم الخبر ده.. وأجيلك..
هما لسه سايبين المكتب زي ما هو..

ابتسمت مريم ابتسامة خافتة:
ــ شكرا يا حمزة..

ابتسم لها حمزة ابتسامة بسيطة..
ثم حمل الأوراق وغادر...

وبعد قليل..
عاد واتجه معها إلى مكتب آدم..

فتح الباب..
دخلت مريم ببطء..
وأخذت تنظر إلى كل شيء حولها..
وكأنها تبحث عن آدم بين تفاصيل المكان:
ــ ماكنش بيرضى يخليني أجيله هنا..
ولما كنت بسأله ليه.. كان يقولي..
المكان ده مايناسبكيش..

لاحظ حمزة تأثير المكان عليها.. 
فقال بهدوء:
ــ مريم... يلا نخرج..

لكنها لم تجبه..

اقتربت من المكتب..
ومدت يدها.. ومررت أصابعها..
فــــوق سطحـــــه بحنــــان:
ــ كــــــان عنــــدي أمــــل..
لما أفتح قبــ ـره ونعمل التحليل..
يطلع مش هو..

ابتلع حمزة ألمه.. وقال:
ــ ادعيله بالرحمة..
هو في مكان أحسن..

وقعت عينا مريم على صورة..
موضوعة فوق المكتب..
مدت يدها وأمسكت بها..
كانت صورتها مع آدم..

توقفت أنفاسها.. وانزلقت دمعة..
وحيدة على خدها.. قبل أن تضم..
الصـــــــورة إلى صدرهــــا:
ــ أنا مش عارفة أنســـاه..
بحاول أخرجه من جوايا...
بس مـــش عـــــارفة..

ظل حمزة صامت..
أغمضت مريم عينيها وهي تحتضن الصورة..

وفجأة.. اتفتح باب المكتب..

التفتت مريم وحمزة في اللحظة نفسها..
نحو الباب.. تجمدت مريم مكانها..
واتسعت عيناها وهي تحدق..
في الشخص الواقف أمامها..
سقطت الصورة من يدها..

خرج صوتها مرتجف.. بالكاد يسمع:
ــ آدم..


تعليقات