رواية انا مش رقم اثنين الفصل الثاني عشر 12 بقلم نسرين بلعجيلي


 رواية انا مش رقم اثنين الفصل الثاني عشر 


فضلت مريم واقفة مكانها، إيدها لسه ماسكة مقبض الباب، وعينيها ثابتة على الست اللي واقفة قدامها.
سارة...
الإسم اللي هدم بيتها بقى له وش وصوت، وابتسامة هادية مستفزة.
مدت سارة إيدها أكثر  :
ـ مش هتسلمي عليا؟

نزلت مريم بعينيها على إيدها وبعدين رجعت بصت في وشها :
ـ إنتِ جاية هنا ليه؟

سحبت سارة إيدها بمنتهى الهدوء، ولا ابتسامتها اختفت :
ـ مش هينفع نتكلم على الباب.

مريم ما اتحركتش :
ـ وإحنا مالناش كلام أصلًا؟

مالت سارة برأسها شوية وبصت لها كأنها بتتعامل مع طفلة عنيدة :
ـ عندنا كلام كثير.

ـ أنا معنديش.

كانت مريم على وشك تقفل الباب، لكن سارة حطت إيدها عليه بسرعة، مش بعنف، لكن بثقة :
ـ أنا مش جاية أعمل مشكلة.

ضحكت مريم بسخرية :
ـ لا طبعًا، المشكلة حصلت من زمان، إنتِ بس جاية تتفرجي عليها.

إتغيرت ملامح سارة للحظة، لكنها رجعت لهدوئها بسرعة :
ـ عمر تعبان.

الجملة وقفت مريم، لكنها حاولت ما تبينش ده :
ـ وإنتِ مالك؟

ردت سارة بمنتهى البساطة :
ـ مالي إزاي؟ أنا أكثر واحدة عارفة هو حاسس بإيه.

قبضت مريم إيدها على الباب :
ـ إمشي.

ـ مريم...

ـ قُلت إمشي.

لكن سارة ما اتحركتش، بالعكس، بصت جوا البيت للصور المعلقة، للصالون، للمكان اللي عمر كان عايش فيه. وقالت بهدوء :
ـ هنفضل نتكلم على الباب كده؟ ولا هتدخّليني؟

مريم كانت عايزة تقفل الباب في وشها، لكن حاجة جواها منعتها، يمكن كانت عايزة تسمع، يمكن كانت عايزة تعرف إزاي واحدة تقدر تدخل بيت ست بعد ما أخذت منها جوزها، وتفضل واقفة بالثقة دي.

بعدت مريم خطوة :
ـ أدخلي.

دخلت سارة بخطوات ثابتة، بصت حواليها بفضول واضح وكأنها بتحاول تتخيل عمر وهو قاعد هنا، وهو بياكل هنا، وهو بينام في الأوضة اللي آخر الطرقة.

مريم لاحظت نظراتها وقالت بحدة :
ـ لو جاية تتفرجي على البيت، خلصتي.

لفت سارة تبص لها :
ـ بيت حلو.

الجملة خرجت منها ببرود، لكنها وصلت لمريم كأنها تعدٍ، ردت مريم :
ـ كان بيت حلو قبل ما تدخلي حياتنا.

إبتسمت سارة إبتسامة صغيرة وقعدت على الكنبة من غير ما مريم تطلب منها. رفعت رجل على رجل وحطت شنطتها جنبها :
ـ أنا ما دخلتش حياتكم فجأة يا مريم.

فضلت مريم واقفة :
ـ تقصدي إيه؟

بصت لها سارة بثبات :
ـ أقصد إنك من الأول كنتِ عارفة إن عمر كان بيحبني.

اتجمدت مريم :
ـ إيه؟

ـ ما تستغربيش، إنتِ عارفة كويس إن كان فيه واحدة قبلك وإنه ما نسيهاش بسهولة.

مريم قربت منها خطوة :
ـ هو قال لك إني كنت عارفة؟

هزت سارة كتفها :
 ـ هو ما قالش كده بالحرف، بس إنتِ أكيد كنتِ عارفة. واحدة تتجوز راجل لازم تكون عارفة ماضيه.

ردت مريم بعصبية :
ـ الماضي إسمه ماضي لأنه خلص، مش علشان يرجع يدخل بيتي ويقعد على كنبتي.

نظرت سارة للكنبة تحتها وبعدين قالت بمنتهى البرود :
ـ أنا ما دخلتش بيتك غصب، إنتِ اللي دخلتيني.

شهقت مريم من شدة الاستفزاز :
ـ إنتِ فعلًا ما عندكيش دم.

سارة ما اتعصبتش، بالعكس، راحت تسند ظهرها للوراء :
ـ أنا جاية أحل المشكلة.

ضحكت مريم :
ـ إنتِ المشكلة.

ـ لا، المشكلة إنك مش قادرة تتقبلي الحقيقة.

ـ حقيقة إيه؟

ـ إن عمر بيحبني.

خرجت الجملة بسهولة كأنها بتقول إن الجو حر. لكن مريم حسّت إن قلبها اتفتح من جديد. قالت بصوت مرتعش :
ـ عمر جوزي.

ردت سارة فورًا :
ـ وعمر كان حبيبي قبلك.

ـ كان.

شددت مريم على الكلمة :
ـ كان حبيبك، لكن دلوقتي جوزي.

إبتسمت سارة :
 ـ هو الحب عندك ورقة جواز؟

مريم قربت منها أكثر :
ـ لأ. بس الجواز عهد وبيت وعشرة ومسؤولية، مش ذكريات قديمة ظهرت فجأة، فقررت تهد كل حاجة.

لأول مرة.. إختفت إبتسامة سارة للحظة، لكن صوتها فضل هادي :
 ـ أنا ما هديتش حاجة. لو علاقتكم كانت قوية ما كانش رجع لي.

صرخت مريم :
ـ ما رجعلكش، إنتِ اللي رجعتي له، سِبتي جوزك وعيالك ورجعتي تدوري على واحد متجوز!

ثبتت سارة عينيها عليها والبرود اتحول لقسوة :
ـ ما تدخليش في حياتي اللي إنتِ ما تعرفيش عنها حاجة.

ـ وإنتِ دخلتِ حياتي ليه؟

سكتت سارة ثواني ثم قالت :
ـ لأن عمر حقي.

مريم ما صدقتش اللي سمعته : 
ـ حقك؟

ـ أيوه حقي. أنا أول واحدة حبها وأول واحدة حلم معاها وأول واحدة كان عايز يكمل حياته معاها، إنتِ جيتي بعدي.

ضحكت مريم.. لكن دموعها بدأت تتجمع في عينيها :
ـ يعني إنتِ سيبتيه واتجوزتِ غيره وعشتِ حياتك وخلفتِ، ولما حياتك ما عجبتكيش رجعتِ تقولي ده حقي؟

ردت سارة ببساطة :
ـ أنا غلطت.

ـ وغلطتك أنا اللي أدفع ثمنها؟

ـ ولا أنا ولا إنتِ، عمر هو اللي يختار.

ـ هو اختارني يوم ما اتجوزني.

ـ وبعدها حبني ثاني.

نزلت الجملة كصفعة، مريم لفّت وشها بعيد عنها، حاولت تاخذ نفسها، حاولت ما تعيطش قدامها، لكن سارة كملت بنفس الهدوء :
ـ وبعدين هو ما بطلش يحبك، هو حبك إنتِ كمان، وده اللي مش فاهمة ليه مكبراه كده.

لفت مريم بسرعة :
ـ مكبراه؟ إنتِ جاية بيتي تقولي لي جوزي بيحبك، وهيتجوزك، وعايزاني ما أكبرش الموضوع؟

ـ أيوه، ليه لأ؟

مريم بصت لها في صدمة.

فسارة كملت :

ـ هو راجل كويس وبيحبنا إحنا الاثنين ومش عايز يخسر واحدة فينا، إنتِ ليه مصممة تخليه يتعذب؟

ـ أنا اللي بخليه يتعذب؟

ـ أيوه، إنتِ حطيتيه قدام اختيار صعب، :يا أنا يا هي."  ليه؟ ليه الأنانية دي؟

مريم اتقدمت لحد ما وقفت قدامها مباشرة :
ـ الأنانية إني عايزة جوزي ليا؟

ـ الأنانية إنك عايزة تمنعيه من حاجة هتسعده.

ـ على حسابي؟

رفعت سارة كتفها :

ـ مش لازم يكون على حسابك، ممكن نعيش كلنا بهدوء.

سكتت مريم. كانت بتحاول تستوعب الجملة :
ـ نعيش كلنا؟

إبتسمت سارة :
ـ أيوه، خلينا حبايب بدل الخناق والتهديد والطلاق. هو كده كده هيتجوزني، فليه نصعب الأمور؟

فضلت مريم تبص لها ثواني طويلة، كأن عقلها رفض يصدق إن واحدة دخلت بيتها وقعدت مكانها وبكل برود قالت لها :
_"جوزك هيتجوزني."

أمالت سارة جسمها للأمام، وقالت بنبرة هادئة كأنها بتديها نصيحة :
ـ بصي يا مريم، إنتِ هتفضلي مراته وهو مش هيسيبك، وأنا كمان مش هبعد عنه، يبقى الأحسن لينا كلنا إنك تتقبلي الواقع.

ـ واقع؟

قالتها مريم بصوت خافت، ثم ضحكت ضحكة قصيرة مخيفة.

سارة ضيقت عينيها :
ـ بتضحكي على إيه؟

مسحت مريم دمعة نزلت غصب عنها :
ـ بضحك على ثقتك. إنتِ فعلًا داخلة بيتي وفاكرة إنك انتصرتي.

ـ أنا مش داخلة حرب.

ـ لأ، إنتِ داخلة على جثة بيت إنتِ شاركتِ في قتله.

قامت سارة من مكانها وظلت واقفة قدام مريم، الاثنين بقوا في وش بعض، واحدة عينيها مليانة نار، والتانية عينيها باردة.

قالت سارة :
ـ حبي له مش جريمة.

ـ لكن مطاردتك لراجل متجوز جريمة في حقي أنا.

ـ هو اللي فتح لي الباب.

ـ وإنتِ دخلتِ.

ـ لأني بحبه.

صرخت مريم :
ـ وأنا مراته!

ارتفع صوتها في البيت كله، لكن سارة ما رمشتش، قالت بهدوء مستفز :
ـ إخفضي صوتك.

مريم اتسعت عينيها :
ـ إنتِ بتقولي لي أخفض صوتي في بيتي؟

ـ أنا مش بحب الصريخ.

ـ وأنا مش بحب الستات اللي بيدخلوا بيوت غيرهم ويطالبوا بجواز أزواجهم.

سارة أخذت شنطتها ومرت من جنب مريم. لكن قبل ما توصل للباب وقفت وقالت من غير ما تبص لها :
ـ عمر مش ملكك.

مريم ردت من وراها :
ـ ولا هو ملكك.

لفت سارة وبابتسامة باردة قالت :
ـ الأيام هتثبت لك مين فينا هو اختارها. 

مريم :
_على فكره انت وحده معندكيش كرامه 

ساره ببرود :
_ أنا وحده بحب و في الحب مافيش كرامه 

مريم قربت منها، فتحت الباب على آخره وأشارت لها بالخروج :
ـ أخرجي.

ـ مريم...

ـ أخرجي من بيتي.

سارة وقفت لحظة ثم خرجت بخطوات هادية، لكن قبل ما مريم تقفل الباب حطت سارة إيدها عليه وقالت بصوت منخفض :
ـ على فكرة عمر واقف تحت.

اتجمدت مريم، نظرت لها بصدمة.

سارة إبتسمت، وسحبت إيدها من الباب :
ـ هو اللي جابني.

ثم نزلت على السلم وتركت مريم واقفة عند الباب قلبها بيخبط بعنف، وعقلها متعلق بجملة واحدة :
_"عمر هو اللي جابها."

اقتربت مريم من الشباك بسرعة وسحبت الستارة، بصت لتحت فشافت عربية عمر واقفة قدام البيت وسارة بتقرب منها، فتحت باب العربية، لكن قبل ما تركب رفعت رأسها للشباك وبصت لمريم مباشرة، ثم ابتسمت.

وفي اللحظة نفسها، نزل عمر من العربية ورفع عينه هو كمان، واتقابلت عينه بعين مريم. تجمد مكانه، أما مريم فأغلقت الستارة بعنف وهمست والدموع بتملأ عينيها :
ـ إنت اللي جبتها لحد بابي يا عمر؟

ركبت سارة العربية وقفلت الباب بهدوء، أما عمر فكان لسه باصص ناحية العمارة يمكن الستارة تتحرك، يمكن مريم تظهر، لكن مافيش حاجة.
لف ناحية سارة بسرعة وقال بقلق :
ـ حصل إيه؟

سارة خلعت حزام شنطتها وحطته جنبها وقالت بمنتهى الهدوء :
ـ زي ما توقعت.

سألها بلهفة :
ـ قالت لك إيه؟

تنهدت :
ـ كانت منهارة، بتعيط، ومتعصبة، وقالت عليك كلام كثير.

شد عمر على الدريكسيون :
ـ كلام إيه؟ بصت له وقالت وكأنها بتحاول تخفف عنه :
ـ قالت إنك خاين وإنك دمرت حياتها وإنك كسرت قلبها.
نسرين بلعجيلي 
غمض عينيه للحظة وقال بصوت مليان وجع :
ـ حقها...

هزت سارة رأسها بالرفض :
ـ لا يا عمر، مش حقها.

فتح عينيه وبصلها :
ـ يعني إيه؟

ـ يعني إنت ما خنتهاش، إنت كنت واضح وصريح. كان ممكن تعمل زي رجالة كثير وتخبي وتكذب وتعيش حياتين، لكن إنت قلت الحقيقة وسألتها تواجه الواقع ليه تبقى أنت المذنب؟

تنهد عمر :
ـ بس هي اتوجعت.

ـ طبيعي تتوجع، بس ده مش معناه إنها معاها الحق في كل اللي قالته.

سكت..
فكملت سارة بنفس هدوئها :
ـ هي شايفة الدنيا كلها من زاويتها، لكن فكرت فيك؟ فكرت إنك أنت كمان بتتعذب؟

هز رأسه وهو بيبص قدامه :
ـ أنا فعلًا تعبان.

إبتسمت ابتسامة صغيرة :

ـ وأنا شايفة ده، علشان كده لازم الموضوع يخلص.

لف ناحيتها :
ـ يخلص إزاي؟

ـ نتجوز.

إتسعت عيناه :
ـ دلوقتي؟

ـ أيوه.

قال وهو متوتر :
ـ سارة، مش بالسهولة دي.

ـ ليه؟ إنت بتحبني؟

ـ أيوه.

ـ وبتحبها؟

سكت..

ثم قال بصوت خافت :
ـ أيوه.

إبتسمت :
ـ يبقى المشكلة فين؟

تنهد :
 ـ مريم مش هتستحمل.

ـ حتى لو فضلت سنة ولا اثنين ولا عشرة برضه مش هتستحمل، يبقى ليه التأجيل؟

فضل ساكت..

قالت وهي تميل نحوه قليلًا :
ـ حطها قدام الأمر الواقع. بعد فترة هتتعود.

بص لها باستغراب :

ـ إنتِ شايفة الموضوع سهل كده؟

ـ لا، بس شايفة إنه واقع، وبعدين هي مش أول ست جوزها يتجوز عليها ولا هتكون آخر واحدة. وفيه بيوت كثير كملت والناس عاشت.

قال بضيق :
ـ مريم غير.. أنا عارف مريم هي ممكن تستحمل الجوع، تستحمل التعب،  لكن عمرها ما هتستحمل إنها تتقسم مع حد.

إبتسمت ابتسامة هادئة :
ـ كل الستات بيقولوا كده في الأول وبعدين الحياة بتمشي.

مرر عمر يده في شعره بعصبية :
ـ مش قادر أتخيل شكلها وهي بتسمع الخبر.

ردت سارة بسرعة :
ـ هي سمعته بالفعل وعرفت إنك بتحبني، إيه اللي هيتغير؟ التغيير الوحيد إننا هنبقى مع بعض بالحلال.

رفع رأسه إليها وكان الصراع واضحًا في عينيه.

أما هي..
فمدت يدها، وأمسكت كفه برفق وقالت بثقة :
ـ أنا تعبت من الانتظار يا عمر، ومش هرضى أفضل واقفة على الهامش. يا إما تبدأ حياتك اللي نفسك فيها، يا إما تفضل طول عمرك ممزق بين قلبين.

ساد الصمت داخل العربية وصوت أنفاس عمر..

كان الإجابة الوحيدة..



تعليقات