رواية انا مش رقم اثنين الفصل الثالث عشر
آخر باب..
من ساعة ما سارة خرجت من البيت ومريم ما اتحركتش، كانت قاعدة على طرف الكنبة بتبص لقدام، لكن مش شايفة حاجة. كل كلمة قالتها سارة كانت بتلف في دماغها :
"خلينا حبايب."
"هو كده كده هيتجوزني."
"إنتِ هتفضلي مراته، وأنا كمان هفضل في حياته."
شهقت فجأة، وحطت إيديها على ودانها كأنها بتحاول تمنع صوتها، لكن الكلمات.. كانت أعلى من أي صمت.
إنفجرت في عياط، ولأول مرة ما حاولتش تخبي دموعها، صرخت وهي بتضرب بإيدها على الكنبة :
ـ ليه يا عمر؟ أنا عملت لك إيه؟ أنا قصرت في إيه؟ أنا كنت وحشة معاك في إيه؟
سندت رأسها على الكنبة وبكت.. البكا اللي بيطلع لما الإنسان يحس إن كل اللي بناه.. وقع.
عدت ليلة كاملة من غير ما تنام. أول ما أذن الفجر كانت لسه قاعدة مكانها، عيونها ورمت، وشها شاحب، وقلبها.. مابقاش قادر يستحمل.
قامت ببطء، غسلت وشها، لبست إسدالها ومسكت شنطتها. بصت لصورتها هي وعمر المعلقة على الحيطة، قربت منها، لمستها بطرف صوابعها وهمست :
ـ سامحتك على تعب كثير، لكن المرة دي مش قادرة.
سحبت الصورة من الحيطة حطتها في الدرج وقفلت عليه، وكأنها بتقفل عمر كله جواه.
بعد ساعة..
كانت واقفة قدام بيت حماتها، رفعت إيدها لكنها ما عرفتش تخبط، نزلت إيدها ثاني، دموعها نزلت من غير صوت.
بعد لحظات خبطت، فتحت أم عمر الباب. أول ما شافتها إبتسمت :
ـ مريم، يا بنتي، تعالي.
حضنتها من غير ما تفكر، لكنها فجأة حسّت إن جسم مريم بيرتعش، بعدت عنها بسرعة وبصت في وشها واتصدمت :
ـ يا نهار أبيض! إيه اللي عمل فيكِ كده؟
مريم حاولت تبتسم، لكن ابتسامتها ماتت قبل ما تظهر. دخلت البيت بهدوء وقعدت، فضلت ساكتة وأم عمر قاعدة قدامها مستنية، لحد ما قالت بهدوء :
ـ إشربي حاجة الأول يا بنتي.
هزت مريم رأسها بالنفي وقالت بصوت مبحوح :
ـ أنا جاية أسألك سؤال واحد.
اتعدلت أم عمر في قعدتها :
ـ إتفضلي.
رفعت مريم عينيها وكانوا مليانين دموع وقالت :
ـ أنا عملت إيه غلط مع إبنك؟
ساد الصمت. أم عمر ما ردتش.
كملت مريم والدموع بتنزل على خدها :
ـ استحملت ضيق الفلوس، واستحملت غيابه واستحملت عصبيته. وكل مرة كنت بقول ماعلش جوزي تعبان.
إبتلعت ريقها بصعوبة :
ـ عمري ما عيرته إنه بدأ من الصفر، ولا مرة حسسته إنه أقل مني. كنت فرحانة بأي لقمة بناكلها سوا، وفرحانة بأي حلم كان بيحكيه لي، حتى لما الدنيا كانت بتضيق علينا كنت أقول المهم إنه معايا.
سكتت لحظة.. ثم قالت وهي تبكي :
ـ وفي الآخر يبقى جزائي إنه يبصلي في عيني ويقولي بحبك.. وبحب واحدة تانية.
نزلت أم عمر بعينيها للأرض، أما مريم فكملت بصوت بيقطع القلب :
ـ ولما رفضت قال لي ماتبقيش أنانية. أنا بقيت أنانية علشان مش عايزة أشارك جوزي مع واحدة ثانية؟
ثم مسحت دموعها بسرعة وقالت :
ـ تعرفي وصل بيه الحال لإيه؟
رفعت أم عمر رأسها.
مريم قالت بمرارة :
ـ بعت الست دي لحد باب بيتي، دخل، قعدت على كنبة بيتي وقالت لي : "خلينا حبايب." وهوكان واقف تحت مستنيها في العربية.
سكتت.. ثم بصت مباشرة في عيون حماتها وسألتها بصوت مرتعش :
ـ بالله عليك لو مكاني كنتِ هتقبلي؟
إتجمدت أم عمر مكانها واتملت عينيها بالدموع، لكنها ما قدرتش تنطق بحرف. فضلت تبص لمريم وبعدين قربت منها ومسكت إيديها وقالت بصوت كله وجع :
ـ والله يا بنتي أنا حتى من الأول ما كنتش موافقة على سارة.
رفعت مريم عينيها بسرعة.
أم عمر كملت :
ـ عمر كان بيحكي عنها زمان بس لما ربنا رزقه بيك قلت خلاص ربنا عوضه ببنت أصول، بنت تستر وتشيل وتصبر. ماكنتش أتخيل أبدًا إنه يرجع يفتح باب اتقفل من سنين.
نزلت دموعها وقالت وهي تهز رأسها :
ـ إبني مغيب يا مريم، مش شايف قدامه ولا عارف هو بيضيع إيه من إيده. صدقيني هو مشتت والشيطان لعب بعقله.
سكتت لحظة ثم ضمت كف مريم بين إيديها وقالت برجاء :
ـ إوعي تسيبي بيتك، حاربي علشان جوزك وحاربي علشان حياتك. الراجل ساعات بيغلط، ولما يفوق بيكون خسر كل حاجة.
مريم سحبت إيديها بهدوء وكانت دموعها بتنزل، لكن ملامحها كانت ثابتة. قالت بصوت هادئ.. هادئ لدرجة خوفت أم عمر :
ـ أحارب مين يا أمي؟ إبنك؟ ولا الست اللي عايزة تاخذه؟ ولا أحارب نفسي كل يوم؟
سكتت ثم أكملت :
ـ أنا طول عمري كنت بحارب، حاربت الظروف وحاربت الفقر وحاربت الخوف، وحاربت الدنيا كلها علشان أفضل جنبه. لكن عمري ما هحارب واحدة على راجل.
إتسعت عينا أم عمر :
ـ يا بنتي..
مريم هزت رأسها :
ـ لا. اللي مقتنع إنها سعادته يروح لها، واللي شايف إن قلبه يتقسم بين إثنين يبقى يستاهل يعيش بالطريقة اللي اختارها. أما أنا فمش هعيش أتسول حب جوزي ولا هستنى دوري، ولا هبص كل يوم في وشه وأسأل نفسي :
"هو النهارده كان عندها؟"
ارتعش صوت أم عمر :
ـ بس إنتِ بتحبيه.
إبتسمت مريم إبتسامة باكية وقالت :
ـ أيوه بحبه، ويمكن عمري ما هبطل أحبه. لكن.. هحط قلبي تحت رجلي قبل ما أحط كرامتي تحت رجل أي حد.
ساد الصمت ثم قالت وهي تمسح دموعها :
ـ كرامتي أغلى من أي راجل، وعزة نفسي هي الحاجة الوحيدة اللي لو ضاعت، مش هعرف أرجعها، ولو فضل حبي ليه جوه قلبي لآخر عمري هيفضل جوايا أنا، مش هخليه سبب إني أعيش مكسورة.
بكت أم عمر وقامت حضنتها بقوة وقالت وهي تنتحب :
ـ سامحيني يا بنتي، والله سامحيني. أنا ربيت إبني يكون راجل، ما ربيتوش يكسر قلب مراته.
إنهارت مريم في حضنها لأول مرة، لكن وهي بتبعد عنها قالت آخر جملة وكانت كأنها بتقفل باب عمر نهائيًا :
ـ قولي لإبنك إن الست اللي كانت مستعدة تضحي بعمرها كله علشانه.. ماتت. واللي واقفة قدامك دلوقتي ست اختارت نفسها، ولو كان هو اختار سارة، فأنا اخترت كرامتي.
خرجت مريم من بيت حماتها، ومشت بخطوات بطيئة، كانت دموعها نشفت، ولأول مرة وجعها بقى هادئ. الهدوء اللي بييجي بعد ما الإنسان ياخذ قراره.
أول ما الباب اتقفل وراها، مسكت أم عمر تليفونها واتصلت به. رد بعد الرنة الثانية :
ـ أيوه يا أمي.
قالت بنبرة حاسمة :
ـ تعالى لي حالًا.
إستغرب :
ـ فيه حاجة حصلت؟
ـ قلت تعالى.
وقفلت السكة.
بعد نص ساعة دخل عمر البيت، بص لأمه، إستغرب وشها. كانت قاعدة في الصالة وساكتة.
قال :
ـ خير يا أمي؟
رفعت عينيها ناحيته وقالت ببرود :
ـ أقعد.
قعد قدامها، فضلت تبص له ثواني، وفجأة قالت :
ـ أنا فشلت في تربيتك.
إتصدم :
ـ يعني إيه؟
ـ يعني الراجل اللي قدامي مش إبني اللي ربيته. أنا علمتك تكون سند لمراتك مش سبب في كسرها.
تنهد عمر وقال :
ـ يا أمي الموضوع أكبر من كده.
قاطعت كلامه :
ـ لا.. الموضوع أبسط من كده. إنت ظلمت مراتك.
سكت..قال بعد لحظة :
ـ أنا ما ظلمتهاش، أنا قلت لها الحقيقة. أنا ما خنتهاش، أنا من حقي أتجوز ده شرع ربنا.
رفعت أم عمر إصبعها وقالت بحزم :
ـ بلاش تستخدم الدين علشان تريح ضميرك، الدين اللي بتتكلم عنه هو نفسه اللي قال :
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
ثم أكملت وهي تنظر في عينيه :
ـ العدل مش فلوس وأكل وشرب وبس، العدل كلمة، العدل إحساس، العدل إنك ما تكسرش قلب واحدة إديتك عمرها.
خفض عمر عينيه، لكن قال بإصرار :
ـ هاقدر أعدل.
هزت رأسها بأسى :
ـ لا يا عمر، إنت مش قادر تعدل من دلوقتي،ةإنت من قبل ما تتجوز الثانية كسرت الأولى.
ثم اقتربت منه قليلًا وقالت :
ـ تعرف إيه اللي وجعني؟ مش إنك عايز تتجوز، اللي وجعني إنك بعثت الست دي لحد بيت مراتك، دخلت بيتها وقعدت مكانها واستفزتها، وإنت واقف تحت مستنيها. أي راجل يعمل كده؟
صمت عمر ثم قال :
ـ سارة مالهاش ذنب. أمي، هي بتحبني.
ضحكت أم عمر ضحكة كلها قهر :
ـ بتحبك؟! اللي بتحب راجل متجوز وتدخل بينه وبين مراته، دي بتحبه؟ ولا بتحب نفسها؟
ثم أكملت بغضب :
ـ الست اللي تدخل على بيت عامر علشان يبقى خراب، دي عمرها ما هتبني لك بيت. دي خرابة بيوت يا عمر وأنانية، لأنها شايفة وجع مريم ومكملة. ولو كانت بتحبك بجد كانت قالت لك :
إرجع إصلح بيتك. مش تعالى إبني حياتك على أنقاض حياة غيرك.
بلع عمر ريقه لكنه قال :
ـ يمكن ده نصيبي.
هزت أمه رأسها :
ـ لا.. ده اختيارك، وسارة عارفة شخصيتك، عارفة إن قلبك ضعيف قدامها وعرفت تضغط عليك. كل مرة تقول لك كلمة تجري وراها، وأنت فاكر إن ده حب.
ثم سكتت لحظة وقالت بصوت خافت :
ـ الحب عمره ما يطلب منك تظلم حد ولا يخليك تنام مرتاح وفيه واحدة بتعيط بسببك.
نزلت دموعها وقالت :
ـ النبي ﷺ قال : "لا ضرر ولا ضرار."
ثم نظرت إليه طويلًا :
ـ قول لي، إيه ذنب مريم؟ إيه ذنب بنت استحملت معاك كل حاجة؟
رفع عمر رأسه لكن الكلمات خانته. قال بصوت ضعيف :
ـ أنا بحبها.
قالت أمه :
ـ لو بتحبها ماكنتش كسرت قلبها، ولو بتحب سارة ماكنتش سمحت لها تخرب بيت غيرها.
ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت الجملة التي هزته من الداخل :
ـ مريم كانت هنا النهارده.
جسم عمر انتفض :
ـ جت؟
ـ أيوه، كانت جاية مكسورة، بس خرجت واقفة على رجليها.
سألها بسرعة :
ـ قالت إيه؟
أجابت أمه وهي تنظر إليه بحزن :
ـ قالت إنها اختارت نفسها وإنها مش هتحارب على راجل شايف غيرها. وسابت لك رسالة.
ساد الصمت، ثم قالت ببطء :
ـ قالت لك.. طلقني أنا مش رقم إثنين.
فضل عمر ساكت.. ولأول مرة منذ بدأت الأزمة شعر أن الأرض تهتز تحت قدميه.
وقف عمر قدام باب الشقة، فضل يبص عليه ثواني، رفع إيده وخبط. فتحت مريم الباب، بصت له، ولا اتصدمت ولا فرحت ولا حتى زعلت، مجرد نظرة باردة.
نسرين بلعجيلي
قال بهدوء :
ـ ممكن نتكلم؟
ردت وهي واقفة مكانها :
ـ إتفضل.
دخل، بص حوالين الشقة، كل حاجة زي ما هي.. إلا هي. كانت مختلفة، وشها شاحب، لكن عينيها فيهم قوة عمره ما شافها.
وقف قدامها، وقال بهدوء :
ـ أنا مش قادر أشوفك كده.
إبتسمت بسخرية :
ـ وأنا بقى بقيت قادرة أشوف نفسي.
سكت.. قال :
ـ مريم، أنا عارف إنك زعلانة.
قاطعت كلامه :
ـ لا. أنا كنت زعلانة، دلوقتي أنا فوق مرحلة الزعل. أنا وصلت لمرحلة الخذلان.
حاول يقرب منها خطوة، إبتعدت هي وقالت :
ـ مكانك هناك.
وقف مكانه، قال :
ـ أنا جيت علشان نحل الموضوع.
ضحكت ضحكة كلها وجع :
ـ الموضوع اتحل.
إستغرب :
ـ إزاي؟
قالت وهي تنظر في عينيه :
ـ مش هقولك ارجعلي ولا هتمسك بيك ولا هعيط علشانك، أنا هقولك حاجة واحدة: ادإبعد عني، روح لها. مش هي دي سعادتك؟ مش هي الست الكويسة؟ وأنا.. أنا الست الأنانية الوحشة اللي مش عايزة تشارك جوزها. يبقى روح لها وسيبني في حالي. أنا خلاص تعبت.
قال بسرعة :
ـ إنتِ فاهمة غلط.
رفعت صوتها لأول مرة :
ـ لا.. أنا أول مرة أفهم صح. أنا اللي كنت عايشة بوهم إن الحب يكفي وإن التضحية بتتقدر، لكن طلعت غلطانة.
ظل ينظر إليها في صمت، كانت لأول مرة ترفع صوتها عليه، أول مرة لا تخاف من زعله.
وفي اللحظة دي، مرت في عقله صورة سارة.
سارة..
اللي كل مرة تختلف معاه تنزل عينيها للأرض وتقول :
"اللي يريحك."
"أنا موافقة."
"القرار قرارك."
أما مريم.. فكانت واقفة قدامه رأسها مرفوع، وعينيها ثابتة، لا تستجديه، ولا تخاف خسارته.
قال بصوت منخفض :
ـ يعني... ده قرارك؟
قالت بثبات :
ـ ده قراري. أنا اخترت نفسي واخترت كرامتي. ولو كان وجودي في حياتك محتاج ينافس واحدة ثانية، يبقى أنا من الأول ماكانش ليا مكان.
ثم فتحت الباب وقالت :
ـ إتفضل .
بص لها طويلًا. كان مستني إنها تناديه، إنها تقوله إستنى، لكنها ما اتكلمتش.
خرج... وقبل ما يقفل الباب سمع صوتها.
ـ عمر.
لف بسرعة، قالت وهي تنظر إليه للمرة الأخيرة :
ـ لما تروح لها ماتبصش وراك، لأنك لو بصيت.. مش هتلاقيني.
وأغلقت الباب بهدوء.
إستندت مريم على الباب، أغمضت عينيها وسقطت دمعتان فقط ثم مسحتهما، وتوضأت وقامت تصلي.
وقفت بين يدي الله...
وكل ما كانت حابسة جواها من وجع، خرج في سجدة طويلة.
رفعت إيديها بعد الصلاة وقالت وهي تبكي :
اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، اللهم أنت حسبي ونعم الوكيل.
اللهم إن كان في بقائي معه خيرٌا لديني ودنياي فأصلح قلبه واهده إلى الحق، وإن كان في فراقه خيرٌا لي فاصرفه عني واصرف قلبي عنه، وارزقني الرضا بما قضيت.
اللهم إجعل كيد من أراد بي سوءًا في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، واكفنِ شره بما شئت وكيف شئت.
اللهم لا تجعلني أذل نفسي لمخلوق، ولا تعلق قلبي بمن لا يقدر نعمتي، وأبدل كسري قوة، وحزني سكينة، ودموعي فرجًا.
اللهم إنك تعلم أني ظلمت، فانتصر لي بالحق، ولا تجعل في قلبي حقدًا على أحد، واجعل حقي يأتي من عندك، فأنت خير الحاكمين.
حسبي الله ونعم الوكيل.
حسبي الله ونعم الوكيل.
حسبي الله ونعم الوكيل.
أنت نعم المولى ونعم النصير.
وأغلقت المصحف..
وأطفأت نور الغرفة.
بينما كان عمر في العربيه يقف أمام مكان فاضي، لأول مرة يشعر أن المرأة التي كان يظن أنها لن تستطيع العيش بدونه..
*اختارت أن تعيش بدونه*.
