رواية ألوان مستعاره الفصل الثالث عشر 13 بقلم سها رمضان

 


رواية ألوان مستعاره الفصل الثالث عشر 


أول ما طارق خرج وقفل باب المكتب وراه، الهدوء الساكن استقر في المكان.. هدوء يسبق عاصفة مالهاش أول من آخر.
​كاسر وقف قدام شباك المكتب المكسور، الهوا البارد بيخبط في وشه، وعينيه مثبتة على السراب برة. الفكرة اللي اتزرعت في دماغه مكنتش مجرد خطة، كانت قرار حاسم ينهي المأساة دي للأبد. كان حاسس إن الدنيا كلها أصبحت في كفة، وحياة وسعادة حبيبة في الكفة الثانية.. وبدون لحظة تردد واحدة، اختار كفة حبيبة، حتى لو هتطير فيها رقاب أو يتدمر هو نفسه.
​سحب مفاتيح عربيته نزل بخطوات واثقة وقاطعة، تركيبه العقلاني كله اتلغى وحلت محله غريزة راجل يرفض يشوف حبيبته بتتدبح.
​طول الطريق، مكنش حاسس بالوقت ولا بالعربية.. عقله كان شبه متوقف عن التفكير التقليدي ومسحوب بمغناطيس ناحية بيتها. ومحسش بنفسه غير وهو واقف بالعربية تحت البيت 
​نزل من العربية، وبص لفوق.. البيت شكله كئيب، والبيت بالنسبة له بقى زي المسلخ. حس إن رجليه تقيلة كأنها من حديد وهو بيطلع السلم، خطوة ورا خطوة، بس خلافت كل أوهام الحذر وركب رأسه.. خلاص، فاض بيه ووصل لآخره، ومبقاش فيه مكان للخوف أو الأصول.
​قرب من الباب.. مد إيده بثبات، ورن الجرس.
​جوة الشقة..
​حبيبة كانت قاعدة على أرضية الصالة، حاضنة رجليها ودموعها جافة على خدها من كتر العياط بعد ما آيتن وكاسر مشيوا. أول ما صوت رنة الجرس ضرب في الشقة، اتنفضت في مكانها وقلبها وقع في رجليها من الخوف!
​عينها راحت على الساعة.. الساعة لسه ما جتش تسعة!
داهمها الرعب: "يكون يوسف رجع بدري؟" بس رجعت فكرت بسرعة ونبضات قلبها صريعة: "يمكن آيتن نسيت حاجة ورجعت تاني؟"
​قامت بالعافية وهي بتسحب رجليها، عدلت طرحتها وشالها على وشها عشان تداري الكدمات، وقربت من الباب ببطء. حطت المفتاح في القفل، وفتحت..
​أول ما الباب اتفتح.. الهواء اتجمد في روتين الزمان والمكان.
​حبيبة اتسمرت مكانها، لسانها اتعقد، وعينها وسعت بصدمة مرعبة وجنونية وهي باصة للراجل اللي واقف قدامها على العتبة.. كاسر!
​كان واقف بهيبته، بطوله، بس عينيه كانت مليانة بركان غضب وحنان وقهر وشهامة متجمعة في ملامح واحدة.
​في اللحظة دي.. المشاعر بيناتهم انفجرت من غير ما حد ينطق بحرف:
​حبيبة حسّت برعب وخوف حقيقي يزلزل كيانها.. مش خوف من كاسر، بل خوف "على" كاسر! صورة يوسف وهو راجع أو وهو بيكتشف وجوده هنا مرت قدام عينها زي الكابوس. وفي نفس الوقت، بين شوك الخوف ده، قلبها دق دقة دافية وموجوعة، حسّت إن الأمان والظهر اللي تحرمت منه أشهُر، واقف قدام بابها بيلبي استغاثتها الصامتة.
​أما كاسر.. فلما الباب اتفتح وشاف وشها الأصفر المجهد وعيونها المنتفخة من العياط، الوجع أكل أحشاءه. النظرة القريبة دي خلته يشوف كسرتها بوضوح أشد. كان حاسس إن قلبه بيتعصر في إيده، ورغبته إنه يمسك إيدها ويشدها برة السجن ده كانت أسرع من أي عقل.
​حبيبة رفعت إيدها على شفايفها وهي بترتعش، وصوتها طلع همس مكسور ومذعور:
ـ "كاسر؟! أنت.. أنت بتعمل إيه هنا؟! أنت اتجننت؟!"
​كاسر أخد خطوة واحدة لقدام وقفل مسافة الباب، صوته طلع واطي، بس عميق ومرعب من قوة الثبات والرجولة اللي فيه:
ـ "أيوة اتجننت يا حبيبة.. اتجننت اليوم اللي سبتك فيه للحيوان ده، ومش همشي من هنا إلا وأنا قاطع الشك باليقين." 
حبيبة رجعت لورا خطوة ورا التانية، قلبها بيدق بعنف، وعيونها مليانة صدمة ودموع متحجرة.. حست بوجع في كرامتها، وكبرياءها الأنثوي اللي فاضل لها كان السلاح الوحيد اللي بتحاول تحتمي وراه.
​بصتله بتحدي رغم ارتجاف صوتها:
ـ "يعني إيه الكلام اللي بتقوله ده؟ جاي تشفق عليا دلوقتي يا كاسر؟ لا شكراً.. أنا مش محتاجة حد ينقذني، وخصوصاً لو كان أنت! جاي تعمل فيها البطل بعد ما فات الأوان؟"
​كاسر تجاهل قسوتها، قرب منها خطوة كمان، وعيونه كانت قوية ومصرّة، قال بنبرة مفيهاش هزار:
ـ "شفقة؟ أنتِ شايفة إن ده وقت شفقة؟ أنا بقولك إني مستعد أخسر الدنيا كلها عشانك.. مستعد أحرق الأخضر واليابس بس عشان أخرجك من السجن اللي أنتِ فيه ده. ثقي فيا يا حبيبة.. أرجوكِ، أنا أقدر أحميكي منه، أنا أقدر أعمله اللي هو ما يتخيلوش!"
​حبيبة حست إنها هتتجنن من طريقته، صرخت فيه بوجع:
ـ "أنت اتجننت؟! أنت خاطب آيتن! آيتن اللي هي أخت اللي بيضربني وبيذلني.. أنت جاي تتكلم في إيه وتخرف في إيه؟! أنت عايز تحطني في وش أختك كمان؟!"
​كاسر قرب منها أكتر، المسافة بينهم بقت تكاد تكون معدومة.. حط إيده على الحيطة جنب وشها عشان يمنعها من الهرب، وقال بهدوء مرعب وحنان زلزل كيانها:
ـ "أنا هفهمها كل حاجة.. آيتن طيبة وهتفهم، وكل ده هيتصلح. اسمعي كلامي مرة واحدة يا حبيبة.. مرة واحدة بس، متقلقيش من أي حاجة، أنا اللي في وشك، أنا اللي هقف قدام الكل عشانك."
​حبيبة هزت رأسها بالرفض، بس عيونها بدأت تلمع بدموع الانكسار، صوتها طلع مخنوق:
ـ "مش هينفع.. كل حاجة باظت يا كاسر.. كل حاجة."
​كاسر مد إيده التانية، بحركة بطيئة جداً ومترددة، لمس طرف طرحتها اللي كانت مدارية وشها، ورفع عينه في عيونها اللي غرقانة بالوجع، اتكلم بصوت مبحوح، مليان ندم وحب مكبوت:
ـ "أكبر غلطة عملتها في حياتي زمان إني سبتك تمشي.. كنت فاكر إن الأيام هتنسيني، بس كنت كداب. والله العظيم ما بطلت أدور عليكي ولا لحظة، حتى وأنا بعيد.. كنت بلملم أخبارك، كنت بتنفس هواكِ اللي بعيد عني. أنا ما سبتكش يا حبيبة.. أنا كنت بلف الدنيا كلها عشان أرجعلك اللحظة اللي أقدر أخدك فيها في حضني تاني.. واللحظة دي وصلت.
حبيبة بتراجع لورا وكأنها بتغرق، بتنهج وصوتها بيعلى بقهره:
ـ "يعني إيه الكلام ده؟ إنت مجنون؟ أنا متجوزة يا كاسر! أنا إزاي سمحت لنفسي إني أقف أتكلم معاك أصلاً؟ اطلع برة لو سمحت.. أنا واخدة واحد وبحبه وبحترم بيته، اطلع إنت بس من حياتنا!"
​مشيت من قدامه بخطوات مهزوزة وهي رايحة ناحية الباب، بتحاول تهرب من نظراته اللي بتحرق وشها. كاسر لف وبصلها، وفجأة، زي البرق، قرب منها بخطوة واحدة وشال الشال والطرحة اللي كانت مدارية بيهم رقبتها ووشها بعنف غير مقصود، بس كان عايز يواجهها بالحقيقة.
​بانت الكدمات، بانت آثار صوابع يوسف اللي ملمومة على رقبتها، العلامات كانت "بتتكلم" وتصرخ بظلم.. كاسر بصلها بذهول وسخرية مرة ممزوجة بوجع:
ـ "حلو الحب الجديد اللي بتتكلمي عليه ده يا حبيبة؟ ده اللي بيعوضك؟ ده اللي بيحبك؟"
​حبيبة اتكسفت من عري ملامحها، شهقت من إيده وهي بتحاول تغطي نفسها تاني:
ـ "أوعى كدا! اطلع برة يا كاسر.. أنا مستحيل أنسى اللي عملته زمان، مستحيل!"
​كاسر فقد أعصابه تماماً، مش الغضب اللي بيكسر الزجاج، لكن غضب الراجل اللي قلبه بيتقطع.. زقها بالراحة على الحيطة وقرب شويه عليها ،  وجز على سنانه:
ـ "وإنتي اللي عملتيه قليل؟ إنتي جرحتي قلبي! كنتي مخبية عليا إنك كنتي شغالة في الخروب ده! كل اللي وجعني مش إنك كنتي هناك، وجعني إنك خبيتي عليا.. كنتِ خايفة مني؟ ده أنا كنت تحت أمرك، كنت ببيع عمري عشانك!"
​حبيبة انفجرت في البكاء، زقته بقوة بكل اللي فاضلها من طاقة، وبعدت عنه ووقفت في نص الصالة، ولفتله بجسمها ودموعها مغرقة وشها:
ـ "مكنتش عايزة أشوف في عينيك نظرة الشفقة! كنت خايفة تشوفني البنت الفقيرة اللي أبوها مات، وأمها اتجوزت واحد غريب عشان متحسسنيش إني يتيمة.. كنت خايفة تكسرني! مش ذنبي إني جوز امي طلع حشاش ومجرم وشغلني في المكان ده غصب عني.. كنت بصرف على علاج أمي، أمي كانت بتموت يا كاسر، كانت كليتها بتدمر!"
​كاسر قرب منها تاني، بس المرة دي بحنان مكسور، عيونه لمعت بدمعة محبوسة:
ـ "أنا ماكنتش هحترمك أقل من كدا يا حبيبة.. كنتِ قولتيلي! كنتِ صرختي في وشي، وأنا أقسم بالله كنت هتقبل أي حاجة منك.. أي حاجة!"
​حبيبة مسحت دموعها بعصبية وقهر:
ـ "هتتقبل إيه؟ إنت أصلاً ما صدقتش كلامي! عينيك كانت بتقول إني ماعنديش شرف.. إنك افتكرت إني بعته!"
​كاسر حط إيده على قلبه اللي بيدق بجنون:
ـ "وحياتك عندي لا! أنا بس الغيرة عمتني.. الغيرة خلتني أشوف الدنيا سودا.. سامحيني يا حبيبة، احنا خلاص في المستقبل، ومافيش قوة في الأرض هتخليني أسيبك هنا تاني!"
​حبيبة بصريخ مكتوم:
ـ "لا هتسيبني يا كاسر! أنا مش عايزاك!"
​كاسر بصدق ولهفة:
ـ "كدابة.. إنتي بتموتي فيا زي ما أنا بموت فيكي، وعايزك دلوقتِ قبل بكرة."
​حبيبة بتنهيدة كلها يأس:
ـ "وأنا مستحيل أكون سبب في تعاسة حد.. آيتن طيبة وماتستاهلش مني كدا.. اطلع برة يا كاسر، وماتجيش هنا تاني، اطلع بررررررة!"
​كاسر بصلها بنظرة أخيرة.. نظرة راجل خسر الحرب بس لسه بيحب المعركة. نزل راسه بحزن، ولف عشان يفتح الباب ويمشي..
​يدوبك حط إيده على مقبض الباب وفتحه..
​اتسمر في مكانه.
​يوسف كان واقف في وشه.. لابس نضارته السودا اللي مخبية عينيه، وواقف مبتسم ابتسامة باردة، تقيلة، ومش مفهومة، كأنه كان مستني اللحظة دي بالظبط!



تعليقات