رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والرابع والثلاثون 133 بقلم سهام صادق
ما الذي تتحدث عنه خالته وعن أي طفل تحمله شقيقته في أحشائها؟ ما هذا العبث الذي يخترق جميع حواسه؟ وفجأة سكن كل شيء حوله، وتجمدت قسمات وجهه وأظلمت حدقتاه عند التقاط أذنيه اسم حماه العزيز، السيد هشام.
ـ الباشا المستشار كان مستغفلنا، عرف يضحك على زينة يا مراد واستغل سذاجتها، أنا لو كان عايش لسا كنت قطعت لحمه بسناني.
استمع مراد إلى هراء خالته كما يظن عقله، فاستطردت قائلة:
ـ تعرف إنه لما عرف إنها حامل، رفض الاعتراف بالطفل وكان مخطط يهرب بره البلد وطبعاً قدم استقالته الحقير!
وابتلعت إلهام لعابها بخوف وهي تتحاشى النظر في أعين مراد حتى تستطيع مواصلة كلامها وكشف هذه الكارثة له، فلا سبيل أمامها بعد تضيق حصار عدنان عليها من جميع الجبهات إلا مراد.
ـ زينة صغيرة وقسوة عدنان عليها خلّيتها تدور على مشاعر الحب بطريقة مفكرتش في عواقبها، وأنا يا مراد مفكرتش فيك غير بعد ما عدنان خد قرار جواز زينة من واحد من رجالتنا دون رجعة...
وكادت أن تواصل إلهام كلامها على أمل أن تتلاعب بمشاعره، لكن ضحكات مراد التي صدحت فجأة ثم حديثه أصابها بالفزع.
ـ أختي حامل من حمايا، وحمايا العزيز ودع الدنيا...
وأردف بهذيان ارتجف معه قلب إلهام من شدة الخوف:
ـ وبنت المستشار حامل في أبني، وأختي حامل من أبوها!
سيطرت إلهام على رعشة جسدها وقالت بتوسل بعد أن بدأت تتنبأ بردة فعله:
ـ مراد لو عدنان عرف هيموت زينة وممكن يفكر في أذية مراتك كمان وأنت مستني منها الطفل اللي نفسك فيه، مراد أرجوك متخليش الغضب يعميك، زينة أختك يا مراد.
زاغ مراد ببصره لوهلة، ثم توقدت عيناه بنظرة مخيفة لأبعد حد ممكن بعد أن تلاقت عيناه بأعين إلهام، وفجأة ضرب الطاولة التي أمامه بكل قوته صائحاً:
ـ أختي لازم تموت زي ما هو مات!
وصرخ اسمها بصوت عالٍ جذب انتباه الحرس الواقفين عند بوابة الفيلا:
ـ زينة!
تيبست أطراف إلهام ثم انفلتت من شفتيها صرخة عالية عندما وجدته يلتقط السلاح من أحد رجاله:
ـ لأ يا مراد لأ، أبوس إيدك.
وركضت وراءه بصراخ لكنه كان كالأصم:
ـ مراد أقف اسمعني.
واصل مراد صعود الدرج دون الالتفاف لها، واستمر في صراخه باسم شقيقته.
ارتعش جسد زينة وسقطت الآلة الحادة التي أوشكت على وضعها على شريان يدها عند استماعها لصراخه.
وضعت إلهام يدها على دقات قلبها الهادرة وصرخت بصوت بالكاد استطاعت إخراجه:
ـ أنا السبب في حادثة سيادة المستشار ومراته، أنا اللي دبرتها.
ثم تهاوت بجسدها على الدرج مستطردة بأنفاس غير منتظمة وثقيلة:
ـ مفكرتش ليه بنت المستشار لحد النهاردة ماتكلمتش عن حبسك ليها واللي عملته فيها أنت ورجالتك، وليه من يومها منعزلة تماماً عن كل حاجة؟ ماحسيتش بحاجة غريبة من ورا سكوتها بعد ما دخلت ليها أوضتها في المستشفى علشان أبلغها بوفاة أبوها الندل وخرجت مع أخواتها من غير ما تنطق كلمة؟ كل ده مفكرتش كان ورا إيه يا ابن عدنان...
وبانهيار تام وصياح انْبَحَّتْ معه حنجرتها أضافت:
ـ زينة ضحيتك أنت وعدنان، أنت نسخة من عدنان يا مراد.. نسخة أبشع.
التفت مراد ناحيتها ورمقها بنظرة ساخرة ثم واصل صعوده لأعلى غير عابئ بصراخ إلهام.
....
انقبضت قسمات وجه عزيز عند استماعه لبكاء نيرة، وقد تأكد حدسه بأن مكالمة ابنة شقيقه له وراءها أمر ليس بالهين.
ـ أرجوك ساعدها يا عمو، أرجوك متتخلاش عنها.
تلاقت عيناه مع ليلى التي تساءلت بصوت خافت:
ـ هو في حاجة يا عزيز؟ مالها نيرة؟
استمرت نيرة في توسلاتها التي جعلت عزيز يصب تركيزه نحو آخر لقاء بينه وبين هارون وآخر كلام دار بينهما:
ـ "عايز أقولك في آخر لقاء ممكن يجمعنا، إن حقي وحقك هاخده منها."
ـ "ظلمت مراتي زمان وكانت النتيجة، عيشت عمري كله مع ست حقيرة."
ـ "أوعى يا عزيز تقبل في يوم أبن سمية يتجوز بنتي."
ـ "أنت راجل بتخاف ربنا يا عزيز، لو جرالي حاجة أقف جانب بنتي متسيبهاش."
ورغم أن كلام هارون في ذلك اليوم لم يكن مترابطاً، إلا أنه أصاب قلبه بشعور خفي.
ـ كفاية يا نيرة بكا، هاتي التليفون أكلم أنا عزيز بيه.
قالها معتز زوج نيرة، لكنها صاحت رافضة أن يأخذ منها الهاتف:
ـ عمو أنت سامعني، أرجوك أنقذ ماما يا عمو!
زمت ليلى شفتيها في سأم بسبب صمته وتجهم وجهه العجيب، وكادت أن تتحدث لكن صوت الطرقات التي وضعتها الصغيرة روفيدة على زجاج نافذة السيارة جعلها تلتف سريعاً.
ابتسمت ليلى عندما رأت تلك الصغيرة التي تبتسم لها، ثم أسرعت بفتح باب السيارة، فهتفت الصغيرة روفيدة بابتسامتها الجميلة قائلة:
ـ أنا روفيدة يا طنط ليلى، وصديقة عمو عزيز.
قطبت ليلى جبينها، ثم ارتجف جسدها في ذعر عندما استمعت إلى صوت عزيز الغاضب:
ـ أياك يا معتز، أياك تخليها تسافر لندن... أنا في اجتماع مهم هخلصه بسرعة وأكلمكم تاني.
أنهى عزيز المكالمة سريعاً، ثم نظر جهة ليلى وتلك الصغيرة روفيدة التي تشبثت في ساقها بعد أن أفزعهن صوته.
غادر عزيز السيارة بوجه متجهم وهو يطبق على كفيه، فاقتربت ليلى منه متسائلة:
ـ عزيز هو في إيه؟ مالها نيرة وليه زعقت وقولت لجوزها متسافرش لندن؟
سيطر عزيز على ذلك الضجيج الذي يضج في رأسه وابتسم قائلاً:
ـ ركزي في فرحتك بالمكان وبعدين هنفهم كويس أبعاد الموضوع من نيرة.
ـ عزيز أنت قلقتني.
احتضن عزيز وجهها بين كفوف يديه أمام أنظار كل من بسام وأميمة:
ـ متقلقيش وركزي في مشروعك علشان تعرفي تقنعيني إني أوافق على تعاوني معاكم بالأقمشة من عندي وبسعر مش هتلاقي زيه عند أي تاجر تاني.
ابتهجت قسمات وجه ليلى، وقد لاحظها كل من بسام وأميمة.
أخفض بسام رأسه، فها هو عزيز الزهار يؤكد له عكس ما أخبرته به سلوى.
ـ عمو عزيز أنا زعلانه منك لأنك مقولتليش: أزيك يا روفيدة!
توجهت أنظار عزيز هذه المرة بلهفة نحو الصغيرة روفيدة والتي وقفت تنظر إليه بوجه عابس بسبب عدم اهتمامه بها.
ـ هو أنا أقدر على زعلك يا روفيدة هانم؟
تمتم بها عزيز وهو يربت على شعرها. ومع حديث الصغيرة واهتمام عزيز بها، عاد عقل ليلى لتساؤله: من أين يعرف عزيز تلك الصغيرة؟ وسرعان ما اتسعت حدقتاها والتفتت نحو أميمة.
ـ أنتِ أتعرفتي على ليلى يا رورو؟
أومأت الصغيرة برأسها وقالت ما اخترق أذنين ليلى:
ـ أيوة يا عمو عزيز، ماما قالتلي إنها مراتك، وعلشان أنا بحبك أوي هحبها هي كمان.
وبهمس أردفت:
ـ هي شبه العروسة بتاعتي، حلوة كده زيها.
توهج وجه ليلى بالخجل، ثم سارت نحو بسام وأميمة التي أخيراً تذكرتها:
ـ أنا آسفة على التأخير.
قالتها ليلى في لطف افترّ معه ثغر أميمة بابتسامة خفيفة:
ـ لا ولا يهمك يا مدام ليلى.
ردت ليلى سريعاً:
ـ لو هتقولي مدام ليلى، هقول مدام أميمة ونقضيها رسميات!
خفف مزاح ليلى من توتر أميمة التي ظنت أن ليلى ستكون من النساء اللاتي يصيبهن الغرور عندما يرتقين في المكانة الاجتماعية.
ـ ليلى بسيطة زيّك يا أميمة، وإن شاء الله هتكونوا أصدقاء.
وصل إلى مسامع عزيز ما قاله، وانتفخت أوداجه من الغيرة، ولولا أنه مغلوب على أمره لكان أنهى هذا التعاون الذي يُفرض عليه، قال عزيز بنبرة مقتضبة:
ـ صباح الخير.
توترت أميمة وهي ترد تحية عزيز مثل بسام، وسرعان ما هتفت بحزم إلى ابنتها التي تقفز بسعادة وهي تمسك يد عزيز:
ـ تعالي هنا يا روفيدة.
توقفت الصغيرة عن القفز وهزت رأسها بالرفض قائلة:
ـ عمو عزيز مش مضايق مني، صح يا عمو؟
خفق قلب عزيز من براءتها، ونظر نحو ليلى التي ظهرت في عينيها الحيرة من قرب هذه الصغيرة منه، وعلى ما يبدو أن هناك لقاءات عديدة جمعتهما.
ـ أكيد أنتِ فاكرة مدام أميمة يا ليلى، مدام أميمة أخت الحجة هويدا زوجة الحاج عبدالرحمن.
أخفضت أميمة رأسها خجلاً وتمتمت حتى تستكمل صلة معرفته بها وبصغيرتها:
ـ وكنت بشتغل عند عزيز بيه سكرتيرة، أنتِ شوفتيني قبل كده.
وواصلت أميمة بقية حديثها الأهم الذي سينتهي معه تساؤل ليلى نحو علاقة عزيز بالصغيرة:
ـ روفيدة كانت ساعات بتيجي الشغل معايا، الله يكرمه عزيز بيه كان بيسمح بوجودها لأنه عارف ظروفي وهي بتحبه أوي.
لم يكن انتباه عزيز في هذا الوقت مع كلام أميمة، فهاتفه بدأ بالرنين برقم سيف هذه المرة.
استدارت ليلى ناحيته وقد تملكها القلق عندما أسرع بالابتعاد عنهم حتى يرد على المتصل.
....
صعدت إلهام درجات الدرج زحفاً بعد أن فقدت قدرتها على الحركة، حاولت لمرات إخراج صوتها لكن لسانها وكأنه أصبح مربوطاً عن الكلام.
استمرت في زحفها على يديها حتى وصلت إلى غرفة زينة التي لم يخرج منها صوت حتى هذه اللحظة، وهذا ما جعلها في حيرة من أمرها وعاجزة تماماً عن توقع ما حدث.
أغلقت إلهام عينيها أولاً حتى تكون مستعدة لكل توقعاتها، وسرعان ما فتحتهما عند سقوط شيء أرضاً، وفي هذه اللحظة خرجت صرخة تشق هذا السكون ولم تكن إلا صرخة إلهام:
ـ زينة....لااااا!
....
زفر عزيز أنفاسه بارتياح مؤقت بعد أن اطمئن أن اتصال سيف به يؤكد له عدم وصول خبر أعتقال سمية له بعد.
طأطأ رأسه ثم تنهد مرة أخرى بثقل وحسرة على حال أولاد شقيقه، وفي نفسه غمغم بقلة حيلة:
"يا ترى يا سيف هتقدر تتحمل الفضيحة المرة دي؟ ولو انكشف المستور هتعرف ترفع رأسك قدام الناس..."
وبأفكار متخبطة أردف: "ابتلاؤكم صعب يا ولاد أخويا، ومهما حاولت أعمل علشانكم في النهاية بتدفعوا الثمن.. آه يا سالم آه."
....
خرجت أشرقت من المقابر بخطوات ثقيلة وواهنة بعد أن أفرغت كل ما يملأ فؤادها ويمزق روحها البائسة.
تنهدت بفتور عند ارتفاع صوت رنين هاتفها، وظنت أن سما تعيد الاتصال بها حتى تعلم أين هي؟
اندهشت عندما رأت رقماً غير مسجل لديها، ولم تتردد في الرد لأن الكثير من الأصدقاء هذه الفترة يهاتفونها من أجل قضاء واجب العزاء.
توقفت الطبيبة هناء عن حركتها المتوترة وقالت فور أن أجابت عليها أشرقت:
ـ مدام أشرقت، أنا الدكتورة هناء.
ارتعش جسد أشرقت عند استماع صوت الطبيبة هناء، فأردفت الأخرى بكلمات لطيفة:
ـ أولاً البقاء لله، وإن شاء الله تطمني على والدتك وتقوم بالسلامة.
ردت أشرقت بصوت مبحوح وخافت:
ـ شكراً على تعزيتك واتصالك يا دكتورة.
أسدلت الطبيبة هناء أهدابها بعد أن انتابها شعور بالتردد، لكن سرعان ما نفضت ترددها عن رأسها وتحدثت:
ـ أنا محتاجة أقابلك يا سيادة المستشارة.
....
استدارت ليلى بجسدها فور هتاف الصغيرة روفيدة باسم عزيز.
صرفت أميمة عينيها عن عزيز كالعادة حتى لا تعيد لقلبها وهماً وأدته.
ـ إيه رأيك يا عزيز في المكان؟
تساءلت بها ليلى بنبرة تحمل لهفتها، فنظر عزيز حوله ثم تمتم بثبات عكس ما يعتليه صدره من عِبْء جديد أضافته سمية على كاهله:
ـ ما شاء الله، ربنا يجعله فتحة خير عليكم.
تهللت أسارير ليلى بعد قوله وأخذت تخبره عما قررته مع أميمة وبسام في الوقت الذي كان يتحدث فيه بالهاتف.
اقترب بسام من عزيز بتوتر وتساءل حتى يشاركهم الرأي:
ـ قولنا توقعاتك كصاحب مكان يا عزيز بيه.
ألقى عزيز نظرة خاطفة نحو بسام، ثم بدأ يتفحص كل جزء من المكان الواسع المقسم لجزءين؛ جزء منه لماكينات الخياطة وجزء آخر سيعرض المنتجات التي يتم تفصيلها إلى أن يثبتوا مكانهم بالسوق التجاري ثم يتم اتخاذ هذا المكان كمصنع صغير.
نظرت ليلى نحو عزيز بعد سؤال بسام، ثم كررت شرح فكرة مشروعهم وخطواتهم القادمة مرة أخرى عندما وجدت عزيز يحدق بأمعان في ماكينات الخياطة الأربعة.
توقفت ليلى عن الكلام، فأشار إليها أن تستكمل حديثها الذي كلما سمعه أكد لنفسه أنه سيكون رجلاً ظالماً إذا وقف أمام حلمها وأطفأ سعادتها، فيكفيها النقص الذي تعيشه معه وحرمانها من الأمومة.
وعِدة آهات كانت تخرج من صدر عزيز بصوت مكتوم، فقد أصبح دوره العائلي في هذه المرحلة ثقيلاً وعليه ألا يهدر حق ليلى وألا يضعها على الرف كما كان يفعل من قبل ظناً منه أن زهرته الجميلة لا تحتاج للارتواء.
ـ أنا موافق على دعمكم من غير أي دفعة مالية ومن بكره القماش هيكون عندكم.
لمعت الفرحة في أعين ليلى وقالت دون أن تنتبه أنهما ليسوا بمفردهما:
ـ بجد يا عزيز وافقت؟ يعني مش محتاج خلاص إني أُقنعك بشطارتي!
توقف عزيز عن تمرير يده على إحدى ماكينات الخياطة ثم رفع رأسه ونظر إليها بنظرة نبض فيها بدايات الحب ولهفته، وقبل أن يجيبها كان هاتفه يعلن عن اتصال آخر.
....
انفلتت شهقة قوية من شفتي سما عندما تلقوا خبر وفاة لبنى.
ـ فين أشرقت؟
تساءل بها الجد نائل ثم سقط على المقعد الذي وراءه وهو يضع يده على قلبه متمتماً بصوت مرتجف لعدة مرات:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
توقفت أشرقت بسيارتها أمام المكان الذي تنتظرها فيه الطبيبة هناء.
سحبت نفساً عميقاً وكادت أن تغادر السيارة لكن أوقفها رنين هاتفها.
ارتعش جسدها بخوف وبدأت أنفاسها تنسحب منها، وأجابت بصوت مهزوز:
ـ أيوة يا سما.
أنسابت دموع سما وابتلعت غصتها ثم تمتمت:
ـ أشرقت.. أنتِ فين؟
زفرت أشرقت أنفاسها لكن سرعان ما التقطت أذناها صوت نواح زوجة عمها.
ارتج قلب أشرقت برجفة أخرى قوية وتساءلت بحنجرة مبحوحة:
ـ سما.. طنط يسرا بتعيط ليه؟
لم تردّ سما عليها، فصاحت أشرقت وقد أنسابت دموعها كالشلال:
ـ ردي عليا يا سما...
ثم أردفت وهي تهز رأسها رافضة ما يخبرها به قلبها:
ـ ماما لأ.. متقوليش، متقوليش يا سما!
....
أسرعت ليلى باللحاق به بعد أن شعرت أن وراء تلك الاتصالات العديدة كارثة يخفيها.
صعدت السيارة جواره، وقبل أن تتساءل بدأ محادثته الهاتفية مع الطرف الآخر وصاح قائلاً:
ـ يعني إيه ابن أخويا ممكن يتورط معاها؟! أنت بتقول إيه يا متر عبدالمجيد...
وأردف بغضب وهو يقبض على كف يده:
ـ هي في ستين داهية، المهم عندي ابن أخويا!
تحدث الطرف الآخر وهو ينهض من وراء طاولة مكتبه:
ـ أهدى يا عزيز بيه إحنا بنفترض ده لأن هي كانت كاتبة بعض الأسهم باسم البشمهندس، فلو طلع اسمه مسجل ضمن الشركات دي هيتسأل أكيد قانونياً هنا في مصر.
شعرت ليلى بالصدمة عن ما تسمعه ثم ابتلعت ريقها خشية.
زفر عزيز أنفاسه بقوة وأغلق أجفانه متمتماً:
ـ هجيلك مكتبك يا أستاذ عبدالمجيد، لازم ندور ورا كل حاجة متسجلة باسم ابن أخويا.
انتهى عزيز من مكالمته وكاد أن ينطلق بالسيارة، فخرج صوت ليلى مرتعشاً :
ـ أنا مش فاهمة حاجة يا عزيز؟
رمقها عزيز بطرف عينه ثم انطلق بالسيارة وقال وهو يهز رأسه بيأس:
ـ سمية متورطة في قضية قتل وهتورط ابن أخويا معاها في أعمالها المشبوهة.
....
وقف شاكر متأملاً ما يحدث من زينب اتجاه يزيد فور أن ركض وراءها متوسلاً لها أن تأخذه معها منزل عائلتها، ورغم اعتراض صالح وحورية ومحاولتهما إبعاده عن زينب، إلا أنها احتضنته ثم رفعت وجهه إليها ومسحت دموعه.
أخفض شاكر رأسه وهو يضغط على مقبض عكازه الأبنوس مغمغماً:
ـ لازم أكسبك يا حفيدة نائل من تاني لجبهتي وأتعامل معاكي المرادي بذكاء، علشان يفضل صالح عايش معايا وأعرف أُقنعك بعد ما تخلفي سارة إنك تجبيلي حفيد ولد...
وبتوقٍ شديد أضاف:
ـ عايز قبل ما أموت أشوف ولد تاني لصالح... اسم شاكر الزيني لازم يشيله أكثر من حفيد ذكر.
...
تقهقرت رغد إلى الوراء عندما صفعها والدها وصاح غاضباً من صدمته فيها:
ـ بقى بنت الدكتور منتصر تجري ورا راجل متجوز وتخطط توقعه؟! أنا حقيقي فشلت في تربيتك، اعملي حسابك إنك هتستقري معايا أنا وأمك في دبي ومش هتنزلي مصر تاني غير لما تكوني في عصمة راجل!
وبصوت أشد غضباً أردف:
ـ حطيتي رأسي في الأرض قدام صاحبي وعيلته، وقبل ما نسافر هقابل صفوان وأعتذر منه مع إني مش عارف هقوله إيه!
....
حدقت شهد نحو شاشة هاتفها الذي أضاء برقم جدة لميس والذي غفلت عن حظره.
ـ ممكن تكون جدة لميس هي اللي بتتصل بيا، ولو افترضنا إنها لميس.. عايزاني في إيه؟
لم يتوقف هاتف شهد عن الاهتزاز وقد أصابها تكرار الرنين بالشك والخوف، فأجابت بصوت متلعثم:
ـ أفندم...
تجلجلت ضحكات لميس عند استماعها لصوت شهد الخائف، وقالت بسخرية لازعة:
ـ تعرفي أنك بومة يا شوشو؟ البشمهندس يتجوزك من هنا، وأمه تتحبس في قضية قتل كبيرة!
