رواية ظنها دميه بين أصابعه الفصل المائة والرابع والثلاثون 133 بقلم سهام صادق
ما الذي تتحدث عنه خالته وعن أي طفل تحمله شقيقته في أحشائها؟ ما هذا العبث الذي يخترق جميع حواسه؟ وفجأة سكن كل شيء حوله، وتجمدت قسمات وجهه وأظلمت حدقتاه عند التقاط أذنيه اسم حماه العزيز، السيد هشام.
ـ الباشا المستشار كان مستغفلنا، عرف يضحك على زينة يا مراد واستغل سذاجتها، أنا لو كان عايش لسا كنت قطعت لحمه بسناني.
استمع مراد إلى هراء خالته كما يظن عقله، فاستطردت قائلة:
ـ تعرف إنه لما عرف إنها حامل، رفض الاعتراف بالطفل وكان مخطط يهرب بره البلد وطبعاً قدم استقالته الحقير!
وابتلعت إلهام لعابها بخوف وهي تتحاشى النظر في أعين مراد حتى تستطيع مواصلة كلامها وكشف هذه الكارثة له، فلا سبيل أمامها بعد تضيق حصار عدنان عليها من جميع الجبهات إلا مراد.
ـ زينة صغيرة وقسوة عدنان عليها خلّيتها تدور على مشاعر الحب بطريقة مفكرتش في عواقبها، وأنا يا مراد مفكرتش فيك غير بعد ما عدنان خد قرار جواز زينة من واحد من رجالتنا دون رجعة...
وكادت أن تواصل إلهام كلامها على أمل أن تتلاعب بمشاعره، لكن ضحكات مراد التي صدحت فجأة ثم حديثه أصابها بالفزع.
ـ أختي حامل من حمايا، وحمايا العزيز ودع الدنيا...
وأردف بهذيان ارتجف معه قلب إلهام من شدة الخوف:
ـ وبنت المستشار حامل في أبني، وأختي حامل من أبوها!
سيطرت إلهام على رعشة جسدها وقالت بتوسل بعد أن بدأت تتنبأ بردة فعله:
ـ مراد لو عدنان عرف هيموت زينة وممكن يفكر في أذية مراتك كمان وأنت مستني منها الطفل اللي نفسك فيه، مراد أرجوك متخليش الغضب يعميك، زينة أختك يا مراد.
زاغ مراد ببصره لوهلة، ثم توقدت عيناه بنظرة مخيفة لأبعد حد ممكن بعد أن تلاقت عيناه بأعين إلهام، وفجأة ضرب الطاولة التي أمامه بكل قوته صائحاً:
ـ أختي لازم تموت زي ما هو مات!
وصرخ اسمها بصوت عالٍ جذب انتباه الحرس الواقفين عند بوابة الفيلا:
ـ زينة!
تيبست أطراف إلهام ثم انفلتت من شفتيها صرخة عالية عندما وجدته يلتقط السلاح من أحد رجاله:
ـ لأ يا مراد لأ، أبوس إيدك.
وركضت وراءه بصراخ لكنه كان كالأصم:
ـ مراد أقف اسمعني.
واصل مراد صعود الدرج دون الالتفاف لها، واستمر في صراخه باسم شقيقته.
ارتعش جسد زينة وسقطت الآلة الحادة التي أوشكت على وضعها على شريان يدها عند استماعها لصراخه.
وضعت إلهام يدها على دقات قلبها الهادرة وصرخت بصوت بالكاد استطاعت إخراجه:
ـ أنا السبب في حادثة سيادة المستشار ومراته، أنا اللي دبرتها.
ثم تهاوت بجسدها على الدرج مستطردة بأنفاس غير منتظمة وثقيلة:
ـ مفكرتش ليه بنت المستشار لحد النهاردة ماتكلمتش عن حبسك ليها واللي عملته فيها أنت ورجالتك، وليه من يومها منعزلة تماماً عن كل حاجة؟ ماحسيتش بحاجة غريبة من ورا سكوتها بعد ما دخلت ليها أوضتها في المستشفى علشان أبلغها بوفاة أبوها الندل وخرجت مع أخواتها من غير ما تنطق كلمة؟ كل ده مفكرتش كان ورا إيه يا ابن عدنان...
وبانهيار تام وصياح انْبَحَّتْ معه حنجرتها أضافت:
ـ زينة ضحيتك أنت وعدنان، أنت نسخة من عدنان يا مراد.. نسخة أبشع.
التفت مراد ناحيتها ورمقها بنظرة ساخرة ثم واصل صعوده لأعلى غير عابئ بصراخ إلهام.
....
انقبضت قسمات وجه عزيز عند استماعه لبكاء نيرة، وقد تأكد حدسه بأن مكالمة ابنة شقيقه له وراءها أمر ليس بالهين.
ـ أرجوك ساعدها يا عمو، أرجوك متتخلاش عنها.
تلاقت عيناه مع ليلى التي تساءلت بصوت خافت:
ـ هو في حاجة يا عزيز؟ مالها نيرة؟
استمرت نيرة في توسلاتها التي جعلت عزيز يصب تركيزه نحو آخر لقاء بينه وبين هارون وآخر كلام دار بينهما:
ـ "عايز أقولك في آخر لقاء ممكن يجمعنا، إن حقي وحقك هاخده منها."
ـ "ظلمت مراتي زمان وكانت النتيجة، عيشت عمري كله مع ست حقيرة."
ـ "أوعى يا عزيز تقبل في يوم أبن سمية يتجوز بنتي."
ـ "أنت راجل بتخاف ربنا يا عزيز، لو جرالي حاجة أقف جانب بنتي متسيبهاش."
ورغم أن كلام هارون في ذلك اليوم لم يكن مترابطاً، إلا أنه أصاب قلبه بشعور خفي.
ـ كفاية يا نيرة بكا، هاتي التليفون أكلم أنا عزيز بيه.
قالها معتز زوج نيرة، لكنها صاحت رافضة أن يأخذ منها الهاتف:
ـ عمو أنت سامعني، أرجوك أنقذ ماما يا عمو!
زمت ليلى شفتيها في سأم بسبب صمته وتجهم وجهه العجيب، وكادت أن تتحدث لكن صوت الطرقات التي وضعتها الصغيرة روفيدة على زجاج نافذة السيارة جعلها تلتف سريعاً.
ابتسمت ليلى عندما رأت تلك الصغيرة التي تبتسم لها، ثم أسرعت بفتح باب السيارة، فهتفت الصغيرة روفيدة بابتسامتها الجميلة قائلة:
ـ أنا روفيدة يا طنط ليلى، وصديقة عمو عزيز.
قطبت ليلى جبينها، ثم ارتجف جسدها في ذعر عندما استمعت إلى صوت عزيز الغاضب:
ـ أياك يا معتز، أياك تخليها تسافر لندن... أنا في اجتماع مهم هخلصه بسرعة وأكلمكم تاني.
أنهى عزيز المكالمة سريعاً، ثم نظر جهة ليلى وتلك الصغيرة روفيدة التي تشبثت في ساقها بعد أن أفزعهن صوته.
غادر عزيز السيارة بوجه متجهم وهو يطبق على كفيه، فاقتربت ليلى منه متسائلة:
ـ عزيز هو في إيه؟ مالها نيرة وليه زعقت وقولت لجوزها متسافرش لندن؟
سيطر عزيز على ذلك الضجيج الذي يضج في رأسه وابتسم قائلاً:
ـ ركزي في فرحتك بالمكان وبعدين هنفهم كويس أبعاد الموضوع من نيرة.
ـ عزيز أنت قلقتني.
احتضن عزيز وجهها بين كفوف يديه أمام أنظار كل من بسام وأميمة:
ـ متقلقيش وركزي في مشروعك علشان تعرفي تقنعيني إني أوافق على تعاوني معاكم بالأقمشة من عندي وبسعر مش هتلاقي زيه عند أي تاجر تاني.
ابتهجت قسمات وجه ليلى، وقد لاحظها كل من بسام وأميمة.
أخفض بسام رأسه، فها هو عزيز الزهار يؤكد له عكس ما أخبرته به سلوى.
ـ عمو عزيز أنا زعلانه منك لأنك مقولتليش: أزيك يا روفيدة!
توجهت أنظار عزيز هذه المرة بلهفة نحو الصغيرة روفيدة والتي وقفت تنظر إليه بوجه عابس بسبب عدم اهتمامه بها.
ـ هو أنا أقدر على زعلك يا روفيدة هانم؟
تمتم بها عزيز وهو يربت على شعرها. ومع حديث الصغيرة واهتمام عزيز بها، عاد عقل ليلى لتساؤله: من أين يعرف عزيز تلك الصغيرة؟ وسرعان ما اتسعت حدقتاها والتفتت نحو أميمة.
ـ أنتِ أتعرفتي على ليلى يا رورو؟
أومأت الصغيرة برأسها وقالت ما اخترق أذنين ليلى:
ـ أيوة يا عمو عزيز، ماما قالتلي إنها مراتك، وعلشان أنا بحبك أوي هحبها هي كمان.
وبهمس أردفت:
ـ هي شبه العروسة بتاعتي، حلوة كده زيها.
توهج وجه ليلى بالخجل، ثم سارت نحو بسام وأميمة التي أخيراً تذكرتها:
ـ أنا آسفة على التأخير.
قالتها ليلى في لطف افترّ معه ثغر أميمة بابتسامة خفيفة:
ـ لا ولا يهمك يا مدام ليلى.
ردت ليلى سريعاً:
ـ لو هتقولي مدام ليلى، هقول مدام أميمة ونقضيها رسميات!
خفف مزاح ليلى من توتر أميمة التي ظنت أن ليلى ستكون من النساء اللاتي يصيبهن الغرور عندما يرتقين في المكانة الاجتماعية.
ـ ليلى بسيطة زيّك يا أميمة، وإن شاء الله هتكونوا أصدقاء.
وصل إلى مسامع عزيز ما قاله، وانتفخت أوداجه من الغيرة، ولولا أنه مغلوب على أمره لكان أنهى هذا التعاون الذي يُفرض عليه، قال عزيز بنبرة مقتضبة:
ـ صباح الخير.
توترت أميمة وهي ترد تحية عزيز مثل بسام، وسرعان ما هتفت بحزم إلى ابنتها التي تقفز بسعادة وهي تمسك يد عزيز:
ـ تعالي هنا يا روفيدة.
توقفت الصغيرة عن القفز وهزت رأسها بالرفض قائلة:
ـ عمو عزيز مش مضايق مني، صح يا عمو؟
خفق قلب عزيز من براءتها، ونظر نحو ليلى التي ظهرت في عينيها الحيرة من قرب هذه الصغيرة منه، وعلى ما يبدو أن هناك لقاءات عديدة جمعتهما.
ـ أكيد أنتِ فاكرة مدام أميمة يا ليلى، مدام أميمة أخت الحجة هويدا زوجة الحاج عبدالرحمن.
أخفضت أميمة رأسها خجلاً وتمتمت حتى تستكمل صلة معرفته بها وبصغيرتها:
ـ وكنت بشتغل عند عزيز بيه سكرتيرة، أنتِ شوفتيني قبل كده.
وواصلت أميمة بقية حديثها الأهم الذي سينتهي معه تساؤل ليلى نحو علاقة عزيز بالصغيرة:
ـ روفيدة كانت ساعات بتيجي الشغل معايا، الله يكرمه عزيز بيه كان بيسمح بوجودها لأنه عارف ظروفي وهي بتحبه أوي.
لم يكن انتباه عزيز في هذا الوقت مع كلام أميمة، فهاتفه بدأ بالرنين برقم سيف هذه المرة.
استدارت ليلى ناحيته وقد تملكها القلق عندما أسرع بالابتعاد عنهم حتى يرد على المتصل.
....
صعدت إلهام درجات الدرج زحفاً بعد أن فقدت قدرتها على الحركة، حاولت لمرات إخراج صوتها لكن لسانها وكأنه أصبح مربوطاً عن الكلام.
استمرت في زحفها على يديها حتى وصلت إلى غرفة زينة التي لم يخرج منها صوت حتى هذه اللحظة، وهذا ما جعلها في حيرة من أمرها وعاجزة تماماً عن توقع ما حدث.
أغلقت إلهام عينيها أولاً حتى تكون مستعدة لكل توقعاتها، وسرعان ما فتحتهما عند سقوط شيء أرضاً، وفي هذه اللحظة خرجت صرخة تشق هذا السكون ولم تكن إلا صرخة إلهام:
ـ زينة....لااااا!
....
زفر عزيز أنفاسه بارتياح مؤقت بعد أن اطمئن أن اتصال سيف به يؤكد له عدم وصول خبر أعتقال سمية له بعد.
طأطأ رأسه ثم تنهد مرة أخرى بثقل وحسرة على حال أولاد شقيقه، وفي نفسه غمغم بقلة حيلة:
"يا ترى يا سيف هتقدر تتحمل الفضيحة المرة دي؟ ولو انكشف المستور هتعرف ترفع رأسك قدام الناس..."
وبأفكار متخبطة أردف: "ابتلاؤكم صعب يا ولاد أخويا، ومهما حاولت أعمل علشانكم في النهاية بتدفعوا الثمن.. آه يا سالم آه."
....
خرجت أشرقت من المقابر بخطوات ثقيلة وواهنة بعد أن أفرغت كل ما يملأ فؤادها ويمزق روحها البائسة.
تنهدت بفتور عند ارتفاع صوت رنين هاتفها، وظنت أن سما تعيد الاتصال بها حتى تعلم أين هي؟
اندهشت عندما رأت رقماً غير مسجل لديها، ولم تتردد في الرد لأن الكثير من الأصدقاء هذه الفترة يهاتفونها من أجل قضاء واجب العزاء.
توقفت الطبيبة هناء عن حركتها المتوترة وقالت فور أن أجابت عليها أشرقت:
ـ مدام أشرقت، أنا الدكتورة هناء.
ارتعش جسد أشرقت عند استماع صوت الطبيبة هناء، فأردفت الأخرى بكلمات لطيفة:
ـ أولاً البقاء لله، وإن شاء الله تطمني على والدتك وتقوم بالسلامة.
ردت أشرقت بصوت مبحوح وخافت:
ـ شكراً على تعزيتك واتصالك يا دكتورة.
أسدلت الطبيبة هناء أهدابها بعد أن انتابها شعور بالتردد، لكن سرعان ما نفضت ترددها عن رأسها وتحدثت:
ـ أنا محتاجة أقابلك يا سيادة المستشارة.
....
استدارت ليلى بجسدها فور هتاف الصغيرة روفيدة باسم عزيز.
صرفت أميمة عينيها عن عزيز كالعادة حتى لا تعيد لقلبها وهماً وأدته.
ـ إيه رأيك يا عزيز في المكان؟
تساءلت بها ليلى بنبرة تحمل لهفتها، فنظر عزيز حوله ثم تمتم بثبات عكس ما يعتليه صدره من عِبْء جديد أضافته سمية على كاهله:
ـ ما شاء الله، ربنا يجعله فتحة خير عليكم.
تهللت أسارير ليلى بعد قوله وأخذت تخبره عما قررته مع أميمة وبسام في الوقت الذي كان يتحدث فيه بالهاتف.
اقترب بسام من عزيز بتوتر وتساءل حتى يشاركهم الرأي:
ـ قولنا توقعاتك كصاحب مكان يا عزيز بيه.
ألقى عزيز نظرة خاطفة نحو بسام، ثم بدأ يتفحص كل جزء من المكان الواسع المقسم لجزءين؛ جزء منه لماكينات الخياطة وجزء آخر سيعرض المنتجات التي يتم تفصيلها إلى أن يثبتوا مكانهم بالسوق التجاري ثم يتم اتخاذ هذا المكان كمصنع صغير.
نظرت ليلى نحو عزيز بعد سؤال بسام، ثم كررت شرح فكرة مشروعهم وخطواتهم القادمة مرة أخرى عندما وجدت عزيز يحدق بأمعان في ماكينات الخياطة الأربعة.
توقفت ليلى عن الكلام، فأشار إليها أن تستكمل حديثها الذي كلما سمعه أكد لنفسه أنه سيكون رجلاً ظالماً إذا وقف أمام حلمها وأطفأ سعادتها، فيكفيها النقص الذي تعيشه معه وحرمانها من الأمومة.
وعِدة آهات كانت تخرج من صدر عزيز بصوت مكتوم، فقد أصبح دوره العائلي في هذه المرحلة ثقيلاً وعليه ألا يهدر حق ليلى وألا يضعها على الرف كما كان يفعل من قبل ظناً منه أن زهرته الجميلة لا تحتاج للارتواء.
ـ أنا موافق على دعمكم من غير أي دفعة مالية ومن بكره القماش هيكون عندكم.
لمعت الفرحة في أعين ليلى وقالت دون أن تنتبه أنهما ليسوا بمفردهما:
ـ بجد يا عزيز وافقت؟ يعني مش محتاج خلاص إني أُقنعك بشطارتي!
توقف عزيز عن تمرير يده على إحدى ماكينات الخياطة ثم رفع رأسه ونظر إليها بنظرة نبض فيها بدايات الحب ولهفته، وقبل أن يجيبها كان هاتفه يعلن عن اتصال آخر.
....
انفلتت شهقة قوية من شفتي سما عندما تلقوا خبر وفاة لبنى.
ـ فين أشرقت؟
تساءل بها الجد نائل ثم سقط على المقعد الذي وراءه وهو يضع يده على قلبه متمتماً بصوت مرتجف لعدة مرات:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون، إنا لله وإنا إليه راجعون.
توقفت أشرقت بسيارتها أمام المكان الذي تنتظرها فيه الطبيبة هناء.
سحبت نفساً عميقاً وكادت أن تغادر السيارة لكن أوقفها رنين هاتفها.
ارتعش جسدها بخوف وبدأت أنفاسها تنسحب منها، وأجابت بصوت مهزوز:
ـ أيوة يا سما.
أنسابت دموع سما وابتلعت غصتها ثم تمتمت:
ـ أشرقت.. أنتِ فين؟
زفرت أشرقت أنفاسها لكن سرعان ما التقطت أذناها صوت نواح زوجة عمها.
ارتج قلب أشرقت برجفة أخرى قوية وتساءلت بحنجرة مبحوحة:
ـ سما.. طنط يسرا بتعيط ليه؟
لم تردّ سما عليها، فصاحت أشرقت وقد أنسابت دموعها كالشلال:
ـ ردي عليا يا سما...
ثم أردفت وهي تهز رأسها رافضة ما يخبرها به قلبها:
ـ ماما لأ.. متقوليش، متقوليش يا سما!
....
أسرعت ليلى باللحاق به بعد أن شعرت أن وراء تلك الاتصالات العديدة كارثة يخفيها.
صعدت السيارة جواره، وقبل أن تتساءل بدأ محادثته الهاتفية مع الطرف الآخر وصاح قائلاً:
ـ يعني إيه ابن أخويا ممكن يتورط معاها؟! أنت بتقول إيه يا متر عبدالمجيد...
وأردف بغضب وهو يقبض على كف يده:
ـ هي في ستين داهية، المهم عندي ابن أخويا!
تحدث الطرف الآخر وهو ينهض من وراء طاولة مكتبه:
ـ أهدى يا عزيز بيه إحنا بنفترض ده لأن هي كانت كاتبة بعض الأسهم باسم البشمهندس، فلو طلع اسمه مسجل ضمن الشركات دي هيتسأل أكيد قانونياً هنا في مصر.
شعرت ليلى بالصدمة عن ما تسمعه ثم ابتلعت ريقها خشية.
زفر عزيز أنفاسه بقوة وأغلق أجفانه متمتماً:
ـ هجيلك مكتبك يا أستاذ عبدالمجيد، لازم ندور ورا كل حاجة متسجلة باسم ابن أخويا.
انتهى عزيز من مكالمته وكاد أن ينطلق بالسيارة، فخرج صوت ليلى مرتعشاً :
ـ أنا مش فاهمة حاجة يا عزيز؟
رمقها عزيز بطرف عينه ثم انطلق بالسيارة وقال وهو يهز رأسه بيأس:
ـ سمية متورطة في قضية قتل وهتورط ابن أخويا معاها في أعمالها المشبوهة.
....
وقف شاكر متأملاً ما يحدث من زينب اتجاه يزيد فور أن ركض وراءها متوسلاً لها أن تأخذه معها منزل عائلتها، ورغم اعتراض صالح وحورية ومحاولتهما إبعاده عن زينب، إلا أنها احتضنته ثم رفعت وجهه إليها ومسحت دموعه.
أخفض شاكر رأسه وهو يضغط على مقبض عكازه الأبنوس مغمغماً:
ـ لازم أكسبك يا حفيدة نائل من تاني لجبهتي وأتعامل معاكي المرادي بذكاء، علشان يفضل صالح عايش معايا وأعرف أُقنعك بعد ما تخلفي سارة إنك تجبيلي حفيد ولد...
وبتوقٍ شديد أضاف:
ـ عايز قبل ما أموت أشوف ولد تاني لصالح... اسم شاكر الزيني لازم يشيله أكثر من حفيد ذكر.
...
تقهقرت رغد إلى الوراء عندما صفعها والدها وصاح غاضباً من صدمته فيها:
ـ بقى بنت الدكتور منتصر تجري ورا راجل متجوز وتخطط توقعه؟! أنا حقيقي فشلت في تربيتك، اعملي حسابك إنك هتستقري معايا أنا وأمك في دبي ومش هتنزلي مصر تاني غير لما تكوني في عصمة راجل!
وبصوت أشد غضباً أردف:
ـ حطيتي رأسي في الأرض قدام صاحبي وعيلته، وقبل ما نسافر هقابل صفوان وأعتذر منه مع إني مش عارف هقوله إيه!
....
حدقت شهد نحو شاشة هاتفها الذي أضاء برقم جدة لميس والذي غفلت عن حظره.
ـ ممكن تكون جدة لميس هي اللي بتتصل بيا، ولو افترضنا إنها لميس.. عايزاني في إيه؟
لم يتوقف هاتف شهد عن الاهتزاز وقد أصابها تكرار الرنين بالشك والخوف، فأجابت بصوت متلعثم:
ـ أفندم...
تجلجلت ضحكات لميس عند استماعها لصوت شهد الخائف، وقالت بسخرية لازعة:
ـ تعرفي أنك بومة يا شوشو؟ البشمهندس يتجوزك من هنا، وأمه تتحبس في قضية قتل كبيرة!
🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤🖤
لقد ذاق أصعب هزيمة يتجرعها المرء في نهاية رحلته، ولكنه يستحقها، وعليه رفع راية هزيمته.
أطبق هارون شفتيه بقوة عند محاولة الممرضة المرافقة له إطعامه؛ هزت رأسها بيأس منه ثم تنهدت وقالت بحزم:
ـ لابد أن تأكل، سيدي، أم أنك ترغب بالبقاء لدينا؟
لم يكترِث هارون لكلامها، وأشاح وجهه عنها مغمغماً بمرارة وحقد لن يخمد إلا حين تفارق روحه جسده:
ـ كان نفسي نهايتها تكون على أيدي!
واستمر في غمغمته التي لا يسمعها إلا سواه.
ـ سيدي، اجعلني أُقِسْ لك ضغط الدم.
قالتها الممرضة ثم اقتربت منه بتردد، فتعجبت أنه لم يجادلها هذه المرة.
أنهت مهمتها واطمأنت على مؤشراته الحيوية، ثم انسحبت من الغرفة.
فتح هارون عينيه بعد مغادرتها، فلم يكن أمامه إلا التظاهر بالنوم حتى تتركه.
اعتدل في رقدته سريعاً ثم سحب الهاتف الذي دسه له أحد رجال المنظمة السرية، وقد أتى لزيارته وغادر عند دخول تلك الممرضة.
علتْ أنفاسه وانتظر رد الطرف الآخر عليه، لكن عندما أتاه الرد، تجمدت يده على الهاتف وانعقد لسانه وهو يرى بيسان واقفة عند باب الغرفة وتنظر إليه بنظرة لم يتحملها.
سقطت دموع بيسان وقالت بقهر:
ـ أتجوزت اللي كانت سبب في موت ماما يا بابا؟!
وبنبرة غاضبة أردفت:
ـ كنتَ شريكها في موت ماما، وسيبتَها تربيني! قولي ليه عملتَ فيا كده؟
ارتعشت يد هارون وسقط الهاتف ، وسرعان ما كانت تفيض الدموع من عينيه عندما ألقت عليه ما مزق فؤاده المعذب:
ـ أنا هنا علشان مجبرة أكون معاك لحد ما نرجع مصر، لكن من النهارده أنت خلاص بالنسبة لي...
توقفت عن الكلام وانهمرت دموعها بغزارة، فهي لا تستطيع قولها.
زاغ بصر هارون، ثم وضع يده على موضع قلبه الذي تسارعت دقاته وتمتم بوهن:
ـ قوليها يا بيسان، قوليها يا بنتي، قولي إن أبوكي خلاص مات!
.....
وقف سيف عند منتصف الدرج المتهالك بعد أن تسللت إليه بعض الأصوات؛ رفع رأسه ليفهم ما الأمر الذي يحدث بالبناية السكنية التي اعتادت صخب الشجار لا الضحكات.
صاحت سندس قائلة عندما أبصرت وجوده:
ـ المستر جيه! المستر جيه! أقفوا طابور بسرعة.
اتسعت حدقتا سيف من الذهول، وقد أسرع زملاء سندس في الاصطفاف بالترتيب.
اختفى الضجيج وساد الصمت وما زال هو متيبساً في مكانه، وأخيراً استطاع استكمال بقية درجات الدرج والوقوف أمام شقته متسائلاً:
ـ هو في إيه؟ وبتعملوا إيه هنا قدام شقتي؟
نظر زملاء سندس إليها بنظرة يملؤها الشك، فتنحنحت حرجاً وتقدمت منه هامسة:
ـ دول أصحابي جبتهم ليك علشان تذاكر لهم، ومتقلقش لو عجبتهم هيدفعوا ليك بالحصة.
احتقن وجه سيف غضباً، وصاح عالياً بعد أن تملك منه الغيظ من فرض تلك الفتاة ووالدتها أنفسهما عليه:
ـ هو أنا مش قلتلك وقلت للست والدتك إني مش فاضي؟!
خرجت الجارة أم سندس من شقتها وهي تحمل ملعقة الطهي الخشبية قائلة:
ـ ده جزاتنا برضُه يا سي الأستاذ؟ ده احنا قلنا ننفعك، استهدى بالله كده وبلاش تقول للرزق لأ...
لم يتزحزح سيف من أمام باب الشقة، فالتوت شفتا والدة سندس واقتربت من مكان وقوفه ثم ربتت على أحد كتفيه وأردفت:
ـ اسمع كلام خالتك وافتح للعيال الباب، واشرح ليهم، وأهو تكسب فيهم ثواب...
اشمأزت ملامح سيف من تلك الرائحة التي لم تكن إلا رائحة الثوم المنبعثة منها.
ـ مالك يا سي الأستاذ؟ وشّك كرمش فجأة كده ليه؟
تراجع سيف بخطواته إلى الوراء، وطأطأ رأسه وتمتم:
ـ مافيش حاجة يا أم سندس.
أومأت أم سندس برأسها وقالت:
ـ ها، هتدخل العيال وتذاكرلهم ولا هتزعل خالتك أم سندس؟
انطلقت من شفتي سيف زفرة طويلة وقال بقلة حيلة:
ـ هذاكرلهم علشان خاطرك.
تهللت صيحات سندس وزملائها واندفعوا نحو باب الشقة.
رمقتهم أم سندس بغيظ، والتقطت ذراع ابنتها سندس محذرة:
ـ أي قلة أدب، أنا قاعدلكم قدام باب الشقة بالمقشة! يلا يا سي الأستاذ افتحلهم الباب.
....
نظرت شهد إلى إحدى الصور التي أرسلتها لها لميس، والتي تظهر فيها سمية وهي تدفع إلى المقعد الخلفي لسيارة الشرطة.
ولم تتوقف لميس عن هذا فحسب، بل أخذت ترسل لها ما بدأت تتداوله الصحف الإنجليزية هذا الصبح عن اعتقال سيدة أعمال مصرية ومقتل أحد الوزراء المصريين في ظروف غامضة.
اهتزت يدا شهد مع ارتجاف أجفانها، ثم تهاوت بجسدها على الفراش وهي تسأل نفسها في حيرة:
ـ يعني إيه؟ يعني هي متهمة في قضية قتل؟ إزاي؟! لا لا، أكيد في حاجة غلط في الموضوع.
ارتفع رنين هاتفها مرة أخرى، فأجابت على الفور:
ـ الخبر أكيد مش صح، وبكره براءتها تظهر.
قهقهت لميس بمتعة، وقد استفزت ضحكاتها شهد ودفعتها للصياح عالياً:
ـ أنتِ عايزة مني إيه يا لميس؟ مش كفاية اللي عملتيه فيا!
انقطعت ضحكات لميس ونظرت نحو أظافرها المطلية بشر:
ـ تعرفي إنك صعبانة عليا يا شوشو، لأن عمرك ما هتوصلي لينا وتكوني زينا، وهتفضلي طول عمرك شهد بنت السواق!
تعالت أنفاس شهد بصوت مسموع، فافترّ ثغر لميس عن ابتسامة ماكرة ثم أسرعت في إنهاء المكالمة.
حدقت شهد بالهاتف وما زالت أنفاسها تخرج متلاحقة، وتمتمت بنبرة مرتعشة:
ـ كله كذب! هي عايزة تضايقني، أنا هكلم ليلى...
وبيدين مرتعشتين بدأت في مهاتفة ليلى لعدة مرات، لكن لا رد كانت تجده منها.
بَهت وجهها، وتردد صوت لميس في أذنيها، وقد بدأت تصدق أن حديثها لم يكن هراءً.
....
وضعت بيسان يدها على شفتيها واستندت بجسدها إلى الجدار بعد أن أخبرها الطبيب أن وضع والدها الصحي متأزم.
فقدت قدرتها على الوقوف وانهارت أرضاً، ولم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع:
ـ ما كنتش أقصد أزعلك يا بابا، لكن غصب عني، قلبي موجوع منك وعليك.
....
دارت شهد حول نفسها حانقة من عدم رد سيف عليها هو الآخر، لكنها عزمت ألا تتوقف عن الرنين عليه، وتمتمت بغيظ:
ـ هو أنا مش مراته؟ ليه مش بيكلمني ولا بيهتم بمكالماتي له؟
وفي الجهة الأخرى، عند سيف الذي كان غارقاً ومستمتعاً بشرح أحد قوانين الفيزياء.
تأوهت سندس بخفوت عندما وكزتها صديقتها غنوة:
ـ أنا فهمت دلوقتي السبب وراء درس الفيزيا مع البشمهندس! ما هو أنتِ من أمتى بتحبي مادة الفيزيا؟
مطت سندس شفتيها باستياء وكادت أن ترد عليها، لكن سيف صوب أنظاره عليهم فجأة:
ـ في مشكلة معاكم؟ لو مش فاهمين الشرح قولولي ونعيد من تاني...
تنحنحت سندس وزميلتها غنوة ، فتولى عنهم الرد زملائهم المنبهرين بالشرح:
ـ لأ، كمل شرح يا مستر.
أومأ سيف برأسة مبتسماً ونظر إلى سندس الصامتة بغرابة:
ـ وأنتِ يا سندس، في حاجة واقفة معاكي؟
التمعت أعين غنوة وأسرعت بوكز سندس في ساقها حتى تفيق من شرودها:
ـ سندس، المستر بيسألك...
نظرت سندس إلى غنوة تجنباً لنظرة سيف لها وأجابته بتوتر:
ـ لا لا، أنا فاهمة كل حاجة، كمل يا مستر.
تنهد سيف براحة وكاد أن يستكمل الشرح لكنه انتبه على إضاءة هاتفه.
اختفت ابتسامته عندما رأى اسم شهد، وقبل أن يلغي الاتصال، توقف الهاتف عن الرنين ثم ظهر له العديد من المكالمات منها.
ضاقت حدقتاه في شك ثم نهض قائلاً باعتذار:
ـ عن إذنكم، دقيقة.
عقدت سندس حاجبيها وتتبعته بعينيها، وسرعان ما بدأت تستشيط عيناها غضباً عندما استمعت إلى زميلة لها تقول:
ـ شرحه حلو أوي المستر، أنا أول مرة أفهم من حد وكمان ذوق أوي أوي.
تحولت أنظار سندس إليها بوجه مستاء وقالت بضيق:
ـ ما خلاص يا جهاد عرفنا إنه ذوق!
امتض وجه الأخرى والتوت شفتاها باستنكار، وكادت أن ترد عليها ويحدث شجار بينهن كالمعتاد، ولكن تفاجأوا بمغادرة سيف كالأعصار.
....
أغلق مراد عينيه متنهداً بأنفاس ثقيلة بعد أن تلقى خبر وفاة لبنى.
سارت إلهام إليه بتردد مصحوب بالخوف الذي مازال يسيطر عليها، ثم نادته بصوت خافت:
ـ مراد.
فتحت مراد عينيه واستدار إليها وقد داهمت شفتيه ابتسامة ساخرة:
ـ لبنى هانم ماتت...
ارتجف قلب إلهام وابتلعت ريقها بأسى:
ـ ما كنتش فاكرة إنها هتكون معاه، أنا كنت عايزة أنتقم منه هو وبس.
رمقها مراد بنظرة شَزرة ثم أشاح بوجهه عنها متمتماً:
ـ أنا راجع مصر، وهي حذريها إنها تتكلم عن حاجة قدام عدنان، يعني من الآخر تكون خارسة...
وأردف بنبرة متهكمة وقاسية:
ـ أو تعمل نفسها مجنونة.
هزت إلهام رأسها سريعاً وأخرجت ما في جعبتها:
ـ الدكتور قال لي إنها عندها اكتئاب حاد مخليها معندهاش اتزان نفسي، وده دفعها لمحاولة الانتحار.
تجهم وجه مراد، وقد ذكرته إلهام بما حدث.
أطبق أجفانه بغضب وزفر أنفاسه دفعة واحدة حين استعادة ذاكرته المشهد:
«هشام مات، وزينة والبيبي كمان لازم يموتوا... عدنان ومراد هيموتونا... موتي يا زينة، مينفعش تعيشي ، خلاص هتروحي عند هشام.»
تيببت أوصاله وتسارعت وتيرة أنفاسه، واستمرت هي في هذيانها:
«غمضي عينك يا زينة علشان ما تحسيش بحاجة وأنتِ بتموتي...»
انحبست أنفاسه داخل صدره وهو يراها بالفعل بدأت في تنفيذ ما تخبر به نفسها وقد استقبلت الموت بنفس سعيدة:
«زينة هتمشي خلاص، هتروح مكان مفيش فيه عدنان ولا مراد.»
ووضعت الآلة الحادة على رسغها وفي لحظة خاطفة سالت الدماء...
انتفض جسد مراد عندما ربتت إلهام بيدها على ذراعه وتساءلت بقلق:
ـ مراد، أنت خلاص مش هتأذي زينة؟ هتقف معانا قصاد عدنان صح؟ عدنان لو عرف لا هيرحم زينة ولا أشرقت، لأنه هيفتكر إنها ورا الحكاية دي، وأنت عارف إن أشرقت من ساعة ما عرفت هدفكم من ورا جوازك منها واللي عملته فيها وهي بتحاول تفضحكم وتنتقم منكم.
خفق قلب إلهام بوجل عندما رمقها بنظرة حادة قبل أن يغادر المشفى التي تتلقى فيها زينة الرعاية الطبية، فاستطردت إلهام بآخر ما لديها:
ـ على فكرة، سيلين مرات عدنان كانت بتسعى إنها تعمل نسخة تاني من سمر.
توقف مراد مكانه والتفت إليها بأعين قاتمة، فواصلت كلامها:
ـ كانت بتحط لها جرعة مخـ.. ـدرات في القهوة، وده اللي حصل مع سمر زمان يا مراد.
وباختناق أردفت وهي تحرك رأسها بتهكم:
ـ صحيح إدمان أمك مكنش عن طريق القهوة ولا من غير ما تعرف، لكن في حاجات تانية بتدفع الست لتكون خاينة أو مدمنة، أو حتى في صورة شبه صورتي يا ابن أختي!
....
أطرقت ليلى رأسها في حيرة وهي تستمع إلى توسلات نيرة لها بأن تقنع عزيز أن ينقذ والدتها وأن يقف معها هذه المرة:
ـ ليلى أرجوكي، أقفي معايا وساعديني! عمي مش هيسمع كلام حد المرة دي غيرك، اعملي حاجة علشان خاطري، دي أمي! قولي لي إزاي أتخلى عنها؟
اهتزت أجفان ليلى تأثراً؛ فأكثر شيء منافٍ لشخصيتها أن تستمع لتوسلات أحد دون أن تمد له يدها لتساعده.
ـ ليلى، قولي لـ نيرة إنها تنسى إن ليها أم، لأنها خلاص اختارت نهايتها بأيديها.
اخترق كلام عزيز مسامع نيرة التي أجهشت بالبكاء وتحدثت بصوت مرتعش:
ـ اقنعي عمي يا ليلى، أبوس إيدك!
تلاقت عينا ليلى بعيني عزيز اللتين اشتعل فيهما الغضب.
ابتعدت ليلى عن أنظار عزيز حتى تستطيع التحدث معها بتعقل:
ـ نيرة، القضية شكلها صعبة، وعزيز مش بإيده حاجة يعملها.
صرخت نيرة بقهر أمام أنظار معتز زوجها الذي جلس واضعاً رأسه بين يديه في قلة حيلة:
ـ لا يا ليلى، ماما هتخرج منها لو عمي أتدخل!
تنهدت ليلى بيأس، وعلى ما يبدو أن نيرة لن تقتنع بأي كلام منها.
انتزع عزيز الهاتف من بين أصابع ليلى لتجفل ذعراً:
ـ نيرة، قلت لك الست دي انتهت من حياتنا، وكفاية عليا تورط أخوكي معاها.
ارتفع رنين هاتف عزيز برقم سيف، فتنهد وقال بهدوء:
ـ نيرة، اسمعي كلامي، أنا زمان سمحت للست دي تدخل حياتكم من تاني مع إنها رميتكم ليا ولـ جدكم وقبضت ثمن تنازلها عن حضانتكم، وقلت بلاش أكسر نفسكم ويمكن يتصلح حالها وتندم، لكن سمية عمرها ما اتغيرت ولا عملت حاجة لمصلحتكم، وآخرتها ورطة أخوكي معاها.
انسابت دموع نيرة وقالت برجاء أخير تستجدي به عطف عمها:
ـ المرة دي وبس يا عمي وبعدها...
صرخ عزيز عليها لأول مرة في حياته:
ـ عايزة تساعديها؟ ساعديها أنتِ، وانسي إن ليكي عم يا بنت أخويا!
وضعت ليلى يدها على قلبها الذي هدرت دقاته بعد أن أنهى عزيز المكالمة مع نيرة، ونظرت إليه وقالت برجاء:
ـ أعذرها يا عزيز، صعب عليها تتقبل كلامك بسهولة.
خلل عزيز أصابعه في خصلات شعره بسخط ثم زفر أنفاسه، وكاد أن يتحدث لكنه تفاجأ بدخول سيف المنزل والنداء عليه بأعلى صوته:
ـ عمي! أنت فين؟
أخفض عزيز رأسه لوهلة ثم سار باستقامة إليه، واتجهت أنظار سيف ناحيته عندما استمع إلى صوت أقدامه:
ـ هنفضل لحد إمتى بندفع التمن مع الست دي؟ ليه مش عايزة تسيبنا في حالنا؟ قولي ليه يا عمي؟
....
تعجبت شهد من صمت والدتها وعودتها إلى حياكة ما بيدها، وقد ظنت أنها ستتلقى الخبر في صدمة مماثلة لصدمتها.
ـ ماما، دي هتكون فضيحة لأبيه عزيز وسيف ونيرة لو الكلام ده صح!
رمقت عايدة ابنتها بطرف عينها وردت باقتضاب:
ـ ربنا معاهم، والله يكون في عون عزيز بيه.
عقدت شهد حاجبيها ثم تنهدت وقالت:
ـ تعرفي إن سيف مكنش يعرف الخبر وعرفه مني؟
تجمدت أصابع عايدة على إبرة الخيط ونظرت إليها:
ـ شهد، ما تعملي حاجة مفيدة في حياتك وتركزي مع نفسك!
ابتلعت شهد ريقها بعد أن فهمت مقصد والدتها:
ـ هو أنا يا ماما لما أفكر في الفضيحة اللي ممكن تمس عيلة جوزي، كده مبعملش حاجة مفيدة؟
حركت عايدة رأسها باستهزاء وتمتمت بنبرة متهكمة:
ـ وماله يا بنت عزيز؟ اثبتي لي إنك كبرتِ وبقيتِ ست متجوزة قادرة تسند جوزها في محنته، وأهو تكوني فلحتي في الجواز بدل التعليم.
احتقن وجه شهد بعدما مسَّ الكلام كرامتها وصاحت بنبرة مستاءة:
ـ مش معني إن السنة ضاعت مني إني مش هرجع أكمل دراستي يا ماما! أنا هكون الدكتورة شهد زي ما بابا كان بيحلم...
وانعقد بقية الكلام عن لسان شهد عندما رأت نظرة السخرية في عين والدتها:
ـ أتمنى يا بنت عزيز، أتمنى تكوني تعلمتِ من الدرس.
نظرت شهد إليها ثم اتجهت إلى غرفتها عابسة الوجه وهي تسأل نفسها: إلى متى ستظل والدتها تعاملها بتلك الطريقة القاسية؟
انطلقت من شفتي عايدة تنهيدة طويلة وتذكرت لقاءها الأخير مع سمية بعدما اكتشفت خداع شهد لها وكانت هي سبباً فيه:
ـ اللهم لا شماتة يا سمية! روحت أقولك ليه عملتِ في بنتي كده؟ طردتيني وقلتِ لي: «ربي بنتك وخليها تحلم على قدها»... قهرتِ قلبي ودعيت تتقهري، سبحانه هو المعز المذل.
....
لم يكن مصابهم سهلاً عليهم ولا على من أتوا لتعزيتهم؛ فلم تمر سوى أيام حتى لحقت لبنى بزوجها.
استشاطت ملامح يسرا غضباً عندما وصل إلى مسامعها همس إحدى النساء عن ابنتها، فنهضت صائحة:
ـ سمعيني كده بتقولي إيه عن بنتي يا ست هالة؟
ارتبكت تلك التي لم تنتبه على جلوس يسرا جوارها، واكتفت بالتقاط حقيبة يدها من الأرض وانصرفت سريعاً.
ـ أخدتِ بعضك ومشيتِ علشان عارفة إني سمعت كلامك على بنتي...
اقتربت بعض نساء العائلة لتهدئتها، لكنها استمرت في صياحها الذي اخترق أذني سما:
ـ بقى أنا بنتي نذير شؤم؟!
انفلتت الشهقات وبدأت الأحاديث الجانبية عن فظاظة يسرا وعن وقاحة تلك المرأة.
شعرت سما بالاختناق واستجمعت شتات نفسها، وعادت بأدراجها منكسرة إلى الغرفة التي يجلس فيها جدها مع أشرقت وزينب.
اتجهت أنظار الجد إليها فور دخولها وتوقف عن التسبيح وتساءل:
ـ يسرا صوتها عالي ليه يا سما؟ وفين عمتك رحاب؟
توقفت زينب عن قراءة القرآن جوار أشرقت التي فتحت عيناها بثقل.
ارتبكت سما عندما رأتهم ينتظرون ردها، فأسرعت بخفض رأسها قائلة:
ـ واحدة من العاملات وقعت القهوة على ضيفة، فأنت عارف ماما يا جدو.
تنهد نائل وعاد إلى تسبيحه ولم يركز مع ملامح سما، لكن زينب أدركت أنها تخفي شيئاً وسوف تعرفه منها عندما تنفرد بها.
....
داهمت شفتي ساري ابتسامة عريضة عندما وصله خبر وجود رغد في دبي وانتهاء عقد عملها في شركة الزيني:
ـ الحسناء أتى بها القدر إليّ مرة أخرى، وهذه المرة لن أضيعها من يدي!
وسحق عقب سيجارته في المطفأة مستطرداً:
ـ لا أعلم ما السحر الذي لديها حتى تجعلني لا أستطيع تخطيها...
ثم واصل كلامه بغضب:
ـ قبل أن تكون لي، لابد أن تنسى صالح الزيني.
....
نظرت السيدة حكمت إلى سماح بنظرة ثاقبة بعد أن أخبرتها بالخبر الذي صار منتشراً:
ـ لازم تظهري يا سماح وتطالبي إنه يعترف بالطفل؛ لأن من كلام الإعلام إن حالته خطرة، ولو مات يا بنتي ضيعتِ حقك وحق الطفل اللي في بطنك، وهيكون قدام الناس ابن حرام!
وضعت سماح يدها على شفتيها لتكتم صوت شهقتها، فأردفت السيدة حكمت بقسوة حتى تجعلها تتخذ قراراً سريعاً دون خوف:
ـ ذنب الطفل ده هيكون في رقبتك أنتِ يا سماح، ولا الراجل ده مش أبوه وأنتِ بتكذبي عليا؟
احتضنت سماح بطنها وصرخت بحرقة:
ـ والله ابنه! مش بكذب عليكي يا أبلة حكمت.
...
صعد مراد سيارته بغضب ساحق؛ فقد تفاقمت دواخله بعدما طرده الجد نائل من المنزل بأسلوب مهذب، مُخبراً إياه أن حفيدته لا تريد رؤيته:
ـ أنا صبري قرب ينفذ يا أشرقت، ولو سيبت غضبي عليكي وعلى أهلك هنهي عليكم!
وضرب بيديه على عجلة القيادة متوعداً:
ـ لازم نتحاسب على عملت أبوكي في أختي، ولو أنا ساكت دلوقتي مش هسكت لوقت طويل!
أغمض عينيه وأخرج زفيراً طويلاً، وفجأة لاحت صورة زينب أمامه:
ـ هنتقابل يا أشرقت، وأنتِ بنفسك هتيجي لي!!!
