رواية اسميتها ريحانة الفصل الثالث عشر
بعد مرور سنة
سنة كاملة كان فيها الحزن والأسى والكآبة مسيطرين على قصر السويسي، غيمة سوداء مرت على أفراده، ليبقى أثر الحزن في القلوب. ولكنها الحياة، قانونها الاستمرار رغم الوجع؛ أن تجبرك الحياة على استكمال الرحلة حتى وأنت غير قادر، حتى بوجود ندبة في قلبك. تجبرك على الاستمرار، حتى وأنت محطم...
في صباح يوم جديد، أشرقت فيه الشمس معلنة بداية يوم جديد، بداية جديدة.
في ردهة القصر، كانت جميلة تضع أطباق الإفطار على السفرة مع الخادمة، اقترب أدهم من السفرة وسحب كرسيه الخاص، ولكن قبل أن يجلس مال برأسه نحو جميلة التي تقف بالقرب منه، وقبّلها من جبينها بحنان:
«صباح الخير يا حبيبتي.»
جميلة بابتسامة دافئة:
«صباح النور. يلا اقعد عشان نفطر سوا ،كالعادة. هفطر أنا وإنت لوحدنا زي كل يوم.»
ابتسم أدهم بخفة:
«معلش يا حبيبتي، متزعليش منهم، بس إنتي عارفة إن ريحانة بقت ماسكة شغل الشركة بتاعتي، ويزن مشغول في شغله وتجهيزات فرحه اللي كل شوية يتأجل ده.»
تنهدت جميلة وهي تجلس، قائلة بقلق فطري نابع من أمومتها:
«آه من ريحانة اللي تاعبه قلبي . دي مبقتش ريحانة اللي نعرفها. كل حياتها بقت الشغل. فين ريحانة اللي كانت مليانة طاقة وشغف للحياة؟ بقت بتغرق نفسها في الشغل عشان تنسى.»
جزّ أدهم على أسنانه بقوة، وعيناه تنطلق منهما شرارة الغضب:
«ريحانة القديمة اختفت من سنة. الحمد لله إنها قدرت تقف على رجليها من جديد وتكمل حياتها.»
ترقرقت الدموع في عيني جميلة:
«الحمد لله... إحنا كنا فين وبقينا فين؟ ده كانت بتقعد بالأيام قاطعه الأكل وعايشه على المحاليل. أنا عمري ما هنسي قهرتي عليها في الوقت ده، لما كنا بنسندها عشان تدخل الحمام...»
تنهدت بأسى، لتكمل:
«أنا نفسي ترجع زي زمان.»
ربت أدهم على كفها الموضوع على السفرة، قائلًا بابتسامة مطمئنة:
«صدقيني هترجع. لما تلاقي نفسها بتنجح في شغلها، هتسترد ثقتها بنفسها وهترجع ريحانة بتاعت زمان. ولما تحب راجل بجد، هتنسى كل الوجع وتسترد طاقتها.»
جميلة بحزن:
«تفتكر يا أدهم؟ تفتكر ريحانة هتحب تاني بعد...»
قاطعها أدهم بغضب:
«متجيبيش سيرته. مش عايز أسمع اسمه. اللي زي ده لازم يتنسي. وآه، هتشوفي، هتحب بعده وحياتها هتبقى مليانة سعادة.»
جميلة بأمل:
«يارب يا أدهم، يارب.»
_____________________________________________________________
في شركة السويسي - قاعة الاجتماعات
حول الطاولة المستديرة الضخمة الموجودة في منتصف الغرفة، كان يجلس كبار رجال الأعمال والمستثمرين.
ليقول أحد المستثمرين بغضب:
«يعني إزاي اجتماع النهارده هيكون مع بنت لسه متخرجة من كام شهر؟»
ليرد عليه مستثمر آخر:
«بس دي مش أي بنت يا شريف، دي تبقى بنت أدهم السويسي.»
قال شريف بسخرية:
«إن شاء الله تكون بنت مين، دي إهانة لينا إن كلنا نبقى مستنيين حضرتها توصل. أنا ليا كلام تاني مع أدهم السويسي.»
ليرد عليه مستثمر آخر:
«أنا عن نفسي مش مستعد أقف قصاد أدهم السويسي، وبعدين إنت لسه مشوفتهاش. ما يمكن تطلع زي أبوها حوت في الشغل، ما بيقولوا ابن الوز عوام.»
وفجأة، فُتح باب الغرفة، وتبعه صوت دقات كعب قوية، فتوجهت أنظار الجميع لصاحبة تلك الخطوات الواثقة.
كانت تسير بخطوات واثقة وهادئة حتى وصلت إلى الطاولة التي يجلس عليها الجميع. مسحت بعينيها الفيروزيتين الحاضرين الذين كانوا ينظرون إليها بشدة.
كانت ترتدي بليزر أسود رسميًا، ذو أزرار باللون الذهبي على الجانبين، تركته مفتوحًا ليظهر من أسفله توب بيج تضعه بداخل بنطال بيج، ليظهر خصرها النحيل، مع حذاء بكعب أسود. بينما تركت شعرها الطويل على هيئة ذيل فرس ليصل إلى نهاية ظهرها، فكان هذا الشيء الوحيد الذي بقي من نسختها القديمة.
جلست على الكرسي الذي يترأس الطاولة، ثم أردفت بابتسامة واثقة:
«أهلًا بحضراتكم، نورتوا الشركة. نقدر نبدأ الاجتماع دلوقتي.»
بعد مرور ساعة
خرج جميع المستثمرين من الغرفة، والجميع يتحدث عن ذكائها وثقتها.
ليتحدث أحد المستثمرين:
«ايه يا شريف؟ شايفك منطقتش بكلمة. مش دي اللي مكنتش طايقها من شوية؟»
ليقول شريف بدهشة:
«متوقعتهاش تكون كده. دي نسخة من أدهم السويسي، نفس الذكاء والسيطرة. ده أنا حسيت كأني قاعد قدامه. معقول دي لسه متخرجة؟»
ليرد عليه الآخر:
«مش قولتلك ابن الوز عوام؟ وشكلها مبتِهزرش في الشغل.»
_____________________________________________________________
فتح باب الشقة بمفاتيحه الخاصة، ثم دلف غرفته بتعب، وبدأ في خلع قميصه بإرهاق، فهو قد قضى الليلة الماضية بالعيادة حتى غفا من التعب. بعد دقائق خرج من الحمام، وهو يلف منشفة كبيرة حول خصره، وقف يهندم خصلات شعره البنية الرطبة من أثر المياه، ثم وقف أمام خزانة الملابس، وأثناء انشغاله في اختيار الملابس شعر بحركة خلفه، ليستدير ببطء شديد، ثواني، وابتسم بخبث: تعالى هنا يا شقي، إنت مش هتبطل كل يوم تخضّني كده؟
تحدث إياد بمرح: إنت اللي كل مرة بتتخض.
حمله ياسين على كتفه بحب: بس المرة دي متخضتش.
إياد بتذمر طفولي: خلاص، يبقى لازم أغير الخطة.
ضحك ياسين بقوة على هذا الصغير، ليسأله: أومال ماما فين؟
ماما لسه جاية من الشغل، ثم اقترب وهمس بأذنه: بس شكلها متعصب.
أومأ ياسين برأسه: أمممم، وإنت متعرفش السبب؟
ليقول إياد ببراءة: أكيد عمه اللي معاها في الشغل ضايقها.
قطب ياسين جبينه باستغراب ممزوج بغيرة: عمو مين؟
رفع الصغير كتفه بجهل: مش عارف اسمه، بس أنا سمعتها كذا مرة بتتخانق معاه في التليفون، وبتقوله يبعد عنها.
أومأ ياسين رأسه، وهو ينظر أمامه بشرود: طيب يا حبيبي، ممكن بقى أستأذنك تلف وشك لحد ما ألبس؟
أومأ الصغير برأسه بأدب، وهو يتوجه للسرير ويخبئ رأسه بالمخدة.
بعد ثوانٍ سمع ياسين يناديه: خلاص يا إياد، افتح عينك.
ارتدى تيشرت أسود من نفس لون البنطال الذي ارتداه سابقًا، ثم سحب مفاتيحه ومحفظته والهاتف، وحمل إياد وتوجه للخارج.
أما هي فكانت بوقتها تقوم بتحضير الغداء في شقتها، حتى سمعت صوت دقات على الباب، خرجت سريعًا وهي ترتدي إسدال الصلاة، وما إن فتحت الباب حتى وجدته أمامها ينظر لها بعمق، ويحمل إياد.
نزل إياد وقال: يلا يا دودة، ادخل جوا.
أومأ الصغير رأسه، ودخل الشقة، بينما بقي هو ينظر لها بنظرات غاضبة.
بلعت آيات ريقها بتوتر وسألته: هو فيه حاجة؟
ليقول ياسين بحدة: إنتي إزاي متقوليش إن فيه حد يضايقك في الشغل؟
انعقدت عيناها بصدمة، وقالت: إنت عرفت إزاي؟
"مش مهم عرفت إزاي، المهم إن دي حقيقة."
ضمت شفتيها بتوتر: ده مجرد شخص مش محترم، وأنا وقفته عند حده.
رفع حاجبه بسخرية: والله وقفتيه عند حده إزاي بقى؟ لا، بجد عندي فضول أعرف. أكيد قولتيله: لو سمحت، من فضلك، هكون شاكرة جدًا لو احترمت نفسك.
ابتسمت آيات رغمًا عنها: أكيد لا.
تنهد ياسين: آيات، من فضلك مفيش مرواح للشغل ده تاني.
"لا طبعًا، مش هسيب الشغل. إنت بتقرر كل حاجة من نفسك، أنا ليا شخصية ومش هسمحلك تلغيها."
أشار لها ع نفسه بصدمة: أنا؟
لتكمل بتأكيد: أيوة، زي ما أجبرتني مسيبش الشقة.
ربت يديه على صدره وقال بصوته الرجولي :"أولا أنا قولتلك إن وجودك في الشقة هنا مؤقت لحد ما تنقلي معايا شقتي، إنتي وإياد."
ضمت شفتيها بخجل ممزوج بصدمة: نعمم؟
اقترب منها خطوة ليصبح أمامها مباشرة، لا يفصل بينهما سوى بعض السنتيمترات: أيوة، زي ما سمعتي. من هنا لحد ما أكسرلك عنادك ده وتوافقي إننا نتجوز، فإحنا دلوقتي يعتبر في فترة خطوبة، وبعد الجواز هتعيشي معايا في شقتي.
دكتور ياسين، أنا قولتلك إني...
اقترب أكثر وقال بمراوغة: قولتي إيه؟
ليات بتوتر رهيب من قربه: أنا... أنا...
ابتسم بجانب فمه من تأثيره عليها، فهو يعلم أنها تملك مشاعر تجاهه، لكنها ترفض الاعتراف بذلك، وهو سيظل وراها حتى تعترف بتلك المشاعر، ولن يستسلم أبدًا.
ياسين بابتسامة: أنا هروح العيادة دلوقتي، وأرجع ع المغرب عشان نتعشى أنا وإنتي وإياد. برة هعزمكم النهارده على أكلة سمك في مطعم هيعجبكم أوي.
قالت باعتراض: بس...
قال بصوت مرتفع، وهو يمثل الصرامة: مفيش بس، يلا ادخلي.
دخلت شقتها بخوف وتنفذ الأمر، فنظر ياسين لأعلى بتكبر: أيوة كده، كان لازم أوريكي الوش التاني.
ثم تنهد بسعادة، وتوجه للمصعد حتى يذهب لعمله، وبداخله يتمنى إن يلين قلبها وتعطيه فرصة حتى يعوضها عن كل الألم الذي رأته، فهو يحاول معها منذ سنة، أحيانًا بالهدوء وأحيانًا بالإجبار، وخطبتهم تلك هو الذي فرضها عليها، وهو لن يستسلم أبدًا حتى تنسى الماضي.
_____________________________________________________________
في كافيه فخم يطل على النيل
كان يجلس يزن وهو يحاول إطعام فتون.
فتون بشبع: «خلاص يا يزن، مش قادرة. شبعت والله.»
« بالهنا والشفا يا قلبي.»
ضمت فتون شفتيها بخجل، وقالت: «أقولك حاجة يا يزن؟»
«قولي يا قلبي.»
فتون بابتسامة: «بحب شخصيتك لما تتغير لما تكون معايا. يعني انت مع باقي الناس الظابط الصارم الجاد، لكن معايا بتتحول لحبيب.»
مد يزن كف يده وقرصها من وجنتها، لتتأوه بألم:
«يزن، بتوجعني!»
ضحك بقوة:
«أعمل إيه؟ مقدرش أقاوم الخدود دي من غير ما أحط بصمتي عليها.»
نفخت بضيق:
«خلاص بقى يا يزن.»
أبعد يده وهو يضحك بقوة عليها، بينما كانت تنظر له وهي تمد شفتيها بغل، لكن ثوانٍ ولم تتمالك نفسها، فضحكت هي الأخرى.
بعد ثوانٍ، قالت:
«طيب أقولك حاجة كمان؟»
وضع قبضة يده أسفل ذقنه باهتمام:
«قولي.»
«خدت بالي إن من ساعة ما لغينا فرحنا وإنت بقيت تهتم بيا أكتر من الأول، وبقينا نخرج على طول سوا، مش زي الأول. كنت دايمًا مشغول في شغلك.»
تغيرت ملامح يزن، ليقول بخوف:
«فتون، هو إنتي زعلانة إني أجلت فرحنا بعد اللي حصل لريحانة؟»
فتون بتفاجؤ:
«لا طبعًا! إيه اللي إنت بتقوله ده؟ ريحانة مش بس بنت خالي، دي صاحبتي الوحيدة وأختي، وأكيد مش هكون مبسوطة وأنا بجهز للفرح لنا وهي في الحالة دي.»
ابتسم يزن بحب وهو ينظر لها بامتنان:
«هو أنا قلتلك النهارده أنا بحبك قد إيه؟»
هزت رأسها نافية وهي تبتسم:
«لأ، مقولتش.»
يزن بمراوغة:
«أخص عليّا... طيب تعالي بقى أقولك... بصي بقى يا ستي...»
_____________________________________________________________
في شركة السويسي
كانت تجلس في مكتبها، وأمامها مجموعة من الملفات تراجعها بتركيز، حتى قاطعها دقات خفيفة على الباب.
ريحانة، وما زالت عيناها مسلطتين على الملف: «ادخل.»
فُتح الباب، ليأتيها صوته بعد ثوانٍ:
«حبيبة بابا، بتعملي إيه؟»
رفعت ريحانة رأسها، وثوانٍ وتغيرت ملامحها الجادة وابتسمت بحب:
«بابا، اتفضل ادخل.»
نهضت لترحب به، ليحتضنها أدهم بحب، ثم جلس أمامها:
«أخبار الشغل إيه؟»
ابتسمت ريحانة بهدوء:
«الحمد لله يا بابا، كل حاجة ماشية تمام.»
أدهم بفخر:
«أنا مبسوط بيكي أوي. كل شركائي بيمدحوا فيكي وفي ذكائك.»
ابتسمت ريحانة ولم تعلق، لكنها تذكرت فجأة:
«صحيح، عزام كلمك؟»
قطب جبينه:
«عزام مين؟»
«عزام الألفي، شريكنا في صفقة الأدوية الأخيرة.»
أومأ برأسه بتذكر:
«آه، افتكرته. لأ، مكلمنيش. فيه إيه؟»
«امبارح في الاجتماع اتفاجئت إنه بيقول هيسافر برة مصر وهيستقر هناك.»
أدهم بغضب:
«إيه التهريج ده؟ هو ناسي إن صفقة الأدوية دي لسه فاضلها شهور لحد ما نسلّم الطلبيات للمستشفيات؟ ده غير باقي الصفقات اللي داخلينها معاه.»
لاقول ريحانة بعملية: «ما أنا قولتله كده، قالي إنه مضطر يسافر عشان هيأسس شركة هناك، بس اقترح عليّا فكرة، ولما فكرت فيها لقيتها مش هتخسرنا، بالعكس، خصوصًا إن عزام من أكبر الشركاء اللي عندنا، ولو خسرناه هتبقى خسارة كبيرة لينا.»
«فكرة إيه؟»
«بيقول إن شريكه اللي في إيطاليا هينزل مصر الأيام دي، وإنه هيتفق معاه إنه يشاركنا بداله في الصفقات اللي هو معانا فيها.»
أدهم باستغراب:
«طيب وشريكه ده يبقى مين؟»
ريحانة بحيرة:
«مش عارفة، هو مقالش. قالي لو موافقين على الاقتراح ده، هيخلي شريكه ينزل مصر، ووقتها نخلص الورق.»
أومأ برأسه:
«هي فكرة مش بطالة، وزي ما قولتي، عزام من رجال الأعمال التقيلة ومش عايزين نخسره.»
ريحانة بتأكيد:
«تمام. أنا عمومًا عندي اجتماع معاه الساعة خمسة، هعرفه بموافقتنا.»
«تمام.»
صمت أدهم لثوانٍ، ثم قال بجدية:
«ريحانة.»
رفعت ريحانة رأسها بانتباه:
«نعم يا بابا؟»
«هتفضلي كده لحد إمتى؟»
ريحانة بدهشة:
«كده إزاي؟»
شبك أدهم كفيه بجدية وقال:
«أنا عارف إنك مقضية وقتك كله في الشغل. طول الوقت بين الصفقات والاجتماعات والسفريات، عشان تنسي وجعك ومتفكريش في اللي حصل... بس لحد امتى يا حبيبتي؟ ده كله على حساب نفسك. أنا خايف عليكي.»
نهضت وجلست بجانب كرسيه، لتقول بابتسامة محاولة بث الطمأنينة في قلبه:
«متقلقش عليا يا بابا، أنا كويسة، صدقني. وطول ما أنا شاغلة وقتي كله، هكون مرتاحة أكتر.»
ربت على يدها:
«أنا عارف يا حبيبتي، عارف إني ربيت بنت قوية، مبتتكسرش بسهولة، وحتى لو عدى عليها أوقات ضعف، هتقوم منها بسرعة وترجع أقوى من الأول.»
ثم نهض فجأة:
«أنا هروح بقى.»
ريحانة بدهشة:
«ما تقعد شوية.»
«لا، كفاية عليا كده. هروح لجميلة.»
غمزت ريحانة بمشاكسة:
«ماشي يا عم، ارمي عليا الشغل كله عشان تفضى لست جميلة.»
رفع أدهم كتفه بغرور:
«أومال إنتِ فاكرة إيه؟ اعملي حسابك، إنتي اللي ماسكة الشركة دلوقتي. أنا خلاص تعبت من الشغل طول الستين اللي فاتت، يادوب هاجي ضيف كل فترة أطمن على الأوضاع، وأتفرغ بقى لحبيبة قلبي.»
ثم اقترب وقبّل جبينها:
«يلا، هسيبك أنا بقى، واحكيلي لما ترجعي بليل عملتي إيه في الاجتماع.»
«ماشي يا حبيبي، سلام.»
غادر أدهم المكان، بينما عادت ريحانة لتجلس خلف مكتبها وتكمل عملها.
لكنها توقفت فجأة عندما خطر ببالها شيء. فتحت درج مكتبها الذي يُغلق بمفتاح دونًا عن باقي الأدراج، ثم التقطتها.
مسكتها بين يديها ... نعم، إنها الأسورة المحفور عليها حروف اسمها.
كانت تنظر للأسورة بشرود، وهي تلمس حروف اسمها المحفورة على خشبة صغيرة، حروف صنعها هو بنفسه: " ر ي ح ا ن ة "
نعم، لم تنسه بالرغم من كل ما حدث، وبالرغم من أنها تحمل مشاعر كره وغضب تجاهه بعد ما فعله بها يوم زفافهما.وبقدر ما أحبته، بقدر كرهها وغضبها منه. فمقولة «كلما زاد الحب، زاد الوجع» صحيحة .
أعادت الأسورة مرة أخرى إلى درج المكتب، ثم قامت بإغلاقه.
لتعود لاستكمال عملها مرة أخرى، عملها الذي ينسيها لبعض الوقت ألم قلبها ووجع روحها. فهي تشغل نفسها طوال الوقت حتى لا تبقى لها فرصة للتفكير.
ولكن إلى متى ستظل تهرب؟...
_____________________________________________________________
في مدينة ميلانو بإيطاليا، الملقبة بمدينة العشق والجمال...
في أحد الفنادق الفخمة، وفي الطابق الحادي والعشرين، كان يقف في الشرفة المطلة على الشارع الرئيسي، وبيده فنجان القهوة يحتسيه ببرود، بينما عيناه السوداوان كالفحم تلمعان بإصرار.
قال للشخص الذي يحدثه عبر الهاتف:
«أنا راجع مصر في طيارة بكرة.»
الطرف الآخر بدهشة:
«إيه؟ إزاي؟ أنا لسه مش متأكد إذا كانوا هيوافقوا تكون شريكهم بدالي. استنى على الأقل لحد ما يدوني الموافقة.»
قال بابتسامة عنيدة:
«قولتلك اعمل المستحيل عشان يوافقوا. متنساش إني متفق معاك من الأول على كده.»
أغلق المكالمة، ورمى الهاتف على السرير، ثم وقف للحظات في مكانه، وعيناه معلقتان بالفراغ، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة تحمل إصرارًا غريبًا.
«مش هقدر أستنى أكتر من كده... لازم أشوفها. وحشتني أوي.»
لكن ما إن نطق بكلماته حتى تبدلت ملامحه، وكأن ذكرها فتح بابًا ظل مغلقًا داخله لعام كامل.
قبل سنة...
بعد سفره إلى إيطاليا، لم يستطع سليم أن يتجاهل كلمات أدهم.لأول مرة، بدأ يشك في كل ما عاش عمره يصدقه.
هل كان مخطئًا طوال تلك السنوات؟هل كانت الحكاية التي تربى عليها مجرد نصف حقيقة؟
لم يكن أمامه سوى البحث.كلما حاول أن يهرب من الماضي، كان الماضي يطارده بصورة أقوى. لذلك كلف أحد رجاله في مصر بالبحث عن قضية والده، وكل ما يتعلق بإبراهيم السويسي، وعن حقيقة ما حدث لوالدته ثريا.
مرت عدة أيام ثقيلة، حتى جاءه الاتصال الذي كان ينتظره، وفي الوقت نفسه كان يخشاه.
نظر إلى الهاتف لثوانٍ قبل أن يجيب:
«ألو؟»
جاءه صوت الرجل من الطرف الآخر:
«ألو يا سليم بيه، أنا قدرت أوصل لأوراق تخص قضية إبراهيم السويسي عن طريق واحد حبيبي في مصلحة السجون... وعرفت كل حاجة.»
بلع سليم ريقه بصعوبة، وشعر بأن أنفاسه أصبحت أثقل:
«عرفت إيه؟»
«إبراهيم السويسي اتقبض عليه بسبب تورطه في أكتر من قضية اختلاس وفساد، ده غير بلاغ كان متقدم ضده بسبب خطفه لطفل صغير. ولما دورت عن اسم الطفل... طلع ابن أدهم السويسي.»
تجمد سليم في مكانه.
«مستحييييل.»
خرجت الكلمة من بين شفتيه كأنها آخر محاولة منه لرفض الحقيقة.
لكن الرجل تابع:
«وكمان روحت الحارة اللي حضرتك طلبت مني أدور فيها وأسأل عن مدام ثريا. بعد ما سألت كتير، قدرت أوصل لواحدة من جيرانها القدام. كانت عزلت من سنين، لكن لما سألت أكتر، قدرت أوصل لمكانها، والست حكتلي كل حاجة.»
أغمض سليم عينيه، وشعر بالخوف يتسلل إلى صدره.
كان يعرف أن ما سيأتي لن يكون سهلًا أبدًا.
«قالتلك إيه؟»
أخذ الرجل نفسًا قبل أن يكمل:
«قالتلي إنها في يوم كانت بتطبخ في شقتها واحتاجت حاجة من ثريا، ولما جت تخبط، لقت الباب مفتوح. دخلت وهي بتنادي على ثريا، لكنها لقتها قاعدة على الكنبة، وكان واضح على ملامحها الصدمة، وكان معاها رجالة أول مرة تشوفهم.»
صمت الرجل لثوانٍ، ثم تابع:
«وبعدين ثريا فجأة طبت ساكتة، من غير ما حد يلمسها. والرجالة اللي كانوا موجودين كان شكلهم زي البادي جارد اللي بيطلعوا في التلفزيون. خدوها المستشفى، والست راحت معاهم، لكن لما وصلوا، الدكاترة قالوا إنها ماتت بسبب سكتة قلبية.»
توقفت أنفاس سليم للحظة.
«كمل.»
«قالتلي كمان إنها اليوم ده مشافتش ابن ثريا خالص، ولا شافته بعد كده. وكمان البادي جارد سألوها هي وأهل الحارة عن مكان ابن ثريا، لكن محدش كان يعرف مكان الولد. ومن يومها... اختفى.»
ساد الصمت للحظات، قبل أن يكمل الرجل:
«وكمان قالت إن مدام ثريا اتعملها عزا كبير. ولما سألت واحد من البادي جارد اللي كان موجود عن مين اللي عمل كده، لأنها عارفة إن ثريا ظروفها على قد حالها، الراجل قال لها إن اللي اتكفل بمصاريف المستشفى والدفنة والعزا... واحد اسمه أدهم السويسي.»
انتهت المكالمة.
لكن سليم ظل ممسكًا بالهاتف أمام أذنه، وكأن عقله رفض أن يستوعب أن الصوت قد اختفى.
ثم أنزل الهاتف ببطء.لم يتحرك.لم يتكلم.فقط ظل ينظر إلى الفراغ أمامه، وملامحه متجمدة، بينما كانت الكلمات تتردد داخله بلا رحمة:
إبراهيم كان مذنبًا.أدهم لم يكن هو الجاني،وأمه...أمه أيضًا لم تكن ملاك ،فقد ربته عالانتقام والكره لأدهم السويسي.
كان يظن أنه يعرف عدوه.كان يظن أن لديه حقًا ضاع، وأن عليه أن يستعيده.
لكن الحقيقة كانت أقسى من أن يتحملها.لقد أمضى سنوات عمره يحارب الرجل الخطأ.
سنوات كاملة حمل فيها الكراهية، وتركها تكبر داخله حتى أصبحت جزءًا منه، حتى صار الانتقام هو الشيء الوحيد الذي يعرف كيف يتمسك به.والآن، اكتشف أن كل ذلك كان مبنيًا على حقيقة ناقصة.
جلس سليم على طرف السرير، ووضع كفيه على رأسه، وأنفاسه تتسارع.بدأت الذكريات تتدافع داخل عقله.
كل كلمة قالها لأدهم.كل نظرة كراهية.كل خطوة خطاها في طريق الانتقام.
ثم ظهرت أمامه هي...ريحانة.
الوحيدة التي لم تكن جزءًا من خطته في البداية، ثم أصبحت أهم جزء فيها.
هي التي أحبته دون أن تعرف الحقيقة.هي التي وثقت به.هي التي أعطته قلبها كاملًا، بينما كان هو يخفي عنها السبب الحقيقي وراء وجوده في حياتها.
والأسوأ من ذلك...أنه لم ينتقم من أدهم كما كان يظن.لقد انتقم منه في ابنته.
جرح قلب فتاة لم يكن لها ذنب في أي شيء.فتاة أحبته بصدق، بينما هو كان يحمل داخل قلبه تاريخًا كاملًا من الغضب، ويعاملها وكأنها مسؤولة عن ذنب لم ترتكبه.
رفع سليم رأسه ببطء، وعيناه تلمعان.لأول مرة منذ سنوات، لم يشعر بالغضب.لم يشعر بالرغبة في الانتقام.شعر بشيء أقسى...الندم.
أدرك أنه كان يدور في دائرة مغلقة، دائرة ملأها الحقد والانتقام، وكلما ظن أنه اقترب من النهاية، كان يكتشف أنه خسر شخصًا آخر في الطريق.
والآن...
لم يعد يستطيع تغيير ما حدث.لا يستطيع إعادة الزمن.لا يستطيع محو الكلمات التي قالها.ولا يستطيع أن يعيد لريحانة القلب الذي كسره.
لكنه يستطيع أن يحاول.
نهض سليم ببطء، واتجه نحو الشرفة، ووقف أمام المدينة التي لا تعرف شيئًا عن الحرب التي تدور داخله.
ظل صامتًا للحظات، قبل أن يهمس:
«أنا ظلمتك يا ريحانة...»
أغمض عينيه، وكأن الاعتراف بالكلمات كان أصعب من أي شيء فعله من قبل.
«ظلمتك وأنا فاكر إني باخد حق أهلي... لكن الحقيقة إني كنت بوجعك إنتي وبوجع نفسي.»
فتح عينيه، وعاد الإصرار إلى ملامحه، ولكن هذه المرة لم يكن إصرار انتقام.
كان إصرارًا على مواجهة نتيجة أفعاله.
«أنا عارف إنك ممكن تكوني كرهتيني... وممكن متسامحينيش أبدًا.»
صمت قليلًا، ثم ابتسم ابتسامة حزينة:
«بس أنا راجع مصر... ومش راجع عشان أنتقم.»
نظر إلى الأفق بثبات.
«راجع عشان أصلح اللي بوظته بإيدي... حتى لو أخد مني العمر كله.»
ثم أضاف بصوت خافت:
«هخليكي تسامحيني يا ريحانة... هفضل أحاول لحد ما أثبتلك إني فهمت أخطائي.»
عاد إلى الوقت الحاضر...
كان سليم يقف في الشرفة نفسها، لكن الرجل الذي غادر مصر منذ عام لم يعد هو نفسه.هذه المرة، لم يكن يحمل في قلبه خطة للانتقام.
كان يحمل حقيقة كاملة..وقلبًا يعرف أخيرًا أنه أخطأ.وغدًا ... سيعود إلى مصر.
