رواية ألوان مستعاره الفصل الرابع عشر
الوان مستعارة
الحلقه ١٤
الزمن توقف.. حرفياً، الدنيا كلها وقفت.
كاسر اتسمر في مكانه، قبضته اللي كانت مشدودة فكت لحظياً من الصدمة، عضلات فكه اتحجرت فوراً، وبدأت تتسرب لروحه غريزة "الافتراس" والتحفز. يوسف كان واقف قدامه بالنضارة السودا، والابتسامة المرسومة على وشه كانت أقذر وأخطر من ألف صرخة غضب.
يوسف شال نضارته ببطء شديد، وركنها على طرف القميص، وبص لكاسر من فوق لتحت بنظرة فيها "فحيح" أفعى:
ـ "أهلاً.. نورت بيتي يا كاسر بيه! مش كنت بتقولي إنك مسافر؟ ولا جيت تبارك لي على جوازي تاني.. في بيتي؟"
الصوت كان هادي جداً، رزين، ومستفز لدرجة تخلي الواحد يرتكب جريمة. يوسف اتخطى كاسر ودخل جوة البيت بخطوات واثقة، كأنه "الأسد" اللي داخل عرينه وشايف "المتطفل" واقف قدامه.
حبيبة كانت واقفة وراهم، جسمها كله بيترعش زي ورقة شجر في عاصفة، لونها مخطوف، وعينيها متسعة من الرعب.. كان نفسها تصرخ وتستغيث، بس صوتها كان مخنوق تماماً.
كاسر لف وشه، وعينيه بقت بتطلع نار، بس كان ثابت، بيحاول يوزن كل حركة. يوسف قرب من حبيبة.. قربه منها كان أشبه بلمس الجمرة. وقف قدامها، وبص لملامحها المصدومة، وبعدين عينه جت على "الشال" اللي كانت ماسكاه بإيدها عشان تغطي الكدمات.
يوسف ابتسم ابتسامة باهتة، ورفع إيده ببطء شديد، ومرر صوابعه على طرف الشال اللي في إيد حبيبة، وقال بصوت واطي:
ـ "إيه ده يا حبيبة؟ مالك متوترة كدا ليه؟ وكاسر بيه بيعمل إيه هنا في وقت زي ده؟ يا ترى أنا قطعت حاجة مهمة؟"
كاسر انفجر من جوه، الإحساس اللي كان حاسه دلوقتي هو "الغليان المطلق". كان نفسه يمسكه يطبق ضلوعه في بعض، بس نظرة واحدة من حبيبة.. نظرة رعبها، خلاه يكتف غضبه في قفص من حديد.
كاسر بصوت أجش، حاد كالموس:
ـ "كنت ماشي يا يوسف.. بس وفي ايدي حبيبه اللي هحميها من قرفك
يوسف ضحك ضحكة قصيرة، خالية من أي روح، ولف لكاسر ووقف قدامه.. المسافة بينهم كانت سنتيمترات:
ـ "يحميها؟والكلمه دي يعني تحت باند الاخوه ولا اي وبعدين تحمي مين يا كاسر؟ دي مراتي.. وعلى ذمتي.. وفي بيتي. يعني أي كلمة زيادة، هتعتبر تعدي على "حرمة" بيتي.. وأنت أكيد عارف القانون بيدي الحق لمين في الحالة دي، مش كدا؟"
يوسف نزل عينه على إيد كاسر اللي كانت لسه بتنزف من أثر تكسير المكتب، وعيونه لمعت بذكاء خبيث:
ـ "دي إيدك بتنزف يا بطل.. إيدك دي إيه اللي جرحها؟ تكسير؟ غضب؟ ولا كنت بتحاول تكسر حاجة غالية عليك؟ يلا يا حبيبي اتكل علي الله عشان تلحق تداويها ..... ولا اتصل علي البوليس بالمره
حبيبة في اللحظة دي.. حست إنها هتقع من طولها. كانت شايفة "كاسر" بيفقد صبره، وشايفة "يوسف" بيلعب بالنار والكل هيتحرق. الصمت كان تقيل، والجو مشحون لدرجة إن لو حد ولع كبريت، البيت كله هيولع.
كاسر بص ليوسف، وعينيه كانت بتقول جملة واحدة: ("والله ما هسيبك، ودي مسألة وقت").
كاسر اتنفس ببطء، وبص لحبيبة نظرة أخيرة.. كانت نظرة "وعد" وأمان، نظرة بتقولها: "أنا هخرج دلوقتي، بس أنا مش همشي خالص
لف كاسر وبدأ يمشي ناحية الباب.. لكن يوسف صوته وقفه وهو بيقفل الباب وراه برجليه:
ـ "كاسر.. المرة الجاية، خبط قبل ما تدخل، عشان أنا مش دايماً بكون باللطف ده."
كاسر وقف، قبضته في جيبه، ما التفتش، وخرج وقفل الباب وراه..
لحظة ما الباب اتقفل، يوسف لسه مبتسم، لف وشه ناحية حبيبة، وشال الابتسامة في ثانية، واتحولت ملامحه لوش خالي من أي تعبير، مخيف، وسألها بصوت واطي ومسموم:
ـ "دلوقتي.. قولي لي بقى، كنتوا بتخططوا لايه؟"
سكت الصوت اللي كان بيعمل "تكة" القفل.. قفل الباب ده كان بالنسبة لحبيبة زي صوت حكم الإعدام.
يوسف اتحرك بهدوء.. بطء مريب، زي حيوان مفترس بيتأكد إن فريسته مفيش قدامها أي طريق للهرب. لف حواليها، بيبعد عنها مسافة كافية عشان يشوف تعبيرات وشها بوضوح، بس قريب لدرجة إن أنفاسه اللي ليها ريحة دخان سجاير تقيلة كانت بتلفح وشها.
حبيبة كانت واقفة في نص الصالة، حاسة إن الأوكسجين سُحب من المكان، ورجليها بدأت تخذلها وتترعش لدرجة إنها خافت تقع.
يوسف اتكلم بصوت واطي جداً، نبرة خالية تماماً من أي عاطفة، زي صوت فحيح:
ـ "سألتك.. كنتوا بتخططوا لإيه؟ ولا أقولك.. أكيد كنتوا بتراجعوا 'الذكريات الجميلة' اللي كنتِ لسه بتعيطي عليها من شوية؟"
حبيبة بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها طلع مبحوح:
ـ "م.. مفيش حاجة.. كاسر كان جاي بالصدفة، وآيتن هي اللي جابته، أنا ماليش دعوة..
يوسف قطع كلامها فجأة، اتحرك بسرعة البرق ووقف قدامها، ورفع إيده ببطء شديد، وبطريقة مرعبة، لمس بأطراف صوابعه الكدمة اللي على وشها.. لمسة خلت جسم حبيبة يتنفض من الألم والرعب.
ـ "كدابة.." همس يوسف وهو باصص في عنيها بتركيز، كأنه بيحاول يغرز عينه في قاع روحها.
ـ "كدابة يا حبيبة. كاسر مش بيجي بالصدفة.. كاسر لما بيقرر يجي، بيجي ياخد اللي بيحس إنه بتاعه....وكلامه واضح جدا أن فهم الدنيا
يوسف ضغط على فكها بإيده التانية، خلى وشها يرتفع غصب عنها عشان تبص له:
ـ "شفتي في عينه إيه؟ الشفقة؟ ولا شفتي نظرة 'الراجل' اللي جاي ينقذ 'الست' من جوزها الوحش؟ قولي لي يا حبيبة.. هو قالك إيه؟ قالك إني بضربك؟ قالك إني بهينك؟"
حبيبة عيونها دمعت وبدأت تترعش:
ـ "يوسف.. أرجوك.. سيبني."
يوسف ضحك ضحكة قاسية، صوتها رن في أركان البيت، وبعدين اتغيرت ملامحه في لحظة للجمود التام:
ـ "سيبك؟ إنتي فاكرة إني هسيبك بعد ما أدخل راجل بيتي؟ بعد ما أدخل الراجل الوحيد اللي بيحاول يشم ريحتك من ورا ظهري؟"
اتحرك ناحية المطبخ وهو بيخلع جاكيت البدلة ببطء، ورمى الجاكيت على الأرض، وبص لها ببرود قاتل:
ـ "ادخلي الأوضة يا حبيبة.. ادخلي ووريني 'خطة الهروب' اللي كنتِ بتفكري فيها. ادخلي واستني.. عشان النهاردة، الحساب مش هيكون كلام."
حبيبة حست إن دمها اتجمد في عروقها.. نظراته كانت بتقول إن الليلة دي مش هتعدي على خير، وإن وجود كاسر النهاردة كان بمثابة "القشة اللي قسمت ظهر البعير". دخلت الأوضة بخطوات ثقيلة ومكسورة، والباب وراها اتقفل، وبدأت تسمع صوت خطوات يوسف وهو بيتمشى في الصالة، بيشرب سجاير، وبيهيأ نفسه لعقاب هو اللي رسمه في خياله.. عقاب هيكون أشد وأقسى من كل اللي فات، لأن كبرياءه اتجرح، والراجل اللي بيكرهه (كاسر) لمس بيته.
حبيبة قعدت على طرف السرير، وضمت إيديها على صدرها، وغمضت عينيها بقوة.. كانت بتدعي ربنا في سرها:
"يا رب.. خليه يرحمني، يا رب أنا تعبت!
كان كاسر قاعد جوة عربيته تحت بيتهم ليه إيده المفتوحة بتنزف على الطارة ومش حاسس بوجعها.. الوجع الحقيقي كان بيفرك في صدره زي الجمر. عينه مثبتة على شباك الشقة فوق، والأفكار بتتخبط في دماغه زي العاصفة. هو مش عارف يتصرف إزاي ولا يبدأ منين، بس فيه حقيقة واحدة اتزرعت في عقله ومش هتتمحي: المهزلة دي لازم تنتهي النهاردة.. وبأي ثمن.
سحب تليفونه بإيد ترتعش من قمة الغضب والندم، وطلب رقم آيتن
آيتن ردت بصوت هادي ومستغرب:
ـ "كاسر؟ في حاجه معاك ولا اي
كاسر اتنفس بصوت تقيل ومخنوع، وقال بنبرة قاطعة مفيهاش مجال للمناقشة:
ـ آيتن.. تعاليلي المكان اللي بنتقابل فيه دلوقتي.. أنا مستنيكي.
قفلت معاه وهي حاسة بإن فيه حاجة غلط. وبعد نص ساعة، كانت قاعدة قدامه في الكافيه. كاسر مكنش قادر يبص في عينها بوضوح، وملامحه كانت وش جبل مشروخ.
آيتن بصت لإيده الملفوفة بمنديل مليان دم، ولعينه الزايغة، وسألته بخوف:
ـ "كاسر.. فيه إيه؟ إيدك مالها؟ وأنت شكلك عامل كده ليه؟ انت قلقتني علفكره
كاسر غمض عينه لحظة، وأخد نفس عميق كأنه بيستعد يقفز في الهاوية، ولما فتحهم بص لها بصراحة حادة كالموس:
ـ "آيتن.. أنا مش هقدر أكمل في الخطوبة دي. كل حاجة لازم تقف هنا."
آيتن اتسمرت مكانها، الابتسامة اختفت من وشها تماماً، وشفايفها بدأت ترتعش:
ـ أنت بتقول إيه يا كاسر؟ بتتكلم جد؟ عشان إيه.. إيه اللي حصل فجأة؟
كاسر نزل راسه بنشيج مكتوم وقال بصوت مبحوح:
ـ عشان أنا بحب واحدة تانية.. بحبها من زمان، وقبل ما أعرفك بكتير. أنا حاولت أهرب من حبها، وحاولت أظلمك معايا وأوهم نفسي إن الأيام هتنسيني.. بس اكتشفت إني كداب. أنا بعشقها يا آيتن، ومش هقدر أظلمك أكتر من كده ولا أعيش مع واحدة عقلي وقلبي مع غيرها.
الكلمات نزلت على آيتن زي صاعقة كسرت ظهرها. الصدمة جمدت الدموع في عينها لثواني، ووشها اتخطف منه اللون.. انهارت نفسياً من البشاعة والكسرة. حسّت بكتلة نار في صدرها واتكلمت بصوت مبحوح : ومين البنت دي ؟وسبتها ليه طالما بتحبها ؟
كاسر بأسف : هربت مني واتجوزت واحد تاني .... وانا خطبتك عشان اكون قريب منها وأثبت ل نفسي اني هقدر اعيش من غيرها .... بس وهي مع جوزها انا قلبي كان بيتخلع من صدري ... وانا شوفت ضربه ليها مقدرتش اتحمل تاني خلاص
كلامه كان بينزل علي ايتن زي الصاعقه بيموتها ويقتلها وفجأة شريط الأحداث الأخيرة كله اتعرض قدام عينها زي فيلم سريع.. وبصتله هي ومبرقه
افتكرت نظرات كاسر لحبيبة في الصالة! افتكرت التوتر المريب اللي كان بينهم لما دخلوا الشقة، اللهفة المكتومة في عيون كاسر، والرعب والنظرة المعذبة اللي كانت في عين حبيبة!
ال puzzle اكتمل في دماغها في ثانية واحدة.. وعقلها استوعب الصدمة الأكبر!
قامت آيتن من قدامه فجأة، الكرسي اتقلب وراها بصوت عالي. كانت بتترعش من قمة العصبية والغل، وعيونها اللي كانت مليانة دموع تحولت لكتلة جمر وشر. بصت له بنظرة كره زلزلته وقالت بصوت مهزوز من كتر الغضب:
ـ حبيبة!.. صح؟ هي حبيبة يا كاسر؟!
كاسر ماردش ونزل عينه في الأرض، وده كان بالنسبة لها الإقرار والاعتراف الصريح.
آيتن سحبت شنطتها بعنف، ومشيت من قدامه وهي مش شايفه قدامها من الهستيريا والدموع اللي بتغرق وشها. مشيت وهي بتجري تقريباً، سحبت تليفونها وطلبت رقم أخوها "يوسف..
يوسف رد بنبرة حادة:
ـ "إيه يا آيتن؟
آيتن اتكلمت وهي بتشهق وبتموت من القهر:
ـ يوسف!.. الحقني يا يوسف.. تعالالي البيت فوراً! كاسر فسخ الخطوبة.. كاسر بيحب مراتك يا يوسف! بيحب حبيبة وكانوا بيلعبوا بينا إحنا الاثنين!
على الناحية التانية.. يوسف الكلمة نزلت عليه أشد من الفليج! صب عليه شلل فظيع، عقله اتوقف عن التفكير لثواني، والغضب النرجسي جمد الدم في عروقه. الكبرياء اللي اتجرح والشك اللي اتحول ليقين خلوه يتحول لوحش مجنون.. قفل مع آيتن وركب عربيته وطلع على البيت بأقصى سرعة وهو ناوي النية ينهي حياة حبيبة.
في الوقت ده.. جوة الشقة.
حبيبة كانت في الأوضة بتترعش من الرعب. استغلت إن يوسف نزل أو مش في الصالة، وبإيدين بترتعش بدأت تلم هدومها بسرعة هيستيرية في شنطة صغيرة. كان كل همها تهرب.. تهرب من السجن ده، من يوسف، ومن المصير الأسود اللي مستنيها لو فضلت دقيقة واحدة كمان.
جمعت شوية حاجات أساسية، ودموعها نازلة على خدها وهي بتسحب رجليها بالعافية. قربت من باب الشقة بخطوات مرعوبة، كل خلية في جسمها بتصرخ عشان تخرج للشارع وتتنفس.
حطت إيدها الترعش على مقبض الباب.. فتحته ببطء شديد، ورفعت رأسها وهي بتدعي ربنا ينقذها..
أول ما الباب اتفتح.. اتسمرت مكانها والشنطة وقعت من إيدها!
كاسر كان واقف في وشها على العتبة!
عيونه كانت مليانة إصرار مجنون، ونفسه العالي بيخبط في وشها.. مسك إيدها بقوة وثبات وقفل المسافة بينهم وهو بيبصلها وقال بصوت قاطع:
ـ المرة دي مش هسيبك تهربي لوحدك يا حبيبة.. يلا معايا
حبيبة اتسمرت مكانها زي الميتة، والشنطة الصغيرة ووقعت على الأرض بصوت مكتوم.
كاسر كان واقف قدامها عيونه مليانة إصرار مجنون، ونَفَسه العالي بيخبط في وشها زي العاصفة. من غير ما ينطق ولا كلمة ولا يديها فرصة لاستيعاب الصدمة، مد إيده وقبض على معصمها بقوة وثبات، وسحبها لبرة البيت
حبيبة اتنفضت في مكانها وبدأت تصرخ برعب وهي بتحاول تتملص من إيده:
ـ كاسر! أنت بتعمل إيه؟! أنت اتجننت؟! سيبني يا كاسر امشي.. أوعى! أنت السبب في كل اللي بيحصل ده! سيب إيدي!"
كاسر ماردش عليها، ولا حتى بص وراه. بنصف إيد مسك معصمها المشدود، وبالإيد الثانية وطي على الأرض سحب شنطتها. نزل بيها السلم بخطوات سريعة وقاطعة وهي بتتسحل وراه، بتصرخ وتستغيث بصوت هز الفيلا كلها بس غضبه ورغبته إنه ينهي الكابوس ده كانوا أعمى وأطرش من أي صوت.
فتح باب العربية بعنف، وزقها جوة على الكرسي اللي جنب السواق. حبيبة كانت بتحاول تطلع وتزق الباب برجليها، بس كاسر رزع الشنطة في الكنبة اللي ورا، ونط يقعد جنبها وقفل السنترلوك في ثانية.
صوت "تكة" قفل الأبواب كان بالنسبة لحبيبة زي صدمة كهربائية. بدأت تضرب على الشباك وتضرب في كتف كاسر بقبضتها المكسورة وهي بتصرخ بهيستيريا ودموعها مغرقة وشها:
ـ "افتح الباب ده يا كاسر! افتح الباب حرام عليك! أنت بتدمرني! يوسف لو عرف.. يوسف هيقتلني! أنت خليت حياتي جحيم، ليه بتعمل فيا كده؟! ليه؟!"
كاسر داس بنزين بأقصى سرعة، العربية طلعت بتفحيط عالي شق سكون الشارع. مسك الدركسيون بإيد واحدة، والإيد الثانية اللي بتنزف غطى بيها إيدها اللي بتترعش على ركبتها، وداس عليها بقوة وهو باصص للطريق بعيون حمرا زي الدم:
ـ "جحيم إيه اللي خايفة عليه؟ الجحيم هو اللي سيبتك فيه سنين! الجحيم هو آثار صوابعه اللي على رقبتك! سكتتلك زَمان وندمت عمري كله.. لكن النهاردة مش هسيبك تتذبحي، حتى لو هولع في الدنيا كلها باللي فيها!.... انا قولت لايتن كل حاجه
حبيبة كانت بتنهج بصوت عالي، الانهيار العصبي تملك منها تماماً، مسكت في حزام الأمان وهي باصة للشارع اللي بيمر بسرعة جنونية:
ـ "أنت مش فاهم حاجة.. أنت رحت لآيتن وفضحت كل حاجة! آيتن هتقول ليوسف.. يوسف مش هيسيبنا يا كاسر! يوسف هيجيب البوليس، يوسف هيقتلنا احنا الاتنين! أنت فكرت في نفسك بس، فكرت في مشاعرك وأنانتك وما فكرتش أنا هيجرالي إيه!
كاسر فرمل فجأة، العربية وقفت بصوت صرير كاوتشات حاد في نص شارع جانبي فاضي. لف بجسمه كله ناحيتها، وقرب منها لدرجة إن أنفاسه المغلية بقت بتخبط في وشها، قال بنبرة واطية بس حادة كالموس:
ـ "أنا أناني؟ أنا اللي بقالي سنين بتموت بالبطيء عشان عارف إنك مع غيري؟ أنا اللي بعت آيتن وبعت كرامتي وبعت الدنيا كلها عشان ما أشوفش النظرة المكسورة دي في عينكي تاني؟ يا حبيبة نفهمي بقى!.. الراجل ده مش هترجعي له تاني لو على رقبتي!
حبيبة هزت رأسها بالرفض ودموعها نازلة بغزارة:
ـ أنت بتدمرنا.. أنت بترميني في النار بإيدك!
كاسر رجع بص قدامه ومسك الدركسيون، وداس بنزين تاني وهو بيكمل بصوت مليان وعيد وقسوة:
ـ النار دي أنا اللي هطفيها.. خليه يكتشف، وخليه يقلب الدنيا. أنا مستنيه، وأقسم بالله يا حبيبة.. محدش هيقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس.
في اللحظة دي.. تليفون كاسر اللي محطوط في جيب العربية بدأ يرن بجنون.. "طارق".
كاسر بص لاسم طارق، وابتسم ابتسامة باهتة ومخيفة. حبيبة بصت للشاشة برعب، وحست إن التليفون ده هو القنبلة اللي هتنفجر في وشهم حالا.
كاسر فتح السبيكر وهو لسه بيسوق بسرعة:
ـ "أيوة يا طارق.."
صوت طارق طلع من السبيكر مشحون بالخوف والتوتر السريع:
ـ "كاسر أنت فين؟!
كاسر : انا قولت لايتن كل حاجه واكيد يوسف عرف كمان ... وانا حاليا معايا حبيبه ومش هسيبها ليه
طارق بصدمه : انت مجنون ي كاسر
كاسر قفل من غير ما يفكر
وطارق كان هيتشل منه
كاسر غير مسار العربية فجأة بعيداً عن الطرق الرئيسية، ودخل في منطقة نائية ومعزولة فيها عمارات قديمة أغلبها مهجور أو تحت الإنشاء. وقف قدام عمارة منسية، وسحب حبيبة من إيدها ودخلوا شقة في الدور الأرضي.. شقة تبدو وكأنها "مخبأ" قديم ليه، مفيهاش غير عفش بسيط مغطى بملايات عليها تراب.
رمى شنطتها على الأرض، وبدأ يلف في الصالة بجنون، بيحاول يفكر في الخطوة الجاية، بينما حبيبة كانت واقفة في النص، بتتنفس بصعوبة ودموعها مش مبطلة تنزل.
فجأة، حبيبة جريت عليه، مسكت هدومه بقوة وهزته بعنف وهي بتصرخ بصوت مبحوح:
ـ "فوق يا كاسر! أنت بتعمل إيه؟ أنت فاكر إننا لو استخبينا هنا الموضوع خلص؟ أنت بتلعب بالنار!"
كاسر بص لها بحدة، عروق رقبته بارزة:
ـ "محدش هيوصلنا هنا.. المكان ده ماحدش يعرفه غيري!"
حبيبة زادت صرختها وبدأت تضرب في صدره بضعف:
ـ "وحتى لو ما عرفش المكان؟ أنت مش فاهم! أنا مراته يا كاسر.. مراته! القانون معاه، الورق معاه، أنا لسه على ذمته! حتى لو هربنا ولفينا العالم، هو معاه ورقة تخليه يجيبني من أي مكان، ومعاه سلطة وقوة! إنت كدا مش بتنقذني، إنت بتورطني أكتر، بتخليني هاربة، بتخليني 'ناشز' في نظر القانون.. يوسف هيدمرك ويحطني في السجن!"
وقفت وهي بتنهج بشدة، وعينيها غرقانة في دموع اليأس:
ـ "أرجوك.. رجعني! رجعني قبل ما الموضوع يتطور لأكتر من كدا، قبل ما يوسف يوصل لنا، قبل ما آيتن تتقلب ضدنا تماماً. إنت بتلعب بالنار اللي هتحرقك أنت الأول.. أنا مش عايزة أكون سبب في ضياعك، ومش عايزة أعيش هاربة بقية عمري!"
كاسر مسك كتافها وثبتها وهو بيجز على سنانه، صوته كان مزيج من الغضب والوجع:
ـ "أرجعك؟ أرجعك للي كان بيذبحك؟ للي كان بيحط آثار صوابعه على رقبتك؟ إنتي فاكرة إني ممكن أرجعك لبيته وأنا شايف الكدمات دي؟ لو رجعتك يعني أنا اللي موافق على موتك يا حبيبة!"
حبيبة اتعلقت فيه ودموعها زادت:
ـ "موت أهون بكتير من إني أشوفك بتضيع بسبب غلطة! يوسف مش هيسكت.. يوسف مش هيخلينا نعيش.. كاسر، أرجوك، فكر بعقلك.. إحنا خسرنا، كل حاجة باظت.. رجعني وخليني أتحمل نصيبي، أحسن ما يوصل لنا ويقتلك!"
كاسر بص للمكان بجمود، وكأنه بدأ يدرك لأول مرة هول الورطة القانونية والاجتماعية اللي حط نفسه وحطها فيها.. الصمت في الشقة كان خانق، وعقله اللي كان شغال بغريزة "الراجل اللي بيحمي"، بدأ يصطدم بصخرة "الواقع المر".
بص لها نظرة مطولة، نظرة فيها عجز لأول مرة.. وقال بصوت واطي ومكسور:
ـ "أنا ماقدرش أسيبك.. حتى لو القانون معاكِ، حتى لو الدنيا كلها وقفت قصادنا.. أنا ماقدرش أسيبك تموتي بين إيديه."
حبيبة وقعت على الأرض، ودفنت وشها بين إيدها وهي بتنتحب:
ـ "يبقى ضيعتنا يا كاسر.. ضيعت نفسك وضيعتني.
