رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الرابع عشر
حان وقت أذان العصر، فتوجّه رضوان وعزت إلى المسجد لأداء فريضة الصلاة. وبعد أن فرغا منها وخرجا معًا، افترق عزت عنه ليسلّم عملًا قريبًا من المكان، بينما عاد رضوان إلى الورشة ليستأنف عمله.
وبينما كان في طريقه، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، وما إن رأى اسم حبيبة حتى انعقد حاجباه في دهشة؛ فمنذ وقت طويل لم تتصل به، ولذلك شعر أن وراء اتصالها أمرًا مهمًا، فأجاب على الفور.
وما إن وضع الهاتف على أذنه حتى وصله صوتها المرتبك، يحمل قلقًا واضحًا، وكأنها تحاول أن تستجمع أنفاسها قبل أن تتحدث:
ـ الحقني يا رضوان.
تسمر رضوان في مكانه، وانتقلت الدهشة إلى القلق فورًا بعدما التقط نبرة صوتها. عقد حاجبيه وسألها بلهفة:
ـ في إيه يا حبيبة؟ مالك؟
ابتلعت حبيبة ريقها، وحاولت أن تتحدث بسرعة حتى لا يضيع وقت، ثم أجابته:
ـ بسرعة روح على أقرب صيدلية وهات فوار مهضم وبرشام للمعدة بسرعة، ضروري.
ازداد قلقه، ولم يفهم سبب طلبها، فسألها مرة أخرى، وقد بدأت مخيلته تذهب إلى أسوأ الاحتمالات:
ـ فوار مهضم ليه؟ إنتِ تعبانة؟ ما تقولي مالك يا حبيبة؟
ارتبكت حبيبة، وترددت للحظة قبل أن تجيبه بالحقيقة، ثم قالت:
ـ مش أنا يا رضوان، مش أنا... دي زاد.
كشّر رضوان عن وجهه، ولم تبدُ على ملامحه تلك اللهفة نفسها التي ظهرت منذ لحظات، وكأنه لم يفهم ما الذي يمكن أن تكون قد فعلته هذه المرة، فسألها بعدم اهتمام:
ـ مالها دي كمان؟
وضعت حبيبة يدها على وجنتها من شدة الخوف، ثم راحت تشرح له ما حدث وهي تحاول أن تختصر قدر الإمكان:
ـ ضربت اتنين فول وواحد فلافل وواحد قنبلة، ودلوقتي بتعض في مخدة السرير من وجع معدتها! بطنها منفوخة أوي يا رضوان، تحس إنها في الشهر التاسع. الله يخليك هات اللي قلتلك عليه وتعالى بسرعة.
اتسعت عينا رضوان لحظة من هول ما سمع، ثم أغلق الهاتف دون إضاعة المزيد من الوقت، وأسرع إلى أقرب صيدلية ليجلب الدواء، وهو يهز رأسه في دهشة مما فعلته شقيقته، وتمتم لنفسه:
ـ نفختيها يا حبيبة! عملتيها إزاي دي!
كان صراخ زاد داخل غرفة حبيبة مكتومًا، وهي تدفن وجهها بالكامل في الوسادة، تحاول أن تتحمل الألم الذي يعتصر معدتها، بعدما تناولت أطعمة ثقيلة لم تعتد عليها.
كانت تتلوى من شدة الوجع، وقد بدا الانتفاخ واضحًا على بطنها، بينما كانت حبيبة تتحرك حولها في قلق، لا تعرف ماذا تفعل لها سوى أن تحاول تهدئتها.
أسرعت إليها حاملة كوبًا من الأعشاب الدافئة، وجلست بالقرب منها، ثم قالت بقلق بالغ:
ـ خدي اشربي الأعشاب دي يا زاد، هتساعدك على الهضم وتريح معدتك.
لو كانت زاد وحشًا لالتهَمت حبيبة بأنيابها من شدة غضبها عليها في تلك اللحظة.
اعتدلت بصعوبة، وسرعان ما انقلب ألمها إلى غضب بمجرد أن سمعت صوت حبيبة، فنظرت إليها بوجه متجهم، ثم انفعلت عليها وهي تكاد تختنق من شدة الألم:
ـ عايزاني أشرب من إيدك؟ مش كفاية اللي عملتيه فيَّا؟ امشي اخرجي بره، مش عايزة أشوف وشك تاني.
كزّت حبيبة على أسنانها، ونظرت إليها بضيق، بينما كانت كلمات زاد تستفزها، لكنها حاولت أن تبتلع غضبها حتى لا تزيد حالتها سوءًا. وقالت في نفسها:
ـ وبعدين في طولة لسان البت دي؟ هو أنا طفحتها إيه؟ ما أنا كمان طفحت من الأكل ده! عيال توتو معدتها مناديل ورق. معلش يا حبيبة، خليها عليكِ واستحمليها لما نشوف آخرتها إيه مع بنت الأغنيا دي.
ثم رسمت على وجهها ابتسامة لطيفة مصطنعة، وكأنها تحاول أن تحتوي غضب زاد بدلًا من أن تدخل معها في مشادة، وقالت:
ـ معلش يا زاد، حقك عليا، والله ما كنت أعرف إنك هتتعبي من كام ساندوتش.
لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من إلقاء بعض اللوم عليها، فتابعت وهي تحاول تبرئة نفسها:
ـ وبعدين إنتِ قلتي هو ساندوتش واحد بس، وإنتِ ضربتي أربعة وكوباية عصير لتر لوحدها، يعني إنتِ اللي ضريتي نفسك مش أنا.
كادت زاد تفقد أعصابها من شدة الألم ومن كلمات حبيبة التي زادت انزعاجها، فشدت على الوسادة، ثم نظرت إليها بغضب وأردفت:
ـ غوري من وشي، أنا كل ما أشوفك أتنرفز. إنتِ مستفزة زي أخوكِ.
شهقت حبيبة، واتسعت عيناها في صدمة مصطنعة، وكأنها نسيت للحظة كل ما كانت تشعر به من قلق عليها، ثم قالت باستنكار:
ـ بنت! نهارك أسود، إنتِ بتغلطي في أخويا رضوان؟! بس معلش، أنا مش هعاتبك دلوقتي، ليس على المريض حرج.
وقبل أن تسترسل في الرد عليها، جاءها صوت باب المنزل وهو يُفتح.
توقفت حبيبة عن الكلام، والتفتت ناحية الباب، بينما دق قلبها خوفًا من أن تكون والدتها قد عادت، خاصةً أنها تعرف جيدًا ما يمكن أن تقوله زهرة إذا علمت بما حدث.
لكن سرعان ما تبدل خوفها إلى ارتياح حين سمعت صوت رضوان ينادي عليهما، فخرج صوته من الصالة:
ـ حبيبة، إنتوا فين؟
أجابت حبيبة بسرعة، وهي ترفع صوتها حتى يسمعها:
ـ تعال يا رضوان، زاد عندي في الأوضة هنا.
دخل رضوان مسرعًا، وما إن وقعت عيناه على زاد حتى تبدلت ملامحه.
كانت ملامحها قد تغيرت إلى الأسوأ؛ وجهها محمر، وجبينها يتصبب عرقًا، وبطنها منتفخة بوضوح، بينما كانت تتلوى من شدة الألم.
اقترب منها بسرعة، وألقى الدواء على الفراش، ثم اتجه إلى النافذة وفتحها حتى يدخل بعض الهواء، وبعدها شغّل مروحة السقف، ثم التفت إلى حبيبة بقلق واضح:
ـ إيه اللي حصل لها! هي عاملة كده ليه!
حركت حبيبة كتفها، وأسرعت في تبرئة نفسها، وكأنها كانت تتوقع أن يضع رضوان اللوم عليها:
ـ والله العظيم ما عملت حاجة يا رضوان، كل الحكاية إني كنت بفطر وقلتلها تفطر معايا، عجبها الأكل وأكلت كمية. بس ما تقلقش، هي عشان معدتها مش واخدة على الفول تعبتها شوية، بس بعد ما تاخد الفوار هتروق دغري.
تألمت زاد من جديد، وأغمضت عينيها وهي تضغط بيدها على معدتها.
لاحظ رضوان حالتها، فزاد قلقه عليها، ثم التفت إلى حبيبة وقال لها:
ـ هاتيلي كوباية فاضية.
أسرعت حبيبة إلى إحضار الكوب، فوضع رضوان فيه بعض الماء، ثم جلس إلى جوار زاد بحذر، ومد يده إليها بالدواء وهو يقول:
ـ خدي الفوار ده وبعدين البرشامة دي وهتبقي كويسة.
حاولت زاد أن تعتدل، لكنها لم تستطع أن تتحمل المزيد، فصرخت فيه بانفعال، وقد اختلط غضبها بألمها وخوفها:
ـ مش هاخد منكم حاجة تاني! إنتوا عايزين تموتوني؟
وما إن قالتها حتى انهمرت دموعها، ولم تعد قادرة على إخفاء خوفها، فبكت وهي تقول:
ـ أنا عايزة بابا، هو الوحيد اللي بيخاف عليّ. ابعدوا عني، حاسة إني بموت. عايزة بابا.
تأثر رضوان فورًا بحالتها، وتبدلت ملامحه، فلم يعد يرى أمامه سوى فتاة متألمة وخائفة تبحث عن أبيها.
نظر إلى حبيبة وأشار لها أن تتركهما وتغادر.
فهمت حبيبة إشارته، وخرجت من الغرفة وأغلقت الباب عليهما، لكنها بقيت قلقة من الداخل؛ فهذه المرة لم يكن خوفها مزاحًا، بل كان خوفًا حقيقيًا من أن يحدث لزاد مكروه، وحينها لن تسامح نفسها طيلة حياتها.
أما رضوان، فوضع الكوب على الكمود، ثم التفت إلى زاد محاولًا تهدئتها. كانت نبرته هادئة، على عكس توترها، وقال:
ـ اهدي، ما فيش حاجة هتحصلك، إنتِ كويسة، واللي حصلك إن معدتك حساسة، مش متعودة على الأكل التقيل، ولما أكلتِ معدتك تعبتك، والعلاج ده هيخليكِ تروقي، خديه وعلى ضمانتي.
رفعت زاد عينيها إليه، وظلت تنظر له للحظات بعدم ثقة. لم يكن من السهل عليها أن تصدق كلامه، خصوصًا أنها ما زالت تحمل تجاهه الكثير، فقالت بانفعال:
ـ ضمانتك! أنا إيه اللي يخليني أصدقك وأثق في واحد زيك؟
تنهد رضوان، وتقبل موقفها دون أن يغضب، فقد كان يعرف أنها لا تثق به، ولذلك لم يجادلها كثيرًا. اكتفى بابتسامة هادئة، ثم قال:
ـ على فكرة، الصيدلي لما قلتله على حالتك، صرفلي علاج زي العيادة بالظبط. ولو مش مصدقاني أو حتى مش واثقة فيّ، ممكن أخدك دلوقتي للدكتور يطمنّا عليكِ، ولما يكتبلك العلاج بنفسه ساعتها تقدري تاخديه وإنتِ مطمنة.
ظل كلامه يتردد في ذهنها للحظات.
اعتدلت أكثر، فقد كانت لا تشعر بالراحة في جلستها، ثم وضعت وسادة خلف رأسها، بينما بقيت يدها الأخرى فوق معدتها تضغط عليها من شدة الألم.
مدت يدها إلى الدواء، وقرأت اسمه، ثم التزمت الصمت.
لم يضغط عليها رضوان، بل جلب الكوب أمامها، وسكب فيه بعض الماء، ثم أفرغ ما في الكيس داخله ومد يده لها.
ظلت مترددة للحظات، تنظر إلى الدواء ثم إليه، لكنها في النهاية لم تستطع مقاومة ألم معدتها الذي أصبح لا يُحتمل، فأخذت منه الدواء وتناولته.
وبعد أن انتهت، مد رضوان يده بشريط الأقراص، وأشار لها إلى قرص واحد، ثم قال:
ـ خدي قرص واحد مع شوية مية، وهتتحسني صدقيني.
ظلت صامتة، ولم تجبه، ففهم من صمتها أنها تريد أن تكون وحدها.
نهض من مكانه، ثم نظر إليها قبل أن يبتعد وقال:
ـ طيب، إنتِ حرة، بس حاسة إنك أحسن دلوقتي؟
نظرت زاد بعيدًا، وغلبها الحزن، ثم حركت رأسها بالنفي.
لم تكن بخير، ولم تستطع حتى أن تدّعي ذلك.
لاحظ رضوان رد فعلها، فاقترب منها قليلًا، وقال مطمئنًا:
ـ صدقيني والله قرص المعدة ده هيريحك.
تنهدت زاد بألم، ثم أخذت القرص مجبرة، وتناولته مع الماء.
ظل رضوان يراقبها لحظة حتى اطمأن إلى أنها تناولته، ثم قال:
ـ أنا لازم أرجع على شغلي، وساعة كده إن شاء الله وراجع. لو حسيتي إنك لسه تعبانة، قولي لحبيبة تكلمني وأنا هاخدك للدكتور على طول.
لم تظهر زاد أي رد فعل، ولم تجبه حتى بنظرة.
فتركها رضوان وغادر الغرفة.
وجد حبيبة جالسة في صالة المنزل، وما إن رأته حتى قامت مسرعة، وقد بدت على وجهها علامات القلق، وسألته:
ـ إيه يا رضوان، طمني، معدتها اشتغلت ولا لسه عطلانة؟
كبح رضوان ضحكته بصعوبة، فقد كان حقًا مشتاقًا إلى شقيقته وثرثرتها التي تملأ البيت، ثم اقترب منها ووضع رأسها تحت ذراعه، مكبلًا إياها بيده الأخرى، وقال ممازحًا:
ـ خلّيتي البت المسكينة تضرب فول بالديناميت يا ظالمة؟
انفجرت حبيبة بالضحك، فضحك رضوان معها، لكنه سرعان ما وضع يده على فمها وأشار إليها أن تخفض صوتها، خوفًا من أن تسمعه زاد:
ـ اكتمي علشان ما تسمعكيش، هتقول إيه؟ فرحانة علشان نفختيها.
أزاحت حبيبة يده عن فمها، لكنها ظلت ممسكة به، مستمتعة بمزاحه معها، ثم همست له وهي تضحك:
ـ أنا مالي يا أسمر أفندي، مراتك هي اللي معدتها تيفال، الأكل ما بيلزقش فيها ولا بيتبت كده زينا.
ضحك رضوان هو الآخر بصوت خافت، وقال:
ـ إحنا معدتنا حديد ونحاس يا بت، إنما هي غيرنا.
كانت حبيبة على وشك أن تسأله السؤال الذي دار في ذهنها: إذا كنت تعلم أنها لا تشبهنا، فلماذا تزوجتها؟
لكنها احتفظت بتلك الأفكار لنفسها حتى لا تزعجه، واكتفت بأن ابتسمت له وقالت:
ـ يلا حصل خير، هي بنت حلال وتستاهل، بس أنا زعلانة إنها فرفرت مني بدري، كنت لسه عايزة أخليها تضرب كشري مصري بالدقة. يا سلام، صدق جُعت.
أفلت رضوان ذراعها، ثم ضربها بخفة على قمة رأسها، وقال محذرًا إياها:
ـ بطلي لماضة، كشري إيه؟ دي فيها طوارئ دي. بصي خلي بالك منها، أنا لازم أرجع الورشة، ولو حصل أي حاجة اتصلي عليّ وبلغيني بيها.
هزت حبيبة رأسها، وأجابته بثقة:
ـ ماشي يا عم رضوان، هفضل جنبها ومش هسيبها غير لما تقول تُبت.
ابتسم رضوان بيأس من شقيقته التي لا تتغير، ثم سألها:
ـ ماما لسه ما رجعتش؟
أجابته وهي تنظر ناحية الباب:
ـ لأ، بس على وصول يعني.
التفت رضوان ناحية غرفة حبيبة، وظل ينظر إليها للحظات، وقد عاد القلق يتسلل إلى قلبه وهو يتذكر حال زاد قبل قليل.
تنهد، ثم غادر المنزل متجهًا إلى عمله.
لكنه طوال الطريق، وحتى بعد عودته إلى الورشة، لم يستطع أن يتخلص من صورة زاد وهي مستلقية أمامه، بوجهها المتعرق وملامحها المتألمة.
ظل وجهها يلاحقه، ولم يفهم لماذا يشعر بتأنيب الضمير، ولماذا يراوده ذلك الشعور بأنه السبب الأول والأخير في حزن تلك الفتاة.
في المنزل، بقيت حبيبة إلى جوار زاد، تتابع حالتها وتهتم بها، حتى عادت زهرة من الخارج.
وما إن علمت بما حدث من حبيبة حتى تبدلت ملامحها إلى القلق، واتجهت بنظرها نحو الغرفة التي توجد بها زاد، ثم التفتت إلى حبيبة بصدمة وقالت:
ـ ينهار مَدُوحِس! ضربت فول بالديناميت؟ ده الحمد إنها ما فرقعتش منك يا حظي المهبب.
رفعت حبيبة حاجبيها بضيق، ثم أغلقت التلفاز، وكأنها سئمت من تحميلها مسؤولية ما حدث، وقالت:
ـ اللاه وأنا مالي يا حجة إنتِ؟ هو أنا ضربتها على إيدها؟
نظرت إليها زهرة نظرة ضيق وشك، ثم قالت بسخرية:
ـ معلش، أنا على طول ظالماكي يا ملاك إنتِ. المفروض كنتي وَجّبتي معاها وخليتها تاكل فتة بالخل والتوم، علشان تودع مننا. الله يخرب بيت أفكارك اللي هتودينا في داهية.
تركتها زهرة وهي تهز رأسها بيأس، واتجهت إلى المطبخ لتعد لزاد طعامًا صحيًا، حتى لا تتأذى معدتها أكثر من ذلك.
رفعت حبيبة حاجبيها وهي تتابعها بنظرة مستنكرة، ثم قالت بضيق:
ـ هي بقت كده يا زهرة؟ بتخسريني علشان مرات ابنك؟ يلا الخير اللي بعمله عند ربنا، وربنا عالم نيتي.
ثم عقدت حاجبيها، وكأنها بدأت تفكر بالفعل في الأمر، وتمتمت لنفسها:
ـ طب ليه مخلتهاش تاكل فتة بالخل والتوم؟ كانت هتسفلت أم معدتها وتعملها تناحة. وتعدي أي حاجة بعدها، يا كش طبق بصارة حتى.
لكنها سرعان ما هزت رأسها، وكأنها ضاقت من أفكارها هي الأخرى، ثم قالت لنفسها:
ـ يووه، بطلي رغي يا حبيبة، وروحي شوفي اللي بتخلص جوه دي. عيال فافي.
كانت زاد تشعر بالنعاس والإرهاق، وقد بدا أثر التعب واضحًا على ملامحها، فلم تعد لديها طاقة للمقاومة أو الجدال، وكل ما أرادته أن تستلقي وتستريح.
لذلك ساعدتها حبيبة على الانتقال إلى غرفتها، وتركتها تستلقي براحة، وعدّلت لها الوسادة حتى تستقر في وضع أكثر راحة. وبقيت إلى جوارها للحظات تتأكد من استقرار حالتها، حتى غلبها النوم، فغادرت الغرفة وتركتها تنعم بالهدوء.
ساد السكون المكان، ولم يمضِ سوى دقائق حتى بدأ هاتف زاد الموضوع إلى جوارها يهتز بإشعارات متتالية، تسللت أصواتها إلى نومها وانتزعته منها على مضض.
فتحت عينيها ببطء، ومدت يدها إلى الهاتف، ثم اعتدلت في جلستها وهي لا تزال تحت تأثير النعاس. وما إن ألقت نظرة على الشاشة حتى تبدلت ملامحها.
فتحت الإشعار الأول، ثم أخذت تقرأ ما تلاه.
كانت سما قد كتبت منشورًا على مجموعة الأصدقاء والمقربين، تهنئ فيه زاد بمناسبة زواجها، وتعلن الخبر أمام الجميع. ادعت فيه أنها تفاجأت مثل باقي أصدقائها بخبر زواجها، وأنها لم تعرف بالأمر إلا من أحد أفراد العائلة، لكنها رغم ذلك سعيدة من أجلها وتتمنى لها حياة هادئة وسعيدة.
ظلت زاد تقرأ الكلمات مرة أخرى، حتى وقعت عيناها على الجملة الأخيرة؛ كانت سما تطلب منها إرسال عنوان منزلها الجديد، حتى تأتي هي وبعض الأصدقاء لزيارتها في أقرب وقت.
اشتد الغضب داخلها، وشعرت أن سما تعمدت إحراجها أمام الجميع.
تمتمت بصدمة وضيق:
ـ هي عايزة إيه مني بالظبط؟!
أعادت قراءة المنشور بعصبية، ثم ضغطت على الشاشة قبل أن تلقي الهاتف بجوارها بضيق.
ـ كل صحباتي عرفوا. دي مصيبه. مصيبه؟!
مررت يدها على وجهها وأغمضت عينيها للحظات، لكنها لم تستطع تجاهل الأمر. كانت تعرف سما جيدًا، وتعرف طريقتها في اختيار كلماتها، وتدرك أن وراء عباراتِها الناعمة شيئًا آخر لم تقله صراحة.
التقطت الهاتف من جديد، وحدقت في الشاشة بضيق.
ـ أنا لازم أتصرف.
لكنها لم تكن تعرف كيف.
فقد خرج الأمر من نطاقها تمامًا، ولم يعد خبر زواجها سرًا يخصها وحدها. وما هي إلا لحظات حتى بدأت الرسائل تتوالى، وأسئلة أصدقائها تنهال عليها من كل جانب:
كيف حدث الزواج؟
ومتى تم؟
وأين؟
وأين ستذهب لقضاء شهر العسل؟
توالت الرسائل والاتصالات بلا توقف، حتى شعرت زاد أن أعصابها أوشكت على الانفلات. ظلت شاشة هاتفها تضيء باسم تلو الآخر، لكنها لم تجب على أحد.
لم تكن تملك طاقة للكلام، ولا رغبة في تبرير شيء، فأغلقت الهاتف قبل أن تصاب بجلطة دماغية إثر ما فعلته ابنة عمها.
وما إن خفتت الأصوات من حولها حتى وضعته جانبًا، وأسندت رأسها إلى الوسادة.
لكن جسدها لم يمنحها فرصة للهدوء.
اشتد ألم معدتها من جديد، وتقلصت ملامحها من وطأته، ثم تسلل العرق إلى وجهها، وسرت برودة مفاجئة في جسدها جعلتها ترتجف رغم دفء الغرفة.
أغمضت عينيها، ولم تكن تريد في تلك اللحظة سوى شيء واحد...
ألا تتواصل مع أحد.
وفجأة، سمعت طرقات على باب المنزل.
رفعت رأسها قليلًا، ثم تراجعت عن محاولة النهوض، وعادت إلى وضعها من جديد.
لم تكن تريد أن ترى أحدًا، ولا أن تتحدث مع أحد.
لذلك أغمضت عينيها، متظاهرة بالنوم، وكأنها بذلك تستطيع أن تمنع العالم كله من الاقتراب منها.
وبعد لحظات، كان رضوان قد عاد من عمله الأول.
دخل المنزل يحمل في يديه أكياسًا من الفاكهة والعصائر، اختارها لها حتى تساعدها على التعافي في أسرع وقت.
لم يُحدث ضجيجًا، ولم يحاول إيقاظها.
اتجه إلى غرفتها بهدوء، وما إن دخل حتى وضع ما جلبه إلى جوارها، في المكان الذي يمكنها الوصول إليه بسهولة، ثم ظل للحظة يتأملها وهي نائمة، قبل أن يغادر الغرفة دون أن يقول شيئًا.
وحين أغلق الباب خلفه، فتحت زاد عينيها ببطء.
كانت قد شعرت به منذ دخوله، لكنها لم تتحرك.
نظرت إلى جوارها، فوقعت عيناها على الأشياء التي أحضرها لها.
فاكهة...
وعصائر...
أشياء بسيطة، لكنها بدت في تلك اللحظة أثقل من مجرد هدية عابرة.
ظلت تحدق فيها للحظات، وعاد الارتباك يملأ عينيها، بينما أخذت تتساءل في صمت عن سبب فعله ذلك، وعن سبب اهتمامه بها رغم كل ما بينهما من جفاء ومسافات لم تُحسم بعد.
أغمضت عينيها من جديد، وتملكتها الحيرة من فعلته تلك، ثم استسلمت للتعب مرة أخرى، وعادت إلى النوم، بينما بقيت أشياء رضوان إلى جوارها، شاهدةً على اهتمام لم تعرف كيف تفسره.
مر الوقت، ودقت الثامنة والنصف مساءً، وجلس كريم في مكان هادئ مع سارة التي تعرف عليها الآن وجهًا لوجه. طلب لها مشروبًا باردًا، وطلب لنفسه قهوة، وظلا يتبادلان الحديث، وتعالت بهما الضحكات، وكان الوقت ممتعًا بينهما كثيرًا. بعد مرور وقت، نظرت سارة إلى ساعة يدها وقالت بدلال:
ـ ياه، يا كيمو، الوقت معاك بيعدي بسرعة.
نظر هو الآخر لساعته وقال بابتسامة:
ـ معقول ساعتين يعدوا هوا كده معاكي، أنا حاسس إن لسه شايفك من دقيقة واحدة. أوعي تقولي إنك هتمشي، كده أزعل، أنا لسه مشبعتش منك.
ضحكت سارة برقة وقالت:
ـ العمر كله نفسي أقضيه جمبك ومعاك، بس عارفة إنه ما ينفعش.
سألها بفضول:
ـ ليه بس يا سارة، إيه اللي يخليه ما ينفعش؟
ـ مراتك يا كريم وبيتك وأولادك.
تنهد وأجابها:
ـ يا حبيبتي، الشرع محلل لنا أربعة، يعني أنا مش هعمل حاجة غلط ولا حرام.
ـ أيوه يا كريم، بس أنا مش عايزة أعملك مشاكل في حياتك.
أخذ نفسًا عميقًا وبدأ يشكي لها حاله، وقال بنبرة تحمل الإحباط:
ـ حياتي! وهي فين حياتي دي! بصي يا سارة، إنتِ عارفة عني كل حاجة، وما بخبيش عنك أي شيء. مراتي على طول مشغولة، يا إما تعبانة، يا إما في الشغل، يا إما بتنيم العيال. أنا بشوف صحابي أكتر منها، وتقوليلي حياتي؟
ثم أمسك يدها وأكمل قائلًا بغرام:
ـ تعرفي يا سارة، أنا حياتي ابتدت وأنا وياكي وبس. لكن اللي قبل كده ما كنتش عايشه ولا حاسه.
ابتسمت سارة له وقالت بهيام:
ـ حبيبي يا كريم، أنا اللي حسيت بقيمة الحياة لما أنت ظهرت فيها.
نظر إليها قائلًا بحب:
ـ يا ريتني عرفتك من زمان يا سارة.
ـ وإيه كمان يا كريم بيه!
كان هذا سؤالًا مباشرًا من إيمان، التي تقف خلف كريم منذ وقت، مستمعة لكل كلمة ينطق بها زوجها لغيرها. نعم، كانت تعلم كل شيء من البداية. حاولت أن تلفت نظره بأنه تَغير عليها ويعرف أنثى غيرها، لكنه أنكر وكذب عليها. وبعد إنكاره، اتخذت قرارها بأن تراقبه في صمت وتعرف عنه كل شيء يفعله. بل كانت تتطلع أيضًا على حديثهما الخاص عبر الإنترنت عندما ينام زوجها، فتأخذ هاتفه وتفتحه ببصمة يده وتقرأ كل شيء بينهما، ثم تنام ودموعها تسيل على خدها من صدمتها فيه.
تجمّد كريم عندما رآها واقفة وهمس باسمها، وصُدمت سارة أيضًا، التي قامت بعد كريم ليقفا أمامها مثل المتهمين في قفص الاتهام. اقتربت منهما إيمان وقد جف دمعها وتحجرت في مقلتيها من صدمة ما سمعته من زوجها، الذي كانت تكنّ له حبًا وإخلاصًا كبيرين، لكنه منذ ذلك الوقت لم يعد أهلًا لها. اقتربت منهما ووضعت قدميها أمام قدم زوجها، وعيناها ترمي شررًا داخل عينيه، وهي تسأله مرة أخرى قائلة:
ـ ما تتفضل تكمل كلامك، وإيه تاني يا كريم؟
ارتجف قلبه ودق بعنف وسألها متوجسًا:
ـ إيمان، أنا...!
ابتسمت بصمت مخيبة لآمالها، وقالت بابتسامة مكسورة:
ـ تخيل، أيوه، إيمان يا كريم، إيمان مراتك.
ثم نظرت إلى الأخرى وسألتها:
ـ أنتِ بقى سارة، مش كده؟ أممم، شكلك ما اختلفش كتير عن الصور. طبعًا، ما هو لازم تقابلي حبيبك في كامل أناقتك وجمالك.
ثم أشارت لنفسها وسألتها مرة أخرى:
ـ بس شفتي أنا مبهدلة في نفسي إزاي! إيه رأيك فيا؟ وحشة مش كده!
كانت إيمان ترتدي فستانًا رقيقًا مع حجاب بنفس اللون وتحمل حقيبة، ولم تضع مساحيق التجميل، وعيناها تحكيان همًا وألمًا كبيرًا. أراد كريم أن يبرر سبب وجوده، ولكن قبل أن يتحدث، أشارت لهما بالجلوس دون كلمة واحدة حتى لا يلفتوا الأنظار حولهم. جلس كريم وقد جف حلقه، وجلست سارة بترقب. ثم سحبت إيمان كرسيًا وجلست معهم، وضعت حقيبتها أمامها، وسندت بظهرها على الكرسي وأغمضت عينيها لتتمالك نفسها، وهي تريد أن تكون ثابتة أكثر من ذلك، فأخذت نفسًا عميقًا وزفرته بابتسامة مزيفة وهي تنظر إليهما قائلة:
ـ سوري يا جماعة، جيت في وقت مش مناسب وقطعت عليكم الوقت الحلو ده.
ابتلع كريم لعابه وتعرق جبينه وقال مبررًا لما تراه زوجته:
ـ إيمان، ما تفهميش غلط. دي سارة، صديقتي في الشغل.
وافقته سارة بسرعة وابتسمت قائلة بأمل أن يخرجوا من هذا المأزق بسلام:
ـ أيوه، أنا صديقته في الشغل، وكنت عايزاه في خدمة، علشان كده طلبت أقابله. بعتذر منك.
ابتسمت إيمان على كذبهما المكشوف، وكادت أن تضحك عليهما، لكنها نظرت لها وسألتها بفطنة:
ـ بجد! طيب كويس إنكم أصحاب، كنت هظلمكم. لكن بما إنك زميلته في الشغل، ممكن بقى تقوليلي مدير مكتبه اسمه إيه؟
كان سؤالًا غير متوقع، وإيمان ليس بخصم سهل، فتبدلت نظرات سارة إلى الحيرة والقلق. وكاد كريم أن يغشى عليه لأنه وجد أن لا مفر من تلك الكارثة، فهو يعلم مدى حنكة زوجته. ولم تجد سارة مهربًا، فقررت الذهاب وقالت بصوت خافت:
ـ طيب يا جماعة، واضح إن في سوء تفاهم، أستأذن لأني اتأخرت.
بترت إيمان كلام سارة وقالت بصوت صارم وتهديد:
ـ محدش هيمشي غير بعد ما تسمعوا مني الكلمتين اللي جاية اقولهم.
احتل الصمت لثوانٍ، ثم تحدثت إيمان بصوت قوي وقلب مبتور، وقالت جاهدةً:
ـ زي ما قلتلكم، أنا واقفة من بدري وسامعة كل كلمة قُلتوها لبعض. وطبعًا أغلب الحوار بينكم كان شكوى واستياء مني، أنا الزوجة المشغولة على طول، اللي دائمًا، يا حرام، تعبانة وزهقانة ومقصرة في كل الحقوق والواجبات. وكمان، ما ننساش الاهتمام بالنفس واللبس والكوافير والمكياج، والإهمال الكلي مش الجزئي حتى.
قطع كريم حديثها، ولكنها أشارت إليه بالصمت، فهي أتت لتلقي ما في جعبتها وستتركهما بعد ذلك. فأكملت قائلة:
ـ أنا خريجة بكالوريوس تجارة يا آنسة سارة، كريم كان سابقني بسنة، وبعد التخرج اتجوزنا على طول بعد قصة حب كبيرة بينا. وقالي في الفترة دي أحسن كلام سمعته في حياتي. ومن حبي فيه، خلفت منه على طول، بدون تفكير في أني أأجل الخلفة أو لا. جبت توأم، وبعدها بسنة ربنا أراد وخلفت تاني. من آخر سنة في البكالوريوس نمت وصحيت لقيت نفسي أم لتلات أولاد، ومسؤولية كبيرة بقت على كتافي، لكن هما عندي بالدنيا كلها، زائد جوزي اللي دايمًا بحاول أسعده بكل الطرق وأكون سند ليه وإيدي في إيده على طول.
عايزة أقولك، طبعًا هو ما ذكرش أي حاجة من دي! لا، هو فهمك إني مشغولة ومريضة، ودائمًا ما عنديش وقت ليه، وهو دائمًا الضحية. طيب، سألتيه مرة ليه أنا مشغولة؟ طبعًا لأ. بس هجاوبك أنا نيابة عنه.
.أنا ضحيت بنفسي وكتمت في قلبي ووقفت جمبه. ولما حسيت إنه خلاص عمل اللي عليه ولسه الدنيا مقفلة معانا ومش قادر يكمل، قدمت أنا إيد المساعدة ونزلت اشتغلت معاه. أهملت نفسي ونسيتها، بان عليا التعب، وشي بقى باهت، شعري أهملته، نسيت آخر مرة جبت فيها لبس لنفسي إمتى. نسيت روحي لدرجة إني بشوف تاريخ ميلادي في الفيسبوك بالصدفة. نسيت كل حاجة، دفنت حياتي كلها لكريم وأولاده. باخد المرتب في إيدي أحطه في إيده على طول بكل نفس راضية.
عمري ما كنت أنانية ولا فكرت في نفسي، حتى لو ضعفت في يوم وقلت أجيب لنفسي الحاجة دي؟ أقول لا، مش مهم أنا، المهم كريم وأولادي. حتى لو تعبت، بستخسر تمن الكشف وبقول بيتي أولى بيه.
أنا طبعاً فكرت اللي بعمله ده هيخلي جوزي يفضل يحبني زي ما أنا، ويشوف معدني الأصلي، يشوف روحي اللي جوايا، اللي كانت مستعدة تعمل علشانه كل حاجة. لكن للأسف، طلع الشكل أهم من الجوهر. بس مش معنى كلامي إني بقيت بشعة، لا، أنا لسه حلوة زي ما أنا. أي نعم، وشي بهت شوية، وجسمي على طول متكسر من كمية الشغل في البيت والمركز، والمسؤولية اللي شَيلّتها لنفسي، بس ملحوقة. ويمكن اللي حصل ده خير علشان ربنا يقولي فوقي لنفسك، أنتِ بتضحي لأشخاص ما يستاهلوش.
صمتت لثوانٍ، ونظرت لكريم بعتاب واضح وخيبة أمل وخذلان. لم يتحمل ونظر هو إلى الأرض خجلًا من نفسه، ثم همّت بالوقوف وهي تقول بصرامة:
ـ انا خلصت الكلمتين اللي عندي وما عنديش حاجه اقولها غير، شكراً على خيانتك ليا. ورقة طلاقي توصلي في أسرع وقت.
تركته وذهبت، ومعالم وجهها كانت جامده، وحين استقلت سيارة الأجرة هبطت دموعها بكل ما تحمله من كلمة انكسار وخذلان، أما كريم، وضع وجهه بين يديه من حجم الكارثه التي وقع فيها، ولم يصدق ما سمعه منها وأنها تريد الطلاق، وساره تسللت وذهبت دون ان يشعر وتركته يواجه مشاكله بنفسه، فهو السبب الاول والأخير في هدم بيته.
غمر الظلام الحي، فاختفت الملامح تحت ستاره، وساد السكون أرجاء المكان إلا من بعض الأصوات المتناثرة التي كانت تأتي من بعيد، معلنة أن الليل لم يبتلع الحياة تمامًا.
أنهى رضوان عمله الآخر، ثم مرّ على المخبز واشترى الخبز، عائدًا إلى منزله. كان التعب قد بدأ يثقل جسده، وكل ما يشغل تفكيره في تلك اللحظة أن يصل إلى البيت، يضع ما بيده، ثم ينال قسطًا من الراحة بعد يوم طويل أنهك جسده وأرهق ذهنه.
صعد درجات السلم بخطوات هادئة، وما إن بلغ منتصفه تقريبًا حتى شعر بيد تمسك يده من الخلف.
توقفت خطواته فجأة.
وقبل أن يلتفت، وصل إلى مسامعه همس يعرفه جيدًا، همس ظل غائبًا عنه طويلًا، لكنه لم يفقد قدرته على زلزلة شيء داخله.
ـ رضوان...
تجمد للحظة، ثم التفت ببطء ليرى من تقف خلفه.
وفي اللحظة نفسها، نزعت المرأة حجابها عن وجهها، فانكشفت ملامح رباب أمامه.
اتسعت عيناه في صدمة، وكأن ظهورها أمامه في هذا المكان وفي هذا التوقيت تحديدًا كان آخر شيء يمكن أن يتوقعه.
ـ رباب!
نظرت إليه بعينين امتلأتا بالاشتياق، وكأنها كانت تبحث في وجهه عن الرجل الذي تركته منذ وقت طويل، ثم ابتسمت ابتسامة مرتجفة، وقالت بنبرة حملت من الحنين أكثر مما حملت الكلمات:
ـ ياه... وحشني اسمي منك قوي يا رضوان، حتى صوتك اللي حرمتني منه وحشني هو كمان.
تأفف رضوان بضيق، وسحب يده منها سريعًا، ثم نظر إليها بحدة. لم يكن في ملامحه شيء من الحفاوة التي ربما كانت تنتظرها، بل بدا وكأن وجودها أمامه أعاد فتح باب أغلقه بصعوبة.
قال بحنق:
ـ إيه اللي جابك السعادي؟ وجاية لمين هنا؟
أجابته وهي تنظر إليه باحتياج واضح:
ـ وده سؤال برده يا رضوان؟ أنا جاية علشان أشوفك.
اشتد انقباض فكه، وشد على أسنانه قبل أن يضرب يده في زاوية السلم بانفعال، فارتد صدى الضربة في المكان الصامت.
ـ وده بمناسبة إيه يا رباب! اسمعي! إنتِ دلوقتي ست متجوزة، ووقفتك هنا أكبر غلط ومصيبة كمان.
هبطت دموعها فورًا، فقد جاء رفضه لها أقسى مما كانت مستعدة لسماعه. كانت تتمنى أن تجد في عينيه شيئًا من الماضي، ولو ذرة واحدة من الاشتياق الذي حملته إليها، لكنها لم تجد سوى الحذر والغضب.
قالت بحسرة:
ـ وإنت كمان اتجوزت يا رضوان.
أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة نفسه. كان وجودها أمامه يضعه في اختبار لم يكن يريد خوضه، لكنه كان يعرف أن عليه أن يكون أكثر حسمًا هذه المرة.
قال وهو يهمس بوضوح:
ـ يبقى تفهمي وتتكلي على الله، وتعرفي إن كده غلط. وجودك هنا بالذات غلط يا رباب، وعزت لو شافك هتبقى مشكلة وهتجيبي الكلام ليكي في الحارة كلها.
رفعت عينيها إليه مرة أخرى، وتمسكت بالأمل الذي لم تستطع التخلي عنه، ثم سألته:
ـ إنت لسه بتخاف عليا يا رضوان! إنت اتجوزت علشان تضايقني، مش كده!
زفر رضوان بقوة، ثم أخذ يجول بعينيه حوله، يتأكد من خلو الدرج من أي أحد قد يراهما. كان أكثر ما يخشاه أن تتحول هذه اللحظة إلى حديث يتناقله أهل الحي.
وحين اطمأن إلى عدم وجود أحد، قال بصوت خشن وقاسٍ، متعمدًا أن يكون واضحًا إلى أبعد حد:
ـ يا بنت الناس، إنتِ من يوم ما بقيتي على ذمة راجل تاني وإنتِ بره عقلي وبره حياتي كلها، وكوني إني اتجوزت ده ما لوش علاقة بيكي. افهمي بقى، إنتِ خلاص بره حياتي يا رباب. أنا نسيتك، أقسم بالله نسيتك. وامشي قبل ما حد من الجيران يشوفك هنا.
علقت عيناها بوجهه، وسالت دموعها بصمت.
كانت تبحث في عينيه عن نظرة الاشتياق التي اعتادتها، عن ارتباك يكذب كلماته، عن شيء يقول لها إن كل هذا القسوة مجرد دفاع عن حب ما زال حيًا.
لكنها لم تجد شيئًا.
فشعرت بصدمة حقيقية، وكأن كلماته لم تصفع كبرياءها فقط، بل أصابت آخر شيء كانت تتشبث به.
قالت برجفة في صوتها:
ـ بره حياتك ونستني! هو إنت إزاي قدرت تنساني بسرعة كده يا رضوان؟
أشاح بنظره بعيدًا عنها، وكأنه لا يريد أن يرى أثر كلماته في عينيها، ثم أجابها:
ـ اللي مش من حقي بسيبه وبنساه يا رباب. وإنتِ مش من حقي وست متجوزة، يعني ما منوش فايدة ولا ليها لازمة عمايلك دي. أنتِ على ذمة راجل تاني. عيب.
توقف للحظة، وكأن ذكرى بعينها مرت أمام عينيه.
يوم زفافها.
ذلك اليوم الذي وقف فيه بنفسه في الجهة الأخرى من الحكاية، وهو يدفعها بيديه نحو حياة لم يكن يريد لها أن تكون من نصيبه.
اشتد انفعاله، وأكمل:
ـ أنا اللي ناصبلك كوشة فرحك بإيديا دول يا رباب. أنا اللي موصي على مأذون الحارة لعزت جوزك. يعني لو فاكرة إني لسه متعلق وبفكر فيكِ، يبقى تفكيرك غلط ولازم يتصلح. إنتِ طلعتِ من حياتي من يوم ما وافقتي على صاحبي، وإنتِ دلوقتي مرات أخويا. غير كده خلص الكلام ومات. أنا دلوقتي واحد متجوز ولازم أطلع لمراتي.
تركها وصعد درجة من السلم، محاولًا إنهاء الحديث قبل أن يفقد السيطرة على نفسه.
لكن رباب لم تحتمل أن ينتهي كل شيء بهذه السهولة.
أسرعت وأمسكت يده من جديد، فتوقف رغمًا عنه، والتفت إليها.
قالت بترجٍّ:
ـ سؤال أخير يا رضوان... اللي إنت اتجوزتها دي بتحبها؟ جاوبني وهمشي على طول.
رفعت عينيها إلى عينيه بقوة، وكأنها ألقت بكل أملها في هذا السؤال.
كانت تريد إجابة واحدة فقط.
كانت واثقة أنه سينكر، وأنه مهما حاول إخفاء حبه لها، لن يستطيع كبحه طويلًا، وأنها ستجد في عينيه ما يؤكد لها أن زواجه ليس إلا محاولة للهروب منها.
لكن رضوان خيّب أملها.
ثبت عينيه عليها، وكانت نظرته جامدة وحاسمة، ثم قال:
ـ أيوه بحبها يا رباب... بحبها. أمال إنتِ فاكرة أنا اتجوزتها ليه؟
فلتت يدها من يده ببطء.
لم تجد ما تقوله.
جف حلقها، وانحبست الكلمات خلف شفتيها، بينما شعرت بقلبها ينكسر مرة أخرى، ولكن هذه المرة بطريقة مختلفة؛ فقد سمعت منه بنفسها اعترافًا بحب امرأة أخرى.
خفضت عينيها، ثم هبطت درجات السلم في شرود، وكأنها لا تشعر بقدميها وهما تحملانها إلى الأسفل.
أما رضوان، فظل واقفًا مكانه.
لم يتحرك.
كانت عيناه تلمعان بدموع متحجرة، لكنه أسرع بتحريك رأسه، كأنه يريد أن يستعيد وعيه قبل أن تفضحه عيناه.
أخذ نفسًا عميقًا، وأقنع نفسه من جديد أن ما فعله هو الصواب.
هي متزوجة.
على ذمة رجل غيره.
ولا تحل له بعد الآن.
وكل ما تفعله الآن خطأ.
أما اعترافه بحب زوجته، فلم يكن إلا أفضل طريقة حتى تصحو لنفسها، وتدرك حجم الأخطاء التي تفعلها، وتتوقف عن التعلق بشيء انتهى منذ زمن.
عاد رضوان إلى منزله بعد لحظات، بينما كانت رباب قد عادت إلى بيتها.
كان عزت ما زال في الخارج مع والدها، فلم تجد أمامها سوى غرفتها التي كانت تنتظرها بصمت.
ألقت بنفسها على الفراش، وانفجرت في البكاء.
دفنت وجهها في وسادتها، وتركت دموعها تنساب بحرقة، تبكي على حالها، وعلى ما وصلت إليه، وعلى رجل كانت تظن أن قلبه سيظل معلقًا بها مهما ابتعدت عنه.
لكنها الآن سمعت منه بنفسها أنه نسيها...
وأنه أحب امرأة أخرى.
وفي الوقت نفسه، وصل رضوان إلى منزله.
كان الجميع قد خلدوا إلى النوم، فدخل بهدوء ووضع الخبز جانبًا، ثم اتجه إلى غرفته وهو يشعر بالتهالك.
فتح الباب، وما إن وقعت عيناه على زاد حتى توقف.
كانت نائمة، ويدها موضوعة فوق معدتها، محضتنة الوسادة،بينما بقيت أكياس الفاكهة والعصائر التي أحضرها لها كما هي بجوارها.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه.
كانت متعرقة بشدة.
اقترب منها بحذر، وتوقف عند طرف الفراش، محاولًا التأكد من مصدر ذلك الأنين الخافت الذي وصل إلى مسامعه.
ظل للحظات يراقبها، ثم انحنى قليلًا.
كان الأنين يخرج منها فعلًا.
اقترب أكثر، فلفحت أنفاسها الساخنة وجنته، وشعر بحرارة غير طبيعية تتصاعد منها.
انعقد حاجباه بقلق.
رفع يده نحو جبهتها، لكنه تردد.
أنزلها.
ثم رفعها من جديد.
وتردد مرة أخرى.
كان هناك شيء داخله يجعله مترددًا في الاقتراب منها، لكنه في النهاية حسم أمره، ووضع كفه على جبهتها.
انتفضت ملامحه.
حرارتها كانت مرتفعة جدًا.
وفي تلك اللحظة، فتحت زاد عينيها بصعوبة، وكأن فتحهما وحده يحتاج إلى جهد كبير. نظرت إليه بعينين مثقلتين بالتعب، ولم تكن في كامل وعيها.
هذَت بصوت خافت:
ـ ما تنامش هنا... اطلع بره. أنا بكرهك، بكرهك.
وظلت تكررها مرارًا وتكرارًا، قبل أن تغلبها الحرارة والتعب، فتغلق عينيها من جديد وتغرق في النوم.
لم يعقب رضوان.
كان يعلم أنها تهذي ببعض الكلمات أثر مرضها، ولم يأخذ ما قالته على محمل الجد.
خرج من الغرفة، ثم عاد بعد لحظات يحمل وعاءً به ماء ومحرمة قطنية.
وبينما كان يضع الكمادة على جبينها، توقفت عيناه عند وجهها للحظات، وكأنه يراه للمرة الأولى حقًّا. أخذ يتأمل كل تفصيلة فيه بصمت؛ عينيها المغمضتين، رموشها الطويلة، ملامحها الهادئة التي غابت عنها حدتها المعتادة، وحتى حبات النمش الصغيرة المنتشرة على وجنتيها، والتي لم ينتبه إليها من قبل.
ظل يحدق بها دون أن يشعر بمرور الوقت، ثم امتدت يده دون تفكير، فأزاح خصلة من شعرها التصقت بجانب وجهها، وما إن لامست أصابعه خصلتها حتى انتفض داخله شعور غريب لم يعرف له اسمًا.
سحب يده ببطء، وظل ينظر إليها لحظة أخرى، وكأن قلبه سبقه إلى شيء لم يستطع عقله أن يفهمه بعد.
أعطاها بعض الدواء ليسكن آلامها، ثم ظل إلى جوارها.
لم يتركها.
ومع مرور الوقت بدأت حرارتها تهدأ تدريجيًا، واستقرت أنفاسها، فعرف أنها أصبحت أفضل.
عندها فقط شعر هو الآخر بثقل التعب.
كان جسده منهكًا، وعيناه مثقلتين بالنعاس، فلم يعد قادرًا على مقاومته.
ترك كل شيء جانبًا، ثم ألقى بنفسه مستلقيًا على الأرض، وغط في نوم عميق، دون أن يهتم بأنه بلا غطاء، ودون أن يفكر حتى في مكان نومه.
مضى الليل ببطء، حتى بدأ الفجر يشق طريقه في الأفق.
ومع بزوغ الصباح، راحت الشمس تنثر أشعتها الذهبية على الحي، فتدب الحياة في كل زاوية من جديد. تلاشى الظلام رويدًا رويدًا، وعادت الألوان لتكشف عن تفاصيل كانت مختبئة خلف ستار الليل.
كان الضوء يتسلل من النافذة في هدوء، ويلقي بخيوطه الدافئة داخل الغرفة، وكأن صباحًا جديدًا يحاول أن يفرض نفسه على كل ما حدث في الليلة الماضية.
استيقظت زاد ببطء.
فتحت عينيها، ثم ظلت للحظات ساكنة، قبل أن تلتفت حولها.
توقفت عيناها فجأة.
رضوان.
كان نائمًا على الأرض بجانب سريرها، دون غطاء.
ظلت تحدق فيه دون أن تنطق.
ثم أخذت عيناها تجولان في المكان، حتى وقعتا على وعاء المياه الذي كان يستخدمه لخفض حرارتها.
توقفت أنفاسها قليلًا.
وبدأ وميض الذكريات يتفتح أمام عينيها شيئًا فشيئًا.
تذكرت يده وهي تضع الكمادات...
تذكرت صوته...
تذكرت الدواء...
وتذكرت أنه بقي بجوارها حتى هدأت حرارتها.
كانت تكرهه بكل جوارحها، وهو كذلك لم يكن يحمل لها سوى المشاعر السلبية.
لكن في تلك اللحظة، وهي تنظر إلى وجهه المتعب وجسده المنهك، شعرت بشيء غريب يتسلل إلى داخلها.
هل هو الامتنان؟
أم ربما مجرد تساؤل حول تلك القوة الخفية التي جعلته يبقى إلى جوارها رغم كل الكراهية التي كانت بينهما؟
تسلل دفء غير مألوف إلى أعماقها.
كان في تلك اللقطة شيء يزعزع كيانها، ويثير داخلها مشاعر متضاربة لم تعهدها من قبل.
شعرت بوخزة في قلبها، وكأن الحقد الذي كان يملؤه بدأ يتسرب منه شيئًا فشيئًا، تاركًا خلفه مساحة صغيرة لم تفهم بعد ماذا يمكن أن يسكنها.
وبينما كانت عيناها معلقتين به، تحرك رضوان.
استفاق ببطء، وفتحت عيناه على نور الصباح الخافت.
رفع رأسه قليلًا، فوجد زاد تحدق به.
التقت عيناه بعينيها.
وللحظة، لم يتحدث أي منهما.
كان الصمت بينهما مختلفًا هذه المرة.
لم يجد في نظرتها ذلك العداء المعتاد، كما لم تجد هي في ملامحه القسوة التي اعتادت رؤيتها.
لم يفهم رضوان ما الذي تغيّر، ولا لماذا شعر بشيءٍ خفيف يتحرك في صدره، إحساس عابر لم يجد له اسمًا، لكنه كان مختلفًا عن كل ما اعتاده منها.
وللمرة الأولى، لم تبدُ زاد له تلك الفتاة المتعالية التي لا تكف عن استفزازه... كانت فقط امرأة تنظر إليه في صمت، وكأن بينهما شيئًا لم يجد طريقه إلى الكلام بعد.
ظل رضوان ينظر إليها باستغراب، ثم سرعان ما نفض تلك الأفكار الغريبة عن رأسه، ونهض من مكانه.
ارتبكت زاد سريعًا، وكأنها ضُبطت متلبسة بشيء لم تكن مستعدة للاعتراف به حتى لنفسها.
أعادت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها، متظاهرة بالنوم.
توقف رضوان لحظة، ونظر إليها بتعجب من تصرفها غير المفسر، ثم التقط أنفاسه بعمق، واتجه إلى خزانته.
أخذ ملابس نظيفة وغادر الغرفة بهدوء، تاركًا خلفه جوًا مشحونًا بأسئلة لم ينطق بها أي منهما.
وما إن خرج، حتى فتحت زاد عينيها من جديد.
تسلل الحرج إلى داخلها، فلعنت نفسها في صمت، واستشاطت غيظًا من تصرفاتها التي لم تفهم سببها، وكأنها غاضبة من نفسها أكثر من غضبها منه.
عاد رضوان بعد أن اغتسل وتوضأ إلى الغرفة، فوجدها ما زالت متسطحة، مغمضة العينين.
تجاهل أمرها، وفرش سجادة الصلاة، وبدأ في أداء الفريضة.
فتحت زاد نصف عينيها، وأخذت تراقبه من مكانها.
كانت تتابع حركاته في صمت، بينما دار سؤال غريب في ذهنها:
كيف لرجل قاسٍ مثله، وأيضًا فقير إلى هذه الدرجة من الفقر،لم يملك من الدنيا شئ. أن يصلي؟
بقي السؤال معلقًا في عقلها، وربما تحصل على إجابته فيما بعد.
زاد تذمرت من وضعها، وشعرت بأنها حبيسة داخل هذه الغرفة.
كانت تريد أن تجلس بأريحية أكثر، وكانت مستاءة ومنزعجة من هذه الثياب المغلقة أمامه؛ فهي حتى الآن تعتبره بالنسبة لها رجلًا غريبًا، وتريد منه أن يغادر الغرفة في أقرب وقت ولا يعود إليها أبدًا.
كانت قد سمحت له بالبقاء رغمًا عنها لأنه كان صامتًا ويبدو عليه التخبط، أما الآن فقد عاد إلى رشده، فليذهب إذن.
عقدت النية على أن تخبره بذلك، لكنها شعرت بدوار من شدة التفكير، ولأنها لم تأكل منذ ذلك الوقت، فضلًا عن الألم الطفيف الذي ما زال في معدتها.
تركته يصلي، ثم أخذت ملابسها واتجهت إلى المرحاض لتأخذ حمامًا سريعًا، لعل ذلك يساعدها على تحسين مزاجها واستعادة بعض قوتها.
أنهى رضوان صلاته، ثم حمل وعاء الكمادات والأشياء التالفة حول الفراش، محاولًا تنظيف المكان على قدر استطاعته.
اتجه بعدها إلى المطبخ، وأعد لنفسه كوبًا من القهوة.
حمل الكوب، وقبل أن يخرج تذكر ألم معدتها بالأمس.
توقف.
نظر إلى كوب القهوة في يده، ثم عاد ووضعه جانبًا، وصنع لها كوبًا من الأعشاب حتى تتحسن، وحمله معه ليتركه في غرفته.
عادت زاد إلى الغرفة، وما إن وجدته حتى تأففت.
لم تحتمل وجوده أكثر من ذلك، وقررت أن تستغل الفرصة وتنْفعل عليه وتطلب منه الخروج الآن.
لكن قبل أن تفتح فمها، أطلق هو سؤالًا عليها جعلها تبتلع ثرثرتها داخلها، وقال بأسلوب لبق:
ـ صباح الخير، معدتك عاملة إيه دلوقتي؟
نظرت إليه بتعجب.
كانت تريد أن تخبره بأن الخير لم يدخل حياتها منذ أن تعرفت عليه، وأن لديها أشياء كثيرة تريد قولها، وأسئلة أكثر تريد إجابات عنها.
وكان أهم سؤال يطاردها:
لماذا تزوجها؟
لكنها بدلًا من ذلك نظرت إليه بنفور، واندفعت قائلة:
ـ ممكن أعرف إحنا لحد إمتى هنفضل كده؟ أنا بجد جبت آخري.
لم يتعجب رضوان من هجومها؛ فهذا هو المعتاد منها.
لكنه قطب حاجبيه، وظن أنها تتحدث عما حدث بالأمس، فقال:
ـ حبيبة ما كانتش تقصد، وبعدين ده أكل عادي يعني، وعدت على خير.
بترت حديثه بانفعال، لأنها لم تكن تقصد ذلك على الإطلاق، وقالت:
ـ أنا بتكلم عني أنا وإنت. لحد إمتى هنفضل كده؟ إنت داخل الأوضة وخارج منها كأني مراتك بجد.
ابتسم رضوان، وأخذ رشفة من قهوته، ثم قال بتلميح أراد به أن يستفزها:
ـ سبحان الله، وإنتِ تعبانة صوتك ده كان مخفي، محدش سمعه حتى النملة. يعني المرض بيخليكِ حد تاني خالص. بنت هادية كده ومريحة دماغ اللي حواليكِ.
لم تتحمل مزاحه.
رأته ثقيل الظل، خصوصًا أنها كانت منزعجة من كل شيء حولها، ولم تكن قد نسيت أيضًا ما فعلته سما معها وكل ما يحدث حولها.
وقفت أمامه وقالت:
ـ إنت هتهزر؟ أنا ما بهزرش. اسمع، إن كنت وافقت عليك فده مش معناه إنك تدخل عندي وكمان تنام هنا. ده اسمه استخفاف يا أستاذ. إنت لازم تشوف حل للمهزلة دي.
وضع رضوان كوب القهوة جانبًا، وأخذ يفرك جبينه، فقد بدأ يشعر بألم في رأسه من كثرة ما يدور حوله، لكنه حافظ على هدوئه حتى لا يسمعه أحد في الخارج.
قال:
ـ أدخل عندك فين، لا مؤاخذة! دي أوضتي ولا ناسية؟ وإن كنت أنا سبتهالك يوم، فده كرم مني، لكن ما تنسيش إننا في الأول وفي الآخر متجوزين، يعني يحق لي أنام في أي حتة عايزها ومن غير ما أسمع اعتراض واحد منك.
تأبطت ذراعيها، ونظرت إليه بشرر، ثم سألته:
ـ إنت بتجيب الاستفزاز ده منين بجد؟ إنت إنسان لا يطاق.
عاد إلى قهوته متجاهلًا ضجيجها.
لكنها لم تتركه.
سألته بنبرة حادة:
ـ إنت اتجوزتني ليه؟
كان يتوقع منها هذا السؤال.
لكنه لم يكن يملك له إجابة واضحة.
فهو مثلها تمامًا، تورط في تلك الزيجة، ولا يعرف ماذا يخطط له القدر، لكنه راضٍ بمشيئة الله، وكما تسير الأمور، فهو على اقتناع بأن ما يحدث له حكمة لا يعلمها بعد.
ظل صامتًا.
وكان عدم رده عليها بمثابة إهانة لها.
فأطلقت كلماتها القاسية لتلقنه درسًا، وقالت:
ـ ما عندكش الجرأة إنك تقول اتجوزتني علشان طمعان في فلوسي وثروتي؟ ولا يمكن عايز تنتقم مني علشان ما جيتش على مزاج حضرتك وقلتلك نعم وحاضر وشكرتك في أول مقابلة بينا؟ مع إنها كانت مقابلة سودا. أنا بجد بفكر انتحر علشان أرتاح منك.
ظل رضوان يحك أنفه ويفكر في حل.
كانت الأمور بهذه الطريقة تخرج عن السيطرة، والغضب لم يكن حلًا للمشاكل.
والأفضل ألا يفتعل مشكلة جديدة بينه وبينها؛ فهما تزوجا بين ليلة وضحاها، ولها الحق في أن تغضب، وكان عليه أن يتحدث معها حتى يصلا إلى حل سلمي.
نظر إليها، ثم أشار إليها أن تجلس وتهدأ.
كان يريد أن يتحدث معها بهدوء، بعيدًا عن الصراخ والانفعال، حتى يتمكنا من الوصول إلى حل.
جلست زاد، علّها تجد حلًا يجعلها تغادر هذا المنزل المريب لقلبها، وتعود إلى حيث كانت.
ساد الصمت بينهما قليلًا.
كان كل منهما يجمع أفكاره، حتى تحدث رضوان بعقلانية:
ـ بصي يا بنت الناس، اتجوزتك ليه وإزاي، فده في الأول والآخر نصيب. إنما حوار بقى إني طمعان فيكِ أو باصص للفلوس اللي عندك، ده تشيليه من دماغك خالص؛ لأن مش هسمحلك أصلًا إنك تفكري فيه. ولو فعلًا كنت طمعان، كنت وافقت على عرض والدك لما طلب مني أعيش في الفيلا أنا وعيلتي، بس أنا اللي رفضت.
نظرت إليه بصدمة، وكأنها لم تتوقع منه هذه الإجابة.
أكمل هو:
ـ أيوه، أنا اللي رفضت، علشان مش أنا الراجل اللي يعيش في بيت مراته، ومش أنا الراجل اللي يتقال عليه ده اتجوز علشان يعيش في بيت مراته وتصرف عليه. لا، ولا كنوز الدنيا تشتري كرامتي وكبريائي واحترامي لنفسي. والفلوس اللي معاكي دي أنا مش شايفها حاجة مهمة علشان أسعى وراها، دي أول حاجة.
توقف قليلًا، ثم نظر إليها مباشرة، وقال:
ـ الحاجة التانية بقى، أنا اللي عايز أسألك سؤال، وإجابة السؤال ده مهمة بالنسبالي؛ علشان ده اللي هيغير وهيفرق في اللي جاي معايا. إنتِ اتجوزتيني غصب عنك؟ يعني حسين بيه أجبرك عليا ومضيتي على عقد كتب الكتاب بالإكراه؟ ويا ريت تفكري كويس وتقولي الحقيقة، علشان ده مهم جدًا.
تعجبت زاد من كلماته.
كانت تلقائية وغير مرتبة، لكنها في الوقت نفسه منسقة ومقنعة، وبدا واضحًا أنه انزعج من الاتهام الذي وجهته إليه.
تنهدت، وعادت بذاكرتها إلى الأيام الماضية مع باسل.
حتماً لم تكن لتخبره بأنها وافقت عليه بسبب من كان يريد استغلالها، حتى لا يشمت بها.
أجابته بصدق وعفوية:
ـ للأسف لأ، محدش أجبرني. أنا وافقت عليك بكامل إرادتي. بابا قالي إن في عريس متقدملي، وطلب مني آخد وقت وأفكر، وأنا اللي رحت برجلي ليه وقلتله إني موافقة.
لم يهتم رضوان ولم يتأثر بحديثها.
كانت قد جرحته منذ قليل، لكنه خبأ جرحه بداخلها كعادته، ثم سألها مرة أخرى:
ـ يعني أنا وإنتِ اتجوزنا بموافقتنا؟ محدش ضربنا على إيدينا علشان نكتب كتابنا؟ يعني كده جوازنا صح مليون في المية.
تململت زاد، وسألته باستغراب:
ـ وده دخله إيه باللي أنا فيه دلوقتي؟
رد عليها بوضوح:
ـ دخله إن مادام حضرتك وافقتي إني أكون جوزك، وإني وافقت تكوني مراتي، يبقى أنا وإنتِ من الصح يتقفل علينا باب واحد.
اتسعت عيناها.
وقبل أن يذهب تفكيرها بعيدًا، صحح كلامه:
ـ وقبل ما تفهمي كلامي غلط، إنتِ قدام والدك وعمك وقرايبك وقدام الناس كلها مراتي، وأهم من ده كله، وقبل أي حد، إنتِ مراتي قدام ربنا، وكمان قدام أمي وأختي اللي عايشين معانا هنا تحت سقف بيت واحد. فما ينفعش أرجع بيتي وأنام في الصالة، وقتها الكلام هيكتر وسين وجيم.
نظرت إليه وقالت دون تفكير:
ـ هو إنت مصدق نفسك! اللي إنت بتقوله ده ما يهمنيش. أنا عايزة أخرج من هنا، عايزة أرجع لحياتي الطبيعية. أنا هنا كأني في سجن. إنت مش شايف الفرق بيني وبينك؟
تنهد رضوان، وكبت غيظه.
كانت كلماتها تصطدم بكل ما يؤمن به، لكنه حاول أن يتعامل معها بعقلانية.
قال:
ـ الصبر من عندك يا رب. والله إن كان عليا أنا نفسي أطلقك النهارده قبل بكرة، لكن علشان وعدت الراجل الطيب اللي سابك أمانة في رقبتي وسافر، وشاف إني راجل يعتمد عليه ومستحيل أكسر ثقته، كنت طلقتك من زمان. وكمان أنا بخاف على سمعة البنات أكتر من أي حد، لأني عندي أخت وبخاف عليها، فما ينفعش في أول أسبوع من جوازنا إني أطلقك وترجعي بيت أهلك مطلقة. وقتها أنا مش هيمسني أي شيء؛ لأننا هنا في مجتمع بيتغاضى عن غلطات الراجل وبيمسك ويتبت في غلطات الست، يعني إنتِ اللي هتبقي مدانة، مش أنا.
نظرت زاد أمامها إلى الفراغ.
كانت كلماته مقنعة على الرغم من أنها لا تريد الاقتناع بها.
وبدا لها أنها ستظل مقيدة بهذا الزواج أيامًا كثيرة، وربما أكثر مما كانت تتخيل.
لكن شيئًا آخر ظل يربكها.
لقد قال إنه يريد أن يطلقها اليوم قبل الغد.
فلماذا تزوجها إذن؟
باتت الحيرة تتملكها أكثر، بينما مسح رضوان وجهه، وشعر بالاختناق من تصرفاتها، لكنه جاهد في أن يلتمس لها عذرًا.
ثم أكمل:
ـ بصي يا بنت الناس، أنا عارف إن كل حاجة حصلت بسرعة، وعارف كمان الفرق بيني وبينك زي فرق السما والأرض. والحاجة دي ما تعبنيش. أنا الحمد لله ما بمدش إيدي لأي مخلوق، لكن الفرق ده مهم عندك إنتِ، إنتِ اللي شايفاه، مش أنا. والفرق ده حاجات تتعوض زي الفلوس وغيره، لكن في حاجات تانية تحسيها وتعيشيها هنا في البيت ده لا يمكن تعوضيها بكنوز الدنيا. أنا عارف إن أكلك غير أكلنا، ولبسك غير لبسنا، حتى الميه اللي بتشربيها غير الميه بتاعتنا، بس إحنا راضيين ومبسوطين، مش علشان مجبرين، لا، علشان عندنا قناعة بأن ربنا هيعوض صبرنا خير، وإن ما كانش في الدنيا هيكون في الآخرة.
سكت للحظة.
ثم اتجه بنظره إلى النافذة، وكأن عينيه تبحثان عن إجابة في الأفق، قبل أن يكمل:
ـ أنا مش مثالي، ولا عارف فين الصح والغلط، مش هكذب عليكِ، لكن يمكن اللي حصل معانا ده خير، وأكيد ترتيب ربنا حلو، وأكيد ليه حكمة في إنه يجمعنا تحت سقف واحد. مع إننا سبحان الله مش طايقين بعض ولا شبه بعض. إنتِ واحدة مندفعه وما عندكيش ذرة تفاهم، وأنا واحد حر ما أقبلش الإهانة من أي حد، فإحنا مش زي بعض. لكن كل اللي هقوله لعله خير، وأكيد في حكمة بجمعتنا دي. فعايزك تتحملي شوية، جربي، مش يمكن تحبي عيشتنا وتحبي كل حاجة حواليكِ؟ الناس هنا طيبين قوي، صدقيني.
ظلت زاد تنظر إليه في صمت.
كانت تسمع كلماته، لكنها لم تكن تعرف ماذا تفعل بها.
ثم قالت:
ـ ولو قلتلك لا؟ عايزة أمشي؟
أجابها بهدوء:
ـ طبعًا من حقك تمشي، لكن مش من حقك في الفترة دي علشان خاطر سمعة أبوكِ وسمعتك. إنتوا ناس الصحافة بتشمشم أي خبر علشان تكتبه عنكم في صفحة أولى.
التفتت إليها وراءها، تشعر بالحيرة، فأكمل حتى يدخل الأمان إلى قلبها:
ـ لو تفكيرك في يوم راح بعيد، فأحب أطمنك. مش رضوان العطار اللي يكسر ثقة حد فيه، ومسير الأيام تثبت لك مين هو رضوان.
تصارعت أنفاسها.
وتاهت عيناها أمام حجم الكارثة التي شعرت الآن أنها وضعت نفسها فيها.
لم تجبه على أي شيء.
أما رضوان، فقد أنهى كلامه وهو واقف، ثم أشار إليها قائلًا:
ـ خدي علاجك واشربي الأعشاب قبل ما تبرد.
تركها وذهب إلى عمله، مصطحبًا معه حبيبة ليوصلها إلى الشارع الرئيسي.
استقلت حبيبة سيارة أجرة، وظل رضوان واقفًا مكانه يراقبها حتى ابتعدت السيارة تمامًا عن ناظره.
ثم عاد إلى عمله، بينما بقيت كلماته الأخيرة معلقة في ذهن زاد، تتردد داخلها رغمًا عنها، وتفتح أمامها أسئلة جديدة لم تكن مستعدة بعد لمواجهتها.
الخيانة الزوجية كالسهم المسموم؛ لا يصيب القلب فحسب، بل يترك جرحًا عميقًا لا يلتئم، ويقتل الثقة، ويزرع الندم في أرواحٍ أحبّت بصدق.
ما حدث بالأمس لإيمان كان سيئًا ومخزيًا للغاية، أما كريم، فظل مذهولًا بعد أن غادرت، تاركةً وراءها كلماتٍ حارقةً تمزق قلبه. شعر بثقل الخيانة فوق صدره، وكأنه لم يدرك حجم ما ارتكبه حقًا إلا في تلك اللحظة.
عاد إلى منزله، فوجد الظلام يسود كل زاوية، والهدوء المخيف يغلف المكان. لم يكن هناك صوت ضحكات أطفاله، ولا دفء وجود إيمان الذي اعتاد أن يملأ البيت بالحياة. كانت الوحدة قاسية، كالسيف الذي يخترق روحه، ويجبره على مواجهة حجم خطيئته دون مهرب.
ظل يتصل بها مرارًا، لكن هاتفها بقي مغلقًا، وكأنها أغلقت في وجهه آخر بابٍ للرحمة والعودة.
كانت تلك الليلة أطول ليلةٍ مرت عليه في حياته؛ جلس في الصالة الفارغة حتى أشرقت شمس اليوم، وعيناه معلقتان بالصور المعلقة على الجدران، يستحضر ذكريات العائلة واحدةً تلو الأخرى.
تسلل الندم إلى قلبه ببطء، ثم التهمه كالنار التي لا تخمد. تمنى لو كان يستطيع العودة بالزمن، لو كان يستطيع محو كل خيانة، واستعادة كل كلمة قالها فأوجعتها، وكل لحظةٍ جعلها تشعر فيها بأنها لم تكن كافية بالنسبة إليه.
أدرك حينها أن خيانته لم تدمر إيمان وحدها، بل هدمت شيئًا أكبر بكثير؛ هدمت البيت الذي جمعهما، وبددت الأمان الذي بنياه معًا، وهددت كل شيء كان يعني له الحياة.
ظل جالسًا في مكانه، يحدق في الفراغ، بينما كان ثقل الفقد يزداد في صدره مع كل لحظة، ولا يملك سوى سؤالٍ واحد يطارده:
هل ما زال هناك سبيل لاستعادة ما خسره؟
الحزن كالضباب، يحجب الرؤية ويجعل القلب يعاني في صمت، والخذلان كظلٍّ داكن يعتري القلب، يخفي النور ويجعلنا نرى الأشياء بألوانٍ مظلمة.
ذلك تحديدًا ما كانت تشعر به إيمان في تلك الفترة الصعبة؛ تحملت الكثير من الألم، وكانت في البداية تدعو من أعماق قلبها أن يعود زوجها عن هذا الطريق، وأن يستفيق من غفلته، وحينها كانت ستقنع نفسها بأن ما حدث لم يكن سوى كابوسٍ عابر، وأنها ستستيقظ منه لتجد حياتها كما كانت.
لكنها صُدمت حين اكتشفت استمرار خيانته لها، ولم تستطع أن تنسى ما سمعته أذناها من كلماتٍ معسولة كان يلقيها على مسامع تلك المرأة.
هبطت دموعها مرارًا وتكرارًا، بينما كانت الأسئلة تنهش قلبها في صمت:
أهكذا يضيع الحب والسنوات الماضية التي عشناها سويًا في لمح البصر؟
كل هذا تناثر وضاع هباءً...
أيعقل أن تنفرط حبات الوعود التي واعدنا بها بعضنا بعضًا؟!
كانت جالسة داخل غرفتها في منزل عائلتها، ولم تخبر أحدًا بما حدث، من أجل أطفالها الصغار؛ لم تكن تريد أن يدفعوا ثمن أخطاء والدهم، أو يعانوا في المستقبل بسبب ما حدث بينهما.
جلست والدتها إلى جوارها، تحمل حفيدها بين ذراعيها، بينما كانت عيناها لا تفارقان ابنتها. كانت تريد أن تعرف سبب تركها منزلها، فهي لم تفعل ذلك من قبل، ولم تكن إيمان من النوع الذي يترك بيته دون سبب.
ظلت تلح عليها وتسألها عما حدث، لكن إيمان كانت تصر على الصمت، وترفض أن تبوح بما يؤلم قلبها، وكأن الحديث عنه سيجعل جرحها ينزف من جديد.
تمر الأيام مثل الريح، تترك خلفها أناسًا حزانى يروون قصصهم للعابرين، وكأنهم يبحثون عن شيءٍ ضائع في غياب الزمان.
وفي تلك الأيام، ذهب كريم إلى زوجته محاولًا إصلاح ما أفسده، على أمل أن تعود معه إلى منزلها، لكنه لم يستطع حتى أن يلتقي بها؛ فقد رفضت رؤيته، ولم تعد تريد أن تراه بعد الآن.
لم تطلب منه سوى الانفصال.
خرج كريم من منزل عائلتها كما دخل إليه، خالي الوفاض، وعاد إلى منزله، ثم حبس نفسه داخله، مثقلًا بالندم.
ظلت كلماتها الأخيرة عالقة في ذهنه، تصيبه بالحسرة كلما تذكرها، وتعيد أمامه صورة ما فعله، وكأنه يعاقب نفسه بها مرة بعد أخرى.
وفي الوقت نفسه، لم يُجب على اتصالات رضوان وعصام، اللذين أرادا الاطمئنان عليه والاستفسار عن سبب غيابه وانقطاعه عن التواصل معهما.
أما سارة، فقد أغلقت حسابها الشخصي ولم تتواصل معه، فعلم كريم حينها أن نزوته لم تكن لحظة عابرة كما ظن، بل كانت كافية لتهدم حياةً كاملة.
أما رباب، فكانت تعيش على ذكرياتٍ قاسية من رضوان وكلماته التي ما زالت عالقة في قلبها، تلسعها كلما تذكرتها، كأنها وخزات متتالية لا تهدأ.
وكلما اقترب منها عزت محاولًا التحدث إليها، كانت تتململ في مكانها، وتتحجج بأنها مريضة ولا تريد الحديث، وأنها تريد أن تنام.
كانت تهرب إلى النوم من مواجهة العالم، ومن مواجهة نفسها قبل أي شيء، ولا تترك لنفسها فرصةً كافية للتفكير فيما تفعله، أو الاعتراف بأن ما يحدث داخلها ليس سوى نتيجةٍ لخطأ فادح ترتكبه في حق نفسها وزوجها.
بينما كانت كلمات رضوان، رغم بساطتها، قد تركت ثقلًا كبيرًا في قلب زاد.
مضت أيامها داخل الغرفة، حبيسةً بحجة مرضها؛ بدا أنها تعافت من الخارج، لكن داخلها ظل متألمًا إلى أقصى درجة.
كانت زهرة وحبيبة تعتنيان بها جيدًا، بينما كان حسين يطمئن عليها عبر الهاتف، ويخبرها أنه سيعود قريبًا.
أما رضوان، فكان يذهب إلى عمله في صمت، ويعود إلى منزله في صمت، وكأنه اختار الصمت ملاذًا يخفي خلفه كل ما يعصف بداخله.
كان يكبح حزنه في أعماقه، ويحاول أن يتجاوز ما يثقل صدره، لكنه لم يستطع أن ينسى كلمات زاد، ولا اتهامها له بأنه تزوجها طمعًا في ثروتها.
وظل ذلك الاتهام عالقًا في ذهنه، يؤلمه كلما تذكره، رغم أنه كان يعرف جيدًا أنه أبعد ما يكون عن الحقيقة.
