رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الخامس عشر 15 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الخامس عشر 

دقت التاسعة والنصف مساءً في منزل رضوان.

كانت حبيبة تكمن في غرفتها، جالسة إلى مكتبها الخاص، وحولها الكثير من الكتب والأوراق التي تدون بها كل شيء تعرفه عن المادة التي اختارتها لمراجعتها بتركيز.

كانت منغمسة في مذاكرتها إلى الحد الذي جعلها تنسى الوقت، تتنقل عيناها بين صفحات الكتاب وأوراقها، وتدون ملاحظاتها بعناية، حتى تسللت إلى أنفها رائحة حلوى ذكية من خارج الغرفة.

توقفت يدها فوق الورقة.

رفعت رأسها ببطء.

ثم استنشقت الهواء مرة أخرى.

ابتسمت فورًا.

كانت تعرف تلك الرائحة جيدًا.

كيك البرتقال.

الحلوى التي تعشقها.

أغلقت الكتب مسرعة، وتركت كل شيء فوق المكتب كما هو، ثم خرجت من غرفتها تتبع الرائحة، حتى وصلت إلى المطبخ.

وجدت أمها تضع في الأطباق قطعًا من الكيك الذي صنعته من أجل عائلتها.

وقفت حبيبة لحظات تراقبها، ثم تسللت إليها خلسة، ومدت يدها لتخطف قطعة، لكن زهرة التفتت إليها في اللحظة نفسها.

ولم يمنعها ذلك من التهام نصفها بنهم واضح، جعل أمها تضحك على أفعالها الصبيانية، وهي تقول:

ـ استني حتى لما تبرد شوية! على طول همك على بطنك كده!

أجابتها وهي تلوك الطعام بتناغم:

ـ تبرد إيه بس يا ماما؟ إنت عارفة إني راشقة في أي حاجة سخن ساقع، كله شغال.

ضحكت زهرة للحظة، لكن ابتسامتها اختفت سريعًا، وحل محلها شرود قصير.

تنهدت، وظلت عيناها معلقتين بطبق الكيك.

لاحظت حبيبة التغير الذي طرأ على وجهها، فابتلعت ما في فمها، ثم نظرت إليها باستفهام.

لكن زهرة لم تنتظر أن تسألها.

ـ مش عارفة زاد هترضي تاكل منها ولا لأ. البنت يا كبدي عليها خست النص من ساعة ما جت. وبعدين يا حبيبة، أنا خايفة عليها.

سألتها حبيبة بطريقة مريبة، كما يفعل رجال الشرطة:

ـ مممم، هي لسه حبسة نفسها برده؟

أجابتها:

ـ أيوه، دي ما بتخرجش غير للحمام وترجع تاني، وعلى طول ساكتة. بجد صعبانة عليا. وكلمت رضوان وقت العصر إنه يتكلم معاها، قالي سيبيها، هي مرتاحة كده.

وضعت الأم يدها تحت ذقنها، محللة ما يدور في ذهنها:

ـ يكونش متخانقين وإحنا ما نعرفش؟

فكرت حبيبة قليلًا، وهي تحرك أصابع يدها بجوار طبق الحلوى.

كانت زهرة تعرف ابنتها جيدًا.

كلما سكتت حبيبة وبدأت تفكر، كان عليها أن تتوقع مصيبة جديدة.

لذلك نظرت إليها بحذر وسألتها:

ـ بتفكري في إيه إنتِ كمان يا وش النصايب؟ يكونش ناوية تفجريها بأكلة فسيخ؟

وضعت حبيبة ذراعها حول كتف أمها، وأردفت بطريقة كلها ثقة وكبرياء:

ـ لا، متوصلش لكده، بس طول ما حبيبة هنا مش عايزة حد يشيل هم.

ردت متهكمة:

ـ ده إنتِ الهم نفسه، يبقى نشيله ليه؟ مش كفاية إنتِ علينا؟

تنهدت حبيبة بتصنع، وهي تقول:

ـ إنتوا كده عمركم ما تقدروا النوابغ اللي زينا. اتفضلي يا زهرة هانم، هاتي طبق الكيكة ده وأنا هتصرف مع بنت الأغنيا دول.

ضحكت الأم مرة أخرى، وأعطتها الصحن ومعه ملعقة وكوب عصير.

حملت حبيبة ما أعطتها إياه، ثم خرجت من المطبخ، وعلى وجهها تلك النظرة التي يعرفها أهل البيت جيدًا.

نظرة فتاة قررت أن تنفذ شيئًا، ولن يمنعها أحد.

وصلت إلى باب غرفة زاد.

دقت عدة طرقات.

جاءها صوت زاد خافتًا من الداخل يسأل عن الطارق.

أمسكت حبيبة بمقبض الباب، ثم دفعته بقدمها حتى ارتطم بالحائط، وصدر عنه صوت مزعج.

في الداخل، أغمضت زاد عينيها.

عرفت فورًا من تكون.

من غيرها يفعل هذه الأشياء الطفولية؟

ولجت حبيبة إلى الغرفة وهي تحرك الطبق أمام عيني زاد بطريقة دائرية، وقالت بغموض:

ـ حزري فزري، جبتلك إيه؟

تجاهلتها زاد، وحركت رأسها بنزق، ثم عادت لتنظر إلى هاتفها.

وضعت حبيبة الصحن جانبًا، وجلست أمامها، ثم قالت بجدية مصطنعة:

ـ ما سألتيش نفسك أنا مستحملاكِ ليه؟

زفرت الأخرى بحنق، وقالت:

ـ لا، ما سألتش، ومش عايزة أعرف لأنه ما يهمنيش.

ردت حبيبة بنبرة تهكم:

ـ أحسن برضو، علشان لو عرفتِ السبب ممكن نشد في شعر بعض، والباروكة اللي إنتِ لابساها دي تطلع في إيدي.

ثم سألتها لتستفزها:

ـ مش دي باروكة برضه؟

رمقتها زاد بنظرات نارية، وقالت:

ـ أنا مش فايقالك، ياريت لو سمحتِ اطلعي بره وسيبيني لوحدي.

لم تتأثر حبيبة بنظرتها، بل نظرت حولها، ثم تنهدت من عجرفتها، وسألتها بنبرة تحمل الجدية:

ـ هو إنتِ ما زهقتيش من حبستك في الأوضة دي؟

ضحكت زاد ساخرة، وأجابتها بأسلوب مبطن:

ـ ليه أزهق منها ليه؟ دي جنة، دي تحفة فنية، مش كده! حد يزهق من الروعة دي! ولا كأني عايشة في الهاني مون.

فهمت حبيبة أنها تسخر من بساطة حياتهم.

لكنها لم تغضب.

بل نهضت من مكانها، وبدأت تخطو في الغرفة وهي تنظر حولها، ثم قالت بجديّة وثقة:

ـ تعرفي إن عندك حق فعلًا؟ بيتنا مافيش فرق بين حلاوته وحلاوة العسل.

ثم التفتت إليها، وتأبطت ذراعها، وأكملت مسترسلة:

ـ محدش بقى بيفكر بالطريقة دي. الزمن اتغير. وغير كده عمر السعادة والفرحة ما بتتقاس بالشكليات.

رفعت زاد حاجبها، وأشاحت بشبه ابتسامة ساخرة، ثم سألتها:

ـ وجهة نظر غلط ومش مقتنعة بيها، لأن السعادة أساسها إنك يكون عندك كل متطلباتك. فإزاي بقى ما بتتقاسش بالطريقة دي؟ ممكن تفهميني؟

أجابتها بعقلانية:

ـ أقرب مثال إنتِ مثلًا.

رمقتها وقالت بتهكم:

ـ أنا إيه؟

ـ إنتِ أهو غنية ومن عيلة كبيرة، وبتهايألي إن كل حاجة محتاجاها موجودة عندك. لكن من وقت ما شفتك، على طول مكشرة وشايلة هم الدنيا على كتافك. على عكس أنا اللي عايشة في التحفة الفنية دي اللي بتتريقي عليها، لكن زي ما إنتِ شايفة، على طول مبسوطة وفرحانة، وضحكتي ما بتفارقش وشي.

كانت زاد تستمع إليها دون مقاطعة.

لم تكن مقتنعة.

لكن كلمات حبيبة بدأت تلمس شيئًا في داخلها رغماً عنها.

ثم ران عليهما صمت قصير.

وأكملت حبيبة:

ـ طبعًا إنتِ بتسألي نفسك إزاي إحنا مبسوطين رغم إننا يا دوبك عايشين. هقولك أنا.

ثم نظرت إلى عينيها بقوة، وقالت بيقين:

ـ لأننا راضيين يا زاد، راضيين بكل حاجة إحنا بنتحط فيها وبنمر بيها. ما بنتكبرش على حاجة، زائد إن عندي اللي مش عند أي حد. عندي أم وأخ بيعملوا كل اللي يقدروا عليه علشان يشوفوني فرحانة.

ثم أشارت إلى الغرفة من حولها:

ـ والأوضة اللي إنتِ بتقولي عليها جنة بتريقة دي، أنا فعلًا شايفاها جنة ومش هزار. إنتِ مغلطيش لما وصفتيها بالوصف الحلو ده.

ظلت زاد تنظر إليها.

كان من السهل أن ترد عليها بسخرية أخرى.

أن تنهي الحديث.

أن تتمسك بموقفها.

لكن شيئًا ما داخلها كان ممتلئًا أكثر من اللازم.

لم تتحمل زاد أكثر من ذلك، ومن الضغوطات التي تتراكم فوق رأسها، نهضت من الفراش وهي منفعلّة، وألقت ما في جعبتها، وقالت:

ـ إنتِ عايزاني أرضى! طيب أرضى بإيه بالظبط؟ أرضى بأوضة كلها كراكيب مفيش بني آدم عاقل يعرف يعيش فيها! ولا أرضى بواحد كاره نفسه وكاره كل اللي حواليه ومفيش أي توافق بينا، يعني لا فاهمني ولا فاهماه، والمصيبة الكبيرة أعرف بالصدفة إنه مكملش تعليمه؟ يعني بني آدم جاهل، وأنا... أنا خريجة جامعة إنترناشونال في الآخر، أتدبس التدبيسة دي! وعايزاني أرضى؟ وبعدين هي دي عيشة؟ دي من يوم ما جيت هنا ما شفتش أي شيء إيجابي يديني أمل إن أكمل معاكم بجد. حياتكم مملة.

ساد الصمت.

كانت حبيبة تنظر إليها، وقد اتسعت عيناها قليلًا.

لم تكن تتوقع أن ينفجر كل هذا الغضب من داخلها دفعة واحدة.

لكنها لم تغضب.

بل شعرت أن وراء تلك الكلمات امرأة مرهقة، تحاول أن تدافع عن عالمها القديم لأنها لا تعرف كيف تعيش بدونه.

ومع ذلك، كان هناك سؤال واحد ظل يلح عليها.

فقالته بكل جرأة وشجاعة:

ـ طيب لما إنتِ شايفة الفرق الكبير بينا وبينكم، ومش عاجبك عيشتنا، ليه وافقتي على رضوان؟

أدارت زاد ظهرها إليها.

السؤال أصابها في نقطة تعرف إجابتها جيدًا.

هي تعرف الفرق.

وتعرف ما الذي وافقت عليه.

ومع ذلك وافقت.

إذن الخطأ لم يكن خطأه وحده.

وربما كانت هذه الحقيقة هي أكثر ما يزعجها.

أما حبيبة، فجاهدت أن تبتلع ما قالته زاد، وكان ذلك صعبًا عليها جدًا.

هي لن تتحمل أن تسمع إهانة موجهة ضد أخيها وتظل صامتة.

لكن سبب صمتها كان والدتها، التي لطالما ذكرتها بأنها تقف بجانب أخيها حتى لا يصيبه مكروه من هذه الزيجة غير المعروف سببها.

أخذت نفسًا عميقًا، وكظمت غيظها، ثم اقتربت منها وأردفت بلطف:

ـ أنا حاسة بيكي وعارفة إن الوضع جديد عليكي تمامًا، بس ادي لنفسك فرصة. صدقيني، الفرصة دي هتفرق معاكي أوي.

ازاي:

ـ يعني تقبلي بالوضع الجديد اللي ربنا حطك فيه بإرادته وجربي. والله ما هتندمي.

ثم حكت رأسها بتفكير، وأكملت بحماس:

ـ يعني مثلًا بكرة الجمعة، تعالي نقضي وقت كلنا مع بعض، نخرج ونتفسح شوية، وساعتها شوفي الفرق، شوفي هتكوني مبسوطة ولا لأ. بلاش تحكمي على حاجة من غير ما تجربيها. صدقيني والله هتتبسطي معانا أوي، ده رضوان مفيش أطيب ولا أحن منه.

ثم أخذت الطبق، وناولته إياها مع ابتسامة، وقالت بحنو:

ـ وكمان تدوقي عمايل ماما وتشكرِيها وما تزعليهاش. دي واقفة في المطبخ من بدري بتعملها علشانك. حاولي تسمعي مني وهتشوفي حياتك هتبقى أجمل إزاي. بصي للحياة من ناحية تانية يا زاد. صدقيني هتلاقي إن الفرق بينا شكليات وبس.

تذكرت زاد عندما أصيبت في معدتها بسببها، وأنها استمعت إليها يومها، لكنها لم تثق بها بعد الآن.

فقالت منزعجة:

ـ أسمع منك تاني؟ مش كفاية اللي حصلي بسببك قبل كده؟

ضحكت حبيبة، وقالت بمزاح:

ـ لا، في فرق. السندوتشات اللي نفختك دي من عمايل فوكس ملك الفول، أما الكيكة الحلوة دي من إيدين ست الكل، وإنتِ مجربة أكلها قبل كده، فما عندكيش حجة ولا عذر. يلا خدي ودوقي واحكمي بنفسك. أصل أنا مش هسيبك غير وإنتِ مفرفشة. أصل ده تخصصي.

صرّت زاد على أسنانها.

كانت تلك الفتاة عنيدة بشكل لا يوصف، وتشكل إزعاجًا كبيرًا لها.

لكن حبيبة لم تكن تتوقف.

ربما لأنها شعرت أن وراء كل كلمة حادة تقولها زاد، حزنًا يحتاج إلى من يقترب منه دون خوف.

جذبت زاد منها الصحن بغضب حتى تسكتها، ثم أخذت قطعة من الحلوى وتذوقتها.

توقفت.

كان الطعم مختلفًا عن توقعاتها.

حلوًا، خفيفًا، يحمل نكهة البرتقال التي أحبتها.

حاولت أن تخفي إعجابها، لكن ملامح وجهها خانتها.

تراجعت حدة عينيها، واستسلم وجهها لهدوء صغير.

لاحظت حبيبة ذلك فورًا، فضحكت بثقة:

ـ وكتاب الله عجبتك، ونفسك تخلصيها، بس مكسوفة مني، مش كده؟ اعترفي، اعترفي.

لم تستطع زاد كبح ابتسامتها أمام تلك المزعجة.

وبرغم ضجيجها، شعرت أنها حتمًا تفعله عن قصد حتى تراها في مزاج جيد.

جلست على الأريكة، ثم ظهرت ابتسامة هادئة لأول مرة على وجهها، وقالت:

ـ إنتِ حقيقي مزعجة ومجنونة، ومش قادرة أصدق إنك بجد في طب بكل الجنان ده! معقول؟

رفعت حبيبة ياقة سترتها، وهي تقول ممزوجة بمزاح:

ـ شكلي يدي على ديلر، بس أحب أطمنك وأخيّب ظنك في نفس الوقت وأقولك إن اللي قدامك دي تبقى الدكتورة حبيبة قاسم العطار، سنة أولى طب، وهقترح على أساتذتي الكبار إني أخترع قسم جديد، وهو قسم تلبك معوي مخصوص عشان حضرتك. ما هو مش كل شوية أخويا هيروح يجيب فوار، مش هنلاحق إحنا كده.

ضحكت زاد.

ضحكة قصيرة، لكنها خرجت منها هذه المرة دون تصنع.

ثم سكتت لثوانٍ، وهي تنظر إلى تلك الفتاة البسيطة المفعمة بالحيوية والنشاط.

كان بها شيء خاص.

شيء لم تستطع رؤيته حتى الآن.

وعلى النقيض الآخر، تذكرت سما، التي تمتلك الكثير من الأشياء، لكنها لم تصل إلى قلبها مثلما وصلت حبيبة في وقت قصير.

خرجت منها تنهيدة، ثم أخبرتها أخيرًا:

ـ برغم كل ده، وبرغم كل المعاناة اللي أنا فيها، لكن حقيقي أعترف إنك بتغيري مودِي للأحسن.

صفقت حبيبة فورًا، وكأنها تلقت للتو أجمل خبر في حياتها.

كانت تظن أنها البداية.

بداية صداقة.

وربما كانت محقة.

فقد هدأت العاصفة بينهما أخيرًا.

وفرحت حبيبة، ثم قامت تركض لتخبر أمها بما حدث، وأخذت صينية الكيك وسط دهشة زهرة، وعادت بها إلى الغرفة.

جلست جوار زاد على الفراش، وقالت بحماس:

ـ بصي بقى، أنا جبت صينية الكيكة أهي، وإزازة حاجة ساقعة، ومش هسيبك إلا لما نخلصها سوا، وهنقعد نرغي أنا وإنتِ للصبح.

فرهت زاد فاها على تلك المجنونة، وقالت:

ـ لا، ده إنتِ مجنونة رسمي! طيب ومذاكرتك؟

أشاحت حبيبة بيدها، قائلة:

ـ بلا مذاكرة بلا بطيخ. بقالي 19 سنة بذاكر، أخدت إيه يعني؟ هي آخرها صينية كيكة وشوية مواعين في الحوض.

انفجرت زاد بالضحك.

وهذه المرة لم تحاول إخفاء ضحكتها.

جلست الفتاتان معًا، وبدأ الحديث بينهما يتدفق شيئًا فشيئًا.

أخبرتها حبيبة أن والدها كان يعمل في مجال المحاماة، وسردت لها كفاح والدتها، لكن أكثر حديث حبيبة كان عن رضوان.

عن حنانه عليها.

عن خوفه عليها.

عن تفاصيل صغيرة عاشتها معه منذ طفولتها، جعلت زاد تراه من زاوية لم تعرفها من قبل.

كانت تستمع دون تعليق.

لكن اسم رضوان، كلما تردد أمامها، كان يترك داخلها أثرًا صغيرًا لا تفهمه.

وفي الخارج، مرت زهرة من أمام الغرفة، فتوقفت لحظة عندما سمعت ضحكاتهما.

اقتربت من الباب قليلًا.

نظرت إلى الداخل.

فرأت الهدوء في عيني زاد لأول مرة منذ جاءت إلى هذا المنزل.

فرحت.

وشعرت أن شيئًا من القلق الذي سكن قلبها بدأ يهدأ رويدًا.

لم تشأ أن تفسد عليهما تلك اللحظة، فاكتفت بابتسامة صغيرة، ثم ابتعدت وأجرت اتصالًا هاتفيًا برضوان لتخبره بما حدث، حتى تدخل السرور إلى قلبه.

تعجب رضوان مما يسمعه، ثم ضحك على تصرفات شقيقته التي إذا وضعت شيئًا في رأسها فعلته بكل ما أوتيت من قوة.

وبعد ذلك، اتفقت حبيبة مع زاد على أنهما سيخرجان في الغد، ولكن عليها أن تخبر رضوان أولًا؛ لأنه من سينفق عليهم ثمن الطعام.

وعادتا إلى الضحك مرة أخرى.

ثم طلبت منها حبيبة ممازحة أن يخرجا من تلك الجنة ويجلسا في صالة المنزل أمام التلفاز كنوع من التغيير، وألا تظل جالسة في هذه الجنة أكثر من ذلك حتى لا ترى الملائكة أمام عينيها، حينها ستذهب للجنة الحقيقية ولن تراها مجددًا.

ضحكت زاد.

ورغم ترددها في البداية، ولجت زهرة، مؤكدة على كلام ابنتها، وطلبت من زاد ألا ترد لها هذا الطلب.

فخرجت معهما، وجلسوا ثلاثتهم أمام التلفاز.

ظلت زهرة تسرد لها أشياء كثيرة عن شقاوة حبيبة وأفعالها المتكررة، وكلما انتهت من حكاية، كانت حبيبة تعترض عليها وتتهمها بالمبالغة، لتعود زاد إلى الضحك من جديد.

ولثوانٍ، خف الضغط رويدًا عن قلب زاد.

نظرت إلى الجدران من حولها.

إلى الأثاث البسيط.

إلى زهرة التي تتحدث معها وكأنها ابنتها منذ سنوات.

وإلى حبيبة التي لم تتوقف عن إزعاجها حتى انتزعت منها ابتسامة حقيقية.

كان هناك بصيص أمل.

ربما تستطيع أن تتغير.

ربما تستطيع أن تمنح هذه الحياة فرصة.

لكنها، في الوقت نفسه، اشتاقت إلى الخروج كثيرًا، ولن تصبر أكثر من ذلك.

رأت زهرة أنه من الأفضل أن تحكي لها عن رضوان، لعل قلبها يلين إليه قليلًا.

وفي تلك اللحظة، رأت حبيبة كوب العصير فارغًا.

فقامت لتجلب غيره، وهي تشير إلى أمها:

ـ ما تحكيش حاجة عن رضوان يا ماما لحد مارجع، مش عايزة حاجة تفوتني. إيه ده! في طبق سجق أهو. حلو مع رغيفين عيش وطحينة، واتعشت على كده.

ضحكت زاد عليها.

فلم تشبع هذه الفتاة من تناول الطعام والشراب.

أما زهرة، فنظرت إلى ابنتها وهي تهز رأسها في استسلام، بينما ظلت زاد تراقب حبيبة وهي تبتعد، وقد بدأت تشعر للمرة الأولى أن هذا البيت، رغم كل ما فيه من أشياء لا تشبه عالمها...

لم يعد غريبًا تمامًا.

على جانبٍ آخر، في إحدى الزوايا، كان يقف رضوان وعزت يتناولان أطراف الحديث عن العمل غدًا وتسليم طلبية في الظهيرة، ويجب عليهما أن يكونا جاهزين عند الموعد المحدد، ليأتي عصام إليهما مصافحًا إياهما، ومباركًا لعزت على زواجه.

حدثه رضوان مبتسمًا:

ـ حمدالله على السلامه يا عصام، المهم رجعت امتى؟

أجابه قائلًا:

ـ الله يسلمك يا رضوان، لسه جاي النهارده، وصلنا الفجر وكنا هالكانين من السفر، ما صدقت نمت وأول ما فوقت نزلتلك على طول.

أضاف عزت معلقًا:

ـ طبعاً حيلك مهدود، مانت قضيت شهر عسل كامل ورجعت، وسافرت تاني مع عيلتك، مش أنا اللي قضيت يدوبك اسبوعين ورجعت.

ضرب عصام كفًا بكف وهو يقول محتجًا:

ـ رجعنا بقى لنقك ياعم عزت، مش ناقصه الله يخليك. كل واحد فينا عنده اللي مكفيه.

ابتسم عزت ساخرًا وقال:

ـ وأنت فيك إيه إن شاء الله؟ مانت راجع العرض عرضين اهو ياخويا.

رد عصام:

ـ لا إله إلا الله. الله يهديك ياعزت، مش عارف مالك ومالي.

أجابه عزت بنزق:

ـ وانا مالي بيك ياخويا، طمعان فيك ولا عايز ورثك، انا بتكلم عادي، انت بس اللي مش شايفنا قد المقام.

ـ تاني ياعزت! تاني مش شايفك! ليه يابني آدم، انت شايفني راكب اللامبورجيني وشركاتي واصله السما؟ منا زيك من نفس الحاره.

ثم نظر عصام لرضوان وعلق قائلًا:

ـ انت ساكت ليه يا رضوان، عاجبك اللي بيحصل ده؟

تنهد رضوان وأجابه قائلًا:

ـ حقك عليا يا عصام، عزت ما يقصدش حاجه من دي، انت بس كنت واحشه فحب يناغشك.

أجابه عصام بامتعاض:

ـ واحشه؟ اومال لو كان بيكرهني كان هيقابلني إزاي!

رد عزت ليستفزه:

ـ كنت خدتك بالحضن وضحكت في وشك.

نظر رضوان إليهما، وعلى وجهه ابتسامة خافتة، ثم قال بحكمة:

ـ خلاص ياعزت وخلي ليها آخر، مش لازم تخرج الناس عن شعورها في كل مرة، الراجل جاي من سفر، يبقى نطمن عليه ونقول كلمتين حلوين، مش لازم ترمي طوب النهارده، أجلها لبكره.

ضحك عزت وقال:

ـ مش قادر يارضوان، جسمي كله بياكلني.

تأفف عصام وهو يقول بأسلوب مبطن:

ـ معلش يا حبيبى، الجرعه كانت زايده آخر مرة.

وقبل أن يرد عزت، أسكته رضوان بنظرة سريعة، حتى لا يتطور الأمر بينهما، وقال:

ـ خلاص انت وهو، انا مصدع ومش فايق، المهم محدش منكم شاف كريم؟ بقالي كام يوم بتصل عليه مابيردش.

أجابه عصام قائلًا:

ـ انا اتصلت عليه وانا جايلك من شوية، وكان تليفونه مقفول.

رد رضوان:

ـ غريبه!

رد عزت وهو يشعل التبغ قائلًا:

ـ انا شوفته امبارح خارج من بيت عمك يارضوان، حتى شاورلته ورميت عليه السلام، بس هو كان مشي مسمعنيش.

اطمأن رضوان قليلًا وقال:

ـ طيب تمام، يبقى كويس، لو متصلش عليا نروح نشوفه بكره.

صدح هاتف عزت، فأجاب بعيدًا عنهما، بينما أكمل عصام حديثه مع رضوان مستفسرًا عن أمر زواجه، فأخبره رضوان أن كل شيء على ما يرام.

عاد إليهما عزت وهو مبتسم، فصمت رضوان، بينما علق عصام ساخرًا:

ـ إيه ده ياعزت بتضحك، يابختك مبسوط، مش إحنا اللي متنكدين، يارتنا زيك يا اخي.

ضحك رضوان، وعلم أنه يقلد عزت في طريقته، فابتسم عزت بغيظ مكتوم وقال:

ـ هو حد قالك متضحكش ياعصام، وبعدين انا بضحك عادي، كان معايا مكالمه، ايه الغريب في كده؟

أغمض عصام عيونه وفتحها بطريقة متتالية، وهو يقول بنبرة ناعمة:

ـ وياترى مين اللي بيكلمك دلوقتي يا عزوز؟

اغتاظ عزت وقال:

ـ دمك خفيف وعسل، بس متهزرش تاني علشان معدتي بتقلب بسرعه.

لم يستطع رضوان كبح ضحكاته من هذان الرجلان اللذان كانا مثل الأطفال في حديثهم لبعض، ثم نظر عزت لعصام وهو يجيبه على سؤاله في البدايه وقال:

ـ دي مراتي كانت قايلة أنها هتروح تبارك لمرات رضوان واتصلت عليا.

اتسعت عينا عصام، ودق قلب رضوان فجأة، وكأن الجملة انتزعت منه هدوءه في لحظة. نظر لعزت مسرعًا وسأله:

ـ وهى فين دلوقتي، قصدي يعني كنت قولتلي علشان أبلغ امي. ثواني هتصل بيها.

أمسك رضوان هاتفه، لكن منعه عزت من الاتصال وهو يقول:

ـ ايه ياعم رضوان وأحنا غرب يعني، وبعدين مش هتلحق، دي رباب قالت إنها طالعه على سلم بيتكوا، يعني زمانها بترن الجرس دلوقتي.

تجمدت ملامح رضوان للحظة، وتعلقت عيناه في الفراغ كأن عقله يحاول استيعاب الخبر قبل أن يحدث ما يخشاه. قبض يده بقوة، وشعر بتوجس غير عادي يثقل صدره، فقد كان يعرف رباب جيدًا، ويعرف أن ظهورها في هذا التوقيت تحديدًا لا يمكن أن يكون أمرًا عابرًا.

ولم يكن أكثر ما أزعجه أنها قادمة إلى منزله...

بل أنه لم يكن يعرف ماذا تريد هذه المرة.

تقف رباب أمام باب منزل رضوان، داخلها نار مشتعلة ولم تهدأ. ظاهريًا، فقد أتت لتبارك زواج رضوان من تلك الفتاة التي لا تعلم حتى اسمها، ولكن هذه حجة لا أكثر، فهي تريد أن تراها بعينيها حتى يرتاح قلبها. طرقت عدة طرقات، وفتحت لها حبيبة، التي تعجبت من قدومها. ولجت للداخل، واتسعت عين زهرة، ودق قلبها حين رأتها. كانت زاد لا تفهم شيئًا، ولما تبدلت وجوههم عندما رأوا تلك الفتاة، بينما رباب شعرت بمزيج متناقض من الفضول والغيرة والكراهية. كانت عينها تبحث عن زاد، الفتاة التي أخذت مكانها في قلبه. وعندما رأتها، شعرت بلسعة الألم في قلبها. كيف لهذه المرأة أن تكون بهذا القدر من الجمال؟ كيف استطاعت أن تسلب منها حب حياتها؟ برغم الابتسامة المزيفة التي رسمتها على وجهها، كانت نار الحقد تشتعل داخلها، تلتهم كل ذكرياتها القديمة مع رضوان. تلجمت زهرة، وحاولت أن تقول شيئًا أو حتى ترحب بها، فأردفت رباب بحقد دفين:

ـ مساء الخير.

ردت زهرة بصوت خافت، وقلقت من أن تفتعل رباب مشكلة فتؤثر على علاقة زاد ورضوان التي تسعى كي تجمع الود بينهما، أما حبيبة فردت عليها بتهكم، وأكملت قائلة:

ـ مساء النور يارباب خطوه عزيزة على رأي ماما.

ما زالت ترمق زاد وقالت:

ـ يعز مقدارك يا حبيبة.

ثم رفعت حاجبيها واكملت:

ـ أنا أول ما عرفت بجواز رضوان جيت أبارك واعمل الواجب.

ردت زهرة وقالت:

ـ طول عمرك صاحبة واجب يارباب.

وضعت رباب علكة في فمها حتى تهدأ نار غيرتها، ولا يفتضح أمر غيرتها، وهي تفحص زاد من أعلاها إلى أسفلها بنظرات محيّرة، وقالت لها:

ـ مبروك يا عروسة.

ثم ابتسمت وهى تردف لزهرة قائلة:

ـ بس شكلها غريبه عن المنطقه يا خالتي ام رضوان مش كده ولا انا غلطانه؟

انزعجت زهرة من أفعالها وفاض صبرها واضعه كفها فوق الآخر وقالت بأسلوب خفي:

ـ عينك عمرها ما تغلط يا رباب. إسم الله عليها مرات ابني بنت ناس أكابر ومحترمين أوي.ومن احسن حتة في مصر.

علمت رباب بما ترمي إليه تلك العجوز وقالت:

ـ آه والله طيب كويس، والنبي فرحتلكوا.

وقفت حبيبه بجوارها وقالت بمكر:

ـ من قلبك الفرحه دي يا رباب؟

ضحكت رباب بنعومه لتخفي لهيب عيناها قائلة:

ـ من جوه قلبي وحياتك يا بيبو.

ثم نظرت لحبيبه بتهكم واكملت:

ـ مش رضوان دايما يقولك بيبو برده؟ شوفتي انا لسه فاكره إزاي؟

ابتسمت لها وردت عليها قائلة:

ـ طبعاً ودايما يقول ونزعل ليه والدنيا فيها حبيبه. بزمتك مش حاجه حلوه.

تنفست غيظا وتحركت زهرة لتهدا الوضع واشارت لها بالجلوس وأشارت لابنتها وقالت:

ـ روحي ياحبيبه هاتي عصير لرباب.

كادت رباب أن تجلس ولكنها لن تستطيع غير أنها تقف امام زاد وتحملق بها. بينما حبيبه لم تحرك ساكناً فهى ليست خصماً سهلاً لمن يرغب في إزعاج شقيقها. اردفت رباب متسائلة:
ـ بس في سؤال، لا مؤاخذة كده يعني، هو ليه رضوان ما عملش فرح؟ ولا حد سمع بالعروسة، ولا حد عرف إنه هيتجوز؟ هو معقول في جوازة تتم كده في يوم وليلة؟ يا ترى إيه السر؟

رده زهره بقوه لانها تريد ان تنهي هذا الجدال. 

ـ ولا سر ولا حاجة يا رباب، كل واحد بيمشي تبع ظروفه. ورضوان ابني مشي تبع ظروفه، واللي هو شايفه صح عمله.

ثم نظرت اليها والقت بوضوح قائله: 

ـ و زي ما إحنا اتفاجئنا كده إنك اتخطبتي لعزت، وما عداش سنة، أهو بقيتِ مراته. يعني كل حاجة في الدنيا دي بقت جايزة إنها تحصل يا بنتي. وبعدين مرات ابني مش من الحارة عمومًا، دي من مكان تاني خالص زي ماقولتلك، اسم الله عليها. لا يفرق معاها هنا فرح ولا ليلة، المهم إنهم بقوا من نصيب بعض.

كادت رباب ان تموت مكانها من الغيظ. 

ـ اممم والله؟ كلامك جايز برضه ياخالتي.

ثم نظرت الى زاد.

ـ يعني إنتِ يا عروسة مش من المنطقة بتاعتنا؟ يا خسارة، كان نفسنا نعمل الواجب معاكي. وعلى كده إنتِ منين بقى في مصر؟

شعرت زاد بالارتياب منها، فأتت حبيبة على الفور لتقف بجوار زاد وتجيب بدلًا عنها، قائلة:

ـ تسلمي يا رباب، قد القول طبعًا، ومرات أخويا مش من المنطقة كلها عمومًا زي ما ماما قالت. ومش بس كده، دي متعلمة في الخارج، يعني بلاد بره، ومعاها شهادات كبيرة ومثقفة أوي. دي حتى بتفكر هي ورضوان يفتحوا دار كتب هنا في الحي.

تعجبت زاد من تلك الماكرة حبيبة؛ فهي متعددة المواهب، فكيف لها أن تصنع أمرًا لم يحدث؟ وأيضًا شعرت أنها سمعت باسم رباب من قبل، ولكنها لم تستطع أن تتذكر.

بينما ابتلعت رباب ريقها بغصة حارقة، وعندما رأت زاد نظرات رباب الغريبة والمشحونة بالعاصفة، لم تستطع فهم تلك التناقضات التي ظهرت في عينيها. كانت تشعر بتعجب كبير؛ كيف يمكن لامرأة تأتي لتبارك زواجها وتظهر تلك النظرات المليئة بالغيرة والكراهية؟

شعرت زاد بالارتياب منها، وظلت تفكر، محاولة فك شفرة تلك المشاعر الغامضة التي بدت وكأنها تتصارع في داخل رباب، لكنها لم تتمكن من إدراك الحقيقة وراء تلك النظرات المحيرة. ثم أنقذت حبيبة الموقف، قائلة:

ـ ما تقعدي يا رباب واقفة ليه يا حبيبتي؟ رجلك هتوجعك كده، اقعدي كلي معانا كيك. دي عمايل مرات أخويا وزي العسل. تاخذي حتة تدوقي عمايل إيديها؟

لم تتحمل رباب، فتركتهم وذهبت، وهي تقبض على حقيبة يدها بكل حقد. وقفت في أحد الزوايا لتمسح دموعها قبل دخولها المنزل، حتى لا يراها أحد من أفراد العائلة.

لم يستطع رضوان الانتظار أكثر من ذلك، فعندما تركه عزت وعصام وذهبا، اتجه إلى بيته حتى يعرف ما فعلته رباب، ومن المؤكد أنها فعلت أشياء وليس شيئًا واحدًا، فهي طباعها متسرعة ومندفعة، ولم تتمالك نفسها عندما تتحدث.

عندما وصل إلى البناية، ركض مسرعًا على الدرج وهو يخرج مفتاح المنزل، وفتح الباب وولج مسرعًا، ولكن سرعان ما توقفت قدماه حين استمع إلى أصوات ضحكاتهم المتتالية، وتملكه التعجب.

اقترب من صالة المنزل وهو يبحث عنهم، ورآهم ثلاثتهم يضحكون على حبيبة وهي تقلد بعض الشخصيات السينمائية التي تحبهم.

توقفت أنفاسه للحظة.

لم يفهم ما الذي يحدث.

تزاحمت الأفكار في رأسه، فكيف لرباب أن تأتي لتفكك شملهم؟ وكيف لهم يضحكون الآن؟

اختبأ بجوار الحائط، ورفع عينيه إليهم، لكنهما لم تستقرا إلا عليها.

زاد.

للمرة الأولى، رآها تبتسم دون أن يكون بينهما شجار أو كلمة مستفزة.

ظل يراقبها لثوانٍ أطول مما ينبغي، مأخوذًا بتلك الابتسامة التي بدت له غريبة عليها... أو ربما غريبة عليه هو أن يراها بهذه الصورة.

لم يعرف لماذا شعر فجأة أن المكان أصبح أهدأ، وأن شيئًا ما داخله قد هدأ معها.

كانت تضحك بعفوية، ووجهها يحمل خفة لم يرها من قبل، فوجد نفسه يتأملها دون أن ينتبه لمرور الوقت.

وللحظة، لم يتذكر أنها المرأة التي تريده أن ينفصل عنها، ولا تلك التي طالما أشعلت أعصابه بكلماتها وسخريتها.

كانت فقط زاد.

زوجته.

تلك الكلمة مرت في رأسه على نحو أربكه، فسرعان ما أبعد عينيه عنها، وكأنه ضُبط متلبسًا بفكرة لا يحق له التفكير فيها.

لكنه قبل أن يشيح بنظره تمامًا، التقت عيناه بعينيها للحظة.

لحظة قصيرة...

إلا أنها كانت كافية ليشعر بارتباك لم يعهده في نفسه.

خفض عينيه سريعًا، وشد فكه، ثم حاول أن يستعيد صلابته.

لا.

لا ينبغي له أن يترك قلبه يذهب إلى هذا الطريق.

فبينهما من الاختلاف ما يكفي ليجعل أي محاولة للتقارب ضربًا من الوهم.

هي ابنة رجل ثري، عاشت حياة لم يعرفها يومًا، وهو رجل قضى عمره يحارب ظروفه ويصنع لنفسه مكانًا وسط عالم لم يمنحه شيئًا بسهولة.

وما بين عالمها وعالمه مسافة أكبر من أن تعبرها ابتسامة.

هكذا أقنع نفسه.

أو حاول.

نفض أفكاره بعيدًا، وحمحم بصوت عالٍ حتى ينتبهوا لقدومه.

اقترب منهم وألقى عليهم التحية، متجنبًا النظر إليها، وكأنه يخشى أن تفضحه عيناه مرة أخرى.

وحين وصوله، تركتهم زاد ودخلت غرفتها، فلم يهتم لها، وظل يتحدث معهم وانتظر أن يخبروه بقدوم رباب، ولكنهم لم ينطقوا بكلمة واحدة بخصوص هذا الأمر، حيث نبهت زهرة على حبيبة بأن يكون هذا الأمر سرًا حتى لا يتعكر صفو رضوان.

فهم الأمر من نظراتهم المرتبكة أنهم لم يخبروه، فلم ينزعج؛ فالمهم أن عائلته بخير.

ظلت حبيبة تسرد لشقيقها عما حدث من أمور مضحكة، ووسط جلوسه كان يسترق النظر إلى غرفته المغلقة، دون أن يعلم أن قلبه خلف تلك الغرفة.

كان يلتفت إليها دون أن يشعر، ثم يعود بعينيه سريعًا إلى حبيبة، وكأنه يخشى أن يكتشف أحدهم أنه، منذ لحظات فقط، كان يقف خلف الحائط يراقب ابتسامة لم يستطع انتزاعها من ذاكرته.

قامت زهرة وجلست بجوار رضوان، وأخذت تلفت نظره إلى ضرورة أن ينتبه أكثر إلى أمر غرفة نومه. فهو قد تزوج حديثًا، ولم يقم لزوجته فرحًا ولا احتفالًا، ولا حتى أبسط تفاصيل الزواج التي تفرح بها أي عروس. وكانت ترى أن أقل ما يمكنه فعله أن يجدد الغرفة ويختار شيئًا جديدًا يليق بزاد، حتى تشعر بأنها عروس بالفعل، ويكون لها شيء من فرحة الزواج التي حُرمت منها.

ظل رضوان ينظر أمامه في صمت. كان قد فكر في الأمر بالفعل، بل وتمنى أن يفعلها من أجلها، وأن يمنحها ولو جزءًا بسيطًا من الفرحة التي تستحقها. لكنه سرعان ما تذكر أن زاد، عاجلًا أم آجلًا، سترحل عنه، فتبدلت رغبته في اللحظة نفسها.

لم يرَ فائدة من شراء غرفة جديدة لامرأة يعرف أنها لن تبقى معه إلى الأبد، فأعرض عن الفكرة، وكأنه لا يريد أن يمنح قلبه أملًا في حياة يعرف أنها قد لا تستمر.

وبينما كان يفكر، انتبه إلى شقيقته، وشعر بالضجر من ثرثرتها، فأمسك رأسها ووضع يده على فمها ممازحًا إياها، يريدها أن تصمت ولو قليلًا، ثم طلب منها أن تذهب إلى غرفتها لتهتم بدراستها وتركز جيدًا، فهو يريدها أن تجتاز كل شيء وينتظر منها درجات عالية في كل سنة من دراستها.

كانت نبرته تحمل جدية الأخ الذي لا يرى في حياته شيئًا أغلى من أخته، حتى وإن حاول دائمًا أن يخفي خوفه عليها خلف المزاح والأوامر.

وعدته حبيبة بذلك، ولكن بشرط أن يوافق على خروجهم جميعًا غدًا، فهي تشتاق إلى كورنيش النيل كعائلة صغيرة سعيدة.

ابتسم رضوان رغمًا عنه.

كان طلبها بسيطًا، لكنه حمل إليه شيئًا من تلك الحياة التي يخشى فقدانها.

وافقها الرأي، فهم لم يذهبوا إلى أي مكان في الفترة الأخيرة.

مضى اليوم بسلام، وأتى مساء جديد.

وفي الموعد المحدد، ارتدت حبيبة ملابسها واستعدت للخروج، بينما كان رضوان ينتظرهم في الصالة، جالسًا بهدوء ظاهري، وإن كانت عيناه تتحركان بين الحين والآخر نحو باب الغرفة، منتظرًا أن تخرج زاد.

وبالفعل، انفتح الباب.

خرجت زاد بخطوات عادية، وكأنها لم تكن تدرك أن مجرد ظهورها أمامه سيبدل ملامحه في لحظة.

رفع رضوان عينيه إليها...

فتوهج وجهه للحظة، قبل أن تتقلص ملامحه سريعًا.

كانت ترتدي تنورة قصيرة، وشعرها منسدل على كتفيها بعفوية، وكأنها لم ترَ في ملابسها ما يستحق كل هذا الاعتراض.

ظل رضوان ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن يشيح بعينيه بعيدًا، ويزفر بضيق، وكأنه يحاول أن يستوعب كيف يمكن أن تبدأ الليلة بهذا الشكل.

ـ ينهار أسود! إيه اللي إنتِ لابساه ده؟

نظرت زاد إلى نفسها، ثم رفعت عينيها إليه باستنكار، وكأنها للمرة الأولى تكتشف أن وجوده في حياتها يعني أنها ستضطر إلى سماع تعليقات على كل شيء تفعله.

ـ لبسي! ماله؟

صك على أسنانه من برودها.

ـ ماله! قصير يا هانم. قصير لو مش واخدة بالك.

نظرت إليه زاد باستفزاز، ثم قالت بحدة:

ـ أنت مش وصي عليا. ولا ليك تتدخل في حياتي ألبس إيه ومالبسش إيه!

ارتفعت حاجباه للحظة، قبل أن يرد عليها بنبرة أكثر صرامة:

ـ والله الكلام ده كان زمان. لما كنتي في بيت أهلك. لكن دلوقتي أنتي هنا في بيتي.

ضحكت بسخرية، وكأن كلماته لم تزدها إلا تحديًا.

ـ نعم؟! بيتك! أممم.

ثم صكت على أسنانها، وأضافت:

ـ وإيه بيت أهلك دي؟ أنت تطول تعيش فيه حتى. أبعد عن طريقي. ومالكش دعوة بيا.

اقترب منها خطوة، وقد بدأ الضيق يظهر بوضوح على وجهه.

لم يكن يعرف لماذا استفزه ردها إلى هذا الحد، لكن عنادها كان يضغط على أعصابه، والأدهى من ذلك أنها كانت تتحدث وكأن وجوده لا يعني لها شيئًا.

ـ غيري اللي إنتِ لابساه ده لو عايزه اليوم يعدي على خير.

ردت بعناد، دون أن تتراجع خطوة واحدة:

ـ مش هغير حاجة. أنت آخر واحد يديني أوامر، فاهم ولا لأ؟

مسح وجهه بيده وهو يستغفر، محاولًا أن يمنع نفسه من فقدان أعصابه.

ـ طيب أقسم بالله ما أنتي خارجة بمنظرك ده!

تنفست بغيظ، ورفعت صوتها:

ـ إنت بتحلف على مين يا بني آدم أنت؟ أنت مفكر إني مقدرش أخرج لوحدي؟ حقيقي إنسان همجي وعدواني.

اشتدت ملامحه.

ـ أنا عدواني! طيب خشي الأوضة وغيري الهباب ده علشان ما نشوفيش العدوانية اللي بجد.

رفعت حاجبها باستفزاز.

ـ وأنت مالك أصلًا؟ حاشر نفسك في حياتي ليه، يا مستفز أنت؟

توقف للحظة.

كانت جملتها بسيطة، لكنها أصابته في مكان لم يكن مستعدًا له.

هو نفسه لم يكن يعرف الإجابة.

لماذا يهمه ما ترتديه؟

لماذا يستفزه أن تخرج بهذه الصورة؟

ولماذا، منذ أن خرجت من الغرفة، لم يستطع أن يمنع عينيه من العودة إليها رغمًا عنه؟

حاول أن يقنع نفسه بأن الأمر مجرد مسؤولية.

مجرد غيرة طبيعية من رجل على زوجته.

لكن شيئًا داخله كان يعرف أن المسألة لم تعد بهذه البساطة.

فكرة أن يراها الآخرون بهذه الهيئة أزعجته.

بل أغضبته.

والمزعج أكثر أنه لم يستطع تفسير السبب.

رفع عينيه إليها وقال بصرامة:

ـ مالي؟ مالي إني جوزك، يا هانم.

ردت بضيق.

ـ جوزي؟! وإيه علاقة جوازنا بلبسي؟ أنت مفكر جوازي منك ده جواز ولا حياة من الأساس؟

ضاقت عيناه، وكأنه تلقى منها صفعة لم تظهر على وجهه.

لكنه أخفى أثرها سريعًا خلف الجمود الذي اعتاد أن يتسلح به.

ـ والله ده نظامي، وإن كان عاجبك.

ـ لا، لا، لا. فوووق يا أستاذ! أنت مش هتبدأ تتحكم فيا. مش هسمحلك أساسًا.

ـ وأنا مش بتحكم فيكي. أنا بقولك إنك مش هتخرجي باللبس ده. يا إما هقفل عليكي هنا وتترزعي في البيت لحد ما نرجع.

ـ قولتلك أنا حرة! مش هغير حاجة. حياتي وأنا حرة فيها.

ـ وأنا بقولك. هتغيري وبالذوق، بدل ما أدخل أقطع كل هدومك اللي جوه دي.

ارتفع صوتها وصرخت بجنون:

ـ وأنت فاكر نفسك مين؟ أنت اتجننت والله! أنت مجنون!

اقترب منها، والغضب يسبق كلماته:

ـ فاكر نفسي جوزك! ومسؤول عنك. وأظن ده كفاية.

تدخلت زهرة سريعًا بعدما شعرت أن الأمر يتجه إلى شجار حقيقي.

ـ خلاص يا رضوان، استهدى بالله. وانتي يا بنتي، اهدي شوية مش كده. اخذوا الشيطان.

لكن رضوان لم يكن قادرًا على الهدوء.

كانت عيناه تعودان إليها رغمًا عنه، ثم يشيح بنظره كل مرة، وكأن مجرد النظر إليها يزيد غضبه بدلًا من أن يطفئه.

قال بحزم:

ـ اسمعيني كويس؛طول ما إنتِ على ذمتي، مش هسمحلك تنزلي من البيت باللبس ده. أنا مش أراجوز هنا.

وضعت يدها في وسطها، ونظرت إليه بعناد:

ـ أحلم.أنا مش هسمحلك تفرض رأيك عليا.

رد بصرامة:

ـ يبقى مش هتنزلي. ولا هتشوفي الشارع.

شهقت حبيبة وهي تنظر إلى التنورة بدهشة، ثم قالت بصراحة:

ـ بصراحة يا زاد... الجيبة دي قصيرة أوي.

نظرت إليها زاد بضيق:

ـ إنتِ كمان يا حبيبة؟ وبعدين أنا حرة.

أما زهرة فكانت لا تزال تنظر إليها في صدمة، قبل أن تقول:

ـ يا بنتي غيريها وخلاص، هو الموضوع مستاهل كل ده؟

صرّت زاد على أسنانها.

ـ لا، مش هغيرها. إبنك ما بيعرفش يتكلم كلمتين زي البني آدمين الطبيعيين.

ثم أشارت إلى رضوان بعناد:

ـ هو ماله أساساً.وبعدين هو من إمتى بقى له حق يقرر أنا ألبس إيه؟

اشتد غضبه أكثر، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يقول بصوت مرتفع:

ـ من يوم ما بقيتي مراتي!

ساد الصمت.

كأن الجملة لم تكن موجهة إلى زاد وحدها.

حتى هو نفسه بدا وكأنه سمعها للمرة الأولى.

تجمدت زاد في مكانها.

وتجمد رضوان نفسه بعد أن خرجت الكلمة من فمه.

مراته.

قالها ببساطة... وباندفاع... وكأنها حقيقة استقرت داخله قبل أن يستوعبها عقله.

وللحظة، لم يعرف أيهما كان أكثر ارتباكًا... هي التي سمعتها، أم هو الذي قالها.

نظرت إليه زاد، وقد اختفى الرد من على لسانها للحظات.

أما رضوان فاشتدت ملامحه، وكأنه انزعج من نفسه أكثر مما انزعج منها.

لم يكن مستعدًا لأن يعترف حتى لنفسه بأن كلمة "مراتي" خرجت منه بهذه السهولة.

فقال، وكأنه يريد أن يدفن ارتباكه تحت مزيد من الحزم:

ـ كلمة زيادة، أقسم بالله ما حد خارج من البيت.

استدار فجأة وتركهم، واتجه إلى الشرفة.

فتح الباب ووقف في الخارج، وأخذ نفسًا عميقًا يحاول أن يلتقط بعض الهواء.

وضع يده على حافة الشرفة، وأغمض عينيه.

ظل ساكنًا للحظات، ثم زفر ببطء.

كان يشعر بالغيرة.

نعم.

لم يعد يستطيع إنكارها حتى أمام نفسه.

مجرد فكرة أن تخرج أمام الناس بهذه الملابس كانت تستفزه بطريقة لم يفهمها.

ولم يكن غضبه من التنورة وحدها.

كان من فكرة أن يراها غيره.

أن تقع عيون أحد عليها بالطريقة التي وقعت بها عيناه هو عليها منذ لحظات.

فتح عينيه ونظر إلى الشارع أسفل الشرفة، وكأنه يبحث في الظلام عن إجابة لسؤال لم يستطع حتى أن يصوغه.

متى أصبحت زاد تعنيه إلى هذا الحد؟

ومتى أصبح وجودها في مكان ما، أو نظرات الآخرين إليها، شأنًا يعنيه هو؟

زفر بضيق، ثم حاول أن يقطع الفكرة قبل أن تكمل طريقها إلى قلبه.

فرداؤها فتن عينيه قبل قلبه.

فما بال كل من يراها؟

في الداخل، ظلت زاد واقفة وهي تغلي من الغضب.

كانت تحدق ناحية الشرفة بين لحظة وأخرى، وكأن مجرد ظهوره أمامها أصبح يستفزها.

كانت غاضبة من طريقته، ومن أوامره، ومن تلك الثقة التي يتحدث بها وكأنه صاحب الحق في تقرير كل شيء عنها.

ومع ذلك...

كانت كلمة واحدة لا تزال تدور في رأسها رغمًا عنها.

مراتي.

هزت رأسها بعصبية، وكأنها تريد طرد الكلمة من ذهنها.

لا.

لن تسمح له بأن يجعلها تنسى من تكون.

هي لم تتزوج رضوان حبًا، ولم تدخل حياته بإرادتها، ولم تكن مستعدة لأن تتحول حياتها الجديدة إلى سلسلة من الأوامر والنواهي.

وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا، نجحت زهرة وحبيبة في إقناعها بأن ترتدي شيئًا آخر.

قالت لها زهرة بهدوء:

ـ يا زاد، إحنا مش عايزين نضايقك ياحبيبتي، بس المنطقة هنا مش زي المكان اللي إنتِ متعودة عليه صدقيني. فيه شباب كتير، وممكن حد يضايقك بكلمة، ولا حركة، وساعتها رضوان مش هيسكت، وهتحصل خناقة من أول ما نخرج لحد ما نرجع. أبني وأنا عارفاه.

تنهدت حبيبة وهي تحاول تهدئتها:

ـ والله ماما عندها حق. يا بنتي، الشباب هنا ما بيصدقوا يلاقوا حتة لحمة ويتكاتروا عليها، والله العظيم! لو واحد لمحك كده، لا تسمعي كلام يطلع من نفوخك، ورضوان أخويا مش هيسكت، وهتبقى ليلة سودا على دماغك قبل دماغنا. وبعدين إنتِ مش خسرانة حاجة، البسي حاجة تانية وخلينا نخرج وننبسط.

ثم أكملت زهره بلطف: 
ـ استهدي بالله يا بنتي، يلا وغيري هدومك. والله رضوان ابني ما يقصدش ده، هو حنين وأنا عارفاه.

صرّت زاد على أسنانها، ثم نظرت ناحية الشرفة وصرخت:

ـ ـ ابنك وإنتِ عارفاه؟ أومال فين بقى ابنك الحنين ومعرفش إيه؟ ده حنين ده! ده كابوس، ده لعنة حلت عليّا.

ثم أضافت بصوت أعلى وهي تبحث عن ملابس غيرها حتى تسمعه:

ـ وعلى فكرة أنا بكرهك! بكرهك. ما كرهتش في حياتي حد قدك. سامع! بكرهك.

وصل صوتها إليه، فالتفت إليها من مكانه.

رفع حاجبه، وبقي ينظر إليها للحظات دون أن يرد.

أما زهرة فضحكت رغمًا عنها، وأمسكت يد حبيبة وسحبتها معها إلى الخارج.

قالت حبيبة وهي تضحك:

ـ ماما بتضحكي! بتفرحي في المصايب يا زهرة؟

نظرت إليها زهرة بنظرة ذات معنى.

ـ علشان اللي حصل ده، يا أم لسانين.

ـ حصل إيه؟

اقتربت منها وهمست:

ـ دي شرارة الحب بينهم.

اتسعت عينا حبيبة، ثم نظرت إلى الشرفة، وبعدها إلى أمها، وكأنها بدأت تستوعب الأمر.

ـ حب؟! دول كانوا هيموتوا بعض!

ضحكت زهرة أكثر.

ـ ومن الحب ما قتل يا بت. إنتِ مش شايفة أخوكي غيران عليها إزاي؟ ولا هي بقى.

قطعتها حبيبة قائلة:

ـ هي إيه بس يا ماما؟ ده هيجيلها جلطة منه.

ضحكت زهرة، بينما هزت حبيبة رأسها وهي لا تزال غير مقتنعة.

أما في الداخل، فكانت زاد قد أنهت بحثها عن ملابس أخرى.

وبعد دقائق، خرجت من غرفتها.

كانت قد ارتدت بنطالًا مع سترة مغلقة، وفوقهما بالطو ليس بقصير، ومشطت شعرها إلى الخلف وربطته برباط شعر رقيق.

توقفت أمامهم.

كانت مختلفة.

أكثر هدوءًا ورقة.

لكنها، رغم غضبها، بدت جميلة بطريقة جعلت رضوان يصمت للحظات.

رفع عينيه إليها، ثم مرر نظره سريعًا على ملابسها، قبل أن يستقر على وجهها.

تنفس ببطء.

لم يكن يريد أن يطيل النظر، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يفكر فيها من قبل.

حتى غضبها كان له شكل مختلف.

وحتى عنادها...

كان يلفت انتباهه أكثر مما ينبغي.

خفض عينيه سريعًا، وكأنه ضبط نفسه متلبسًا بشيء لا يريد الاعتراف به.

ثم قال في نفسه:

لابد أن تغطي شعرها في أقرب وقت.

فهمت زهرة ما يدور في رأسه من نظراته، فاقتربت منه وهمست:

ـ اصبر عليها يا رضوان. هي لسه مش فاهمة طبيعة حياتنا، وبعدين شكلها بنت طيبة. وهتيجي معاك باللين مش بالعافية يا حبيبي. سيبها على راحتها، خدها واحدة واحدة، ومع الأيام هتتغير.

نظر إليها رضوان للحظة.

لم يجب.

كانت كلمات أمه أهدأ من أن تجادله، وأصدق من أن يتجاهلها.

ثم أعاد عينيه إلى زاد.

وقفت بعيدًا عنه، تتمتم بضيق كطفلة غاضبة من أبيها، فبدت ملامح غضبها أظرف من أن تُخيفه.

ورغم محاولته أن يحافظ على جديته، خانته ابتسامة صغيرة ارتسمت على طرف فمه، وهو يراقب غضبها الطفولي بصمت.

فحتى وهي غاضبة منه...

كانت تسرق عينيه إليها..

وبعد معاناة وضجر من حبيبة، ذهبوا إلى الكورنيش أخيرًا.

كان الليل قد ألقى بسكونه على المكان، بينما ازدحم الممشى بالعائلات والشباب والباعة المتجولين، واختلطت أصواتهم بضحكات المارة ونداءات الباعة، لتصنع أجواءً بسيطة، لكنها تحمل شيئًا من البهجة.

لم يتحدث رضوان مع زاد بكلمة واحدة منذ خروجهم.

كان يسير إلى جوار حبيبة، يتحدث معها ويضحك، وكأنه تعمد أن يشغل نفسه عنها تمامًا.

أما زاد، فكانت تمشي بجوار زهرة، وقلبها مثقل بالحزن والغربة.

كانت نسائم مياه النيل العليلة تمر من حولها وتداعب وجهها، لكنها لم تشعر بأي من تلك الراحة التي يفترض أن يمنحها هذا الجو.

كانت عيناها تتنقلان بين المارة، فتتذكر حياتها القديمة دون إرادة منها.

تذكرت سيارتها الخاصة، والأماكن التي اعتادت الذهاب إليها، والأشياء التي كانت تعتبرها من المسلمات في حياتها، قبل أن تجد نفسها فجأة في عالم لا يشبهها.

وقعت عيناها على بعض الباعة المتجولين.

ولفت انتباهها شيء بسيط لم تكن تتوقع أن تتوقف أمامه.

الابتسامة.

كان التعب ظاهرًا على وجوههم، وبعضهم يقف لساعات طويلة في المكان، ومع ذلك كانت ابتساماتهم صادقة، تخرج منهم بعفوية وكأنهم وجدوا في القليل ما يكفيهم للرضا.

تأملت أحدهم للحظات، ثم تنهدت.

ربما كانت هذه أول مرة تنتبه فيها إلى أن السعادة قد تكون أبسط بكثير مما كانت تظن.

لكنها لم تكد تسترسل في أفكارها حتى وقعت عيناها على رضوان.

كان يضحك مع حبيبة، ويبدو مستمتعًا بوجودها، متجاهلًا وجودها تمامًا.

شعرت ببرودة التجاهل تعصف بداخلها.

لم تكن تنتظر منه شيئًا، أو هكذا أقنعت نفسها، لكنها رغم ذلك شعرت بوخزة صغيرة حين وجدته قادرًا على الاستمتاع بليلتهم وكأنها غير موجودة.

كانت وسط زحام الناس، ومع ذلك شعرت للحظة أنها وحيدة تمامًا.

التقطت زهرة تلك النظرة.

فهي، قبل أن تكون أمًّا، كانت أنثى تعرف جيدًا كيف تشعر امرأة تحاول إخفاء حزنها خلف الصمت.

اقتربت منها قليلًا، وقالت بحنان:

ـ تعالي يا زاد يا بنتي، نقعد هنا شوية. أريح رجلي.

جلست زاد دون كلمة واحدة.

وما إن استقرت إلى جوارها حتى ربّتت زهرة على ظهرها بحنان، محاولة أن تفتح معها حديثًا يخرجها قليلًا من شرودها.

نظرت إليها وسألتها:

ـ قوليلي بقى يا زاد، إنتي شبه مامتك صحيح زي ما قال والدك؟

اغرورقت عيناها بمجرد أن سمعت السؤال.

كان اسم أمها وحده كفيلًا بأن يفتح بابًا حاولت طوال الوقت أن تغلقه.

اشتاقت فجأة إلى الحديث عنها، إلى تفاصيلها، إلى صوتها، وإلى كل ما يربطها بذلك الجزء من حياتها الذي فقدته.

قالت بهدوء:

ـ أممم، بشبهها كتير. 

تنهدت زهرة قائلة:

ـ الله يرحمها. بس بسم الله ما شاء الله، إنتي زي القمر.

ابتسمت زاد ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها.

ثم شعرت بأنها تريد أن تبوح بما بداخلها من ألم، فقالت بصوت خافت:

ـ ماما كانت أجمل. كنت بحبها أوي. كانت دايمًا هادية، وبتتقبل مني أي رأي، وتنصحني بحنان. عمرها ما كانت قاسية في يوم. كانت ملجأي لو حسيت إني تايهة.

لمعت عينا زهرة وهي تسمعها، وظلت يدها تتحرك برفق على ظهرها.

وأكملت زاد، برعشة واضحة في صوتها:

ـ أنا مفتقداها أوي يا طنط.

سقطت دمعة من عين زاد.

رفعت يدها سريعًا تجففها، وكأنها شعرت بالخجل من انكشاف ضعفها أمام الآخرين.

لكن قبل أن تصل أصابعها إلى وجهها، امتدت إليها يد تحمل محرمة ورقية.

توقفت للحظة.

ثم رفعت عينيها.

كان رضوان.

وقف أمامها دون أن يقول شيئًا.

كانت ملامحه هادئة على غير عادته، وقد اختفى منها ذلك الغضب الذي لازم وجهه طوال المساء.

لم ينظر إليها طويلًا، وكأنه يخشى أن يحرجها، فقط مد يده بالمحرمة، وانتظر.

أما زاد، فظلت تنظر إليه للحظات.

لم تعرف ماذا تفعل.

قبل وقت قصير كانا يتشاجران، وكان كل منهما يحاول إثبات أنه أقوى من الآخر، والآن يقف أمامها بهذه البساطة، وكأنه لم يفعل شيئًا سوى أنه انتبه إلى دمعتها.

في تلك اللحظة، لم يكن رضوان بالنسبة إليها الرجل العنيد الذي أغضبها منذ قليل.

كان فقط شخصًا رأى حزنها... ومد يده إليها دون سؤال.

ترددت لحظة، ثم أخذت منه المحرمة دون أن تتحدث.

أما هو فاكتفى بنظرة قصيرة إلى عينيها، ثم أبعد عينيه عنها.

راقبت زهرة ما حدث بينهما بصمت.

وفهمت أكثر مما قيل.

فلم تشأ أن تفسد تلك اللحظة.

انتهزت الفرصة، ونهضت من مكانها واتجهت إلى حبيبة، تاركة لهما المساحة ليتحدثا ولو قليلًا.

ربما كانت كلمات قليلة كفيلة بفتح باب ظل مغلقًا بينهما منذ بداية زواجهما.

ظلت زاد جالسة في صمت، تجفف دموعها.

أما رضوان، فجلس إلى جوارها، تاركًا مسافة بينهما.

لم يقترب أكثر.

ولم يحاول إجبارها على الحديث.

ظل منتظرًا منها أن تتحدث أو تسرد ما تشعر به، لكنها بقيت صامتة.

وبعد لحظات، شعر أنه يجب عليه أن يقول شيئًا، أي شيء قد يخفف عنها.

فقال بصوت جلي:

ـ الله يرحمها، هي أكيد في مكان أحسن.

حركت رأسها، وهي تشعر بثقل يعتلي قلبها، ورددت كلماته:

ـ أكيد في مكان أحسن.

رد مؤكدًا، حتى يهون عليها:

ـ طبعًا في مكان أحسن. دي راحت لربنا شهيدة.

رفعت زاد عينيها إليه.

للحظة، ظنت أنه يتحدث عن شخص آخر، لربما استشهد في معركة ما، لكنها صححت معلوماته قائلة:

ـ أنا بتكلم عن مامتي، وهي ماتت مريضة مش شهيدة.

هز رأسه مؤكدًا:

ـ سمعت كل كلمة قولتيها على فكرة، وأنا أقصد بكلامي والدتك، الله يرحمها، فهي نحسبها شهيدة إن شاء الله.

كشرت ما بين عينيها، ونظرت إليه مستفسرة:

ـ كيف؟

أجابها قائلًا:

ـ اللي أعرفه وسمعت بيه من شيوخ عندنا في المسجد إن مريض السرطان لما يتوفى فهو بينال درجة من درجات الشهادة، وكمان المبطون وحاجات كتير أنا أجهلها، لكن والله أعلم يعني إن شاء الله والدتك راحت شهيدة. هو في أحسن من كده!

ظلت تنظر إليه للحظات.

لم تكن تعرف هذه المعلومة من قبل، وشعرت بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى قلبها رغم حزنها.

تنهدت بحزن عميق قائلة:

ـ لا طبعًا، مفيش أحسن من الشهادة، لكن ده ما يمنعش إنها وحشاني أوي.

ثم أكملت، مغرورقة عيناها بدمع الفراق:

ـ حاسة إني وحيدة أوي من بعدها. محتاجلها ومحتاجة لصوتها وكلامها معايا. إنت متتخيلش كانت جميلة إزاي، وكلامها وهدوئها وكل حاجة فيها كانت جميلة أوي يا رضوان!

توقفت أنفاسه للحظة.

لم يكن بسبب حديثها هذه المرة.

بل بسبب اسمه.

رضوان.

نطقته للمرة الأولى.

ببساطة شديدة، ودون أن تدرك أن تلك الكلمة الصغيرة تركت أثرًا غريبًا داخله.

نظر إليها، ثم ظهرت على طرف فمه ابتسامة صغيرة لم يستطع منعها.

يا له من اسم جميل عندما نطقت به تلك الفتاة العنيدة التي قلبت موازين حياته رأسًا على عقب.

أشاح بوجهه قليلًا، وكأنه يخفي ابتسامته، ثم قال مازحًا بأسلوب مبطن:

ـ رضوان! يا سلام، حلو رضوان، مع إني مكنتش حابب اسمي، بس من دلوقتي هوثق اسمي على باب الشقة. بفكر أكتب على يافطة محندقة: منزل رضوان العطار، وبس كده.

لم تتعجب من رد فعله.

لم تكن في مزاج يسمح لها بأن تتوقف كثيرًا عند مزاحه، لكنها، رغم حزنها، لم تستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على ثغرها وهي تجفف دموعها.

نظرت بعيدًا.

ورآها رضوان تبتسم.

فتسللت إلى وجهه ابتسامة أخرى، أكثر هدوءًا.

ولم يقل شيئًا.

اكتفى بأن نظر بعيدًا هو الآخر.

كان بينهما صمت مختلف هذه المرة.

صمت لم يكن ممتلئًا بالغضب أو العناد.

بل بشيء جديد، لم يجد أيٌّ منهما له اسمًا بعد.

وفي مكان قريب، كانت حبيبة تراقبهما في صمت وهي تلوك الطعام.

رأت شقيقها يجلس بجوار زاد محاولًا تعديل مزاجها، فتوقفت عن المضغ للحظة.

لم تفهم ما الذي أصاب قلبها وعكر صفوها.

كانت تريد أن تلهو معه، وأن تجلس برفقته كما اعتادت دائمًا.

وضعت يدها على وجنتها، وأخذت تفكر.

لماذا انزعجت إلى هذا الحد؟

وحينها تذكرت كلمات إيمان لها، وأنها تخاف من أن يبتعد عنها لأنها تراه الأب الروحي لها.

وكما وصفتها أيضًا بأنها تحمل الأنانية في قلبها ولا تريد أن يأخذه أحد منها.

رفعت رأسها بالرفض، وكأنها تعترض على أفكارها بنفسها.

لا.

ذلك ليس صحيحًا.

هي حقًا تحب أخاها، وتحب كل شيء يحبه هو، ومن المؤكد أنها تريد له السعادة.

لكن الأفكار كانت تتزاحم في رأسها رغمًا عنها.

فنفّضت تلك الأفكار السيئة، محاولة التأقلم مع وجود رضوان بجوار زوجته.

ثم عادت الكرة مرة أخرى لتنظر إليهما.

وحين وجدت ابتسامة شقيقها، رسمت طيف ابتسامة رقيقة على شفتيها.

ربما كانت هذه هي اللحظة التي بدأت فيها تتقبل أن مكانة زاد في حياة أخيها لن تكون عابرة.

وتمنت له في صمت حياة رائعة.

مرت لحظات أخرى، ثم طلب رضوان من زاد أن تشاركه السير عبر الممشى، فالمكان حولهم مزدحم.

وأشار إلى الطريق أمامهما، ثم أكد عليها أن الجو جميل، ومؤكد أنها ستهدأ وسط المناظر الليلية الخلابة.

وافقت.

وظلت صامتة وهي تسير بجانبه.

لم ينزعج رضوان من صمتها.

كان يشعر أن حزنها لا يحتاج إلى كثير من الأسئلة، وأن بعض الصمت يكون أرحم من الكلام.

سارا بجوار بعضهما، وبينهما مسافة صغيرة، لكن كلًّا منهما كان يحمل في رأسه من الأفكار أكثر مما ينبغي.

وبعد لحظات، أشار رضوان أمامه وقال:

ـ تاكلي درة مشوي على الفحم؟

نظرت أمامها، فوجدت ذلك البائع الذي يشوي الذرة، فقالت بابتسامة:

ـ آه، تقصد Grilled corn.

ابتسم على طريقتها الطفولية، وقال:

ـ ها، أجيبلك درة مشوي ولا رجعتي في كلامك؟

حركت كتفيها قائلة:

ـ أوكي، بس يارب متتعبنيش.

ضحك رضوان قائلًا:

ـ لأ، الفول حاجة والدرة حاجة تانية خالص. تعالي معايا.

تحركت معه.

وقفت بجانبه وهي تراقبه يتحدث مع البائع، ويرشده كيف يريد طلبه، وكأنه معتاد على هذه الأشياء ويعرف جيدًا ما يريد.

راقبته بصمت.

كان مختلفًا عن الصورة التي رسمتها له في ذهنها.

لم يكن ذلك الرجل الذي رأته فقط في لحظات الغضب والعناد.

كان يعرف كيف يتعامل مع الناس، ويعرف كيف يضحك، وكيف يصنع لنفسه مكانًا في هذا العالم البسيط دون أن يشعر أنه أقل من أحد.

بعد لحظات، ناولها رضوان كوز الذرة.

أخذته منه، بينما أخذ هو لأمه وأخته، ثم عاد إليها، ومشوا بجانب بعضهما.

كانت حرارة الذرة بين يديها، والهواء البارد يلامس وجهها، وأصوات الناس من حولها تختلط بضحكاتهم.

غمرها شعور غريب وسط هذه الأجواء التي تعيشها للمرة الأولى.

لم تكن تشبه عالمها.

لكنها، وللمرة الأولى، لم تنفر منها تمامًا.

ظلت تنظر إلى كل ما يحيط بها، وهي تعيش أجواء جديدة عليها.

وجدت فيها بساطة لم تكن تراها من قبل.

وبدأت، دون أن تشعر، تخطو أول خطوة في طريق التأقلم مع هذا الحال.

لكن إلى متى؟

هي عاجلًا أم آجلًا ستترك رضوان، وتعود إلى عالمها الذي تفتقده كثيرًا.

هكذا حدثت نفسها.

وكأن قلبها كان يحاول أن يذكرها بأن هذه الحياة مؤقتة، قبل أن تسمح لأي شيء آخر بالتسلل إليها.

مر الوقت بهم، واجتمعت كل العائلة تسير سويًا.

واشترى لهم رضوان بعض المسليات الأخرى من إحدى البائعات المتجولات، وتبادلوا جميعًا أطراف الحديث بينهم.

وكانت حبيبة تصنع لهم البهجة في أي وقت ومكان.

تلاشت حدة التوتر التي ملأت بداية المساء، وحل محلها شيء من الألفة لم يعتد عليه أحد منهم بعد.

عادوا إلى المنزل في بداية منتصف الليل، تغمرهم السعادة والضحكات.

وذهبوا جميعهم للنوم.

جلست زاد في فراشها وهي تزيل مساحيق التجميل من وجهها، ثم وضعت بعض المرطبات الليلية التي تساعد في الحفاظ على بشرتها.

وما إن انتهت، حتى أتت بزجاجة لم يكن بها سوى القليل من مقوي الأظافر.

تحدثت إلى نفسها بأنها سوف تشتري غدًا زجاجة جديدة، ثم قامت بوضع المقوي على أظافرها.

كانت تحاول أن تعود إلى تفاصيلها الصغيرة المعتادة، وكأنها تتمسك بأي شيء من حياتها القديمة حتى لا تشعر بأنها فقدت كل شيء دفعة واحدة.

خرج رضوان من المرحاض، ثم ولج إلى الغرفة بعد استئذانه.

وجدها قد دثرت حالها بالغطاء جيدًا، ولم يظهر منها شيء غير رأسها.

لم يعلق.

يبدو أنها تغفو هكذا.

أتى بغطاء ووضعه على الأرض، مستعدًا للنوم.

وما إن تسطح على الغطاء ودثر نفسه،حتى غفا مسرعًا.

كان يومه منهكًا، ولم يحتج جسده إلى أكثر من لحظات قليلة ليستسلم للنوم.

استمعت زاد إلى أنفاسه المنتظمة.

انتظرت قليلًا، ثم اعتدلت برأسها ببطء.

كان نائمًا.

هادئًا.

وقد بدت على ملامحه سكينة لم ترها فيه من قبل.

ظلت تنظر إليه.

لم تكن نظرتها هذه المرة عابرة.

كانت تتأمل ملامحه التي لم تمنح نفسها فرصة للنظر إليها جيدًا حين يكون أمامها.

فهي، منذ عرفته، لم ترَ منه سوى الغضب والصرامة والعناد.

أما الآن، فقد كان مختلفًا.

تأملت تلك الملامح الرجولية، وأسندت يدها إلى وجنتها.

وكلما حاولت أن تبعد عينيها عنه، وجدت شيئًا يجذبها إليه من جديد.

ظلّت على تلك الحال وقتًا طويلًا، حتى رسم عقلها صورة مختلفة تمامًا لرضوان.

تذكرت ابتسامته منذ قليل.

وتذكرت الطريقة التي نطقت بها اسمه.

رضوان.

فارتسمت ابتسامة رقيقة على ملامحها دون أن تشعر.

تنهدت بعمق.

ثم تسطحت على الفراش مرة أخرى، وظلت تنظر إلى سقف الغرفة.

كانت تحاول أن تفهم ما الذي حدث لها هذه الليلة.

لماذا لم تعد تشعر بالغضب نفسه؟

ولماذا بقيت تلك اللحظة الصغيرة، حين مد يده إليها بالمحرمة، عالقة في ذهنها؟

لم تجد إجابة.

وربما لم تكن مستعدة للبحث عنها أصلًا.

في الجهة الأخرى، تقلب رضوان وهو نائم، فأعطاها ظهره.

ظهر على ثغره، دون أن يفتح عينيه، ابتسامة طفيفة.

وكأنه كان يعرف أنها كانت تنظر إليه.

ثم غفا من جديد.


تعليقات