رواية كيفك انت الفصل الرابع عشر 14 بقلم مياده يوسف الذغندي


 رواية كيفك انت الفصل الرابع عشر 


زهرة......

قعدت على طرف السرير تبكي، وكأنها لسه مش قادرة تستوعب الخبر.

سافر فعلًا...

وسابني.

مسحت دموعها بإيديها، لكن دموعها كانت بتنزل أكتر.

زهرة.....

سافر فعلًا وسابني...

يا ريتني طلعت له يوم ما جه هنا.

يا ريتني رديت عليه في التليفون.

أنا غلطت...

غلطت لما بعدت عنه.

وضعت يدها على وجهها، وانهمرت دموعها أكثر.

زهرة.....

وإزاي أصدق العيلة الصغيرة لوجين دي؟

إزاي صدقتها من غير ما أسمع منه؟

كان مفروض ما أصدقش كلامها...

كان مفروض أتكلم مع يحيى.

أسأله بنفسي.

يمكن كنت عرفت الحقيقة من وقتها...

يمكن كنت وفرت على نفسي كل الوجع ده.

سكتت للحظات، ثم نظرت أمامها بشرود.

زهرة.....

أنا غلطت...

غلطت في حقه وحق نفسي.

كنت فاكرة إن عندي وقت...

فاكرة إن يحيى هيفضل موجود.

إن مهما حصل...

هقدر أصلح كل حاجة.

ضحكت وسط دموعها ضحكة موجوعة.

زهرة.....

بس هو سافر...

ومش عارفة حتى رايح على فين في حياته الجديدة.

قامت من على السرير، واتجهت ناحية الشباك.

فتحت الستارة، ونظرت للشارع بصمت.

زهرة.....

يا عالم هنلتقي تاني ولا إيه؟

يمكن لندن تبقى آخر مكان يجمعنا...

ويمكن ربنا يكون لسه كاتب لنا لقاء.

سكتت لحظة، ثم همست:

زهرة.....

بس لو قابلته تاني...

مش هسيبه يمشي من غير ما يسمعني.

مش هخليه يصدق إني خذلته.

لازم يعرف الحقيقة...

حتى لو بعد سنين.

دخلت صفية عليها، ووقفت عند الباب وهي تراقبها بحزن.

صفية.....

زهرة...

التفتت زهرة إليها، وعيناها مليئتان بالدموع.

زهرة.....

ماما...

أنا ضيعته.

صفية.....

إنتِ لسه متعرفيش ربنا كاتب إيه.

زهرة.....

بس أنا عارفة إني اتأخرت.

صفية.....

والتأخير مش معناه إن كل حاجة انتهت.

نظرت زهرة إلى أمها، وكأن جملة واحدة أعادت إليها بعض الأمل.

لكنها لم تكن تعرف...

أن الطريق إلى يحيى أصبح أطول مما تتخيل.

وأن اللقاء القادم بينهما...

لن يكون كما تتمنى.
أما في لندن...
بعد ساعات طويلة من السفر، بدأت الطائرة في الهبوط تدريجيًا.
كان يحيى جالسًا بجوار نافذة الطائرة، ينظر إلى المدينة من الأعلى.
أضواء كثيرة تمتد أمام عينيه، ومبانٍ لا يعرفها، وشوارع لم تطأها قدماه من قبل.
ظل صامتًا للحظات.
لندن...
المكان الذي لم يكن يتخيل يومًا أنه سيصل إليه.
وبمجرد أن هبطت الطائرة، نزل يحيى مع باقي الركاب، وهو يحمل حقيبته الصغيرة ويتجه نحو صالة الوصول.
كان يشعر بالتعب الشديد من السفر، لكن شيئًا داخله كان يجعله منتبهًا لكل تفصيلة حوله.
وصل إلى موظف الجوازات، وقدم أوراقه.
وبعد بعض الإجراءات، استلم جواز سفره وأوراقه، ثم اتجه لاستلام حقيبته.
وبعد دقائق...
ظهرت حقيبته على السير.
أمسك بها يحيى، وسحبها خلفه، ثم اتجه إلى بوابة الخروج.
وحين خرج من المطار...
توقف.
الهواء بارد.
المطر ينزل بخفة.
نظر حوله، وشعر للحظة أنه غريب تمامًا عن هذا المكان.
يحيى.....
لندن...
يا ترى هقدر أعيش هنا؟
ثم تذكر فجأة صوت والده.
حاج محمود: "كبر يا ابني... بس أوعى تنسى نفسك."
تغيرت ملامح يحيى.
وتذكر باقي كلامه.
حاج محمود: "وأوعى الدراسة والشغل يخلوك تنسى إن ليك أب مستني يسمع صوتك كل يوم."
ابتسم يحيى بحزن.
يحيى.....
وعدتك يا بابا...
مش هنساك.
ثم تذكر عندما احتضنه والده في المطار قبل سفره.
حاج محمود: "ولو الدنيا ضاقت عليك... متسكتش."
خفض يحيى عينيه.
يحيى.....
أنا عارف يا بابا.
مد يده إلى جيبه، وأخرج ورقة صغيرة كان والده قد أعطاها له قبل السفر، عليها عنوان السكن ورقم الهاتف الأرضي للشقة.
نظر إلى العنوان أكثر من مرة.
ثم أوقف سيارة أجرة.
وضع الحقيبة في صندوق السيارة، وصعد إلى المقعد الخلفي.
أعطى السائق الورقة.
السائق.....
Okay.
تحركت السيارة.
ظل يحيى ينظر من النافذة.
كل شيء كان جديدًا عليه.
المباني القديمة...
الشوارع...
الحافلات الحمراء...
والناس الذين يتحركون بسرعة في كل اتجاه.
لم يكن يعرف ماذا ينتظره.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا.
لقد ترك خلفه حياة كاملة.
وأمام هذا المكان...
كان عليه أن يبدأ من الصفر.
أسند رأسه إلى زجاج السيارة.
وفجأة...
تذكر زهرة.
تذكر عينيها.
تذكر آخر مرة وقف أمامها.
تذكر كل الكلمات التي لم يقلها.
أغمض عينيه.
يحيى.....
خلاص يا يحيى...
إنت سافرت.
الموضوع انتهى.
مستقبلك أهم.
فتح عينيه ونظر من النافذة مرة أخرى.
وبعد وقت...
توقفت السيارة أمام مبنى سكني هادئ.
السائق.....
Here.
نزل يحيى، وأخرج حقيبته.
دفع الأجرة، ثم وقف أمام المبنى.
رفع رأسه ينظر إلى الطوابق.
ثم أمسك الورقة مرة أخرى.
الطابق الثالث.
دخل إلى المبنى.
وجد حارسًا في المدخل، فأخبره باسمه، ثم أشار له إلى السلم.
صعد يحيى الدرج وهو يحمل حقيبته.
خطوة...
ثم خطوة أخرى.
حتى وصل إلى الطابق الثالث.
وقف أمام باب شقته.
أخرج المفتاح الذي تسلمه من إدارة السكن.
ظل ممسكًا به للحظات.
ثم قال لنفسه:
يحيى.....
بسم الله.
فتح الباب.
دخل.
كانت الشقة بسيطة وهادئة.
صالة صغيرة، غرفة نوم، مطبخ، وحمام.
وضع حقيبته بجوار الباب.
ثم أغلق الباب خلفه.
وقف في منتصف الصالة.
نظر حوله.
لأول مرة...
لم يكن هناك أحد ينتظره.
لا والده.
لا أهله.
ولا أي وجه يعرفه.
جلس على الكرسي القريب من الباب.
وأسند رأسه إلى الخلف.
وفجأة تذكر صوت والده مرة أخرى:
حاج محمود: "افتكر إن ليك بيت وأب هنا."
ابتسم يحيى رغم الحزن.
يحيى.....
عارف يا بابا...
عارف.
ثم أضاف بصوت منخفض:
يحيى.....
بس المرة دي...
أنا محتاج أبني بيت لنفسي.
نهض واتجه إلى النافذة.
فتح الستارة.
المطر كان ما زال ينزل بالخارج.
ظل واقفًا ينظر إلى الشوارع الغريبة.
ثم قال:
يحيى.....
يا رب...
اكتب لي الخير.
وأنا مستعد أبدأ.
وفي تلك اللحظة...
لم يكن يحيى يعلم أن سفره الذي ظنه هروبًا من الماضي...
سيكون بداية لأحداث جديدة تمامًا.
وأن هناك شخصًا في مصر...
يقف الآن أمام نافذة أخرى...
ويبكي لأنه رحل.
بقلم ميادةيوسف الذغندى 

بعد ستة أشهر...
مرت ستة أشهر على سفر يحيى إلى لندن.
في البداية، كانت الأيام ثقيلة عليه.
الغربة، اختلاف الناس، الدراسة، واللغة التي كان يحتاج أن يبذل مجهودًا كبيرًا حتى يتعامل معها بسهولة.
لكن مع مرور الوقت...
بدأ يحيى يتأقلم.
أصبح يعرف طرق الجامعة، ومواعيد المحاضرات، والمكتبة التي يقضي فيها أغلب وقته.
وفي كلية الطب، تعرف على شاب سوري اسمه رفيق، كان يدرس معه في نفس الجامعة.
كان رفيق هادئًا، خفيف الظل، وسرعان ما أصبحت بينهما صداقة قوية.
في أحد الأيام...
كان يحيى ورفيق يجلسان في كافتيريا الجامعة بعد انتهاء إحدى المحاضرات.
وضع رفيق كوب الشاي أمامه، ثم نظر إلى يحيى.
رفيق.....
شو يا دكتور؟
صارلك ست شهور هون ولساتك كل ما شفتك بحس إنك جاي من يومين!
ضحك يحيى.
يحيى.....
ليه يعني؟
رفيق.....
لأنك لسه بتطلع على الناس كأنك عم تشوفهم لأول مرة!
يحيى.....
ما هو الموضوع مش سهل يا رفيق.
رفيق.....
بعرف.
الغربة بدها وقت.
سكت قليلًا، ثم ابتسم.
رفيق.....
بس بصراحة؟
إنت اتغيرت كتير عن أول ما جيت.
يحيى.....
اتغيرت؟
رفيق.....
إيه.
أول شهر كنت ما تحكي مع حدا.
محاضرة، مكتبة، وبعدين عالبيت.
يحيى.....
كنت بحاول أفهم الدنيا.
رفيق.....
والهلق؟
يحيى.....
هلق فهمت إن الواحد لو فضل عايش جوه دماغه...
هيتعب.
ضحك رفيق.
رفيق.....
والله إنك صرت فيلسوف!
يحيى.....
بسببك.
رفيق.....
لا يا رجل، أنا مالي دخل!
ضحكا معًا.
ثم نظر رفيق إلى ساعة يده.
رفيق.....
عندنا محاضرة بعد نص ساعة.
يحيى.....
عارف.
رفيق.....
إنت عارف كل شي!
يحيى.....
مش هينفع أتأخر.
رفيق.....
طيب اسمع...
بعد المحاضرة نروح نشرب قهوة؟
يحيى.....
موافق.
رفيق.....
بس على حسابك.
نظر إليه يحيى باستغراب.
يحيى.....
ليه على حسابي؟
رفيق.....
لأنك مصري!
ضحك يحيى.
يحيى.....
وإيه علاقة ده بالقهوة؟
رفيق.....
ما بعرف... بس حسيتها حجة حلوة!
ضحكا مرة أخرى.
ثم سكت رفيق قليلًا، ونظر إلى يحيى بجدية.
رفيق.....
بس عندي سؤال.
يحيى.....
قول.
رفيق.....
إنت عمرك ما بتحكي عن حياتك بمصر.
كل ما أسألك عن أهلك بتقول الحمد لله.
يحيى.....
لأن مفيش حاجة تتحكي.
رفيق.....
مستحيل.
كل واحد فينا تارك وراه حكاية.
يحيى.....
يمكن.
رفيق.....
طيب...
في حدا بحياتك هناك؟
نظر يحيى إليه للحظات.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
يحيى.....
كان.
رفيق.....
كان؟
يعني خلصت؟
خفض يحيى عينيه.
يحيى.....
مش عارف.
رفيق.....
لسه بتحبها؟
رفع يحيى عينيه إليه، ولم يجب.
رفيق.....
خلص، فهمت.
يحيى.....
إيه اللي فهمته؟
رفيق.....
إنك لسه بتحبها.
ابتسم يحيى بحزن.
يحيى.....
الحب مش دايمًا معناه إن الناس تفضل مع بعض.
رفيق.....
صحيح.
بس أحيانًا الواحد بيبعد...
مش لأنه بطل يحب.
بيبعد لأنه ما عاد يعرف كيف يصلّح اللي انكسر.
سكت يحيى.
كانت كلمات رفيق قد لمست شيئًا داخله.
يحيى.....
إنت بتتكلم عني ولا عن حالك؟
ابتسم رفيق.
رفيق.....
يمكن عن حالي...
ويمكن عن حالك.
ثم وقف وحمل حقيبته.
رفيق.....
يلا يا دكتور، قبل ما الدكتور يطلعنا من المحاضرة من أولها!
نهض يحيى وضحك.
يحيى.....
يلا.
خرجا معًا من الكافتيريا، واتجها ناحية مبنى الكلية.
وبينما كانا يسيران...
نظر يحيى للحظة إلى السماء.
مرّت ستة أشهر.
ومع ذلك...
رغم كل ما تغير حوله...
كان هناك شيء واحد لم يتغير.
ذكرى زهرة.
لكنه هذه المرة...
لم يحاول الهروب منها.
تركها في مكانها داخل قلبه، ومضى في طريقه.
فربما...
بعض الحكايات لا تنتهي بالابتعاد.
وإنما تنتظر فقط...
الوقت المناسب لتعود من جديد.


تعليقات