رواية كيفك انت الفصل الخامس عشر
رواية كيفك أنت — البارت الرابع عشر
مرت الشهور...
ثم مرت السنوات.
سنوات طويلة مرت منذ اليوم الذي غادر فيه يحيى مصر متجهًا إلى لندن.
في البداية كانت الغربة قاسية...
لغة جديدة، مجتمع مختلف، ومدينة لا يعرف فيها أحدًا.
لكن يحيى لم يسمح للغربة أن تهزمه.
اجتهد في دراسته، قضى ساعات طويلة بين الكتب والمراجع، وتعلم من أخطائه قبل نجاحاته.
حتى جاء اليوم الذي تخرج فيه من كلية الطب.
لم تكن تلك النهاية...
بل كانت البداية الحقيقية.
بعد تخرجه، عُرض عليه العمل في الجامعة، وأصبح معيدًا بها.
ومع مرور الوقت، بدأ اسمه يلمع بين الأطباء والجراحين.
كان يتميز بالهدوء الشديد، والتركيز، والقدرة على التعامل مع أصعب الحالات دون أن يفقد أعصابه.
وبعد سنوات...
أصبح يحيى شخصًا مختلفًا تمامًا.
نجح في بناء نفسه.
لكن شيئًا واحدًا لم يستطع بناء جدار حوله...
ذكرياته.
وفي أحد الأيام...
خرج يحيى من غرفة العمليات بعد ساعات طويلة.
كان واضحًا على وجهه التعب.
وقف عند الباب، وبدأ يخلع الجوان والقفازات الطبية، ثم تخلص منهما في المكان المخصص، وخلع غطاء الرأس والكمامة.
غسل يديه جيدًا، ثم خرج إلى الممر.
اقترب منه أحد الأطباء.
الطبيب.....
دكتور يحيى، العملية كانت ممتازة.
ابتسم يحيى.
يحيى.....
الحمد لله.
الطبيب.....
أنت لازم ترتاح شوية.
يحيى.....
هخلص شوية حاجات في المكتب وأرتاح.
ابتسم الطبيب وانصرف.
اتجه يحيى نحو الاستقبال.
لكن قبل أن يصل إلى مكتبه، نادته موظفة الاستقبال.
الموظفة.....
دكتور يحيى؟
التفت إليها.
يحيى.....
أيوه؟
الموظفة.....
في حد مستني حضرتك.
توقف يحيى.
يحيى.....
مين؟
الموظفة.....
اسمها لوجين.
تجمد يحيى للحظة.
لوجين؟
الاسم وحده أعاد إليه سنوات بعيدة.
رفع حاجبيه بدهشة.
يحيى.....
لوجين؟
الموظفة.....
أيوه.
ثم ابتسمت.
الموظفة.....
قالت إنها كانت زميلتك في مصر، وإنها حصلت على منحة دراسية هنا.
ظل يحيى صامتًا لثوانٍ.
لم يكن يتوقع أن يراها مرة أخرى.
يحيى.....
هي فين؟
الموظفة.....
في صالة الانتظار.
هز يحيى رأسه واتجه نحو الصالة.
فتح الباب...
كانت لوجين جالسة تنتظر.
كانت ترتدي ملابس بسيطة وأنيقة، وبجوارها حقيبة صغيرة وملف خاص بالدراسة.
وبمجرد أن رأته...
ابتسمت.
وقفت من مكانها.
لوجين.....
يحيى!
وقف أمامها للحظات، وكأنه يحاول أن يستوعب أن الفتاة التي لم يرها منذ سنوات تقف أمامه الآن في لندن.
ثم ابتسم.
يحيى.....
لوجين؟
ضحكت بخفة.
لوجين.....
أيوه يا سيدي، لوجين بنفسها!
ضحك يحيى.
يحيى.....
إيه اللي جابك لندن؟
أشارت إلى الملف الذي في يدها.
لوجين.....
المنحة.
يحيى.....
منحة؟
لوجين.....
أيوه.
ثم جلست، وأشارت له بالجلوس.
لوجين.....
بعد ما خلصت الجامعة، قدمت على منحة دراسية هنا واتقبلت.
يحيى.....
بجد؟
لوجين.....
بجد.
ابتسم يحيى.
يحيى.....
مبروك.
لوجين.....
الله يبارك فيك.
ثم نظرت حولها.
لوجين.....
بس لما عرفت إنك هنا...
قلت لازم أشوفك.
يحيى.....
يعني إنتِ عارفة إني هنا؟
لوجين.....
طبعًا.
ضحكت.
لوجين.....
فاكر إن اسمك مش معروف؟ أنت بقيت مشهور يا دكتور.
ابتسم يحيى بخجل.
يحيى.....
مش للدرجة دي.
لوجين.....
لأ، للدرجة دي وأكتر.
ثم نظرت إليه لثوانٍ.
لوجين.....
بصراحة...
أنا كنت عايزة أشوفك.
مش بس علشان أنت زميلي القديم ، واستاذى ولا نسيت
لكن علشان إحنا عدّى علينا سنين كتير.
سكت يحيى.
كان يشعر بشيء غريب.
اللقاء لم يكن مخيفًا كما تخيل.
بل كان يحمل شيئًا من الماضي...
لكن الماضي هذه المرة جاء إليه في صورة إنسانة تعرفه منذ سنوات.
يحيى.....
طب قوليلي...
الدنيا معاكي هنا عاملة إيه؟
لوجين.....
لسه بادئة.
وحاسة إني تايهة شوية.
ابتسم يحيى.
يحيى.....
طبيعي.
لندن مش سهلة في الأول.
لوجين.....
علشان كده قلت أزورك.
ضحك يحيى.
يحيى.....
يعني أنا بقيت مركز إرشاد سياحي؟
لوجين.....
أهو تستفيد من شهرتك!
ضحكا معًا.
وللمرة الأولى منذ سنوات...
جلس يحيى مع شخص يعرفه من حياته القديمة دون أن يشعر أنه مضطر للهروب من الماضي.
لكن ما لم يعرفه يحيى...
أن وجود لوجين في لندن لم يكن مجرد زيارة عابرة.
وأن الأيام القادمة ستضعهما في مواقف لم يتوقعها أي منهما.
أما زهرة...
فكانت لا تزال في مصر...
ولا تعرف أن اسم يحيى بدأ يعود إلى حياتها من طريق آخر.
صفيّة.....
لأ اسمعيني، أنا بقولك أهو... ده العريس رقم مية اللي ترفضيّه!
اللي قدك عيالهم دخلوا المدرسة، وأنا بتحسر كل ما أشوف واحدة من زمايلك ماسكة إيد ابنها.
زهرة.....
كانت بتطبق الغسيل وهي بتبص لأمها، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة.
زهرة.....
ربنا يسعد الجميع يا ماما، كل واحد بياخد رزقه في وقته.
صفيّة.....
يا بنتي إنتِ متعلقة بالهوا!
يعني لا يحيى رجع، ولا حتى سأل عليكِ، ولا إنتِ راضية تدي فرصة لحد تاني.
سكتت زهرة للحظة، وكأن اسم يحيى وحده كان كفيلًا بتغيير ملامحها.
صفيّة.....
ده حتى لما جوز خالتك مات، يحيى ما نزلش يحضر عزاء أبوه!
وكأن أول ما سافر قال خلاص... كل حاجة هنا انقطعت.
حتى أنا وخالك، ما فكرش يكلمنا مرة واحدة بس.
زهرة.....
يمكن ظروفه هناك صعبة يا ماما.
صفيّة.....
ظروف إيه يا بنتي؟
سنين عدت!
سنين!
ولا مكالمة، ولا رسالة، ولا حتى حد يعرف عنه حاجة.
زهرة.....
يمكن هو اختار حياته هناك.
قالتها زهرة وهي تحاول أن تبدو هادئة، لكنها كانت تخفي وجعًا كبيرًا خلف كلماتها.
صفيّة اقتربت منها وجلست بجوارها.
صفيّة.....
وأنتِ؟
هتفضلي مستنياه لحد إمتى؟
زهرة.....
أنا مش مستنياه.
صفيّة.....
أمال إيه؟
زهرة.....
أنا بس... مش عايزة أظلم حد معايا.
صفيّة.....
وده العريس الجديد.
راجل محترم، وشغله كويس، وأهله ناس كويسين، وعايزك من غير لف ولا دوران.
زهرة.....
يا ماما...
صفيّة.....
اسمعيني بس.
أنا مش بطلب منك تتجوزيه بكرة.
قابليه.
اتكلمي معاه.
ولو ارتحتي له، يبقى خير.
ولو ما ارتحتيش، محدش هيجبرك.
زهرة.....
ومين قال إني هرتاح؟
صفيّة.....
يمكن ترتاحي.
يمكن ربنا يكون كاتب لك الخير في مكان إنتِ مش شايفاه.
نظرت زهرة إلى الغسيل الذي بين يديها.
ثم قالت بصوت منخفض:
زهرة.....
يمكن.
صمتت صفيّة للحظات، ثم قالت بنبرة أكثر حنانًا:
صفيّة.....
يا بنتي، أنا مش عايزة أشوفك بعد كام سنة لوحدك وتندمي إنك رفضتي كل الناس علشان شخص مش عارف أصلًا إنك لسه فاكرينه.
رفعت زهرة عينيها إليها.
كانت الجملة مؤلمة...
لأنها أصابت مكانًا تحاول زهرة طوال السنوات أن تخفيه.
زهرة.....
أنا مش ندمانة.
صفيّة.....
أمال ليه عينيك بتقول غير كده؟
سكتت زهرة.
لم تجد إجابة.
فأمها لم تكن تسأل عن يحيى فقط...
كانت تسأل عن قلب ابنتها الذي ظل واقفًا عند آخر لحظة رأته فيها.
صفيّة.....
بكرة هنتقابل مع العريس.
زهرة.....
بكرة؟
صفيّة.....
أيوه، بكرة.
وهالمرة مش هتسمعي مني كلمة "لا" قبل ما تشوفيه.
ابتسمت زهرة رغمًا عنها.
زهرة.....
حاضر يا ماما.
لكن بعد أن خرجت صفيّة من الغرفة...
وضعت زهرة قطعة الملابس جانبًا، وجلست وحدها، ثم مدت يدها وشغلت اغنيه فيروز كيفك أنت
نظرت إلى النافذة.
ثم همست:
زهرة.....
يا ترى يا يحيى...
إنت فعلًا نسيتني؟
سقطت دمعة من عينيها.
مسحتها سريعًا.
ثم عادت لتطبيق الغسيل، وكأنها تحاول أن تقنع نفسها...
أن القلب يمكنه أن يتعلم النسيان.
حتى لو لم يتعلمه بعد.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
أما عند يحيى...
فكانت لوجين، منذ وصولها إلى لندن، تتعمد أن تكون موجودة في حياته قدر استطاعتها.
مرة تقابله في الجامعة...
ومرة تنتظره بعد انتهاء عمله...
ومرة تتصل به لتسأله عن شيء يخص دراستها.
ومع الوقت، بدأ يحيى يشعر أن وجودها أصبح جزءًا من يومه.
لم يكن حبًا...
ولم يفكر فيه بهذه الطريقة.
لكنها كانت ونسًا.
شخصًا يعرفه منذ سنوات، ويتحدث معه بلغته، ويفهم بعض تفاصيل حياته التي لا يحتاج إلى شرحها.
وبعد سنوات طويلة عاشها يحيى بعيدًا عن أهله...
كان وجود شخص مصري بالقرب منه شيئًا يخفف عنه وطأة الغربة.
وفي إحدى الليالي...
كانت لوجين تقف في مطبخ شقتها الصغيرة، تنظر إلى الأطباق التي أعدتها أمامها.
مكرونة بالبشاميل...
محشي...
وكفتة بالصلصة، ومعها طبق صغير من السلطة.
ابتسمت وهي ترتب الطعام داخل علب محكمة الغلق.
لوجين.....
بقالنا سنين في لندن، ولسه الواحد بيشتاق لأكل البيت.
أغلقت العلب، ثم وضعتها داخل حقيبة صغيرة.
نظرت إلى الساعة.
لوجين.....
أكيد لسه في المستشفى.
وبعد لحظات، غيرت رأيها.
لوجين.....
لا... هروح له البيت أحسن.
حملت الحقيبة وخرجت.
في الوقت نفسه...
كان يحيى قد عاد إلى شقته بعد يوم طويل.
فتح الباب، دخل، ووضع حقيبته على المقعد.
خلع معطفه، ثم اتجه إلى المطبخ ليعد لنفسه كوبًا من الشاي.
كان البيت هادئًا كعادته.
وضع الماء على النار، ثم جلس قليلًا.
أخرج بعض الأوراق من حقيبته وبدأ يراجعها.
لكن صوت جرس الباب قطعه.
رفع رأسه باستغراب.
يحيى.....
مين؟
لم يسمع إجابة.
رن الجرس مرة أخرى.
قام من مكانه واتجه إلى الباب.
فتح...
فتفاجأ بلوجين تقف أمامه، تحمل حقيبة كبيرة.
يحيى.....
لوجين؟
ابتسمت.
لوجين.....
مساء الخير يا دكتور.
نظر إلى الحقيبة في يدها.
يحيى.....
إيه ده؟
لوجين.....
افتح الباب الأول بدل ما الأكل يبرد.
ابتسم يحيى وفتح الباب على اتساعه.
دخلت لوجين، واتجهت إلى المطبخ.
وضعت الحقيبة على الطاولة وبدأت تخرج الأطباق.
يحيى.....
إنتِ عاملة إيه؟
لوجين.....
أكل.
يحيى.....
ده أنا شايف إنه أكل، بس ليه؟
لوجين.....
علشان عارفة إنك طول اليوم في المستشفى، وفي الآخر هترجع تعمل لنفسك سندوتشين وتقول خلاص.
ضحك يحيى.
يحيى.....
معاكي حق.
فتحت أول علبة.
يحيى.....
مكرونة بالبشاميل؟
لوجين.....
أيوه.
ثم فتحت الثانية.
لوجين.....
وده محشي.
نظر يحيى إلى الأطباق للحظات.
تغيرت ملامحه.
لم يكن بسبب الطعام فقط...
بل لأن رائحته أعادت إليه البيت.
مصر.
والده.
أمه.
الأيام القديمة.
قال بهدوء:
يحيى.....
ريحة البيت.
نظرت إليه لوجين، ثم ابتسمت.
لوجين.....
قلت يمكن تفرح شوية.
جلس يحيى على الكرسي.
يحيى.....
أنا فعلًا فرحت.
جلست لوجين أمامه.
لوجين.....
طب كل قبل ما يبرد.
أخذ يحيى قطعة صغيرة وتذوقها.
ظل صامتًا لثوانٍ.
لوجين.....
إيه؟
مش حلو؟
يحيى.....
لأ...
ثم ابتسم.
يحيى.....
حلو أوي.
ضحكت لوجين.
لوجين.....
الحمد لله.
بدأ الاثنان يأكلان ويتحدثان عن يومهما.
عن الجامعة...
عن الدراسة...
عن الأطباء...
وعن لندن التي أصبحت لوجين تعرف طرقها أكثر يومًا بعد يوم.
وكان يحيى يضحك من بعض حكاياتها.
وبينما كان يتحدث...
توقف للحظة.
نظر حوله.
ثم ابتسم دون أن يشعر.
منذ سنوات...
لم يجلس في بيته مع شخص يتحدث معه بهذه الأريحية.
لم يكن وجود لوجين يثير داخله مشاعر الحب.
لكنه كان يمنحه شيئًا آخر...
الونس.
ذلك الشعور البسيط بأن الغربة لم تعد صامتة تمامًا.
رفعت لوجين عينيها إليه.
لوجين.....
إيه؟
يحيى.....
ولا حاجة.
لوجين.....
بتبتسم ليه؟
يحيى.....
مش عارف.
ثم قال بهدوء:
يحيى.....
يمكن علشان البيت بقاله فترة طويلة ماكانش فيه صوت.
ابتسمت لوجين.
لوجين.....
يبقى أهو النهارده بقى فيه صوت.
ضحك يحيى.
يحيى.....
واضح إنك ناوية تحتلي المكان.
لوجين.....
لا تقلق، مش هطول عليك.
يحيى.....
أنا بهزر.
سكتت لوجين لحظة، ثم قالت:
لوجين.....
عارفة.
وعادت الأحاديث بينهما من جديد...
بينما كانت تلك الليلة بالنسبة ليحيى مجرد ليلة مختلفة عن غيرها.
لم يكن يعرف أن وجود لوجين في حياته سيصبح مع الوقت جزءًا من تفاصيل كثيرة...
تفاصيل ستجعله، لأول مرة منذ سنوات، يشعر أن الغربة يمكن أن تكون أقل قسوة.
لكن في مصر...
وفي نفس الليلة...
كانت زهرة تجلس أمام والدتها، تستعد للقاء رجل آخر اختارته لها الحياة.
دون أن تعرف...
أن يحيى، الذي ظنت أنه أصبح بعيدًا عنها إلى الأبد...
بدأت حياته في لندن تتغير من جديد..
