رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل السادس عشر
ماذا نفعل إن ضاقت بنا السبل، ولم نعد نستطيع إصلاح ما تم إفساده بين البشر؟
ربما لا يبقى أمامنا سوى أن نعيد ترتيب أوراقنا، ونبحث عن طريق آخر للنجاة.
وهذه المرة، كانت رباب تفكر بطريقة مختلفة.
أدركت أخيرًا أنها الخاسرة الوحيدة إن ظلت مستسلمة لما وصلت إليه الأمور، وأن عليها استخدام عقلها بدلًا من أن تترك نفسها فريسة للغضب والخذلان.
كان عليها أن ترفع من شأنها، وأن تجعل من تركها يندم على خسارتها، وتصل إلى المكان الذي يجعل الجميع ينظرون إليها باعتبارها مكسبًا، لا امرأة خسرها رضوان وانتهى الأمر.
هكذا أقنعت نفسها، وهكذا بدأت ترسم أول خيوط خطتها.
كانت تلك الثقة تملأ رأسها وهي جالسة في صالة المنزل على الأريكة بجانب زوجها عزت. كانا أمام التلفاز بعد الغداء، وقد وُضعت أمامهما الفاكهة.
كانت رباب تقطعها ببطء، بينما عزت يجلس إلى جوارها ساكنًا على غير عادته. لم يأكل شيئًا ولم يتحدث.
ربما كان قد يئس أخيرًا من محاولاته الفاشلة في التقرب منها؛ فقد فعل الكثير لأجلها، وحاول مرارًا أن يجعلها تتقبله، لكنها بقيت على حالها.
والرجل، مهما بدا صلبًا، يشعر حين تكون زوجته إلى جواره بجسدها فقط، بينما قلبها في مكان آخر.
استمر الصمت بينهما طويلًا، حتى التفتت رباب إليه ومدت صحن الفاكهة نحوه، وقالت:
ـ امسك يا عزت كل التفاحة دي.
كان شارد الذهن إلى درجة أنه لم ينتبه إليها من المرة الأولى.
ظل ينظر أمامه، فتعجبت وحدثته مرة ثانية بصوت أعلى.
حمحم، ثم التفت إليها قائلًا:
ـ ها! لا، مش عايز يا رباب.
تعجبت وسألته:
ـ مش عايز؟ وده من إمتى ده يا عزت، إن شاء الله؟
رمقها بحدة، وقال بضجر:
ـ هو إيه اللي من إمتى يا رباب؟ ماليش نفس فيها حاجة دي؟
أجابته بنبرة تحمل البرود:
ـ لأ يا خويا، مفيهاش، بس يعني جديدة عليا إنك ما تاكلش وإنت قاعد معايا. ده إنت بتحب الأكل زي عينيك يا راجل.
مسح وجهه محبطًا، ثم رد عليها:
ـ كنت بقى. بس دلوقتي خلاص، الحمد لله، انسدت نفسي، مع إن الأكل ده الحاجة الوحيدة اللي بقدر أعملها بحرية. تقومي إنت تبصيلي فيها؟
شهقت وضربت يدها على صدرها، وردت عليه:
ـ أنا أبص لحد في لقمته؟ لا، اطمن، مش بصالك. كل زي ما إنت عايز، أنا بس استغربت إنك سرحان.
ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة، وعلّق:
ـ ياه، أخيرًا خدت بالك مني وإني سرحان. ده أنا بقالي يومين على الحال ده، كتر خيرك والله.
ردت بتهكم:
ـ هو إنت هتقعد تقطمني يا عزت على كل كلمة أقولها؟ مالك في إيه؟
هذه المرة لم يسخر. التفت إليها بكامل جسده، وسألها:
ـ هو إنت ليه بتعملي معايا كده يا رباب؟
رفعت حاجبها:
ـ بعمل إيه؟
أجابها، وقد خرجت الكلمات محملة بتعب طويل:
ـ على طول مكشرة وقاعدة معايا غصب عنك، وكل حاجة في البيت بتعمليها غصب عنك وتأدية واجب مش أكتر.
ثم استند بظهره على الأريكة، وأطلق زفرة ثقيلة قبل أن يكمل:
ـ كان نفسي تكوني مبسوطة معايا وتحبيني زي ما بحبك.
سكت للحظة، ثم رفع عينيه إليها وقال:
ـ ليه مش بتحبيني يا رباب؟
ابتلعت ريقها بارتباك، وهربت عيناها من نظرته، ثم أجابته:
ـ إيه الكلام اللي إنت بتقوله ده يا عزت؟ لا طبعًا، كل تفكيرك ده غلط.
رد عليها بنبرة حادة يغلب عليها الألم:
ـ لا، مش غلط يا رباب. واللي سمعتيه مني هو الحقيقة. إنت ليه مش شايفاني؟ ما أنا مستحيل إحساسي معاكي يطلع غلط. أنا عايش معاكِ تحت سقف واحد، وشايف عينيك ما بتبقاش فرحانة لما تشوفني. هو أنا يعني أهبل؟
سكت لحظة، ثم اغرورقت عيناه وأكمل:
ـ شكلي مكتوب عليا أعيش وأموت وحيد. كان نفسي تحبيني زي ما بحبك. أنا بحبك قوي يا رباب، وما ليش غيرك.
تعلقت الكلمات في صدرها. للحظة شعرت بالأسى على حاله، فمشاعر عزت لم تكن مزيفة.
مدت يدها وربتت على كتفه، ثم قالت بصوت هادئ:
ـ هو إنت بتحط افتراضات من دماغك وبس؟ ما فيش حاجة من كلامك ده. إنت بس شكلك تعبان من الشغل. وبعدين ما هو أبويا قالك سيبك من شغل الحدادة وروح معاه المجزر، ساعتها الدنيا هتتعدل معاك ودماغك هتروق.
رفع عزت رأسه إليها، وكأن كلماتها أعادت إليه شيئًا من الأمل.
اعتدل في جلسته، وأمسك يدها ملتهفًا، وسألها:
ـ إنت لو عايزاني أسيب الشغل من بكرة هسيبه. أنا هعمل اللي إنت عايزاه، بس جاوبيني على سؤالي، إنت بتحبيني يا رباب؟
ظل ينتظر إجابة منها، بينما كانت هي تخفي حقيقتها خلف ملامح هادئة.
لم تكن تريد أن تمنحه الحقيقة، بل أرادت أن تستفيد من تعلقه بها، وأن تجعل هذا الرجل المستعد لفعل أي شيء من أجلها ورقة في يدها.
لذلك ابتسمت له ابتسامة مصطنعة، وأجابته:
ـ أيوه طبعًا، هو إنت مش جوزي حبيبي؟ أمال هحب مين يعني؟
اتسعت عيناه، وكأن كلماتها سُكبت في قلبه ماءً بعد عطش طويل.
تجدد الأمل داخله، وسألها بفرحة لم يستطع إخفاءها:
ـ بجد؟ بجد يا رباب؟ يعني إنت بتحبيني؟
نظرت إليه، ورأت السعادة التي أشعلتها كلماتها في عينيه. كان يمكنها أن تتراجع، لكنها أكملت ما بدأته:
ـ طبعًا يا عزت، بحبك. بحبك إنت وبس.
ظل ينظر إليها وكأنه يخشى أن تكون الكلمات حلمًا وسيفيق منه.
أما هي، فارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة تخفي خلفها مكرًا لم يره عزت.
كانت في رأسها أحلام أخرى.
ربما تستطيع أن تروض زوجها، وتجعله مثل الخاتم في إصبعها، وربما تستطيع، مع الوقت، أن ترتفع به إلى المكان الذي تريده، ثم تجعل رضوان يندم على اليوم الذي تركها فيه.
كانت ترى الطريق أمامها واضحًا.
أو هكذا ظنت.
أما عزت، فكان ينظر إليها بسعادة رجل صدّق أخيرًا أن قلب المرأة التي أحبها لم يكن مغلقًا في وجهه إلى الأبد.
ولم يكن يعلم أن الكلمة التي أعادت إليه الأمل، كانت بالنسبة إليها مجرد مفتاح لبداية خطتها.
بعد أن رُفع أذان المغرب، وأدّى الناس فريضتهم، خرج رضوان من المسجد، وأخذ يبحث بين الخارجين بعينيه عن كريم، علّه يكون قد أتى للصلاة.
ظل يتفحص الوجوه واحدًا تلو الآخر حتى انتهى الناس من الخروج، لكنه لم يجد له أثرًا.
زاد الأمر تعجبه، وبدأ القلق يتسلل إلى داخله، خاصة أن غياب كريم طال أكثر مما ينبغي. فاتخذ قرارًا بأن يذهب إليه هو وعصام بعد صلاة العشاء مباشرة، ليعلما ما به، وما سر تلك الغيبة الطويلة.
ثم ذهب لدفع إيجاره الشهري للعم صبحي، وعاد إلى منزله.
لكن قبل أن يصعد، ذهب إلى الدكان ليشتري بعض الحلوى لحبيبة، وقام أيضًا بشراء بعض الحلوى الأخرى لزاد.
كانت فكرة صغيرة عابرة، لكنه لم ينتبه إلى أنه، وسط كل ما يشغل رأسه، تذكّرها هي أيضًا.
صعد إلى المنزل، وعندما ولج، وجد زوجة عمه، فقام بتحيتها وجلس معها، متسائلًا عن أخبار عائلتها.
وبعد دقائق، غادرت، وقد لاحظ رضوان أنها كانت منزعجة من أمر ما، وأن الحزن لم يفارق ملامحها.
ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت من أمامه، ثم التفت إلى والدته وسألها عما بها.
فأجابته بحزن، وسردت له ما حدث لابنة عمه إيمان، وأنها تركت منزلها قرابة الأسبوعين وأكثر، وتريد الانفصال عن زوجها.
تملكه التعجب والذهول، ولم يستطع أن يخفي صدمته، متسائلًا عن السبب.
فأجابته:
ـ لا أحد يعلم، فإيمان ترفض أن تسرد لأي أحد أسبابها الخاصة.
ما إن سمع كلمات والدته حتى تبدلت ملامحه.
لم ينتظر، وقام بالذهاب إلى صديقه ليعلم ما به، وليفهم ما الذي يحدث داخل ذلك البيت الذي يبدو أن شيئًا ثقيلًا قد وقع فيه.
وعندما وصل وصعد البناية، طرق على بابه، منتظرًا منه أن يفتح له.
وبعد لحظات، انفتح الباب.
وما إن وقعت عيناه على كريم حتى تجمد رضوان في مكانه.
كان كريم في حالة يُرثى لها؛ وجهه يملؤه الحزن، وقد ترك العنان للحيته، وبدا وكأنه لم يعرف النوم أو الراحة منذ أيام.
لم يستطع كريم النظر إليه. كان يشعر بالخجل مما فعله بابنة عمه، ولم يجد الجرأة حتى لرفع عينيه إلى وجهه.
ظل مطأطئ الرأس، وهو يشير له بالدخول في صمت.
ولج رضوان إلى الداخل، وما إن خطا بضع خطوات حتى أخذ ينظر إلى البيت من حوله.
كان كل شيء ساكنًا بصورة غريبة.
البيت الذي اعتاد أن يعرفه عامرًا بالحياة، بدا وكأنه مهجور.
نظر إلى كريم مرة أخرى، ثم جلس.
وبعد أن جلسا، ظل رضوان يراقبه؛ فليس هذا هو كريم الذي يعرفه.
شيء جلل قد حدث، شيء جعل صديقه الذي يعرفه منذ سنوات يصل إلى تلك الحالة.
أخذ نفسًا عميقًا، وأردف متسائلًا:
ـ إيه يا كريم مختفي ليه كل المدة دي! وليه ما بتردش على حد فينا! ده عصام قلقان عليك يا جدع.
لم يستطع كريم رفع رأسه ولا النظر في وجه صديقه.
مسح وجهه بكف مرتجفة، ثم أردف وهو ما زال مطأطئ الرأس، معتذرًا:
ـ معلش يا رضوان.
تعجب الآخر، ومال بجسده نحوه قليلًا:
ـ هو إيه اللي معلش؟ مالك يا كريم؟ وفين إيمان؟ وعامل في نفسك كده ليه!
ابتلع لعابه بغصة مريرة، واغرورقت عيناه ندمًا على ما فات، ثم أردف بنبرة متحشرجة:
ـ مش قادر أتكلم يا رضوان... سامحني.
لم ييأس رضوان بتلك السهولة.
لكنه حزن عندما رأى صديقه يائسًا بهذا الشكل، فقام من مكانه وجلس بجانبه، محاولًا أن يخفف عنه، وتحدث إليه بلطف:
ـ يا كريم، إنت لو مش قادر تتكلم مع الدنيا كلها، بس أنا لا... أنا رضوان أخوك يا جدع. هتخبي عليا ولا إيه؟
ظل كريم صامتًا.
لم يرفع عينيه إليه، وكان يشعر بثقل يكاد يسحق صدره.
تنهد كريم وهو ينظر بعيدًا، وشعر بثقل على قلبه؛ فهو له أن يتحدث مع الجميع في هذا الأمر إلا هو. فهو أخ له ولزوجته، فماذا سيراه في نظره بعد أن يعرف بخيانته لها؟
تملّكته الحيرة من صمته.
ويبدو أنه فعل شيئًا لم يحتمل الحديث عنه، ولكن هذا صديقه، وإيمان يعتبرها مثل أخته الصغيرة، فمن واجبه الإصلاح بينهم.
لم يتركه.
ظل يلح على كريم مرارًا وتكرارًا، محاولًا انتزاع كلمة واحدة منه، حتى كاد كريم أن ينفجر من كثرة الإلحاح.
وفجأة، قام من مكانه وانفجر بصوت عالٍ:
ـ عايز تعرف إيه يا رضوان؟
لم يتراجع رضوان، بل ظل ثابتًا أمامه، وقال:
ـ عايز أعرف اللي حصل، وإيمان ليه سابت بيتها؟ دي عمرها ما حصلت يا كريم؟
ارتجف فك كريم، وانكسرت ملامحه أكثر، وكأنه لم يعد قادرًا على حمل الحقيقة في صدره.
ثم خرجت الكلمات منه دفعة واحدة:
ـ علشان خنتها يا رضوان... خنتها.
رفع عينيه إليه أخيرًا، وكانت عيناه ممتلئتين بالندم والحسرة، وأكمل بصوت متهدج:
ـ أنا خنت مراتي وحبيبتي وأم عيالي يا رضوان.
احتل السكون المكان.
ظل رضوان ينظر إليه دون أن ينطق، عاجزًا عن استيعاب الحقيقة.
الخيانة...
كريم؟
كريم الذي يعرفه، صديقه وأخوه، الرجل الذي لم يتخيل يومًا أن يكون قادرًا على فعل شيء كهذا؟
لم يستطع التحدث.
وبعد اعترافه، لم يعد على كريم شيء يخفيه، فجلس بتهالك وبدأ يسرد له ما حدث في تلك الشهور الماضية.
ومع كل كلمة كان ينطق بها، كان وجه رضوان يزداد جمودًا.
كيف يمكن لأخيه وصديقه أن يخون زوجته، التي هي أيضًا ابنة عمه؟
مزيج من الغضب وخيبة الأمل اعتلى صدره، حتى اشتعل غضبه كالنار.
وقف، ووجهه متجمد من شدة الصدمة، وعيناه تلمعان بالغضب والاستنكار، وصوته عالٍ من شدة الانفعال:
ـ اللي إنت بتقوله ده بجد؟ إنت خنت إيمان يا كريم؟
أجابه بحسرة:
ـ غصب عني. والله العظيم غصب عني يا رضوان. أنا معرفش إزاي ده حصل، واللي مش قادر أنساه هو كلام إيمان في آخر مرة. كان كلامها كله وجع وخذلان مني. أنا كل يوم أروحلها علشان تسامحني ونرجع زي الأول. بس هي رافضة، رافضة حتى تسامحني ورافضة ترجع البيت.
ظل رضوان واقفًا أمامه، والغضب يختلط بخيبة أمل موجعة.
كان يراه أخًا، وكان يثق به، وكان يظن أنه يعرفه.
احتقن وجهه، وقال:
ـ إنت يا كريم، إنت تعمل كده؟ إزاي جالك قلب! فكرت في نفسك وما فكرتش في عيالك؟ أنا كنت فاكر إن كل الناس ممكن تعمل كده إلا إنت بالذات. إنت دمرت كل حاجة. بقى إيمان! إيمان اللي عملت كل حاجة علشانك، واللي نزلت تشتغل وتقف جمبك وضهرها في ضهرك، تعمل فيها كده!
كانت الكلمات تخرج منه متتابعة، تحمل غضبًا بقدر ما تحمل ألمًا، ثم أكمل بصوت جلي:
ـ بس الغلط مش عليك. الغلط هيبقى عليها لو فكرت ترجع لك مرة تانية.
ران عليه صمت قصير، وهو يتنفس مسرعًا، ثم قال:
ـ أنا أكتر واحد حاسس بيها دلوقتي. ربنا يهون عليها صدمتها فيك. كانت مفكرة إنك كل حاجة وإنها في يوم مش هتهون عليك... فخنتها.
بعدما أطلق رضوان كلماته القاسية، تركه مسرعًا على الفور من أمامه، حتى لا يفعل شيئًا يندم عليه بعد ذلك.
ظل واقفًا أسفل البناية، لا يدري ماذا يفعل وإلى أين يذهب الآن. فإن عاد إلى المنزل، حتمًا ستستفسر والدته عما حدث بينهما، وإن ذهب إلى المقهى، سيقابل عزت هناك، وهو الآن ليس في مزاج يسمح له بتحمّل مزاحه أو أسئلته.
أغمض عينيه بغيظ، ثم أخذ نفسًا عميقًا محاولًا تهدئة نفسه.
كان يريد أن يختلي بنفسه لبعض الوقت، بعيدًا عن الجميع، حتى يستطيع التفكير في تلك المعضلة والوصول إلى حل.
وبعد لحظات من التفكير، هداه رشده إلى الصعود لسطح البناية؛ فهو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يجلس فيه بحرية دون أن يزعجه أحد.
صعد رضوان بخطوات مثقلة، وما زال عقله شاردًا فيما حدث.
كان كريم ينظر إليه من نافذة غرفته، وشعر بحزن يغزو قلبه. لم يتحمل فكرة أنه بدأ يخسر أحب الناس إليه، فهو يكنّ لرضوان حبًا وأخوّة صادقة.
جلس منهارًا على طرف فراشه، ممسكًا بصورة عائلية تجمعه بزوجته وأطفاله الثلاثة، وأخذ ينظر إليهم باشتياق وحسرة على أفعاله التي عصفت به إلى الهاوية.
أما رضوان، فوقف مسندًا يديه إلى سور البناية، يرفع عينيه إلى السماء، بينما تتخبط الحيرة في رأسه.
كان بداخله غضب كبير تجاه كريم، فقد خذله، ولم يتوقع يومًا أن يفعل ذلك بعائلته.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم زفره بقوة وهو يمسح وجهه، وظل للحظات غارقًا في أفكاره، حتى هدأ قليلًا.
وحينها أدرك أنه لا بد أن يحاول الإصلاح بينهم.
جلس على الأريكة، وأخذ يفكر في طريقة يستطيع بها أن يجمع شمل العائلة من جديد. عليه أن ينتظر يومين، ثم يتحدث مع إيمان، لعلها تستمع إليه؛ فهو لن يسمح لهم بالانفصال وهدم بيتهم بتلك السهولة.
أما كريم، فعليه أن يتحمل نتيجة أخطائه، ويرضخ لما تفعله به إيمان، لكن بعيدًا عن فكرة الطلاق، حتى لا تتشتت عائلة بأكملها من أجل خطأ، مهما كان كبيرًا.
ظل جالسًا لوقت طويل، ثم ألقى بظهره إلى الأريكة متعبًا، ناظرًا إلى السماء، وقد احتلت ملامحه معالم الإحباط واليأس.
وفي مكان قريب، كانت زاد تقف عند باب السطح، تراقبه في صمت.
كانت قد رأته من شرفتها وهي تتناول الحلوى التي جلبها إليها، ومنذ ذلك الحين تنتظر فرصة تتحدث معه فيها، أي حديث... لا أكثر.
ربما لأنها بدأت، على نحو لم تنتبه إليه، تعتاد وجوده حولها.
وحين رأته يدخل البناية ولا يتجه إلى المنزل، تعجبت. فتحت باب المنزل وبحثت عنه، ثم نظرت من زاوية الدرج إلى الأسفل فلم تجده.
رفعت عينيها إلى أعلى، فرأته يصعد نحو سطح البناية.
توقفت للحظات، وأثار الأمر فضولها. دفعها شكها إلى الصعود خلفه، وهي تقنع نفسها بأن رضوان حتمًا يفعل شيئًا مريبًا ولا يريد أن يراه أحد. وربما كانت تلك فرصتها لتعرف ماذا يفعل، ثم تتركه وتذهب من هنا دون أن يمنعها أحد.
لكن ما إن وصلت إلى السطح ورأته على تلك الحال حتى تبدد جزء كبير من شكها.
لم يكن يفعل شيئًا مريبًا.
كان فقط... متعبًا.
وقفت عند الباب للحظات تراقبه من بعيد. لم تعرف إن كان عليها أن تقترب أم تعود أدراجها، لكن شيئًا ما بداخلها دفعها للبقاء.
تحركت بضع خطوات إلى الأمام، ثم توقفت على مسافة منه، وكأنها تتعمد ألا تقتحم وحدته.
أخذت تنظر من فوق السور إلى الحي من حولها.
من هنا، بدت الحارة مختلفة؛ البيوت المتلاصقة، والنوافذ التي بدأت أضواؤها تتناثر هنا وهناك، وأصوات الحياة التي تصل إلى السطح خافتة وممتزجة ببعضها.
أخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء.
كان تنهدًا طويلًا خرج منها دون قصد.
وصل الصوت إلى رضوان.
فتح عينيه واعتدل في جلسته. ظل للحظة ساكنًا، كأنه يحاول التأكد مما سمعه، ثم التفت خلفه.
وحين رآها، تفاجأ بوجودها.
توقفت عيناه عليها لثوانٍ، قبل أن يعتدل أكثر في جلسته، وقد تسلل إلى ملامحه شيء من القلق.
همس:
ـ زاد.
سمعت صوته، فالتفتت إليه.
تلاقت عيناهما.
وساد بينهما صمت قصير، بدا أطول مما ينبغي، ربما لأن كلًّا منهما لم يعتد أن يلتقي بالآخر في مثل هذا الهدوء.
كانت زاد أول من أبعد عينيها، وعادت تنظر إلى الحارة، ثم قالت:
ـ أيوه أنا. أنت بقى هنا بتعمل إيه؟
راقبها رضوان للحظة، وشعر، على غير عادته، أن وجودها لم يزعجه.
بل على العكس...
كان سعيدًا بوجودها معه، وربما للمرة الأولى لم يشعر برغبة في أن يتهرب منها أو ينهي حديثها بمشاجرة صغيرة كعادتهما.
تحرك نحوها، وأجابها بهدوء:
ـ مخنوق شوية... فطلعت أقعد هنا.
نظرت إليه بطرف عينيها، وكأنها لم تتوقع منه تلك الإجابة البسيطة.
سكتت لحظة، ثم قالت:
ـ وأنا كمان.
التفت إليها:
ـ مخنوقة؟
هزت كتفيها، وظلت عيناها معلقتين بالحي أمامها:
ـ شوية.
لم يكتفِ بإجابتها، فمال برأسه قليلًا نحوها وسأل:
ـ من إيه؟
تنهدت مرة أخرى، وتذكرت كل ما مضى، وكل ما أوصلها إلى تلك اللحظة، لكنها لم تكن تريد أن تتشاجر معه. كانت تريد فقط أن تتحدث، ولو قليلًا.
قالت بعد لحظة:
ـ معرفش... حاسة إن دماغي مليانة حاجات كتير ومحتاجة أهرب منها حتى لو ساعتين.
نظر إليها رضوان لحظة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة:
ـ ساعتين بس؟
التفتت إليه، وفي عينيها لمعة خفيفة:
ـ نقول مثلاً. تلاتة.
خرجت من رضوان ضحكة هادئة، هربت منه دون أن يقصد، فابتسمت زاد هي الأخرى، وكأن ضحكته أزاحت شيئًا من الثقل الذي كان يحيط بالمكان.
ثم قال:
ـ أهو السطح ده بقى انا وهو عشرة عمر.
ابتسمت رغمًا عنها، ثم عادت تنظر إلى الحارة.
سكتت لحظات، قبل أن تقول:
ـ غريبة.
نظر إليها:
ـ إيه؟
قالتها وهي لا تزال تحدق أمامها:
ـ الحارة.
التفت رضوان إلى حيث تنظر، ثم اقترب أكثر ووقف بجانبها، مع ترك مسافة صغيرة بينهما.
ـ مالها؟
أشارت بعينيها إلى الأسفل:
ـ من هنا شكلها مختلف.
تأمل الحارة للحظات، ثم قال:
ـ عشان إنتِ أول مرة تشوفيها من مكان عالي.
نظرت إليه بطرف عينيها، ثم عادت ببصرها إلى الأسفل:
ـ وإنت؟ متعود عليها؟
ابتسم رضوان ابتسامة صغيرة، وكأن السؤال أعاده إلى ذكريات بعيدة:
ـ اتولدت هنا.
نظرت إليه زاد هذه المرة باهتمام واضح.
ـ يعني بتحبها؟
لم يجب فورًا.
ظل ينظر إلى الحارة طويلًا، وكأنه لا يريد أن يعطيها إجابة عابرة. ثم قال:
ـ مش عشان هي أحسن مكان في الدنيا... بس دي أول مكان شافني وأنا لسه معرفش الدنيا.
ساد الصمت للحظات.
كانت زاد تنظر إليه، وقد بدا لها صوته مختلفًا وهو يتحدث عن المكان. لم ترَ فيه الأسمر الذي اعتادت أن تراه أمامها بعناده وعصبيته ومناكفاته.
رأت رضوان آخر.
فأكمل، وكأن الحديث خرج منه دون تخطيط:
ـ هنا عرفت أول فرحة، وأول خناقة، وأول مرة وقعت وقومت لوحدي... كل حاجة بدأت هنا. فصعب أكره مكان واخد كل الذكريات دي.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ، ثم أبعدت عينيها عنه، وكأنها شعرت أنها اقتربت من منطقة لم تعتد أن تراها فيه.
قالت بعد لحظة:
ـ طب عمرك ما فكرت تمشي منها؟
أجابها ببساطة:
ـ فكرت.
رفعت حاجبها، والتفتت إليه:
ـ وبعدين؟
نظر إليها، ثم أعاد عينيه إلى الحارة:
ـ وبعدين اكتشفت إن المشكلة مش في المكان.
تأملته زاد قليلًا.
ـ أمال في إيه؟
هذه المرة نظر إليها مباشرة، وقال ببساطة:
ـ في اللي جوا الواحد.
توقفت عن الكلام.
ظلت تنظر إليه وكأنها تحاول أن تفهم ما وراء الجملة، لا الجملة نفسها.
لاحظ رضوان صمتها، لكنه لم يسألها عما تفكر فيه.
ترك لها مساحتها، ثم عادت هي للسؤال:
ـ يعني لو جات لك الفرصة تعيش في مكان أحسن... هترفض؟
هز رأسه:
ـ مش هرفض.
ـ يعني تختار مكان أحسن؟
ـ لو ظروفه أحسن، آه.
ثم أضاف بعد لحظة، وكأنه يوضح ما يقصده:
ـ بس مش شرط المكان الأغلى يبقى المكان الأريح.
توقفت زاد عن النظر إلى الحارة، والتفتت إليه:
ـ والفلوس؟
ضحك رضوان بخفة:
ـ هبقى كذاب لو قلت لك الفلوس مش مهمة.
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهها:
ـ أخيرًا اتفقنا على حاجة.
ضحك هو الآخر، ثم قال:
ـ الفلوس بتسهل حاجات كتير، وبتحقق للواحد متطلبات كتير نفسه فيها... بس في حاجات مش بتتباع.
ثبتت عيناها عليه، وكأن تلك الإجابة أثارت فضولها:
ـ زي إيه؟
تأملها لحظة.
لم تكن عيناه هذه المرة على الحارة، ولا على السماء، بل عليها هي.
ثم أجاب:
ـ راحة البال.
اختفت ابتسامتها قليلًا.
وسكتت زاد.
بدا أن الكلمة لمست شيئًا بداخلها، شيئًا لم تكن مستعدة للحديث عنه.
وبعد لحظات، سألت بصوت أهدأ:
ـ دي عندك أهم من الفلوس؟
أجابها دون تردد:
ـ جدًا.
ثم رفع عينيه إلى السماء، وقال:
ـ الواحد ممكن يبقى معاه كل حاجة، بس لو مش مرتاح... هيبقى حاسس إنه ناقصه كل حاجة.
ظلت تنظر إليه طويلًا.
كانت تحاول ألا يظهر على وجهها مقدار تأثرها بكلامه، لكنه لاحظ الصمت الذي طال أكثر من اللازم.
وبعد لحظة، قالت بصوت خافت:
ـ يمكن عشان كده أنا مخنوقة.
عاد ببصره إليها، وقد تغيرت ملامحه قليلًا:
ـ عشان مش مرتاحة؟
هزت رأسها ببطء:
ـ يمكن.
سألها دون ضغط:
ـ من إيه؟
رفعت عينيها إليه، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، تخفي خلفها أشياء كثيرة:
ـ لو عرفت، كنت قلت لك.
تأمل ابتسامتها للحظة، وكأنه فهم أنها لا تريد الحديث.
فلم يضغط عليها.
اكتفى بابتسامة هادئة، وقال:
ـ أكيد.
نظرت إليه باستغراب خفيف، ثم ابتسمت هي الأخرى.
ولأول مرة...
لم يكن الصمت بينهما ثقيلًا.
كان هادئًا.
مريحًا.
وكأن كليهما لم يعد يشعر بالحاجة إلى ملء الفراغ بأي كلام.
ظل رضوان واقفًا إلى جوارها، ينظر إلى الحارة تارة، وإليها تارة أخرى، دون أن ينتبه إلى طول نظرته.
كانت مختلفة.
ليس في شكلها فقط، ولا في طريقتها، ولا حتى في عنادها.
شيء آخر.
شيء لم يستطع تحديده.
ظل يراقب ملامحها للحظات، حتى التفتت إليه من جديد.
استقرت عيناه على عينيها.
وتوقفت أنفاسه للحظة قصيرة، دون أن يعرف السبب.
لم يتحرك.
ولم تتحرك هي أيضًا.
مجرد لحظة صامتة...
لكنها كانت كافية لتدفع شيئًا قديمًا إلى ذاكرته.
وهنا، دون مقدمات، تسللت رباب إلى ذاكرته.
رباب...
الاسم الذي كان يظن أنه يعرف معه معنى ذلك الشعور.
لطالما أحبها، أو هكذا اعتقد. شعر معها بالكثير، وعاش معها سنوات حملت من الذكريات ما يكفي ليؤكد لنفسه أنه لم يكن يومًا فارغ القلب تجاهها.
لكن زاد كانت مختلفة.
مختلفة بطريقة لم يستطع أن يضع لها اسمًا.
لم يكن يشعر معها بالشيء نفسه الذي شعر به مع رباب.
بل كان شيئًا آخر تمامًا.
مع رباب، لم يكن يهتم كثيرًا إن تغيرت نبرة صوته أو ساء مزاجها من كلمة قالها، ولم يكن يراجع نفسه بعد كل جملة ليتأكد أنه لم يجرحها.
أما مع زاد...
فقد وجد نفسه، دون أن ينتبه، ينتبه إلى كل شيء.
إلى نبرة صوته حين يتحدث إليها.
إلى الكلمات التي يختارها.
إلى نظرتها حين تصمت.
وحتى إلى ذلك الحزن الصغير الذي يظهر في عينيها دون أن تتحدث عنه.
والأغرب من ذلك كله...
أنه أصبح يخاف أن يراها غاضبة منه.
خاف من زعلها بطريقة لم يعتدها من قبل.
ظل ينظر إليها، شاردًا في تلك الحقيقة التي بدأت تتشكل أمامه ببطء، حتى انتبهت زاد إلى شروده، فسألته:
ـ مالك؟
رمش بعينيه، وكأنه عاد فجأة من مكان بعيد.
ـ ولا حاجة.
ضيقت عينيها قليلًا، وكأنها لم تصدق إجابته:
ـ طيب على قولي بتبص لي كده ليه؟
ارتبك للحظة.
للمرة الأولى منذ وقوفهما معًا، لم يجد إجابة جاهزة يرد بها عليها.
ثم قال، محاولًا أن يجعل نبرته عادية:
ـ معرفش... يمكن عشان أول مرة نتكلم من غير ما نتخانق.
ابتسمت زاد، وقد عادت إليها نبرتها المعتادة:
ـ بسيطة. ممكن نتخانق عادي.
ضحك، وشعر بشيء من الراحة لأن الأمور عادت إلى مساحتها المألوفة بينهما:
ـ لأ، كفاية النهارده.
رفعت حاجبها:
ـ ليه بقى؟
نظر إليها بطرف عينه، ثم قال:
ـ عشان أنا مش ناقص بصراحه.
ضحكت بخفة.
وتسللت ضحكتها إلى قلبه بصورة لم يتوقعها.
ظل ينظر إليها للحظة أخرى، ثم أبعد عينيه إلى الحارة، كأنه يخشى أن تفضحه عيناه أكثر مما فعلت كلماته.
لم يعرف لماذا شعر، للمرة الأولى، أن السطح الذي كان يصعد إليه هربًا من الناس...
صار أجمل قليلًا بوجودها.
أما زاد، فبقيت تنظر إلى الحارة، وهي لا تعرف أن ذلك الحديث البسيط الذي صعدت من أجله...
ترك في قلب رضوان سؤالًا أكبر من كل الأسئلة التي جاء إلى هنا ليبحث لها عن إجابة.
لماذا كانت هي بالذات...
تجعله يشعر بكل هذا؟
قالت زاد بعد لحظة:
ـ شكرًا على الحاجات الحلوة اللي جبتهالي مع حبيبة.
ابتسم قائلًا:
ـ أهم حاجة تكون عجبتك.
حركت رأسها:
ـ اممم... عجبتني. ميرسي.
ابتسم رضوان كأنه تذكر شيئًا، ومد يده إلى جيبه:
ـ كنت هنسى.
زاد:
ـ إيه؟
أخرج من جيبه علبة صغيرة ومدها إليها، وهو يقول بنبرة بسيطة:
ـ اتفضلي. دي حاجة بسيطة كده. ياريت ما ترفضيهاش.
توقفت عيناها عند العلبة، ثم رفعت نظرها إليه باستغراب.
ـ إيه ده؟
ـ شوفيها.
فتحتها بفضول، لتظهر أمامها سلسلة فضية رقيقة تتدلى منها وردة صغيرة. ظلت تنظر إليها لثوانٍ، ثم رفعت عينيها إليه، وقد بدت على ملامحها دهشة ممزوجة بابتسامة هادئة.
ـ لما شفتها وأنا معدي قدام المحل، حسيت إنها هتبقى لايقة عليكِ.
ابتسمت قائلة:
ـ طيب ممكن أعرف إيه المناسبة؟
ارتبك وحك شعره، وكأنه لم يجد إجابة أفضل مما قاله:
ـ اعتبريه عربون صلح، من اللي حصل قبل كده.
ظلت تنظر إلى السلسلة بين أصابعها، ثم رفعت عينيها إليه بابتسامة رقيقة:
ـ جميلة جدًا يا رضوان. ميرسي بجد.
ابتسم رضوان، ثم أعاد عينيه إلى الحارة، بينما أخذت زاد تتأمل السلسلة مرة أخرى قبل أن تضمها إلى كفها.
ساد بينهما صمت قصير، لم يكن ثقيلًا هذه المرة، بل بدا كأنه جزء طبيعي من هدوء السطح.
وعاد كلٌّ منهما ينظر أمامه، بينما بقيت الهدية الصغيرة في يد زاد، وبقي رضوان إلى جوارها، مستمتعًا بهدوء اللحظة دون أن يحتاج أيٌّ منهما إلى قول شيء آخر.
بعد يومين من هذه الأحداث، عاد حسين من سفره، متجهًا إلى ابنته التي اشتاق إليها كثيرًا، وكان محمّلًا بالهدايا.
وما إن رأته زاد يقف عند باب الشقة، حتى ركضت إليه، محتضنةً إياه، لتعبر له عن مدى اشتياقها له.
ـ بابا!
ضمها حسين إليه بقوة، وهو يربت على ظهرها بحنان:
ـ وحشتيني يا حبيبتي.
ابتعدت عنه قليلًا، وظلت تنظر إلى وجهه بابتسامة واسعة:
ـ وإنت كمان وحشتني أوي.
ضحك حسين، ثم حمل بعض حقائبه ودخل معها إلى الشقة.
خرجت زهرة من غرفتها بعد أن سمعت صوته في الخارج، لتراه جالسًا ومعه ابنته وحبيبة، التي عادت من الجامعة، ويبدو أنها هي من فتحت له الباب.
كان جالسًا محتضنًا ابنته، ويتحدث معهما بأريحية، ويسرد لهما بعض التفاصيل عن تلك السفرة وما مر به خلالها.
رحبت به زهرة بابتسامة صادقة:
ـ يا مرحب يا مرحب. حمد لله على السلامة يا حسين بيه. نورتنا.
ابتسم لها:
ـ الله يسلمك يا ست زهرة. البيت منور بأهله.
ثم أخرج إحدى الهدايا ومدّها إليها.
نظرت زهرة إلى الهدية بتردد، ثم قالت:
ـ إيه ده؟ لا، كفاية إنك رجعت بالسلامة لبنتك.
أصر عليها وهو يمدها إليها:
ـ ياستي خديها بدل ما أزعل، ولا إنتوا بتحبوا تزعلوني؟
ـ والله ما كان له لزوم تتعب نفسك. صدقني، خيرك سابق.
هز رأسه بإصرار:
ـ هو حد قالك أنا تعبت نفسي؟. وبعدين والله لو ما خدتيها لأزعل، وهقسم لك إني هقوم أمشي ومش هاجي هنا تاني.
ضحكت زهرة بحرج، ومدت يدها لتأخذها منه:
ـ لا والله، ما تحلف أبدًا. خدتها أهو، وتسلم إيدك، كتر خيرك والله.
ابتسم برضا:
ـ كده تمام.
ثم التفت إلى حبيبة، وأخرج لها هديتها ومدّها إليها.
ـ ودي ليكي يا دكتورة حبيبة.
أخذتها منه على الفور، دون أي تردد، وهي تبتسم بسعادة:
ـ بجد؟ دي ليا أنا؟
ضحك حسين:
ـ أيوه يا ستي، ليكي إنتِ. هو أنا هجيبها لمين يعني؟
ـ ربنا يخليك لينا يا عمو حسين، بجد شكرًا.
ضحكت زهرة وهي تنظر إليها:
ـ شوفوا البت؟... دي ما صدقت شافت الهدية.
ضحك الجميع، بينما احتضنت حبيبة هديتها إلى صدرها.
ثم نظر إليها حسين قائلًا:
ـ ولو احتجتي أي حاجة، قوليلي على طول، وما تتردديش. اعتبريني زي والدك بالظبط.
هزت حبيبة رأسها بابتسامة:
ـ حاضر، متشكرة جدًا لحضرتك.
كانت زهرة تراقب المشهد بابتسامة هادئة، ثم أشارت إلى حبيبة إشارة لطيفة، وكأنها تريد منها أن تفهم ما تقصده دون كلام.
فهمت حبيبة الإشارة على الفور، ونهضت من مكانها.
ـ طب يا عمو، إحنا هنسيبك ترتاح شوية.
نظر إليها حسين مستغربًا:
ـ تسيبيني ليه؟ اقعدي يا بنتي.
ابتسمت زهرة وقالت:
ـ خليك مع زاد شوية، أكيد عايز تقعد معاها براحتك بعد الغيبة دي. وزاد كمان إنت كنت واحشها خالص. يلا يا حبيبة، إحنا هنروح نزور مرات عمك.
ـ حاضر يا ماما.
ثم التفتت إلى حسين:
ـ حمد لله على السلامة يا عمو، وشكرًا على الحاجات الجامدة دي.
قهقه لها:
ـ الله يسلمك يا حبيبة. والله صدق رضوان لما قال إنكِ روح البيت.
ثم أضاف:
ـ ماتنسوش بكرة. كلكم معزومين عندي، على الغدا إن شاء الله.
سألته حبيبة بفضول:
ـ واخويا رضوان وافق!
ـ وافق طبعاً. بس بعد ما طلع روحي. دماغة حجر صوان.
غادرت زهرة وحبيبة، تاركتين حسين وابنته وحدهما.
ساد بينهما هدوء قصير، قبل أن يلتفت حسين إلى زاد، ويتأمل وجهها قليلًا، وكأنه يحاول أن يطمئن بنفسه عليها بعد غيابه.
ـ ها يا زاد... طمنيني عليكِ. عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة:
ـ كويسة يا بابا.
ـ متأكدة؟
هزت رأسها:
ـ أيوه، متأكدة.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم سألها بهدوء:
ـ طيب قولي لي... إيه رأيك في العيلة دي؟
ابتسمت زاد، وكأن السؤال أعاد أمامها الكثير من التفاصيل التي عاشتها معهم، ثم أجابته بعفوية:
ـ حبيبة دي... مجنونة وشقية أوي. عندها عقل طفولي كده، بس رغم كل ده قلبها طيب.
ضحك حسين:
ـ حبيبة فعلًا شقية، دي مش محتاجة شهادة منك.
ضحكت زاد، ثم أكملت:
ـ بس قلبها حلو أوي. وعلى عكس مامتها... طنط زهرة رزينة جدًا، وعندها قلب حنون، وبتعاملني كأني بنتها.
تغيرت ملامح حسين قليلًا، وبدت عليه الراحة وهو يستمع إليها.
ـ يعني ارتحتي معاهم؟
هزت رأسها بتردد:
ـ آممم... يعني.
ابتسم حسين، وقد أسعده سماع ذلك منها أكثر مما أظهر.
ثم سكت لحظة، وكأنه ينتظر السؤال الأهم، قبل أن يوجه إليها نظرة ذات مغزى:
ـ طيب... وأهم واحد؟
توقفت ابتسامتها قليلًا، وعرفت فورًا من يقصد.
ـ مين؟
رفع حاجبه، مبتسمًا:
ـ رضوان.
سكتت زاد.
لم تجد الإجابة حاضرة على لسانها كما كانت تفعل دائمًا.
فإن قالت إنه سيئ، ستكون تكذب.
وإن قالت إنه جيد للغاية، ستشعر أنها تقول شيئًا لا تريد الاعتراف به حتى لنفسها.
خفضت عينيها، وأخذت تعبث بأصابعها في طرف ملابسها، وكأنها تبحث عن إجابة تنقذها من السؤال.
لاحظ حسين صمتها، لكنه لم يستعجلها.
ظل ينظر إليها، وعلى شفتيه ابتسامة عريضة لم تستطع أن تختفي.
كان يعرف ابنته جيدًا.
يعرف عنادها، ويعرف كيف تتصرف حين ترفض شخصًا أو شيئًا.
ولو كان رضوان ما زال بالنسبة إليها كما كان في البداية، لصاحت في وجهه بمجرد أن ذكر اسمه، ولما احتاجت إلى كل هذا الصمت والتفكير.
استقل رضوان سيارة أجرة بعد أن أجرى اتصالًا هاتفيًا مع إيمان، وطلب منها أن يتحدث معها في أمر هام.
حاولت إيمان التملص من طلبه، وأخبرته بأنها في عملها الآن ولا تستطيع الخروج، وطلبت منه تأجيل المقابلة إلى وقت آخر.
فأجابها بأنه سيأتي إليها في العمل، لأن الأمر هام، ولا يريد أن يستمع إليه أحد من أفراد أسرتها.
وعندما وصل إلى المركز، جلس في ساحة الانتظار حتى انتهت من عملها، ثم دخل إلى المكتب الذي تجلس فيه مع صديقتها.
طلبت إيمان من صديقتها أن تتركهما لبضع دقائق، فاستأذنت وغادرت.
رحبت إيمان بقدومه، ثم جلس رضوان على أحد المقاعد، بينما جلست هي على الأريكة المقابلة له.
ظلت صامتة، ولم تنطق بكلمة واحدة.
تأملها رضوان للحظات، فتبدلت ملامحه؛ فقد بدت أمامه أنثى حزينة يائسة، أنهكها ما حدث حتى أطفأ شيئًا من بريقها.
ابتلع رضوان ريقه، ثم تحدث إليها بصوت واضح:
ـ أنا عرفت كل حاجة يا إيمان.
رفعت عينيها إليه، وظلت صامتة.
تابع رضوان:
ـ وعارف إن كريم ارتكب غلطة كبيرة في حقك، ولازم يتعاقب عليها، وأنا مش جاي أبرر لكِ اللي عمله. بس هو دلوقتي بيدفع تمن غلطته، وبقى إنسان تاني، ندمان على اللي عمله، وحاسس بذنب كبير من ناحيتك.
ظلت إيمان تنظر إليه دون رد، فاستكمل:
ـ أنتِ لازم تفكري بطريقة صح، خصوصًا علشان الولاد. هما أكتر ناس هيتأذوا لو البيت ده اتهد. وأنا شايف إن الأفضل إنك ترجعي بيتك في أقرب وقت.
نظرت إليه إيمان في صدمة، واغرورقت عيناها بالدموع؛ فقد كانت تظن أنه سيقف إلى جوارها في إجراءات الانفصال.
قالت بصوت خافت يحمل خيبة واضحة:
ـ كنت فاكرة إنك هتقف جنبي يا رضوان.
قطّب رضوان حاجبيه، وقال محتجًا:
ـ أقف جنبك في إيه؟ أنا مش هقف معاكي في خراب بيتك. إنتِ أختي، وكريم صاحبي. وكل البشر بتغلط، والمهم إن الإنسان يتعلم من غلطه. ارجعي يا إيمان واخذي الشيطان.
نهضت إيمان من مكانها، وما إن وقفت حتى هبطت دموعها على وجنتيها، وقالت بحزن:
ـ أرجعله؟ أنت متعرفش كريم عمل فيا إيه يا رضوان؟ بخيانته ليا فقدت الأمان معاه. صدمني وكسرني، واللي اتكسر صعب إنه يتصلح بسهولة. لأن في حتة كده لما بتتكسر تجاه الأشخاص اللي بنثق فيهم، لا بترجع ولا بنرجع تاني. قوله ياريت يسبني في حالي ويطلقني في أسرع وقت.
استاء رضوان من نبرتها الحزينة، والتمس لها سبعين عذرًا، لكنه لم يرد أن يهدم هذا البيت.
تحدث إليها بعقلانية، محاولًا أن يصل معها إلى حل:
ـ أنا عارف طبعًا إن الجرح كبير جواكي. أنا كمان زيك اتصدمت في كريم، وغلطته كبيرة، وخصوصًا إن علاقتكم مش زي أي اتنين عاديين. إنتِ وهو بينكم قصة حب كبيرة وتضحيات منك علشانه. بس أنا عايز منك ما تنهيش كل حاجة في لحظة غضب.
توقفت إيمان عن البكاء للحظات، بينما تابع:
ـ كريم ندمان فعلًا، صدقيني. إنتِ ما شفتيش شكله عامل إزاي، اتغير خالص وبقى واحد تاني. لا بيروح الشغل ولا بيخرج من البيت، وأهمل في نفسه بطريقة واضحة.
ثم نظر إليها، وأكمل بصراحة:
ـ أقولك الحق! أنا اتصدمت لما شفته. ولو فكرتي شوية، هتلاقي إن ندمه على غلطته ده نتيجة حبه ليكي يا إيمان. صدقيني، كريم غلط ومعترف بغلطه.
أجابته بحدة، وقد عادت نبرة الغضب إلى صوتها:
ـ الخيانة صعب حد يتحملها يا رضوان. وإن كان هو سمح لنفسه وإحنا في عز شبابنا يعمل كده! طيب لما نكبر هيعمل إيه! صدقني يا رضوان، صدمتي فيه كبيرة.
ثم مسحت دموعها بعنف، وأكملت مهددة:
ـ وأنا لولا العِشرة اللي بينا والأولاد، كنت رفعت عليه قضية خلع وسبته غصب عنه.
زم رضوان شفتيه، ثم أردف إليها معاتبًا:
ـ وهتقدري تعيشي من غير كريم يا إيمان؟
بكت بحرقة، لأنها حقًا تحبه، ولا تستطيع أن تكرهه حتى بعد فعلته، وقالت بوجع ظاهر:
ـ زي ما هِنت عليه يا رضوان، هو كمان هايهون عليا. أنا هِنت على جوزي وقلبه دق لغيري.
أجابها رضوان مسرعًا:
ـ غلط يا إيمان، كريم ما حبش حد غيرك. هو لو حبها كان هيعمل في نفسه كده ليه بس! وبعدين البنت دي هي اللي كلمته، ومن آخر موقف حصل بينكم كريم ما كلمهاش ولا حتى شافها.
تنهدت إيمان بثقل، ثم قالت:
ـ أنا شوفت كل كلمة كان بيكتبها ليها، وسمعت كلامهم لبعض. كريم كسرني يارضوان.
أنا آسفة، أنت مجيتك ليا كبيرة قوي عندي، لكن أنا مستحيل أرجعله مهما حصل.
مسح رضوان وجهه بيده، وأردف بصوت مجهد:
ـ يعني ده آخر كلام عندك؟
أجابته بعناد:
ـ أيوه.
تنهد رضوان، ثم حدثها متمنيًا:
ـ طيب ممكن تقعدي مع نفسك وتفكري شوية؟ بلاش تخسري كريم يا إيمان. كلنا بنغلط، بس المهم إننا نتعلم من غلطنا.
هزت رأسها رفضًا، ولم ترغب في سماع المزيد، فتنهد رضوان وقال:
ـ ماشي يا إيمان، وبرضه مش هاخد منك كلمة دلوقتي. مش عايزك تخربي بيتك بغبائك.
نظرت إليه في ضيق، وقالت:
ـ أنت عايز توصل لإيه يا رضوان؟
أجابها دون تردد:
ـ عايزك تفكري في ولادك وترجعي لجوزك. ولو فكر يأذيكِ أو كررها تاني، أنا اللي هقف له.
لم تجبه.
ظل صمتها قائمًا بينهما، فعرف رضوان أن المزيد من الكلام لن يغير شيئًا الآن.
وقف من مكانه، ثم قال:
ـ طيب. أنا لازم أمشي دلوقتي، عندي شغل مستعجل. وفكري في كلامي كويس.
تركها رضوان وغادر المركز.
لكن ما إن خرج حتى لمح كريم يقف في الاتجاه الآخر، ناظرًا إلى باب المركز، وكأنه ينتظر أن يراها ولو للحظات.
زفر رضوان بحنق، ثم أشفق على حاله، فاتجه نحوه وسأله:
ـ بتعمل إيه هنا يا كريم؟
رد عليه كريم مغمغمًا:
ـ جاي أشوفها يا رضوان.
ثم نقل نظره إلى رضوان، وأردف متوسلًا:
ـ كلمتها مش كده! قالتلك إيه؟ هترجع!
زم رضوان شفتيه، وحرك رأسه بالرفض:
ـ رافضة الرجوع. إيمان مش عايزة ترجعلك تاني بعد عملتك السودة دي. ولو ما طلقتهاش، هترفع عليك قضية خلع.
انتفض قلب كريم، وبدت الصدمة واضحة على وجهه:
ـ أنت بتقول إيه يا رضوان!
ـ بقول إنك هديت بيتك بنزواتك يا كريم.
ـ مستحيل، إيمان تعمل فيا كده؟
نظر إليه رضوان باستنكار:
ـ يا سلام! وإنت اللي تخونها وتكلم عليها ستات عادي، مش كده؟
ـ افهمني يا رضوان، أنا مقدرش أعيش من غير إيمان. دي هي اللي سنداني. اكتشفت إن أنا اللي كنت بتقوى بيها، مش هي.
نظر إليه رضوان طويلًا، ثم قال بمرارة:
ـ كان لازم تعرف قيمتها من البداية. الست اللي بتقف جنب جوزها وتتحمل ظروفه وتحرم نفسها علشانه، دي تتشال فوق الراس، مش نحطها على جنب ونروح نشوف نزواتنا ونمشي وراها.
ثم اقترب منه قليلًا، وقال:
ـ وبعدين تعال هنا، هي إيمان مش ست وسارة ست؟ إيه الفرق بينهم؟
لم يجد كريم ردًا، فاستكمل رضوان:
ـ أقولك أنا الفرق. الفرق إنك أهملت واحدة لأنها مشغولة بيك وبعيالك، وجريت تهتم وتدلع واحدة مالهاش أي حق عليك، وهي مش شايفاك غير محفظة بتدفع وبس.
اغرورقت عينا كريم، وقال بنبرة مرتجفة:
ـ أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. أبوس إيدك يا رضوان، ساعدني، واقف جنبي. أنا عمري ما تخيلت إن إيمان تبعد عني. أنا هعتذر لها بدل المرة ألف، هتأسف لها، بس خليها تنسى وتسامحني.
ظل رضوان ينظر إليه بجدية، ثم قال:
ـ الاعتذار مش كفاية لوحده يا كريم، ومش هيعدل الدنيا. مراتك كانت حاطاك في مكانة إن مهما عدت بينكم سنين عمركم، عمرك ما هتعمل كده. حصلت لها صدمة نفسية، وحست بالخذلان من ناحيتك.
ثم أردف:
ـ ولو فعلًا عايزها ترجعلك، فلازم تثبت لها إنك بتحبها ومقدّر كل حاجة حلوة كانت بتعملها عشانك. وإنها أحسن ست في الدنيا في نظرك، وإنك بتحمد ربنا كل يوم عشان وهبك زوجة صالحة زيها.
استمع كريم إليه بصمت، فتابع رضوان:
ـ لازم تفرحها وتسعدها وتنسيها اللي حصل بأفعالك، وأهم حاجة تحس فعلًا إنها كانت مجرد نزوة وعدت ومش هترجع تاني، يا إما حقيقي هتخسر ست ما تتعوضش. اتشقلب بقى يا حلو، عشان تحاول مع الوقت تمحي اللي سببتهولها. ما هو لو بنمشي زي ما القرآن بيقول من الأول، ما كانش ده يحصل ولا كنا هنوصل نفسنا لمرحلة زي دي.
تنهد كريم بعمق، وقال بصوت متعب:
ـ عندك حق يا رضوان. أنا غلطت غلط كبير، وفعلًا أنا لو خسرت إيمان، هتكون دي أكبر غلطة في حياتي.
ـ صح، وإحنا بشر وكلنا بنغلط، لكن المهم إنك تتعلم من غلطك وما تكرروش تاني. ولو فعلًا بتحبها، لازم تبين لها ده بأفعالك، مش بس بكلامك.
ـ هحاول يا رضوان، هحاول بكل طاقتي إني أصلح اللي عملته وأثبت لها إني ندمان ومقدرها.
ـ ربنا يوفقك يا كريم. بس خلي بالك، الموضوع مش هيكون سهل. لازم تصبر وتحاول لحد ما ترجع الثقة اللي انكسرت بينكم.
ـ أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أرجعها.
ـ تمام، يبقى ابدأ من دلوقتي. وما تستعجلش، وكل خطوة بتعملها لازم تكون محسوبة.
ـ حاضر يا رضوان. أنا مش عارف أشكرك إزاي. أنت أخويا اللي ما يتعوضش.
ترك رضوان كريم، وهو يشعر بثقل الكلمات التي قالها، لكنه كان يعلم أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، ضرورية لتصحيح الأمور.
أما كريم، فعاد إلى منزله وقد اقتنع بكلمات صديقه. أخذ حمامًا ساخنًا، ورتّب لحيته، وارتدى ثيابه التي كانت تفضلها زوجته.
وقف أمام المرآة، ونظر إلى انعكاس صورته بعينين تحملان تصميمًا واضحًا، عاقدًا العزم على أن يفعل كل شيء ليعيد لمّ شمل عائلته، ثم دعا الله أن يوفقه.
في هذه الأثناء، قرر رضوان أن يحتفظ بما يحدث بين كريم وزوجته لنفسه، ولم يخبر أحدًا، حتى صديقيه عزت وعصام؛ لأنه يعتبر الأمر خاصًا بينهما، ولا يريد تشويه صورة كريم في نظر من حوله.
ومر شهران و أكثر، حدثت خلالهما أشياء كثيرة.
ظل كريم يحاول بكل الطرق إصلاح علاقته بزوجته.
فمرة، كان يذهب إلى عملها حاملًا باقة من الورود الرقيقة، لكنها كانت ترفض أخذها وتتركه وتذهب.
وفي مرة أخرى، ذهب إلى منزل عائلتها ومعه ألعاب لأطفاله، لكنها رفضت مقابلته.
ومرة ركب بجوارها في سيارة أجرة، فتركت السيارة وذهبت سيرًا على الأقدام.
ورغم ذلك، لم ييأس كريم، وظل يرسل لها رسائل غرامية ممزوجة بالاعتذار، معترفًا بحماقاته، ومعاهدًا إياها أنه لن يكرر ذلك مرة أخرى.
كل ما يطلبه كان فرصة واحدة ليثبت لها أنه عاد الشخص الذي كانت تعرفه في أيام الجامعة.
ورغم كل ما فعله كريم لأجلها، لم تستطع إيمان مسامحته، فأغلقت جميع الأبواب في وجهه. كانت لا تزال مجروحة منه؛ أحبته بكل جوارحها، لكنه حطم قلبها وخذلها بفعلته.
وحين وجد كريم أن كل الطرق قد أُغلقت أمامه، لجأ إلى صديقه الوحيد الذي وثق أنه سيساعده. ذهب إلى رضوان طالبًا منه التدخل، وظل يُلح عليه حتى أشفق رضوان على حاله، وقرر أن يتحدث مع إيمان.
اتصل بها، وأخبرها بصوت مأساوي أن كريم تعرض لحادث سير، وأن بعض الرجال حملوه إلى منزله، ولا أحد يعلم إن كان سيبقى حيًّا أم لا.
جنّ جنون إيمان، ولم تستوعب من كلمات رضوان سوى حقيقة واحدة: أنها قد تخسر حب حياتها إلى الأبد.
تركت كل شيء خلفها، واندفعت إلى منزلها ودموعها تنهمر، لتتفاجأ ببعض الزينة المعلقة في سقف المنزل، وكعكة كبيرة على طاولة الطعام تتوسطها رسالة اعتذار لها. وفي الجهة المقابلة، كان كريم يقف منتظرًا إياها، ينظر إلى عينيها بحنين وندم واشتياق بالغ.
لم تحتمل إيمان فكرة أنها كانت على وشك فقدانه، ولم تدرك نفسها إلا وهي تندفع نحوه، لترتمي بين ذراعيه ودموعها تنهمر. كانت خائفة حقًا من أن تخسره.
نجح رضوان في إعادة شمل عائلة كريم، وأخذ منه عهدًا بألا يفعل شيئًا يُفسد حياته مرة أخرى. وعادت إيمان إلى بيتها وفق شروط وافق عليها كريم دون تردد، فعادت السعادة تغمر أسرتهم من جديد.
تركت إيمان عملها حتى لا تهمل بيتها، وأصبحت تهتم بأدق تفاصيله، بينما رضيا بما كتبه الله لهما من رزق، مؤمنين بأن الله سيبارك لهما في القليل، فالسعادة الحقيقية لا ترتبط بالمال.
أما عزت، فقد ترك عمله في ورشة الحدادة ليعمل مع والد زوجته في محل الجزارة. ولم يتعجب رضوان؛ فمن المؤكد أن والدة رباب لن تسمح لزوج ابنتها بأن يكون حدادًا فقيرًا.
تعودت زاد على العيش في ذلك المنزل، ولكن بطريقة مؤقتة، وأقنعت نفسها بأنها تعيش فترة نقاهة بعيدًا عن العالم الذي كانت تعيش فيه، وأخذت الأمر من باب التجربة.
أما رضوان، فقد اعتاد على وجودها تمامًا، معتبرًا إياها جزءًا كبيرًا من حياته، ولم يعد يستطيع رؤية المنزل من دونها.
كانت حبيبة قد كتبت على لوحة في غرفتها:
«إن تفكير الفتيات في تحقيق أحلامهن وأمانيهن يعكس قوة وإصرارًا لا حدود لهما. عندما تضع الفتاة نصب عينيها هدفًا معينًا، فإنها تجمع بين الشغف والعزيمة لتتخطى أي عائق في طريقها، لتحول أحلامها إلى واقع ملموس.
وكانت تؤمن بأن الطموح هو أول خطوة لتحقيق المستحيل، لذلك لم تتردد في ملاحقة أحلامها بكل إصرار وثقة.
أصبحت لها مجموعة من الأصدقاء في الجامعة، وازداد الحمل على عاتقها في الدراسة، لكنها كانت تقوّي نفسها، وكان رضوان يفعل لأجلها كل ما في وسعه حتى لا ينقصها شيء.
كما أصبحت زاد وحبيبة تربطهما صداقة قوية، بفضل تلك الشقية حبيبة ومحاولتها المستمرة في الاقتراب منها.
ومرت تلك الأيام بسكون على الأم زهرة، فكانت سعيدة بسكينة وهدوء عائلتها، وتدعو الله أن تغمر السعادة منزلهم، إلى أن حدث شيء لم يكن في الحسبان، قلب حياتهم رأسًا على عقب.
«ربما يكون القادم سيئًا في ظاهره، لكن في طياته يكمن خيرٌ لا نراه. فالله وحده يعلم ما يخبئه المستقبل، وما نعتقده شرًا قد يكون بداية لخير عظيم يغير حياتنا للأفضل. ثق بحكمة الله وكرمه، فكل تجربة تمر بها تحمل في طياتها درسًا نتعلمه في هذه الحياة.»
تفقدت زاد صندوق مستحضرات التجميل خاصتها، فوجدت أن بعض الزجاجات قد فرغت، وتحتاج إلى شراء غيرها، إلى جانب بعض المستحضرات الجديدة.
جلست في صالة المنزل بجوار حبيبة، وفتحت هاتفها لتشتري ما تحتاجه من خلال الموقع الذي تتعامل معه.
وبعد أن أنهت طلبها، وصلتها رسالة نصية من الموقع تفيد بأن عامل التوصيل سيجد صعوبة في الوصول إلى هذا المكان.
شعرت بالاستياء والضجر، فسألتها حبيبة عما بها، فردت زاد بطريقة متذمرة للغاية، فضحكت حبيبة قائلة:
ـ معقول المندوب مش هيعرف يجي هنا؟
تأففت زاد وقالت:
ـ أيوه، قلتلك إنه قال صعب.
وضعت حبيبة يدها تحت ذقنها بتفكير، وقالت بسخرية:
ـ اممم... أيوه، ممكن ليه لأ؟ هنا الأزقة ضيقة قوي يا حرام.
رمقتها زاد وقالت بتهكم:
ـ إنتِ بتتريقي يا حبيبة! أنا هنا في مصيبة حقيقية بجد.
تعجبت حبيبة، وشعرت أنها ليست مثل باقي الفتيات، وقالت لها بدهشة:
ـ مصيبة علشان المناكير ومقوي الأظافر خلص! لا بجد، يا حرام. ربنا يصبر قلبك يا حبيبتي.
تنهدت زاد بعفوية وقالت:
ـ ده يا ريت على كده وبس، ده أنا محتاجة حاجات كتير زي الفاونديشن والكونسيلر والهايلايتر والكونتور.
ردت حبيبة بذهول:
ـ ده إيه اللي إنتِ بتقوليه ده! دول ولا أسامي ورشة دهانات.
لم تحتمل حبيبة سماع المزيد، فقاطعتها على الفور، ثم نظرت إليها مستفسرة:
ـ إنتِ بجد بتحطي كل الحاجات دي على وشك!
رمقتها زاد من أعلاها إلى أخمصها، وقالت ساخرة بنبرة تحمل الكبرياء:
ـ أيوه طبعًا، وإنتِ إيش فهمك في الحاجات دي؟ وإنتِ مش مهتمة بنفسك، هتعرفي بقى الحاجات دي منين!
رفعت حبيبة يدها إلى الأعلى وقالت:
ـ لا يا أختي، أنا كده حلوة قوي. أنا «سترونج إندبندنت وومان»، وعمري ما هدخل في حياتي كونتور يتحكم فيا. أنا لو حطيت زبدة كاكاو، رضوان كان شعلّقني فيها.
زفرت زاد بحزن؛ فهي تريد أن تضع المساحيق، وتريد أن تذهب بنفسها لتشتريها كما كانت تفعل من قبل، لكن والدها رفض أن يجلب إليها سيارتها الخاصة.
أشفقت عليها حبيبة، وقالت بتفكير:
ـ طيب، خلاص، افردي بوزك وقومي معايا.
سألتها زاد:
ـ على فين؟
ـ هنروح الصيدلية اللي في الحارة اللي ورانا، وحظك حلو النهارده، السبت، وده اليوم اللي الدكتور سناء موجود فيه وبيعمل خصومات كبيرة على الميك آب والإكسسوارات.
كشرت زاد بين عينيها متسائلة:
ـ وده هلاقي عنده اللي أنا عايزاه؟ مظنش، مستحيل طبعًا.
أجابتها حبيبة مؤكدة:
ـ ليه مستحيل؟ إنتِ رحتِ وجربتِ مثلًا؟ لا، فأنا بقولك أكيد هتلاقي كل اللي إنتِ عايزاه، وكل الماركات والبراندات المعروفه كمان.
ابتسمت زاد ابتسامة عريضة، فرحًا، وهمّت بالوقوف، لكن حبيبة أوقفتها قبل أن تتحرك.
ـ استني بس... أنا هجبلك حاجة.
عقدت زاد حاجبيها باستغراب:
ـ حاجة إيه؟
ابتسمت حبيبة ابتسامة مشاغبة، ثم أسرعت إلى غرفتها، وعادت بعد لحظات وهي تحمل عباءة سوداء أنيقة.
رفعتها أمام زاد بفخر:
ـ إيه رأيك؟
حدقت زاد في العباءة للحظات، ثم اتسعت عيناها بدهشة وقالت في شك:
ـ إيه دي؟!
ـ عباية يا زاد، هو أنا جايبالك خيمة يعني؟
ـ عباية؟ جايباهالي أنا؟ لا طبعًا، أنا مش هلبس الحاجات دي.
انفجرت حبيبة ضاحكة:
ـ حاجات دي؟ إيش فهمك إنتِ في الحاجات دي؟ جربيها الأول!
ـ مش هجرب حاجة. عمري ما لبست حاجة زي دي.
ـ وأنا مش بسألك لبستي ولا لأ، أنا بقولك جربيها!
ـ يا حبيبة...
لم تكمل زاد جملتها، حتى أمسكت حبيبة بيدها وهي تضحك، وحاولت دفعها باتجاه غرفتها.
ـ يلا بس، متعانديش!
ضحكت زاد وهي تحاول الإفلات منها:
ـ سيبيني يا حبيبة! قلت لك مش هلبسها!
ـ طب والله ما هسيبك غير لما تجربيها.
ـ إنتِ مجنونة!
ـ آه، ودي مش أول مرة تعرفي!
وبعد مناوشة قصيرة بينهما، نجحت حبيبة في إدخالها غرفتها، ثم أوقفتها أمام المرآة وهي تضحك.
ـ بصي لنفسك الأول، وبعدها احكمي.
ـ أنا عارفة إنها مش هتعجبني.
ـ إنتِ على طول واجعة قلبي كده. لو عيلة في كي جي مش هتفرهدني كده.
ساعدتها حبيبة على ارتداء العباءة فوق ملابسها، ثم وقفت أمامها تعدل أطرافها وهي تبتسم بإعجاب.
ـ أهو! مش قلت لك؟
نظرت زاد إلى نفسها في المرآة، وظلت صامتة للحظات.
كانت العباءة بسيطة وأنيقة، وقد بدت لائقة عليها أكثر مما توقعت.
رفعت حاجبيها بدهشة، ثم التفتت إلى حبيبة:
ـ هي... مش وحشة.
شهقت حبيبة متصنعة الصدمة:
ـ مش وحشة؟! دي تحفة عليكِ يا بنتي! الله يكون في عونك يارضوان ياخويا. متجوز لهطة قشطة.
ضحكت زاد رغمًا عنها، وهي تنظر إلى نفسها مرة أخرى:
ـ فظيعة ياحبيبة.بس أنا صدقي فعلًا مكنتش متوقعة إنها تطلع حلوة كده.
ـ وأنا بقى كنت متوقعة، وعشان كده جبتها لك. وبعدين من النهارده أي حاجة أقولك جربيها، تجربيها من غير نقاش. متفرهديش أمي.
ـ لأ، متستغليش الموضوع بقى.
ضحكت حبيبة، ثم قالت وهي تتأملها في المرآة:
ـ خلاص، اتفقنا... بس العباية دي هتفضل معاكي. يلا، خليها عليا.
ابتسمت زاد وهي تهز رأسها باستسلام:
ـ ماشي يا ستي.
ثم ابتسمت حبيبة بمكر، وقالت:
ـ بقولك إيه؟ ما تيجي أوديكِ عند أم بلال... أم بلال للدلع والدلال.
ما إن سمعت زاد اسم أم بلال، حتى عضّت على أسنانها، وقد عادت إلى ذاكرتها تفاصيل ما حدث لها في ذلك اليوم بسبب حبيبة. فبالنسبة إلى زاد، كانت حبيبة كارثة من كوارث الزمن، ولا تكاد تخرج معها من موقف حتى تضعها في آخر.
انفجرت حبيبة في الضحك، ثم حاولت تهدئة غضبها وهي تقول بمشاكسة:
ـ خلاص يا زاد، متزعليش... بهزر معاكي. بس كان حتة يوم! يلهوي يانا... مش قادرة أنساه، بطني وجعتني من كتر الضحك.
ضيّقت زاد عينيها، ثم ضربت حبيبة على كتفها وهي تقول بغيظ:
ـ أنا معرفش ليه بسمع كلامك! كل مرة أقع في كارثة من ورا أفكارك المهببة!
ثم خرجتا من المنزل وهما تضحكان معًا، وكانتا تعبران الحارة سيرًا على الأقدام.
عندما دخلتا الصيدلية، وجدتا المكان مزدحمًا ببعض النساء والأطفال؛ فمنهن من تبحث عن دواء لأنها تشعر بألم في رأسها، ومنهن من تحاول تهدئة صغيرها الذي يبكي.
رأت زاد سيدة عجوزًا ضعيفة الجسد تكاد تسقط، فأمسكت بها وساعدتها على الاعتدال، ثم اطمأنت عليها.
شكرتها العجوز، ودعت لها بدعاء عفوي مرتب دخل القلب بلا استئذان.
شعرت زاد بحلاوة ما فعلته، وجعلها دعاء العجوز تشعر بشيء جديد يتخلل داخلها.
ابتسمت حبيبة أيضًا، وأخذت زاد إلى زاوية المكان التي تحتوي على مستحضرات التجميل لتختار كل ما تحتاجه.
نظرت زاد إلى زجاجة تحتوي على طلاء أظافر، وتفحصت العلامة التجارية التي لم تقرأها من قبل، وكانت غير معروفة لها.
أقنعتها حبيبة بأنها ماركة معروفة، وأنها ستحصل على خصم كبير عليها.
وبعد أن اختارت زاد ما تحتاجه من مستحضرات، لم تكن تقلق بشأن المال، فبطاقتها بها الكثير منه.
اقتربت حبيبة من البائع وهي تحمل كل ما اختارته، وقالت:
ـ اتفضل حضرتك، احسب لنا كل ده واعمل لنا خصم حلو. إنت شايف، واخدين كمية كبيرة قد إيه؟
ابتسم البائع بلطف وقال:
ـ من عينيا، يا آنسة حبيبة، بس كده! أحلى خصم كمان.
بدأ الرجل في فصل كل نوع عن الآخر، وهو يحسب ثمنه عبر الحاسوب، ثم نظر إليهما وقال بابتسامة عريضة:
ـ الحساب قبل الخصم 990 جنيه، وبعد الخصم 900 جنيه. وده أنا ما بعملوش غير مع الناس المحترمة وبس، وعلشان خاطر أخوكي رضوان.
اتسعت ابتسامة حبيبة، ونظرت إلى زاد بطرف عينيها لتعبر لها عن ثقتها وفطنتها، وأنها تجري الأمور بمعرفتها.
لكن زاد دخلت في حالة من الذهول، وهمست بثمن المستحضرات وكأنها قد سمعت خطأ.
ترجمت حبيبة نظرتها على الفور إلى أنه يبدو أن الثمن باهظ، فنظرت إلى الرجل مرة أخرى وقالت بغمغمة:
ـ أحم، ما ينفعش تنزل في السعر شوية؟ دول 900 جنيه، مش أي كلام يعني.
وقبل أن ينطق، جذبتها زاد من ذراعها إلى خارج الصيدلية وهي تقول متعصبة:
ـ 900جنيه! الميك أب ده بـ900جنيه!
ردت حبيبة بعفوية:
ـ اهدي بس يا زاد، ما تقلقيش، أنا عارفة إن السعر مبالغ فيه. أنا هتكلم معاه، ولو ما نزلش يجي 50 جنيه كمان، هنروح محل هنا في آخر الشارع اسمه أي حاجة بـخمسة ونص، عندهم حاجات أحلى من هنا ألف مرة.
صرت زاد على أسنانها؛ فهي لم تفهم كيف يمكن أن يكون هذا الرقم قليلًا إلى هذا الحد، إذ كانت تتركه للمندوب لديها من حسن سلوكها، أما الأشياء التي تنتقيها فيصل سعرها إلى آلاف الجنيهات.
كانت تشرح هذا لحبيبة كي تستوعب الأمر، لكنها صُعقت مما سمعته، وفرغ فاها وقالت:
ـ إيه! بتديهم بقشيش للمندوب؟ يا نهار مش فايت! أنا كنت فاكرة إنك مستغلياهم.
أمسكتها زاد من ذراعها، وخطت خطوة لتبتعد، وهي تقول:
ـ يلا نمشي من هنا يا حبيبة، أكيد الحاجة دي مضروبة.
وقفت حبيبة مكانها، وسحبت ذراعها وأصرت على رأيها قائلة:
ـ لا، مضروبة إيه؟ دي ماركة يا ماما.
ـ ماركة إيه وزفت إيه؟ أنا مش عارفة أوصل لعلامة تجارية واحدة، وكمان مقوي الأظافر حاسة إنه تقيل قوي ولزج. في حاجة غلط.
رفعت حبيبة حاجبيها وقالت:
ـ ولا تقيل ولا حاجة، إنتِ بس اللي مش عارفة قيمة ماركات بلدنا. وبعدين، الضوافر دي مش بتتقص، يعني أصلًا مالوش لازمة تحطي مقوي ولا غيره. أنا بقول توفري العشرة جنيه بتاعته وتجيبي بيها حاجة مفيدة أحسن.
شهقت زاد عندما سمعت سعره الحقيقي، وقالت في صدمة وانفعال:
ـ عشرة جنيه؟ إنتِ عارفة البراند اللي أنا بجيبه بكام؟
ضحكت حبيبة ساخرة وهي تسألها:
ـ بكام يعني؟ هيكون بـ50 جنيه! دي فرق عملات يا ماما.
ردت زاد لتفحمها:
ـ بـ3500، ودي أقل حاجة.
اتسعت عينا حبيبة، وقالت بصوت ساخط:
ـ ليه إن شاء الله؟ وده بيقوي إيه! الذاكرة! ده مقوي الأعصاب أرخص منه، ولا هو اللي معاه قرش محيره!!
في ظل حديثهما، خرجت فتاة تحمل كيسًا صغيرًا، وتعثرت قدمها وكادت أن تصطدم بزاد، لولا أن زاد تراجعت إلى الخلف.
وعندما حملقت بها حبيبة لتوبخها كي تنظر أمامها عندما تسير، وجدت أن تلك الفتاة هي رباب.
ويبدو أنها لم تنتبه إليهما، فكانت تنظف ثيابها وقالت بسخرية:
ـ معلش يا دلعدي، كنت هقع عليكِ. رجلي فلتت.
ثم اعتدلت مبتسمة وهي تنظر إليهما.
فتحت حبيبة فمها حين رأتها ولم ترد عليها، بينما تعجبت زاد من تعجرف تلك الفتاة كلما رأتها.
ودخل الشك قلبها بأن تلك الفتاة تكرهها وتكره عائلة رضوان، وكان ذلك واضحًا من نظراتها الماكرة.
شهقت رباب لصمتهما، وأعادت حديثها مرة أخرى:
ـ يوه! ساكتين ليه؟ ما قلنا معلش، ولا تحبوا تروحوا تعملوا محضر في القسم!
وضعت حبيبة يدًا فوق الأخرى، وقالت بنزق:
ـ ومحضر ليه؟ حد قالك إننا بتوع أقسام يا رباب!
ابتسمت رباب ساخرة وقالت:
ـ والله يا حبيبة، ما حد بقى عارف حاجة اليومين دول. في الزمن ده توقعي أي حاجة.
ثم نظرت أسفل قدم حبيبة، ونظرت إلى الكيس في يدها، وأكملت بمكر:
ـ معلش يا حبيبة، تحت رجلك ياختي، اختبار الحمل. وقع مني لما اتكعبلت. ناوليهولي الله يخليكِ.
نظرت حبيبة إلى الأسفل، فرأته أمام قدمها، وتنهدت بإحباط من أفعال تلك المراوغة، ثم انحنت ممسكة به، واعتدلت وهي تناوله إياها.
أكملت رباب بتشفٍ موضحة:
ـ ده اختبار حمل اشتريته. أصل حاسة كده إني هسمع خبر حلو النهارده.
ثم نظرت إلى زاد، وأكملت بكراهية دفينة:
ـ وإنتِ يا مدام زاد، مش ناوية تفرحينا وتشِيلي حتة صغيرة كده!
لم تفهم زاد إلى ما ترمي إليه تلك الماكرة، وقالت مستفسرة:
ـ نعم، حضرتك بتكلميني أنا!
مصمصت رباب شفتيها قائلة بحنق:
ـ يا ختي، مالك متخشبة كده ليه؟ كل ما أكلمك تقولي حضرتك ومش حضرتك، أنا اسمي رباب يا حبيبتي، رباب.
ثم أكملت بخبث وتلميح، وهي ترقق نبرتها:
ـ ولا هو رضوان ما جابلكيش سيرتي؟
تعجبت زاد من أسلوبها الغامض، ونظرت إليها بغرور:
ـ سوري، وهيكلمني عنك ليه!
رفعت رباب حاجبها وضحكت بدلال، لتدخل الشك إلى قلب زاد، وتبادلت هي وحبيبة النظرات بين الحيرة والتعجب.
أرادت زاد أن تغادر ذلك المكان، لكن هاتف حبيبة صدح، وكانت المتصلة صديقتها منال.
شعرت حبيبة بالارتباك وهي تنظر إليهما، ثم أشارت إلى زاد قائلة:
ـ ثواني يا زاد، دي واحدة صاحبتي في الجامعة. هرد عليها وراجعالك. خليكي واقفة هنا، ما تتحركيش.
وانتي يا رباب شوفي أنتِ رايحه فين ياحبيبتي. وعقبال ما تجيبي تؤام.هفرحلك أوي.
ذهبت حبيبة إلى زاوية المكان لتجيب على صديقتها، واستغرقت المكالمة ثواني.
وقبل أن تغلق الهاتف، سمعت صراخ أحدهم من خلفها.
التفتت حبيبة مسرعة، فوجدت رباب ممسكة بشعر زاد وتبرحها ضربًا.
