رواية كيفك أنت الفصل السادس عشر
لم تكن زهرة تتوقع أن يكون اللقاء بهذا الشكل...
كانت تجلس أمام رأفت، تحاول أن تمنحه فرصة حقيقية كما طلبت منها والدتها.
في البداية كان الحديث عاديًا...
سألها عن عملها، وعن حياتها، وعن دراستها.
لكن مع مرور الدقائق، بدأت زهرة تشعر بعدم الارتياح من طريقة حديثه.
رأفت:
ـ يعني إنتِ مدرسة وبتدي دروس كمان؟
زهرة:
ـ أيوه.
رأفت:
ـ وبتاخدي مرتب كام؟
نظرت إليه زهرة باستغراب.
زهرة:
ـ ليه؟
رأفت:
ـ بسأل عادي، يعني إحنا داخلين على جواز ولازم نبقى واضحين مع بعض.
زهرة:
ـ أكيد، بس السؤال له طريقة.
رأفت:
ـ وأنا بسأل بطريقة عادية.
ثم أكمل وكأنه يضع شروطًا في اتفاق عمل:
رأفت:
ـ وبتدخلي كام من الدروس؟
زهرة:
ـ مش شايفة إن ده موضوع نتكلم فيه بالطريقة دي من أول قعدة.
رأفت:
ـ ليه بقى؟ أنا بحب أبقى على نور من البداية.
ثم مال إلى الأمام قليلًا وقال:
رأفت:
ـ وبعدين موضوع الشقة... أنا هجيب الشقة، والتجهيزات تبقى بالنص.
زهرة:
ـ بالنص؟
رأفت:
ـ أيوه.
زهرة:
ـ يعني إيه بالنص؟
رأفت:
ـ يعني الأجهزة، العفش، وكل حاجة تخص البيت... كل واحد يدفع نص.
ظلت زهرة صامتة للحظات.
ثم سألته:
زهرة:
ـ وإنت هتعمل إيه؟
رأفت:
ـ أنا هحوش مرتبي.
زهرة:
ـ وإنت عايزني أعمل إيه؟
رأفت:
ـ إنتِ بتشتغلي وبتدي دروس، يعني دخلك كويس. تجهزي البيت معايا، وأنا هحافظ على مرتبي.
اتسعت عينا زهرة بدهشة.
زهرة:
ـ هتحافظ على مرتبك؟
رأفت:
ـ طبعًا، هدخل بيه جمعية.
ثم ابتسم بثقة وكأنه قال شيئًا منطقيًا جدًا.
رأفت:
ـ وأنا أهو على نور من الأول، علشان بعد الجواز ما ترجعيش تقولي إنك اتفاجئتي.
وضعت زهرة يدها على طرف الكرسي، ثم وقفت فجأة.
نظر إليها رأفت باستغراب.
رأفت:
ـ مالك يا عروسة؟ وقفتي ليه؟
زهرة:
ـ علشان أنا مش قادرة أكمل القعدة.
رأفت:
ـ ليه؟
نظرت إليه زهرة بثبات.
زهرة:
ـ كلامك... أسلوبك... إنت مش واخد بالك من طريقتك؟
رأفت:
ـ طريقتي مالها؟
زهرة:
ـ إنت من أول ما قعدنا وإنت بتتكلم كأننا بنقسم شركة.
رأفت:
ـ أنا بقول الحق.
زهرة:
ـ الحق له طريقة يا أستاذ رأفت.
رأفت:
ـ يعني إيه؟ أنا بقولك إنتِ مدرسة وبتدي دروس، وبتاخدي مرتب، ودخلك من الدروس كويس، وأنا عايزك تساعديني في تجهيز الشقة.
زهرة:
ـ كمان هساعد في تجهيز الشقة النص بالنص؟
ثم رفعت حاجبها وقالت:
زهرة:
ـ وإيه كمان؟
رأفت:
ـ أهو أنا هوفر مرتبي، هدخل بيه جمعية، وإنتِ تصرفي على البيت.
ضحكت زهرة ضحكة قصيرة، لكنها كانت خالية تمامًا من المرح.
زهرة:
ـ جميل.
رأفت:
ـ جميل إيه؟
زهرة:
ـ جميل إنك قلت كل ده من أول قعدة.
رأفت:
ـ أيوه، علشان أبقى على نور.
نظرت إليه زهرة للحظات.
ثم قالت بهدوء شديد:
زهرة:
ـ أستاذ رأفت... اتفضل امشي.
تجمد رأفت مكانه.
رأفت:
ـ إيه؟
زهرة:
ـ إنت مرفوض.
احمر وجهه غضبًا.
رأفت:
ـ مرفوض؟!
زهرة:
ـ أيوه.
رأفت:
ـ إنتِ مفكرة نفسك مين؟
زهرة:
ـ واحدة عرفت إنك مش مناسب ليها.
رأفت:
ـ ده أنا حتى لسه ما خلصتش كلامي!
زهرة:
ـ وأنا مش محتاجة أسمع أكتر من كده.
وقف رأفت وهو يلتقط هاتفه من على الطاولة.
رأفت:
ـ وبعدين إنتِ أصلًا مش واخدة بالك من فرق السن بينا؟
نظرت إليه زهرة.
رأفت:
ـ أنا أصغر منك بأربع سنين، وكمان مش عاجبك!
زهرة:
ـ آه...
ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة وقالت:
زهرة:
ـ حلو ده.
رأفت:
ـ حلو إيه؟
زهرة:
ـ ضيف فرق السن كمان على باقي الحاجات الغلط اللي بينا.
ثم أشارت ناحية الباب.
زهرة:
ـ سلام يا أستاذ رأفت.
وقف رأفت للحظة، وكأنه كان ينتظر منها أن تتراجع.
لكن زهرة لم تتحرك.
فخرج غاضبًا وأغلق الباب خلفه.
كانت صفية تتابع المشهد من بعيد، وقد بدت على وجهها علامات الصدمة.
صفية:
ـ إنتِ عملتي إيه يا زهرة؟
جلست زهرة على الكرسي وأخذت نفسًا عميقًا.
زهرة:
ـ عملت الصح يا ماما.
صفية:
ـ بس ده كان كويس!
زهرة:
ـ كويس في إيه؟
صمتت صفية.
زهرة:
ـ الراجل من أول قعدة بيحسب مرتبي ودخلي من الدروس، وعايزني أجهز معاه البيت، وهو يحوش مرتبه لنفسه!
صفية:
ـ يمكن كان بيهزر.
زهرة:
ـ لأ يا ماما... هو كان واضح جدًا.
ثم نظرت إلى أمها وقالت:
زهرة:
ـ أنا مش عايزة أتجوز لمجرد إني أتجوز.
هدأت صفية قليلًا.
صفية:
ـ وأنا عايزاكي تتجوزي علشان أطمن عليكي.
زهرة:
ـ وأنا كمان عايزة أطمن...
ثم سكتت.
صفية:
ـ على إيه؟
خفضت زهرة عينيها.
زهرة:
ـ على إني اخترت صح.
راقبتها صفية طويلًا.
كانت تعرف أن ابنتها لم تكن ترفض الرجال لأنهم جميعًا سيئون...
كانت ترفض لأن قلبها لم يكن مستعدًا.
لكنها لم تقل شيئًا.
وفي تلك اللحظة...
رن هاتف صفية.
نظرت إلى الشاشة.
ثم ردت:
صفية:
ـ ألو؟
جاءها صوت من الطرف الآخر.
تغيرت ملامحها فجأة.
صفية:
ـ إيه؟!
زهرة:
ـ مالك يا ماما؟
أنهت صفية المكالمة ببطء، ونظرت إلى زهرة.
زهرة:
ـ في إيه؟
صفية:
ـ خبر غريب...
زهرة:
ـ خير؟
ظلت صفية صامتة للحظات.
ثم قالت:
صفية:
ـ حد سأل عن يحيى.
توقفت زهرة عن الحركة.
وكأن الاسم وحده أعاد الزمن سنوات إلى الوراء.
زهرة:
ـ يحيى؟
صفية:
ـ أيوه...
اقتربت منها.
صفية:
ـ واحد اتصل وسأل عنه.
زهرة:
ـ مين؟
صفية:
ـ معرفش.
سكتت زهرة.
لكن قلبها بدأ يخفق بطريقة لم تفهمها.
أما في لندن...
فكان يحيى يجلس في مكتبه بالجامعة، يراجع بعض الملفات.
دخلت لوجين وهي تحمل كوبين من القهوة.
لوجين:
ـ قلت أكيد هتكون لسه شغال.
رفع يحيى عينيه إليها وابتسم.
يحيى:
ـ إنتِ بتعرفي أنا فين من غير ما أقولك؟
ضحكت لوجين.
لوجين:
ـ بقيت عارفة روتينك.
وضع يحيى القلم جانبًا.
يحيى:
ـ واضح إنك اندمجتي في لندن جدًا.
لوجين:
ـ يمكن...
ثم نظرت إليه.
لوجين:
ـ ويمكن علشان بقيت مش حاسة إني لوحدي.
نظر إليها يحيى للحظات.
لم يفهم لماذا شعر بثقل بسيط في قلبه.
أمسك كوب القهوة وقال:
يحيى:
ـ المهم إنك مبسوطة.
ابتسمت لوجين.
لكنها لم تجب.
وفي مكان آخر...
كانت زهرة تنظر إلى هاتف أمها، وكأنها تنتظر أن يرن مرة أخرى.
لم تكن تعرف من الذي سأل عن يحيى...
ولا لماذا الآن...
ولا هل كان الاسم الذي دفنته في قلبها منذ سنوات سيعود يومًا إلى حياتها؟
لكن شيئًا واحدًا كانت تعرفه...
أنها، رغم كل محاولاتها، لم تستطع يومًا أن تنساه.
في بيت إبراهيم...
كانت نعمات ترتب بعض الأشياء في المطبخ، بينما كان إبراهيم جالسًا ممسكًا بهاتفه، ينظر إلى الشاشة وكأنه ينتظر ردًا.
لاحظت نعمات توتره، فقالت:
نعمات: ـ إيه يا واد يا إبراهيم؟ إنت بتتصل على صفية ليه؟
رفع إبراهيم عينيه إليها.
إبراهيم: ـ بشوف هما والدكتور على اتصال ببعض ولا لأ.
نعمات: ـ وإنت عايز منها إيه؟ ما خلاص يا ابني، إنت اتجوزت والحمد لله.
ابتسم إبراهيم ابتسامة ساخرة.
إبراهيم: ـ اتجوزت آه... بس مش ناسي.
نعمات: ـ ناسي إيه؟
إبراهيم: ـ إنها رفضتني علشان يحيى... وسابت الخطوبة عشانه.
تنهدت نعمات.
نعمات: ـ يا إبراهيم، الكلام ده عدى عليه سنين.
إبراهيم: ـ السنين مش بتمسح كل حاجة.
نعمات: ـ وإنت عايز تعمل إيه يعني؟
صمت إبراهيم قليلًا.
ثم قال:
إبراهيم: ـ أنا بس عايز أعرف... يحيى رجع يتواصل معاهم ولا لأ.
نعمات: ـ وليه؟
إبراهيم: ـ معرفش.
نعمات: ـ لأ، إنت عارف.
نظر إليها إبراهيم.
نعمات: ـ إنت لسه جواك حاجة من اللي حصل.
إبراهيم: ـ أنا مش عايزها.
نعمات: ـ أمال بتسأل عنها ليه؟
لم يجب.
فقالت نعمات بنبرة حاسمة:
نعمات: ـ خلاص يا ابني، كل واحد وراح في حاله. إنت اتجوزت، وهي ربنا يرزقها، ويحيى أهو من يوم ما سافر ما جاش هنا تاني ولا سأل على حد.
ابتسم إبراهيم بسخرية.
إبراهيم: ـ يمكن.
نعمات: ـ يمكن إيه؟
إبراهيم: ـ يمكن رجع.
توقفت نعمات عن الحركة.
نعمات: ـ رجع؟!
إبراهيم: ـ مش عارف.
ثم وضع هاتفه على الطاولة.
إبراهيم: ـ بس لو رجع...
سكت لحظة.
نعمات: ـ لو رجع إيه؟
نظر إبراهيم أمامه، وقال بهدوء:
إبراهيم: ـ ساعتها هنعرف إذا كانت زهرة فعلًا نسيته... ولا كانت مستنياه طول السنين دي.
نظرت إليه نعمات بقلق.
نعمات: ـ يا إبراهيم، إنت متجوز. بلاش تفتح أبواب اتقفلت.
إبراهيم: ـ أنا مش اللي هفتحها يا أمي...
ثم أخذ هاتفه وغادر الغرفة.
نظرت نعمات إلى أثره، وتمتمت:
نعمات: ـ ربنا يستر...
وفي مكان آخر من مصر...
كانت زهرة لا تزال تفكر في المكالمة التي وصلت إلى أمها.
لم تكن تعرف أن اسم يحيى لم يعد مجرد ذكرى قديمة...
وأن هناك أكثر من شخص بدأ يسأل عنه في الوقت نفسه.
أما في لندن...
فكان يحيى يقف أمام نافذة مكتبه، ينظر إلى شوارع المدينة.
دخلت لوجين بهدوء.
لوجين: ـ سرحان في إيه؟
ابتسم يحيى دون أن يلتفت.
يحيى: ـ مش عارف... حسيت فجأة إن في حاجة من الماضي بتحاول ترجع.
اقتربت لوجين قليلًا.
لوجين: ـ الماضي عمره ما بيرجع زي ما كان.
التفت إليها يحيى.
يحيى: ـ عندك حق.
لكن رغم كلماته...
ظل هناك شيء داخله لا يعرف له تفسيرًا.
شيء يجعله يشعر أن الأيام القادمة لن تكون عادية.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
لوجين:
ـ الماضي عمره ما بيرجع زي ما كان.
سكت يحيى، وظلت عيناه معلقتين بالنافذة، وكأن كلماتها أخذته إلى مكان بعيد.
أما لوجين...
فوقفت تنظر إليه في صمت.
كانت تعرف يحيى منذ سنوات، وتعرف أن هناك شيئًا واحدًا ظل حاضرًا في حياته رغم كل المسافات...
زهرة.
ولم تكن تحتاج أن تسمع اسمها حتى تفهم.
كلمات يحيى عن الماضي، وطريقته في الحديث، وتلك النظرة التي ظهرت في عينيه فجأة...
كلها جعلتها تشعر أن قلبه ما زال يحتفظ بمكان لامرأة أخرى.
تملكت الغيرة منها، وحاولت أن تخفيها.
لكنها لم تستطع.
لوجين:
ـ يحيى... أنا همشي.
لم يرد.
لوجين:
ـ سلام.
انتظرت لحظة، لكنه ظل شاردًا أمام النافذة.
خرجت لوجين من المكتب، وأغلقت الباب خلفها.
أما يحيى...
فظل واقفًا مكانه.
لم يسمع حتى صوت الباب.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن ينتبه للصمت من حوله.
استدار.
نظر يمينًا...
ثم يسارًا.
لم يجد لوجين.
يحيى:
ـ لوجين؟
لم يجبه أحد.
اقترب من الباب وفتحه قليلًا، لكنه لم يجدها.
عاد إلى مكتبه، وجلس على الكرسي.
أخرج هاتفه من جيبه، وظل ينظر إلى شاشته للحظات.
شيء ما بداخله كان يدفعه إلى الماضي دون أن يفهم السبب.
فتح قائمة الأغاني...
وتوقفت أصابعه عند أغنية فيروز:
«كيفك إنت»
ضغط تشغيل.
وانساب صوت الأغنية في أرجاء المكتب الهادئ.
أغمض يحيى عينيه.
وفجأة...
لم يعد يرى لندن.
رأى مصر.
رأى البيت القديم...
ورأى زهرة.
ضحكتها.
نظرتها.
وآخر مرة وقف فيها أمامها قبل أن يرحل.
فتح عينيه ببطء.
يحيى:
ـ يا ترى يا زهرة...
سكت.
ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
يحيى:
ـ لسه فاكراني؟
وفي الخارج...
كانت لوجين تقف وحدها في الممر.
سمعت صوت الأغنية من خلف الباب.
توقفت.
وضعت يدها على مقبض حقيبتها، وظلت واقفة للحظات.
لم تكن بحاجة لأن تسأل نفسها لمن كانت تلك الأغنية.
فهي تعرف.
كانت زهرة ما زالت حاضرة... حتى وهي بعيدة.
رفعت لوجين عينيها، وحاولت أن تمنع غيرتها من الظهور.
ثم تمتمت:
لوجين:
ـ يعني كل السنين دي... ولسه هي؟
واستدارت وغادرت الممر.
دون أن تعرف أن ما ظنته مجرد ذكرى قديمة...
قد يكون على وشك أن يتحول إلى حقيقة من جديد.
أما زهرة...
فبعد أن هدأ البيت، دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
ظلت واقفة للحظات، وكأنها تحاول أن تهرب من كل الكلام الذي دار بينها وبين أمها.
لكن اسمًا واحدًا ظل يتردد في رأسها...
يحيى.
اقتربت من الكمود، وفتحت الدرج ببطء.
أخذت تبحث بين أشيائها القديمة، حتى أخرجت صورة صغيرة كانت تحتفظ بها منذ سنوات.
صورة يحيى.
جلست على طرف السرير، وأمسكت الصورة بين يديها.
ظلت تنظر إليها طويلًا.
وفجأة...
عادت الذكريات.
يوم قابلته لأول مرة...
ضحكته...
كلامه معها...
نظراته التي كانت تحاول دائمًا أن تتجاهل تأثيرها عليها...
ثم يوم رحيله.
ذلك اليوم الذي ظلت تفاصيله عالقة في ذاكرتها رغم مرور السنوات.
مررت أصابعها على طرف الصورة، وهمست:
زهرة:
ـ وحشتني يا يحيى...
سكتت سريعًا، وكأنها خافت أن تسمع نفسها.
وضعت الصورة بجوارها، ثم مدت يدها إلى هاتفها.
فتحت قائمة الأغاني...
وتوقفت عند أغنية فيروز:
«كيفك إنت»
ضغطت تشغيل.
وانتشر صوت الأغنية داخل الغرفة الهادئة.
جلست زهرة أمام النافذة، والصورة في يدها.
أغمضت عينيها.
وفي نفس اللحظة...
وفي مكان بعيد جدًا عنها...
كان يحيى يجلس وحده في مكتبه.
والأغنية نفسها كانت تُسمع من هاتفه.
لم يكن أي منهما يعلم أن الآخر يسمعها في اللحظة ذاتها.
لكن كأن شيئًا خفيًا ظل مربوطًا بين قلبيهما رغم كل تلك السنوات.
زهرة كانت تنظر إلى صورته...
ويحيى كان ينظر إلى الفراغ أمامه.
هي تستعيد ذكرياته...
وهو يستعيد ذكرياتها.
وكأن المسافات لم تستطع أن تقطع ذلك الخيط الرفيع الذي ظل موجودًا بينهما.
فتحت زهرة عينيها، ونظرت إلى الصورة.
زهرة:
ـ إنت فين دلوقتي؟
وفي لندن...
فتح يحيى عينيه في اللحظة نفسها تقريبًا.
يحيى:
ـ يا ترى إنتِ عاملة إيه؟
سكت الاثنان...
دون أن يسمع أحدهما الآخر.
لكن كل واحد منهما كان يتحدث في داخله إلى الآخر.
وكأن الروح، أحيانًا، تحتفظ بمن أحببناهم حتى عندما تعجز الحياة عن جمعنا بهم.
وضعت زهرة الصورة على صدرها، ثم مسحت دمعتها.
أما يحيى...
فأوقف الأغنية، وظل للحظات ينظر إلى هاتفه.
ثم قال لنفسه:
يحيى:
ـ يمكن لازم أعرف أخبارك...
لكن هل سيبحث يحيى عن زهرة فعلًا؟
وهل ستعرف زهرة أن الرجل الذي رفضت كل من تقدموا لها من أجله...
لم يستطع هو الآخر أن ينسى؟
