رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم نصار


 رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل السابع عشر 

لم تكن زاد تملك من الصبر ما يكفي لتحمل المزيد.

منذ أن وطئت قدماها ذلك المنزل، وهي تحاول أن تتعامل مع كل ما يحيط بها وكأنه مرحلة مؤقتة ستمر، لكن ما حدث أمام الصيدلية كان مختلفًا. لم تكن كلمات رباب وحدها هي ما آلمها، وإنما الطريقة التي تجاوزت بها كل حدودها، ثم انتهى الأمر بمد يدها عليها أمام الناس.

عادت زاد إلى المنزل وهي تحمل داخلها إهانة أثقل من أن تخفيها خلف الصمت.

ولهذا، اتخذت قرارها.

سترحل.

ستعود إلى بيت أبيها، وإن رفض استقبالها، فستبحث عن مكان آخر. لا يهم أين، المهم أن تبتعد عن هذا الحي، عن هذا المنزل، وعن كل ما جعلها تشعر بأنها تفقد نفسها يومًا بعد آخر.

وفي الجهة الأخرى، لم يكن رضوان يعلم شيئًا مما حدث.

كان غارقًا في عمله داخل الورشة، يتابع ما أمامه بانشغال، حتى اندفع إليه ممس، يلهث من شدة الركض، وقال بصعوبة:

ـ الحق يا أسطى رضوان، مرات الأسطى عزت بتتخانق مع أختك ومراتك عند الصيدلية.

رفع رضوان رأسه في اللحظة نفسها.

ـ إيه؟

لم ينتظر إجابة.

ترك ما في يده، وخرج من الورشة مسرعًا، وأجرى اتصالًا بشقيقته يسألها عن مكانهما. وحين أخبرته أنهما عادتا إلى المنزل منذ دقائق، طلبت منه أن يسرع إليهما، فزاد ليست على ما يرام، ولا تريد أن تستمع إلى أحد.

أغلق الهاتف وانطلق بين الأزقة.

لم يكن يعرف ما الذي حدث، ولا حجم المشكلة، وكل ما كان يعرفه أن زاد ليست بخير.

وحين وصل إلى المنزل، دخل مسرعًا، فوجد حبيبة واقفة أمام الغرفة التى بداخلها زاد، تطرق الباب وتترجاها أن تفتح لها.

لكن صوت زاد جاء من الداخل، حادًا ومختنقًا بالغضب:

ـ قلت ابعدي عني، مش عايزه أسمع صوت حد.

توقف رضوان مكانه وهو يلهث من الركض، والتفت إلى حبيبة.

ـ إيه اللي حصل يا حبيبة؟

لم تحتج حبيبة إلى أكثر من سؤال واحد.

سردت له كل ما حدث أمام الصيدلية، وحين وصلت إلى اللحظة التي مدت فيها رباب يدها على زاد، تبدلت ملامح رضوان دفعة واحدة.

لم يتكلم.

ظل ينظر إلى شقيقته وكأنه ينتظر منها أن تنفي ما سمعه.

لكنها لم تفعل.

أطرق رضوان رأسه للحظة، ثم رفعه وقد اشتد فكه، وتحولت نظراته إلى شيء لم تعرفه حبيبة فيه كثيرًا.

رباب قامت بضرب زاد.

زوجته.

الفكرة وحدها كانت كافية لأن يشعر بالغضب يندفع في عروقه، لكنه كتمه بصعوبة. لم يكن يريد أن يفتح الباب في تلك اللحظة، ولا أن يندفع إلى الخارج بحثًا عن رباب وهو في تلك الحالة.

اقترب من باب الغرفة، وطرق عليه، ثم قال بصوت خافت، يحاول أن يخفي ما بداخله:

ـ افتحي يا زاد.

ما إن سمعت صوته حتى جاء ردها صارخًا من خلف الباب:

ـ ابعد عني. كل اللي بيحصلي ده بسببك إنت. انا بكرهك. بكرهك.

سكنت ملامحه.

ولم يمنحه عقلُه فرصة لالتقاط ما قالته؛ فقد أكملت زاد، مؤكدة أنها لا تريد أن تتحدث إلى أحد منهم، ثم أخبرته بوضوح أنها لن تبقى في هذا المكان، وأن المعيشة معه أصبحت بالنسبة إليها أعلى درجات الإهانة، وأنها ستذهب من هنا، ولن يستطيع أحد منعها.

ظل رضوان أمام الباب دون حركة.

الكلمات خرجت من خلفه كأنها لم تصب أذنيه فقط، بل أصابت شيئًا داخله.

وأغمض عينيه، بينما ارتفع عرق جبينه من شدة ما يكظمه.

لاحظت حبيبة ذلك، فاقتربت منه بحذر، وقالت محاولة تهدئته وتبرير ما قالته زاد:

ـ رضوان بالله عليك استهدى بالله. زاد دلوقتي مش في وعيها، ما تزعلش من كلامها. اللي شافته النهارده كان أكبر من احتمالها.

التفت إليها رضوان بحدة.

ـ ما هو اللي حصل ده يا حبيبة ما كانش لازم يحصل.

ثم ارتفع صوته فجأة:

ـ وانتِ كنتِ فين؟ وازاي تسيبيها تمد إيدها على زاد؟

ابتلعت حبيبة ريقها، وعادت بذاكرتها إلى المكالمة الهاتفية، ثم أجابته بنبرة مغمغمة:

ـ والله يا رضوان، كانت رباب بتتكلم عادي. أي نعم، أسلوبها كان زفت في الكلام، بس ما كنتش أتوقع أنها توصل للضرب.

ظل رضوان ينظر إليها، والغضب واضح في عينيه، ثم قال:

ـ وإيه اللي قالته زاد يخلي رباب تعمل فيها كده!

وزفر مكمّلًا بحنق:

ـ حتى لو قالت أي كلمة ضايقتها، فده ما يديش الحق ليها أنها تمد إيديها عليها من الأساس.

ثم نظر إليها مجددًا، وكأنه تذكر شيئًا لم يفهمه حتى الآن:

ـ وانتوا إيه اللي نزلكم من البيت من غير ما تقوله؟

أجابته حبيبة بنبرة محبطة:

ـ إحنا نزلنا نتمشى شوية، والصيدلية في الشارع اللي ورانا يعني مش بعيد يا رضوان. وقلنا هنشتري شوية حاجات ونرجع على طول. واستأذنت ماما، قالت: وما له، انزلوا.

نظر رضوان حوله، فلم يجد أمه، فسأل عنها.

ترددت حبيبة لحظة، ثم أجابته بتلكؤ وخوف:

ـ ما هو، أصل ماما لما شافت زاد بالشكل ده وعرفت باللي حصل، ما استنتش ونزلت. قالت لازم توقفهم عند حدهم.

لم تتحمل زهرة رؤية زوجة ابنها بهذا الشكل، فذهبت بغضب جامح إلى عائلة رباب كي تضع حدًا لهذه المهزلة التي صنعتها رباب بسبب غيرتها على ما لا تملكه، وليس لها حق فيه.

طرقت بكل قوتها على باب منزلهم، وهي تعلم جيدًا أنهم بالداخل. فتح لها الصبي الصغير، وكانت عيناها تطلقان شرارات ملتهبة تكاد تلتهم كل شيء أمامها. دفعت الباب بقوة ودلفت إلى الداخل، بعدما شاهدت عفاف ورباب جالستين في غرفة الجلوس، وهي تقول، مشيرة إلى رباب بصوت عالٍ:

ـ مش هتجبيها لبر يا رباب!

وقفت رباب بتلكؤ، وقبل أن تجيبها، ردت عليها عفاف بحنق قائلة:

ـ يوه! هو إيه أصله ده! قال يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين. مالك يا ختي، داخلة كده وفاتحة صدرك علينا ليه؟

أكملت رباب مرددة:

ـ آه والنبي، يماما، يمكن فاكرة إننا هنخاف من الشوية دول!

قاطعت زهرة حماس رباب، وردت باستنكار:

ـ قليل الأصل، لا تعاتبه ولا تلومه، يا بنت عفاف. بس ما يمنعش إننا نربيه من أول وجديد.

شهقت عفاف بصوت عالٍ قائلة:

ـ يختي، إسم الله. بقولك إيه، أوقفي عوج وأتكلمي عدل يا زهرة، ما تنسيش نفسك يا حبيبتي.

ـ لا، مش ناسية نفسي يا عفاف، وفاكرة أنا مين كويس أوي، بس الظاهر إنتِ اللي بتنسي.

ثم نظرت إلى رباب وقالت بنبرة حادة تحمل العتاب:

ـ عمري ما كنت أتوقع في يوم من الأيام إن السواد اللي في قلب أمك يتحط في قلبك إنتِ كمان يا رباب. بقى من غيرتك وحقدك تمدي إيدك وتضربي واحدة لا تعرفيها ولا تعرفك!

ابتلعت رباب ريقها، وهربت من نظرتها، ورددت بتوتر:

ـ هي غلطت فيا، أنا معملتش حاجة أتحاسب عليها. روحي شوفي مرات ابنك عملت إيه؟

ردت زهرة بنبرة ساخرة:

ـ ماهي دي مشكلتك؟ إنها مرات ابني. مرات رضوان يا رباب، اللي لو عرف اللي حصل مش هيسكت لا ليكِ ولا لأي حد ييجي على اللي يخصه.

ضحكت عفاف بصوت رنان وهي تقول:

ـ يختي، خوفت. تصدقي خوفت واترعبت.

ثم رفعت حاجبها وأكملت بتهديد:

ـ اسمعي يا ولية، إحنا يختي لا بنخاف ولا بنكش، وإنتِ لسه قايلة من شوية إن جوانا سواد، يعني تخافي على نفسك، مش تيجي برجلك لحد هنا.

ـ لا، أنا أجي وأحط صباعي في عين التخين لما تتعدوا حدودكم معانا، وبنتك دي اللي كنت بعتبرها زي بنتي، واللي طلعت ما تستاهلش إني أبقى عليها بعد عملتها دي. مرات ابني متشالة ومتصانة فوق الراس من يوم ما دخلت بيتنا، تيجي إنتِ يا رباب وتعملي معاها كده! طيب ليه يا رباب! ليه هو رضوان أذاكي في إيه علشان كل شوية تنكشي فيه وتجري شكل معاه؟

تنهدت رباب وهي تنظر أمامها بقوة، ولم تجبها، فردت عفاف بتشفٍّ وتلميح قائلة:

ـ إحنا مبنجرش شكل حد يا حبيبتي، إنتِ اللي جاية في قلب بيتنا وتعلي صوتك علينا.

ثم أكملت بمكر قائلة:

ـ وبنتي شايلة ابنك من دماغها من زمان. إنتِ بس محروقة مننا. وبعدين، هو مفيش غير بسلامته نعمله حس وقيمة! ولا إنتِ ناسية إننا رفضناه ومرضناش بيه. ولو رجع بينا الزمن، هنرفضه تاني وتالت.

ابتسمت زهرة وسط غضبها وقالت:

ـ وهو لو رجع بيكي الزمن، تفتكري رضوان هيقرب من بيتكوا، يا عفاف! ابني راجل وعنده كرامة، ما يبصش لحاجة غيره أبدًا.

ـ إنتِ جاية ليه يا زهرة؟

نطقتها عفاف بكراهية، فأجابتها بتحدٍّ:

ـ جاية علشان تأدبي بنتك وتعرفيها إن اللي عملته ده غلط، وإنها اتعدت الأصول والجيرة.

ـ لأ، مش ده سبب مجيتك هنا، إنتِ جاية علشان نفتّح في القديم، جاية علشان تتحسري على عيشتك وعيشتي. جاية تشوفي الفرق اللي بيني وبينك. وعفاف عايشة إزاي مع المعلم صفوت، كبير الجزارين. وإنتِ عايشة إزاي بعد ما مات قاسم. مش كده يا زهرة! زمان قلبك متحسر، وخصوصًا لما طردت ابنك من بيتي ورفضته لأنه حتة حداد وجاهل.

عقدت رباب حاجبيها ولم تفهم ما ترمي إليه والدتها، وما علاقة زهرة بها غير أنهم جيران لا أكثر.

لم تتحمل زهرة أن تكتم في قلبها كل هذا منذ زمن؛ فقد خبأته من أجل رضوان حتى لا يعرف شيئًا. أما الآن، فهو ليس بينهم ولن يسمع لهذا الحديث بينهم، ففصحت أخيرًا وألقت ما في جعبتها:

ـ غلطانة يا عفاف، أنا عمري ما أبص تحت رجلي أبدًا، والسبب الحقيقي في رفضك لابني هو أني زمان رفضت صفوت الدويقي قبل ما يكون جوزك. رفضته لأنه ما يناسبنيش، رغم أنه اتقدملي مرة وعشرة؛ وكنت أقول: لا، برضه مش عايزاه. ولما شافني اتجوزت قاسم، قال خلاص أشوف أي واحدة والسلام. وإنتِ كنتِ عارفة كل حاجة لأنك في يوم من الأيام كنتِ صحبتي، صحبتي الوحيدة، بس نارك كانت قايدة مني لأنه كان هيموت ويتجوزني وأنا اخترت غيره وخدك إنتِ سد خانة. حتى بعد ما قاسم مات وإنتِ على ذمته، جالي لحد بابي يطلب رضايا، وقالي: اطلبي واتشرطي،وبدل الشقة عماره،وبرضه رفضته. واحدة غيرك كانت تفرح لأني بفهم في الأصول وأني استحرمت آخد جوزك من وسط بيته وعياله، لكن لا! نارك تقيد أكتر وأكتر، وأنا كفيت على الخبر ماجور، ولا قولت كلمة واحدة لرضوان ولا حد من عيلتي، وقلت: خلي الطابق مستور يا زهرة واسكتي. علشان خاطر الجيرة، ولما العيال كبرت وحبوا بعض، قلت وماله، ده نصيب. ومالوش دعوة باللي فات وعدى، بس إنتِ من سواد قلبك وجحودك حبيتي تردي القلم لرضوان وتقولي بنتك رفضته زي ما أنا رفضت جوزك زمان، لكن لا، ربنا ما يرضاش بالظلم ونصر ابني، وفي ظرف أسبوعين من جواز بنتك كان ابني متجوز، ومن بنت زوات كمان. واللي أبوها لو عرف بعملة بنتك يوديها ورا الشمس. وإن كان يا حبيبتي على عيشتك، فهي آخر حاجة أفكر فيها لأني مش شايفاكِ. ولأن عيني مليانة وشبعانة وابني مكفينا ومش مخلينا نبص بره ولله الحمد، أنا بس اللي مزعلني رباب وحبي لها، كنت بعتبرها زي بنتي وأخت حبيبة، بس نسيت إنك أمها وشاربة منك.

اتسعت عينا رباب لما سمعته، وكانت المفاجأة كبيرة بالنسبة لها. صُدمت من كل كلمة نطقت بها زهرة؛ فلم تكن تعرف شيئًا عن ذلك الماضي، ولا عن السبب الحقيقي وراء العداء بين أمها وزهرة.

أما عفاف، فكورت يدها بغضب شديد، وعلت وتيرة أنفاسها، واشتعلت النار أكثر في جسدها بكلام زهرة، وزاد كرهها لها، وتمنت أن تزيحها من الحي بأكمله.

أرادت أن تزعجها وتعكر صفوها، فقالت متظاهرة بالكبرياء والتجاهل:

ـ ومين كان هيسمحلك تاخدي جوزي مني وفرحانة أوي بكلامك ده ورافعة بيه راسك؟ بس على إيه يا حسرة! أومال لو مكنش جوزك حرامي وسكري ومات وهو بيسرق قدام أهل الحارة كلها، كنتي هتعملي فينا إيه!

زجتها زهرة بعنف قائلة:

ـ اخرسي، قطع لسانك. بطلي بقى تنبشي زي الحفار، وتشوهّي سمعة ناس راحت. قاسم كان محترم وزينة شباب الحتة كلها، والكل كان بيحلف بأخلاقه، بس منه لله جوزك اللي كان السبب في تدميره، والغيرة شعلت جواه وحب يفسد عليا حياتي، وخلاه يمشي في طريق كله سواد، بس نسي إن ربنا كبير وعوضني بابني نور عيني رضوان اللي الكل بيحلف بيه وبشهامته. ومتنسيش إن في رب لا يغفل ولا ينام، وحق قاسم هيرجع، هيرجع.

ثم أشارت إليهما بتحذير واضح لتنهي هذا الجدال العقيم:

ـ اسمعي إنتِ وهي، أنا مش جاية أعيد حسابات الماضي. أنا جاية أنبه عليكم، وده أول وآخر تحذير ليكوا. ابعدوا عن حياتنا وحياة ابني لأني مش هسكت بعد كده، واللي هيقرب من ولادي هاكله بسناني.

اتسعت عينا رباب أكثر، وجف حلقها، واهتز قلبها وهي تنظر إلى من يقف على أعتاب باب المنزل، ثم همست باسمه مرددة:

ـ رضوان!

قالتها بخوف؛ فمن رؤيته وحدها بدا واضحًا أنه غاضب.

دق قلب زهرة بهلع، والتفتت خلفها لترى رضوان. تملكت معالم وجهه الصدمة، ودعت الله أن يكون لم يستمع إلى شيء مما قيل.

أما رضوان، فما إن علم بذهاب أمه إلى ذلك المكان، حتى فرَّ مسرعًا ليلحق بها، وأن حق زوجته هو فقط من سيعيده.

كان يقف على أعتاب منزلهم، واستمع إلى كل ما حدث بينهم. كانت الصدمة واضحة في عينيه، حيث وقف مذهولًا غير قادر على التصديق مما سمع، ومشاعر مختلطة من الصدمة والدهشة اجتاحت كيانه، وهو يسمع أجوبة لكل التساؤلات التي كانت وما زالت عالقة في ذهنه تتجلى أمامه.

لم تهتم عفاف إليه، بل بالعكس، زاد تشمتها وفرحها؛ لأن أي شيء يعكر صفو هذه العائلة يسعدها كثيرًا.

همست زهرة مرددة اسمه بصوت خافت، وارتجفت يدها. دلف إليهم رضوان بخطوات ثابتة، ونظرات عينيه تطلق شرارات على رباب، حتى ازداد قلقها، وكلما اقترب منها رجعت إلى الخلف لتختبئ خلف أمها، وانخفضت عيناها بترقب.

خافت زهرة أن يتكلم في هذا الموضوع وأسرار الماضي، لكنه عندما فتح فمه كان حديثه كله تهديدًا بالغًا لرباب، وهو يقول:

ـ إنتِ لو راجل كنت عرفت أتصرف معاه وكنت قطعت الإيد اللي اتمدت على مراتي، بس حظك إنك ست يا رباب.

تبدلت نظرة الخوف في عينيها إلى صدمة، وأرادت أن تفكر في كذبة سريعة حتى لا يظن بها سوءًا، وقالت بصوت مرتجف:

ـ إيه يا رضوان، اهدا على نفسك شوية وبطل، كل شوية تظلمني، مراتك غلطت فيا وشتمتني وبهدلتني في الشارع، وإن كنت ساكتة بس فده علشان...

بتر رضوان كذبها؛ فهو يعلم أنها تجيد الكذب جيدًا، وأشار إليها بالسكوت، فلا يريد أن يسمع صوتها، ونقل نظره بين أمها وهي، وردد قائلًا:

ـ كذبك ما بقاش هيخيل عليا خلاص يا رباب، إنتِ واحدة اتعديتِ الأصول ومن زمان، بس اللي عرفته دلوقتي إنك مش جايباه من بره. بس ليكِ راجل يترد عليه.

أنهى حديثه، وأمسك يد أمه التي تقف مترقبة، ذاهبًا بها إلى الخارج، تاركًا خلفه شعلتين لا تخمد نارهم أبدًا.

وفي وسط الطريق، مشى رضوان بجوار أمه صامتًا، يعيد في ذهنه ما سمعه في الأعلى. اجتاحه شعور التحطم، كان يظن أنه يعرف كل شيء عن عائلته، وظن أنه يجيد تحمل المسؤولية جيدًا، وأن أمه لا تكذب عليه أبدًا.

احتل الصمت كل شيء حوله، وامتلأ ذهنه بذكريات الماضي التي لا تختفي من عقله أبدًا، واختلطت هذه الذكريات بزاد التي تريد أن تذهب وتترك البيت بعد أن أخبرت والدها بكل شيء.

كانت زهرة تراقبه بين حين وآخر، يرتجف قلبها قلقًا من معالم وجهه الساكنة. وما إن وصلا إلى بنايتهم وصعدا الدرج، أمسكت ذراع ابنها متلهفة لتوقفه، حتى تبرر له ما سمعه وتخبره أنه من الماضي، وأن سبب إخفائها عنه حتى لا تعكر صفوه، وأن الماضي أصبح ماضيًا وانتهى، حتى إنها نسيته تمامًا، فهي كل ما يهمها عائلتها فقط.

نظر رضوان إلى عينيها بقوة للمرة الثانية، وتحكي عيناه عن قصة خذلان عاشها معها طوال تلك السنوات، لكنه سيكمل معهم الطريق لأنه فرض وواجب عليه، لا يملك شيئًا في يده كي يفعله؛ فهي أمه وليس لديه الحق بأن يجبرها على شيء مهما كان.

حرك رأسه لها بالرفض، مشيرًا إلى أنه لا يريد أن يسمع شيئًا. فما حدث قد حدث وانتهى، وليس بيده شيء ليفعله.

وما إن تركها وصعد، دلف المنزل ليطمئن على زاد ويتحدث معها، لكنه تفاجأ بحقائبها الموضوعة بجانب باب المنزل.

جرت إليه حبيبة مسرعة لتقول له بحزن إن زاد ستترك المنزل ولن تعود إليه أبدًا.

صُعقت زهرة مما سمعت، ووضعت يدها على خدها بصدمة.

نظر رضوان إلى أخته متسائلًا أين هي زاد الآن، فأشارت إلى غرفته أنها بالداخل.

ذهب إليها، ودلف إلى الغرفة، وأغلق الباب خلفه. وجدها تقف عند النافذة، وتعيد اتصالات متكررة على والدها، كي يعجل بإرسال السائق الخاص بها.

عندما رآها رضوان، كانت معالمها تبدو منزعجة جدًا، فالتمس لها العذر، وحمحم إليها قائلًا:

ـ ـ زاد، ممكن تهدي ونتكلم؟

تأبطت ذراعيها، ولم تلتفت إليه ولم تجبه. تنهد رضوان واقترب منها، حتى وقف أمامها قائلًا:

ـ اللي حصل ده مش هيعدي بالساهل، أنا هجيبلك حقك بس ما تمشيش.

كاد قلبه يخرج من مكانه ليخبرها أن ذهابها سيضمر قلبه الذي تعلق بها كثيرًا، وتمنى لو أنها في هذه اللحظة تبادله هذه النظرة، وتخبره بأنها لن تذهب ولن تتركه. كان يريد منها كلمة واحدة تطمئنه، لكنه استفاق من حلمه على صوتها الرنان وهي تخبره بتهكم:

ـ أنا مش هستنى هنا ثانية واحدة بعد كده، واللي حصلي ده أنت السبب فيه.

تغيرت ملامحه، وسألها سؤالًا مباشرًا:

ـ طيب قوليلي، أنا السبب في إيه؟

ثم سألها بشك:

ـ رباب قالتلك إيه وأنت قلتلها إيه علشان يوصل الحال بينكم لكده؟

ثم أكمل وهو منفعل:

ـ وانتِ إزاي تسيبيها تمد إيدها عليكِ!

اشتعل جسده بنار الغيرة، وقال بانفعال:

ـ ولما هي مدت إيدها عليكِ، ليه ما جبتِهاش من شعرها؟ ليه ما ضربتيهاش يا زاد! وليه ما كلمتنيش وقتها!

نظرت إليه بابتسامة ساخرة، ولم ترَ الخوف في عينيه، ولا غيرته عليها وانزعاجه لما حدث لها. ثم قالت بسخرية:

ـ ليه! أكلمك ليه! ولو كلمتك وقتها كنت هتيجي تضربها يا رضوان!

تفاجأ من كلامها؛ فكيف له أن يضرب أنثى؟ هو لم يفعلها ولن يفعلها. نظر إليها معاتبًا وقال:

ـ مش أنا الراجل اللي يمد إيده على واحدة ست. لكن في مليون طريقة أقدر أجيب بيها حقك، الضرب مش حل لنهاية الخلاف. وقتها كل الناس هتغلطني أنا وهتنسى اللي حصل معاكِ، والست اللي تفكر تمد إيدها على ست تانية ما ينفعش أتدخل بينهم. أنا هجيبلك حقك بس مش بالطريقة دي.

نظرت إليه من أخمص قدمه إلى أعلى رأسه، وزمت شفتيها، ثم رددت متسائلة بفضول:

ـ طيب المفروض حضرتك هتعمل إيه! سمعني كده، عايزة أعرف جوزي الشهم هيرجع حق مراته من واحدة كانت...

ثم سكتت ولم تكمل حديثها.

عقد رضوان بين عينيه، وسألها:

ـ كانت إيه؟ كملي، سكتِ ليه؟

ابتسمت مجيبة بلامبالاة:

ـ هي مش جارتكم! ولا أنا غلطانة! هتجيب حقي منها إزاي؟

أجابها قائلًا بكل ثقة:

ـ صدقيني حقك هيرجع لك حتى لو مشيتي وسبتينا، أنا مش هسكت.

سكت لثوانٍ، ثم تنهد وقال:

ـ ياريت ما تسبـيش البيت.

صرت على أسنانها، تكاد تنفجر، ثم نظرت إليه بحقد:

ـ إيه هتمنعني! المرة دي بابا مش واقف في صفك لأن بنته اتضربت.

ثم ضغطت على كل حرف، مكملة بصوت بارد قاسٍ:

ـ بنت حسين المالكي اتضربت وهي على ذمة واحد ما عرفش يرجع حقها.

شعر رضوان بالغضب يصعد إلى رأسه، لكنه امتصه، وقال:

ـ يعني أنت عايزاني أعمل إيه! أقتلها علشان أبان الشهم الشجاع قدامك! أنا قلت المشكلة إنها واحدة ست وأنا مستحيل أمد إيدي على واحدة ست.

ثم أشار بيده إلى باب الغرفة، مكملًا:

ـ روحي واسألي أمي وحبيبة. حبيبة دي مولودة على إيدي، عمري في يوم من الأيام مديت إيدي عليها حتى لو غلطت. في أسلوب يوجع وفي طريقة تقهر، لكن مش بالضرب. رجوع الحق عمره ما كان بالضرب يا زاد.

صدح هاتفها قبل أن ترد عليه.

نظرت إلى هاتفها، ثم ابتسمت بسخرية وسط غيظها وغضبها، وحملت حقيبة يدها قائلة:

ـ خلاص خلص الوقت يا رضوان. أنا لا عايزاك تجيبلي حقي ولا عايزاك تعمل حاجة. أنا كل اللي عايزاه منك حاجة واحدة بس.

تعلقت عيناها بقوة في عينيه.

في تلك اللحظة، دق قلبه بعنف، وكأن شيئًا داخله شعر بما ستقوله قبل أن تنطق به. ظل ينظر إليها منتظرًا، بينما أكملت هي قائلة:

ـ طلقني يا رضوان.

رمت سهم الفراق في قلبه، فانقسم قلبه بطلبها الأخير. ظل واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن الرد، بينما هي لم تمنحه فرصة للكلام؛ حملت حقيبتها واتجهت إلى الخارج.

تعلقت عيناه بها، يتتبع أثرها حتى اختفت من أمامه.

فذهبت زاد، وتركت المنزل، وحققت رباب الماكرة ما كانت تفكر به وتخطط له.

مضى وقت ليس بكثير، ولكنه كان مؤلمًا على كل من زهرة وحبيبة ورضوان، وأيضًا زاد ووالدها، الذي تحدث مع رضوان عبر الهاتف، وأخبره بأن ابنته ستظل عنده حتى يجد حلًا؛ فليس بهين عليه أن تُهان ابنته وهو على قيد الحياة، وأيضًا قادر على أن يأتي بحقها من تلك الحمقاء في لمح البصر، ولكنه حسب حسابًا لرضوان وسكت هو هذه المرة.

شعر رضوان بالاختناق والضجر، وخرج من المنزل دون أن يكلم أحدًا. خافت حبيبة أن يتصرف تصرفًا طائشًا، وأرادت أن تذهب خلفه لتوقفه وتسأله إلى أين يذهب، لكن زهرة أوقفتها، والحزن يكسو معالمها، وأخبرتها أن تتركه يذهب ولا تزعجه، فهو الآن عاد حزينًا كما كان.

جلست زهرة في غرفتها شاردة، والإحباط يتملكها، وهي تدعو الله أن تعود عائلتها كما كانت.

أما رضوان، فمضى حتى وصل إلى محل جزارة صفوت، والد رباب، باحثًا عن عزت ليتحدث معه ويطلب منه أن يأتي بحق زوجته؛ فهو زوجها، وله كلمته الأولى والأخيرة عليها.

وجده جالسًا بالداخل، مشعلًا التبغ وينفث الدخان في الهواء، مستمعًا إلى صوت الموسيقى بجانبه، وناظرًا أمامه بشرود.

ازداد غضب رضوان عندما رآه هادئًا هكذا، وكأنه لم يحمل همًّا لأي شيء يحدث حوله. ولج إلى الداخل، وما إن رآه عزت حتى تنهد وتملكه الانزعاج، فعلم رضوان أنه على علم بكل شيء.

حدثه عزت بنزق:

ـ رضوان كنت عارف إنك جاي.

ـ يعني ظني ما خيبش المرادي يا عزت! وعندك علم بكل اللي حصل!

حك عزت خده بسماجة قائلًا باستهانة:

ـ آه يا عم عرفت، وده شغل حريم ما لناش دعوة بيه. خليني أنا وانت بره المواضيع دي.

عقد رضوان ما بين عينيه، متعجبًا من برود صديقه، وردد قائلًا بحدة:

ـ أنت عبيط يا عزت ولا بتسوق عليا العبط! مواضيع إيه اللي أنا وانت براها؟ مراتك اتعدت حدودها مع مراتي وده ما يتسكتش عليه.

رمى عزت التبغ من يده بعيدًا قائلًا:

ـ لو هنعمل دماغنا بدماغ الحريم يا عم رضوان، فأنا بقى هقولك إن مراتك غلطانة ورباب عملت كده لما حرم سيادتك غلطت فيها يعني الغلط هيبقى راكبك أنت، فخليني أنا وانت حلوين مع بعض أحسن، وزي ما قلتلك، ده شغل حريم فاضي.

ابتسم رضوان ساخرًا:

ـ بذمتك أنت مصدق نفسك! يعني حتى لو مراتك بتقول إن مراتي غلطت فيها، ده يديها الحق تمد إيدها عليها؟ الكلام مهما كان، بيترد عليه بالكلام، لكن أول ما الإيد اتمدت، الموضوع كله بقى مختلف، والغلط الأكبر بقى على اللي مد إيده. ثم أنا عارف مراتي كويس قوي، وعمرها ما تغلط في حد.

اعتدل عزت، قاضبًا حاجبيه وموجهًا إليه اتهامًا بصوت حاد:

ـ قصدك إيه يا رضوان يعني مراتي كدابة!

علم رضوان أن عزت لم يفعل شيئًا، فأشار إليه منبهًا:

ـ اسمع يا عزت، أنا عارف إنك بتلاوع المرادي وبزيادة كمان، لأن ده مش جديد عليك. أنا كنت هروح أعمل محضر في مراتك والكاميرات مصورة كل حاجة، بس رجعت في آخر لحظة علشان خاطر الصحوبية بس كده خلصت. وجيتلك علشان توقف مراتك عند حدها، وإلا قسما بالله ما هيحصل خير أبدا.

أشاح عزت بنظره بعيدًا ولم يرد عليه.

وضع رضوان يده على كتف صديقه بخيبة أمل فيه، وقال:

ـ كان نفسي نفضل زي زمان، ضهرنا في ضهر بعض، بس يا خسارة زي ما الدنيا بتتغير الناس بتتغير. سلام يا صاحبي.

تركه رضوان وذهب.

ظل عزت جالسًا مكانه، ماسحًا شعره، والحيرة تعتليه. فقد أصبح الآن دمية متحركة بين يدي عائلة رباب بأكملها، ولا يستطيع فعل أي شيء.

صدح هاتفه، فظل ينظر إليه في سكون.

---

لم تصدق زاد أنها أخيرًا عادت إلى عشها الحقيقي.

وبرغم ما فعلته بها تلك اللئيمة رباب، أرادت أن تشكرها على هذا المعروف الذي، وبسببه، عادت إلى بيتها أخيرًا.

توسطت غرفتها، وظلت تنظر إلى كل زاوية فيها باشتياق كبير، ثم ألقت بجسدها على فراشها الخاص، مبتسمة لأنها تخلصت في النهاية من هذا الكابوس المزعج.

فهي لا تريد رضوان، ولا تريد شيئًا يذكرها بتلك الأيام البائسة التي عاشتها هناك.

وأخذت قرارًا في نفسها بأنها ستعوض كل يوم مضى من عمرها في تلك الأيام.

---

أسدل الليل عباءته السوداء، واشتدت الرياح، وهطل المطر بغزارة.

مضى الوقت، وغفت حبيبة في فراشها وهي ممسكة بكتيب علمي، وبجوارها الهاتف. كانت تنتظر عودة شقيقها، لكنه لم يعد حتى الآن.

دلفت إليها زهرة، وعندما وجدتها نائمة، سحبت منها الكتيب ودثرتها جيدًا بالغطاء.

وما إن خرجت، نظرت إلى ساعة الحائط، التي دقت الثانية صباحًا، ولم يأتِ وليدها.

بات القلق يأكل قلبها. جلست على الأريكة تنتظره، وبعد عدة ثوانٍ، هدأ نبض قلبها حين استمعت إلى صوت مفتاحه.

تنهدت بارتياح، ونظرت إليه يدخل من الباب.

لكنه كان مبتلًا، مهمَلًا في نفسه، ويبدو عليه التهالك.

رآها رضوان، فابتلع لعابه بغصة تعتصر قلبه. كان يريد أن يدخل غرفته دون أن يكلم أحدًا، ولكن هذه والدته، وحتى إن أخطأت، فلا يجوز له تجاهلها.

اكتفى بإلقاء التحية عليها بصوته الخافت، ذاهبًا في طريقه إلى غرفته، لكنها أوقفته بقلب متألم:

ـ رضوان.

وقف مكانه، ينتظر منها أن تكمل ما تريده، فأكملت متسائلة بصوت حرج:

ـ مش هتتعشى!

تنهد بغصة. لم يشعر بالجوع، ولم يتذكر منذ متى كانت آخر مرة تذوق فيها الطعام. فمنذ أمس، كان أسوأ يوم مر عليه.

لكنه أجابها بصوت مليء بالألم:

ـ مش جعان يا أمي.

ـ بس يابني أنت ماكلتش من إمبارح ودخلنا في يوم تاني اهو.

حرك رأسه بالرفض، وأكمل:

ـ مش جعان، أنا عايز أرتاح.

أنهى الحديث بينهما بقوله:

ـ تصبحي على خير.

ثم دلف إلى غرفته، ولم يسأل عن شقيقته.

فألمه كان أكبر من أي شيء اعتاد عليه.

وقف خلف الباب، يقلب عينيه في كل زاوية من الغرفة، يبحث عنها لعلّه يجدها، ويكون كل ما حدث مجرد حلم ليس إلا.

لكنها لم تكن هناك.

زاد لم تعد موجودة حوله.

فقط رائحتها كانت لا تزال في كل مكان.

أغمض عينيه ليستنشق عبقها المنتشر في المكان، ثم جلس على الفراش، وطالع وسادته التي كانت تحتضنها عندما تغفو.

رجع بظهره مسندًا إلى السرير، وتاهت عيناه في أرجاء الغرفة، حتى استقر نظره على السقف، كأنه يشكو وجعًا لا يعلم به سوى الله.

وسأل قلبه في حزن وضياع:

هل سيظل يعاني من ألم الفراق؟

هل كُتب عليه أن يبتعد عن كل شيء يحبه؟

ما الخطأ الذي ارتكبه حتى يجاوره الانكسار هكذا؟

وكأنه فعل ذنبًا عظيمًا حتى يُبتلى في قلبه، ليتألم منكسرًا بهذا الشكل.

جفاه النوم لوقت طويل، وظل يفكر، حتى غفت عيناه لثوانٍ معدودة.

وحينها، استمع إلى صوتها الرنان في أذنه، يتكرر مرة ثانية:

ـ طلقني يا رضوان.

فتح عينيه مسرعًا، ونظر حوله.

لم يجدها.

علت وتيرة أنفاسه، وعلم أنه حلم تكرر إثر الإجهاد.

اعتدل مكانه متعبًا، ومسح وجهه، وشعر بالبرد وملابسه المبتلة إثر المطر، وقد نسي هذا الأمر.

فقام متثاقلًا ليبدل ملابسه وينام.

لقد تعب ذهنه من التفكير المستمر.

لكن سؤالًا واحدًا لم يبتعد عن خاطره:

كم ستمضي الأيام وهي ليست بجواره؟

---

مضت الأيام كأنها أعوام، لكنها كانت متشابهة، كيوم واحد متكرر.

فاليوم يمضي على رضوان وعائلته بالصمت نفسه.

تظل حبيبة ساكنة في غرفتها بعد عودتها من الجامعة، ولا تخرج منها إلا قليلًا؛ لأنها تشعر بالذنب وتأنيب الضمير، موجهة التهم إلى نفسها بأنها هي التي تسببت في كل هذا.

وأيضًا تفتقد زاد كثيرًا، التي تتصل بها، لكنها لم تجب عليها حتى اليوم.

أما زهرة، فليس عليها إلا أن تعد الطعام، وتهتم بأمور المنزل، وتتحدث مع رضوان قليلًا.

ورضوان يعمل ليلًا ونهارًا، حتى يشغل عقله عن التفكير بها.

بينما عزت، لم يفعل شيئًا لزوجته بعد علمه بخبر حملها؛ ففرحته أنسته صديقه، وأنسته كل شيء، وأصبح مهتمًا بها اهتمامًا بالغًا، وهي كانت في مزاج حسن بعد علمها.

تركت زاد منزل رضوان، واكتسبت هذه الخبرة من والدتها: أن تضع زوجها خاتمًا في إصبعها، وتتلاعب بمشاعره.

بينما كريم وإيمان يعيشان حياة هادئة، لكن كريم حزن لأجل صديقه بعد علمه بما حدث معه، وذهب كريم وعصام إلى عزت وتحدثا معه، ولكن دون جدوى.

وبعدما عادت زاد إلى حياتها السابقة، فرح عمها نجيب فرحًا شديدًا؛ لأن هذا الوضع هو الذي يليق بابنة أخيه، ويرى أن الفقر أسوأ شيء على الإطلاق.

بينما انزعجت سما كثيرًا لهذا الخبر، وكانت تريد الذل لزاد.

أما كارم، فيعمل في إحدى الشركات، ويوجد له زميلة على خُلق، محجبة وملتزمة، ويريد في الأيام المقبلة أن يتحدث مع والده ويذهب لخطبتها.

أما حسين، فيتعامل مع ابنته بحرص حتى لا تسافر وتتركه؛ فهو يريدها أن تعود إلى رضوان مرة ثانية، لكنها رافضة لهذا القرار.

ومع ذلك، كان متعجبًا منها؛ لأنها دائمًا جالسة في الحديقة، ويشعر أنها غير راضية، وأن هناك شيئًا ينقصها.

نعم، كانت تظن زاد أنها ستعود كما كانت حياتها في السابق.

لكن يبدو أن روحها ألفت هناك، في ذلك الحي الذي جمع بينها وبين رضوان.

دائمًا تفكر به.

وكلما أرادت ألا تفكر فيه، وجدت صورته أمامها.

فتلعن نفسها، وتريد أن تنساه، وتعاند نفسها، وتقنعها بأنها من الآن مطلقة.

وفي انتظار ورقة طلاقها.


تعليقات