رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل السادس عشر
بعد مرور فترة قصيرة...
بالشركة...
دخلت كارلا الى مكتب أديم دون استئذان، تتهادى في خطواتها، وعلى شفتيها ابتسامة حاولت أن تجعلها واثقة، قبل أن تتدلل في الحديث:
أديم...
قبل أن تستكمل حديثها، رفع أديم عينيه عن حاسوبه، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تبدلت ملامحه تمامًا...
خلع نظارته الطبية ببطء، ووضعها فوق المكتب، ثم نهض من مقعده بعصبية، قاطعًا حديثها بنبرة حادة:
إزاي تدخلي عليا مكتبي كده من غير إذن.
توقفت مكانها، وتلاشت ابتسامتها تدريجيًا... تفوهت بإرتباك:
أديم أنا...
قاطعها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان غضبه أوضح وأقسى:
من دلوقتي إنتِ هنا مجرد موظفة... مالكيش أي مزايا تانية، ولا ليكِ حق تدخلي مكتبي في أي وقت يعجبك...وبعد كده قبل ما تدخلي هنا تطلبي إذن الأول... مفهوم.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تنظر إليه وكأنها لا تصدق ما تسمعه...
ذلك الرجل الذي لطالما سمح لها بمساحة لم يسمح بها لغيرها، الآن يقف أمامها وكأن سنوات معرفتهما لم تكن موجودة...
حاولت أن تستجمع نفسها فكىت فى التلاعب، وقالت بصوت مرتبك :
أنا كنت بس عايزة أوضح لك اللي حصل يوم اليخت...
انعقد حاجباه، ورد دون أن يترك لها فرصة قائلًا بقطع:
مفيش حاجة محتاجة توضيح.
بإعتراض حاولت تكتسب تعاطف:
بس يا أديم...
بنهي وغضب قاطعها:
قولت مش عاوز توضيح.
ارتجفت ملامحها من نبرة صوته...
تنفس أديم بعمق، ثم أضاف بصرامة:
ودلوقتي إتفضلي على مكتبك.
للحظة، شعرت وكأنها تلقت صفعة على وجهها...
هي لم تعتد منه الرفض، والأكثر إهانة بالنسبة لها أنه لم يحاول حتى معرفة ما تريد قوله...
تجمعت دموع التماسيح في عينيها، وارتفع صوتها بنبرة حاولت أن تجعلها منكسره وهي تُبرر بكذب:
أديم... أنا يوم اليخت كنت واقعة في مشكلة، وشوفتك وإنت خارج من الشركة... حاولت أنادي عليك، بس إنت مسمعتنيش، فلحقتك بالعربية... والله ما كنت أعرف إنك ممكن تضايق بالشكل ده... وأنا أصلًا مكنتش أعرف إن ميراچ...
ما إن نطقت اسم ميراچ، حتى تبدلت ملامحه أكثر...
تصلب فكه، وقال بحدة:
متجيبيش سيرتها في الموضوع ده.
صمتت لحظة، ثم حاولت التراجع قائلة:
أنا مقصدتش...
قاطعها بغضب:
وأنا مش عايز مبررات...
تقدم خطوة من خلف مكتبه، وثبت عينيه عليها، ثم قال بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش:
اللي حصل انتهى. وإنتِ تجاوزتي حدودك، وأنا وضحت لك حدودك الجديدة.
اتسعت عيناها وهي تراقبه...
تابع بصرامة:
وده آخر إنذار ليكِ بعد كده مش هعمل حساب لأي معرفة...لغاية دلوقتي سامح ليكِ تشتغلى هنا،بس عشان خاطر المرحوم والدك كان له مكانة عندي.
شهقت بخفوت قائلة بحشرجة صوت:
آخر إنذار.
بتأكيد منه:
أيوه.
ثم
اقترب من مكتبه، والتقط نظارته، ثم قال دون حتى أن ينظر إليها:
المرة الجاية مش هتبقي أي معرفة قديمة، ومش هتناقش معاكي في الموضوع. هيكون قرار الفصل نهائي.
جحظت عيناها بذهول...
لم يكن تهديدًا عابرًا...
هي تعرف أديم جيدًا، وتعرف أنه عندما يتحدث بهذه النبرة لا يتراجع...
تحشرج صوتها وهي تقول بإدعاء:
متأسفة.
لم يرد...
انتظرت لثواني، عله ينظر إليها، عله يلين كما اعتادت منه... حتي ذلك لم يجدي معه..
لم يتراجع، ذهبت نحو باب المكتب بخطزات بطيئة..
فتحت الباب بيد مرتجفة، وخرجت من مكتبه...
وبمجرد أن أُغلق الباب خلفها، اختفت ملامح الانكسار من وجهها تمامًا...
مسحت دموعها الكاذبة بأطراف أصابعها، واشتدت نظراتها...
تراقصت أمام عينيها شياطين الغضب وهي تتمتم من بين أسنانها:
بسببها... كل ده بسبب ميراچ.
أما داخل المكتب، ظل أديم واقفًا مكانه للحظات...
أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا...
لم يكن غاضبًا لأنها لحقت به يوم اليخت فقط...
كان غاضبًا لأنها جعلته يشعر للحظة أن ميراچ يمكن أن ترى المشهد من زاوية أخرى...
وضعها له في موقف يجبر ميراچ ليس على الشك فيه... بل تأكيد كذبة هو الآخر إختلقها سابقًا وقالها كنوع من المقاومة...
فتح عينيه، ونظر إلى هاتفه الموضوع فوق المكتب.
كانت أول فكرة خطرت بباله...
ميراچ...
تناول الهاتف، لم بتردد للحظات قبل أن يكتب لها رسالة..
لكن قبل أن يرسلها، توقف...
فهو يعرف أن الكلمات لن تكفي هذه المرة...
لقد اتخذ قرارًا...
حين يعود إليها، لن يكتفي بأن يقول لها إنه كاذب بشأن حبه لـ كارلا، لا مشاعر لديه نحوها كان ذلك غباءً ورد فعل خاطئ...
سيجعلها تشعر أنها الوحيدة التي اختارها حتى فى أوج غضبه.
بينما كارلا
عادت الى مكتبها توقفت أمام المرآة الصغيرة المعلقة في جانب الغرفة...
رفعت عينيها إلى انعكاسها....
لم تعد هناك دموع...
ولا ذلك الانكسار الذي ظهرت به أمامه...
كل ما بقي كان غضبًا أسود يتصاعد داخلها...
همست من بين أسنانها:
طردني من مكتبه... كأني ولا حاجة.
ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي مرح، ثم مسحت أثر دموعها تمامًا... وهمست:
عشان ميراچ.
سكتت لحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة... قائلة بوعيد:
خلاص يا أديم... طالما هي السبب، يبقى هي اللي هتدفع تمن كل كلمة قلتها لي...
تنهدت بقوة يستعر وجهها وكل خلية بجسدها حقدً وكُرهًا وهي تُتمتم بهمس:
أوعي تفكر إني هستسلم بسهولة يا أديم، أنا مش لعبة فى إيدك، وقت ما تحب ميراچ
لم تستطيع أن تهدأ...
لم تعد تفكر في كيفية استعادة أديم فقط...
بل بدأت تفكر في كيفية تدمير الشيء الذي جعله يختار ميراچ عليها دائمًا.
❈-❈-❈
بـ فيلا نصر
مساءً بغرفة النوم
نظرت دىية نحو نصر الذي جالس على آريكة جانبية بالغرفة يبدوا أنه منهمك بقراءة أحد الملفات...،جلست على طرف الفراش... زفرت نفسها بضجر، لكن لم تصمُت كعادتها قررت الكلام:
هو الشغل مش بيخلص.
أغلق الملف ثم خلع نظارته ونظر لها قائلًا:
لاء بيخلص درية.
ثم نهض وإقترب منها ينظر لها، شعرت من نظراته أنه يود قول شيء.. سبقته قائلة:
النهاردة كنت فى النادي و...
قاطعها بتهكم قائلًا:
وطبعًا شوفتي لميس وهي بتتباهي بجمالها ورشاقتها... ومش مهتمة إنها بقي عندها بنت متجوزة.
نظرت له بغضب قائلة بنفي:
لا مكنتش هقول كده...
توقفت لحظة ثم قالت:
ومالك مضايقك...
قاطعها بغضب قائلًا:
كنتِ هتقولى إيه... ومضايق من معاملتك لـ ميراچ يوم كتب كتاب ريان... مش أنا بس اللى مضايق.. أديم كمان واضح إنه لاحظ معاملتك الجافة لها وإضايق... متنسيش إنها مراته
تهكمت قائلة:
أديم مضايق... إنت غلطان...جوازه ميراچ مش أكتر منن تنفيذ لوصية باباك... اللى معرفش سبب ليه حطها من ضمن الورثة، كمان قيد أديم بجوازه منها.
نظر لها نصر نظرة طويلة، اختفت منها كل ملامح الهدوء، وحل محلها غضب مكتوم جعل درية تتراجع قليلًا بنظراتها...
قال بهدوء شديد، كان أخطر من صوته المرتفع:
وإنتِ إيه اللي مخليكِ واثقة أوي إن جواز أديم من ميراچ مجرد تنفيذ للوصية.
عقدت درية حاجبيها قائلة:
لأن ده اللي حصل فعلًا... باباك حط شرط في الوصية، وأديم اضطر ينفذه علشان ياخد حقه.
اقترب نصر خطوة، ثم قال بثقة::
تفتكري أديم كان ممكن يوافق على تنفيذ الوصية لو مش فى هدف فى دماغه... وقبل ما تعلقي مش أديم اللى يفرق معاه ميراث... إنت متعرفيش مكانة أديم إيه فى المواني... كلمة منه تعطل حركة الملاحة...يعني سهل كان ينشأ لنفسه إمبراطورية بعيد عن أملاك "نبيل القصاص"... ولو كان شايف جوازه من ميراچ مجرد ورقة في وصية، كان جابها هنا معانا... ليه مفكرتيش هو ليه خدها وكان عايش معاها فى بيت الشط.
ابتسمت درية بسخرية:
أكيد مش حابب يبقي لها مكانة هنا و مستني يخلص السنة وهينفصل عنها.
ثبت نصر عينيه عليها وتهكم بنبرة نفي:
لأ مش ده السبب.
خرجت الكلمة حاسمة، جعلتها تنظر له باستغراب...
أكمل:
أنا عارف أديم كويس، وعارف نظراته أكتر منك. الراجل ممكن يكدب على نفسه، ممكن يكابر، ممكن يفضل ساكت لحد ما يموت... لكن مش سهل يخلي حد يقرب من اللي بقى يخصه.
ضحكت درية بسخرية قائلة:
تخصه... ميراچ بقت تخصه.
أكد نصر بيقين:
آه... ودي النقطة اللي إنتِ مش عايزة تشوفيها.
سكتت لحظة، ثم قالت بحدة:
وإنت عايزني أعمل إيه... أفرح بجوازة أديم من واحدة دخلت العيلة فجأة وبقت ليها حقوق في كل حاجة.
تغيرت ملامح نصر، وقال:
دي مش حقوق بابا هو اللي كتبها لها... دي حقوقها هي اللي عملتها لنفسها... كمان أديم لو مش عاوز يتجوز من ميراچ ولا ألف وصية كانت غصبت عليه يوافق...مفكرتيش وافق ليه.
تهكمت قائله:
لااء معرفش ليه.
تهكم وهو يهز رأسه قائلًا:
إنتِ شاغلة نفسك مش قادرة تحسي بمشاعر أديم.
صمتت درية، بينما تابع نصر بصوت أكثر حدة:
ميراچ يوم كتب كتاب ريان كانت واقفة وسطنا زي أي حد من العيلة، وإنتِ تعمدتي تكسريها بكلامك ونظراتك.
إرتبكت قائلة:
أنا معملتش حاجة.
- عملتي.
قالها دون تردد... ثم أضاف:
نفسي أعرف سبب لتغيريك من ناحية ميراچ.. مكنش ده أسلوب تعاملك معاها قبل كده.. حتى لميس نفسها... مكنتش دي صورتك عنها.
ارتبكت درية قليلًا... اتسعت عيناها قليلًا حين
تابع نصر:
إنتِ مشكلتك مش مع ميراچ لوحدها يا درية... إنتِ عندك مشكلة مع أي ست تحسي إنها ممكن تاخد مكان أو اهتمام من حد إنتِ شايفة إنه ملك ليكِ
توترت درية وقالت بانفعال تحاول قلب الدفة:
متقلبهاش عليا.
تهكم بثقة قائلًا بمواجهه:
أنا مش بقلبها عليكِ، أنا بفهمك.
اقترب منها أكثر، ثم خفض صوته:
بس في حاجة لازم تفهميها إنتِ كمان... ميراچ مش ضيفة وسطنا...
صمت لحظة، ثم قال بوضوح:
دي مرات أديم.
نظرت إليه درية بجمود...
فأكمل:
ومهما كان سبب الجواز، ومهما كان اللي مكتوب في وصية بابا، طول ما أديم لسه متمسك بيها، يبقى لازم تحترميها... وتعامليها بطريقة أفضل.
هزت رأسها باعتراض قائلة بتهكم:
متمسك بيها... إنت بنفسك قولت يمكن بيكابر.
تنهد قائلًا بتوضيح:
أنا قولت ممكن فى البداية يكابر... لكن اللي شوفته بعيني بعد كده خلاني أشك إن الموضوع وصل لأبعد من كده.
سألته درية بسرعة:
شوفت إيه.
توقف نصر لحظة، وكأنه تردد إن كان يخبرها أم لا...
ثم قال:
شوفت ضياع أديم لما ميراچ بعدت عنه.
اقتربت منه درية بفضول رغمًا عنه
نظر إليها نصر مباشرة:
ضياع الراجل اللي مش شايف مراته مجرد تنفيذ لوصية...
سكتت درية...
أما نصر فاستدار مبتعدًا عنها، ثم قال دون أن ينظر خلفه:
ولو إنتِ مصممة تفضلي شايفة جوازهم مجرد وصية... براحتك.
ثم توقف عند الباب وأضاف:
بس متستغربيش لما تكتشفي إن أديم نفسه عاوزها حتى لو هيخسر.
تركها واتجه نحو الحمام، بينما ظلت درية جالسة مكانها، تحدق في الفراغ...
ولأول مرة منذ زواج أديم، تسلل إلى عقلها سؤال لم تكن تريد الاعتراف به...
هل فعلًا ميراچ لم تكُن مجرد زوجة فرضتها الوصية.
❈-❈-❈
بمنزل الشاطئ..
دلف أديم إلى غرفة النوم، وألقى بجسده فوق الفراش، ثم أغمض عينيه للحظات، قبل أن يفتحهما ويميل برأسه ينظر إلى ذلك الطرف الذي كانت تنام عليه ميراچ...
كان خاليًا كالليالي السابقة...
ورغم أن الطقس بالخارج بارد، والهواء القادم من البحر يُصفر بين النوافذ، إلا أن ما بداخله كان عكس ذلك تمامًا... حرارة تخنق أنفاسه، واشتياق يرفض أن يهدأ...
مد يده دون وعي إلى وسادتها، لامس طرفها بأصابعه، ثم سحب يده سريعًا وكأنه ضبط نفسه متلبسًا بضعفه...
زفر بضيق، وتمتم لنفسه:
إنتِ بتعملي فيا كده ليه يا ميراچ.
ظل صامتًا للحظات، ثم ابتسم بسخرية مريرة وأعترف:
لا... أنا اللي عملت في نفسي كده.
رفع عينيه إلى السقف، واستعاد آخر مرة وقفت فيها أمامه، بعينيها المليئتين بالخذلان...
لم يستطيع أن يجبرها على البقاء... كان يستطيع أن يستخدم كل ما يملكه من نفوذ وقوة، لكن الشيء الوحيد الذي لم يستطع إجبارها عليه هو أن تنظر إليه كما كانت تفعل من قبل....
أغمض عينيه بقوة...
نظرتها عادت تمُر أمامه...
فتح عينيه فجأة، وجلس على حافة الفراش...
مرر كفه على وجهه، ثم نهض واتجه إلى النافذة...
أمام عينيه امتد البحر مظلمًا، تتكسر فوقه أمواج متلاحقة، تمامًا كاضطراب قلبه...
وضع يده على زجاج النافذة البارد... وهمس:
كنت فاكر إن أصعب حاجة إني أشك فيكِ...
صمت لحظة، ثم ابتلع غصة مريرة... قائلًا:
طلعت أصعب حاجة إني أخسرك بسبب شكِ.
ظل واقفًا مكانه، حتى لمح من بعيد ضوءًا صغيرًا يظهر عند الطريق المؤدي القريب من المنزل....
تجمدت عيناه بذهول..
اقترب خطوة من النافذة، يحاول التأكد مما يراه...
ثم اتسعت عيناه حين أدرك أن الضوء يقترب بالفعل من المنزل...
سيارة...
وفي هذا الوقت من الليل...
استدار سريعًا نحو الباب، بينما تسارعت دقات قلبه بصورة لم يفهم سببها... وبعقلة:
هل عادت ميراچ... ؟
لكن الجواب كانت مجرد غفوة وإنتهت حين فتح عيناه وجد نفسه فوق الفراش وحيدًا...
تذكر ليلة عقد قران ريان...
رغم شعوره بضيقها من معاملة والدته الجافة لها، إلا أن بقلبها كان شعور حقيقي بالسعادة من أجل فرحة ريان، فلم تسمح لأي شيء أن يفسد الليلة حتى بعد أن عادا إلى المنزل.
دخلت وهي أمامه، بينما تبعها أديم بصمت.
جلست على طرف الفراش، وخلعت حذاءها، ثم أطلقت زفرة طويلة وهي تدلك قدميها بإرهاق، قبل أن تضحك قائلة:
ريان كان مبسوط أوي في كتب الكتاب... ده حرج كنزي أكتر من مرة وباسها من خدها... كمان قال الجواز في أسرع وقت.
اقترب منها أديم ببطء...
توقفت ابتسامتها للحظة حين شعرت بقربه، لكنها لم تنظر إليه...
في داخله بدأ الندم يتوغل...
كان ريان عكسه تمامًا.
ريان تصرف كما أملاه عليه قلبه، لم يخجل من إظهار فرحته، ولا من إظهار امتنانه للمرأة التي أصبحت زوجته.
أما هو...
فحتى يوم عقد قرانه على ميراچ، تعامل معها وكأنها مجرد جزء من اتفاق اضطر إليه...
ريان أظهر امتنانه...
وهو أظهر نكرانه....
بدأ يتألم من تلك الحقيقة أكثر مما توقع...
كادت ميراچ أن تنهض، لكنه جلس بجوارها ومد يده إليها، فجذبها برفق، فسقطت مستلقية على الفراش...
استلقى إلى جوارها...
مد يده ونزع المشبك الذي كان يجمع خصلات شعرها، فانسكب شعرها على الفراش وجزء حول وجهها..
رفع يده وأبعد بعض الخصلات عن وجهها...
ابتسمت له بتلقائية لثواني...
ثم تذكرت نفسها...
تنحت بعينيها بعيدًا عنه...
لكن أديم...
وضع أطراف أصابعه على وجنتها، فاضطرت إلى النظر إليه...
تلاقت عيناهما...
لا حديث...
فقط صمت طويل، وخفقات قلبين يحاول كل منهما إخفاء ما يشعر به الآخر.
كانت ميراچ أول من كسرت ذلك الصمت...
وقالت بحشرجة صوت:
بتبص لى كده.
سألها بهدوء:
ببصلك إزاي.
ابتلعت ريقها، ثم قالت:
كأن مفيش حاجة حصلت بينا.
سكنت ملامحه... ثم قال:
أنا مش ناسي.
ضحكت بمرارة... دار بينهما حديث صامت بلسانهم لكن عقولهم تتحدث...
مرر إبهامه على وجنتها خرج صوتها ضعيفًا، لكنه كان يحمل كل ما كتمته طويلًا:
أنا تعبت يا أديم...
ظل صامتً... واقترب منها قليلًا، لكنها أغمضت عينيها... تفوهت بألم:
متخلينيش أضعف قدامك.
قال بصوت خافت:
وليه.
فتحت عينيها، ونظرت إليه بوجع... وقالت:
عشان أنا ضعفت قدامك كتير... وكل مرة كنت أنا اللي بدفع الثمن.
تجمد أديم لحظه ثم قال:
المرة دي مش هسيبك تدفعيه لوحدك.
نظرت إليه طويلًا قائلة:
وإنت متأكد إنك مش هتندم.
أجابها:
ندمت بالفعل.
ارتعشت شفتاها... وهي تسأل:
ندمت على إيه.
اقترب أكثر، لكنه توقف قبل أن يلامسها... واعترف عقله:
على كل مرة خليتك تشكي إنك مش مهمة عندي.
لم تتحرك...
ظل يحدق بها، ثم قال:
أنا عارف إن كلمة آسف مش هتمسح اللي حصل... بس نفسي أبدأ أصلح.
همست بسؤال:
وإزاي.
أجابها وعيناه لا تفارقان عينيها:
أبدأ إني أخليكِ تحسي إنك مراتي... مش مجرد واحدة اتجوزتها عشان شرط في وصية.
توقفت أنفاسها...
كانت الجملة هي بالضبط الشيء الذي احتاجت أن تسمعه طوال الفترة الماضية...
ومع ذلك...
لم تستطع أن تسامحه بهذه السهولة...
أغمضت عينيها، ووضعت يدها فوق يده التي لا تزال على وجنتها... وهي تقول:
أنا لسه موجوعة.
قال فورًا:
عارف.
ولسه خايفة.
عارف.
اتسعت عينيها...حين سمعته:
أنا بحبك يا ميراچ.
خرجت منه الكلمة دون قصد.
أما هي فأدارت وجهها سريعًا، ..
لكنه لم يسمح لها بالهرب من اعترافه
رفع وجهها إليه برفق، وقالها مرة أخري:
بحبك يا ميراچ.
ارتجفت أنفاسها...
وللمرة الأولى لم تجد ما تقوله.
اقترب منها ببطء، وترك لها فرصة الابتعاد...
لكنها لم تفعل...
طبع قبلة هادئة على شفتيها...
كانت قبلة قصيرة، لكنها حملت اعتذارًا عن أشياء كثيرة، واشتياقًا أخفاه طويلًا...
ابتعد قليلًا، وظل ينظر إليها...
ثم احتضنها...
في البداية بقي جسدها متوترًا بين ذراعيه، وكأن قلبها لا يزال يحاول حماية نفسه...
لكن بعد لحظات...
استسلمت...
وضعت رأسها على صدره بصمت...
شدها إليه أكثر، وراح يمسح على شعرها دون أن يقول شيئًا...
كان يعرف أن صمتها ليست ضعفًا...
بل بقايا وجع لم ينتهِ بعد...
أما ميراچ، فكانت تعرف أن احتضانها له لا يعني أنها نسيت...
كانت فقط تمنح قلبها لحظة واحدة...
ليصدق الرجل الذي أحبته، قبل أن يعود عقلها ليسأله غدًا:
هل سيتغير حقًا...
أم ستكون هذه الليلة مجرد ذكرى جميلة أخرى تدفع ثمنها لاحقًا... لكن...
ظل أديم يحدق في عينيها للحظات، وكأن كل ما بينهما اختصرته تلك النظرة...
اقترب منها ببطء، ثم طبع قبلة رقيقة على شفتيها...
توقفت أنفاس ميراچ للحظة، لكنها لم تبتعد. بل أغمضت عينيها، وتركت قلبها يتغلب على كل ما حاول عقلها أن يفرضه عليها....
ابتعد أديم قليلًا، وأخذ يتأمل وجهها، ثم مرر أصابعه بين خصلات شعرها المنسدلة حول كتفيها.....
لوهلة رفعت يدها كي تبعده عنها، لكن قابل يديها بيديه التي تمسكت بيديها وإستلقت إيديهم فوق الفراش بحميمية كانت تفرض قوتها على جسديهما اللذان إندمجا معًا كأمواج متلاطمة جسدها يحتضن جسده بمشاعر هادئة...غرام متكافئ بينهما...علاقة ليست جسدية فقط بل علاقة روحية...توغلت بينهما...بنهاية المطاف الصاخب...
ضمها إلى صدره، فاستكانت بين ذراعيه، تسمع خفقات قلبه السريعة...
ظل يحتضنها طويلًا، ثم قبل جبينها، وجانب وجهها، وعاد إلى شفتيها في قبلة أكثر دفئًا، حملت شوق الأيام الماضية وندمًا عن كلمات كثيرة لم يقولها في وقتها...
رفعت ميراچ يديها حول عنقه، وكأنها للمرة الأولى تسمح لنفسها بأن تصدق أن الرجل الذي أمامها ليس أديم الغاضب الذي عرفته مؤخرًا، أرادت أن لا تزول اللحظة...
احتضنته أكثر، ووضعت رأسها فوق صدره...
وبهدوء، انسابت اللحظات الحميمية مرة أخري بينهما؛ قبلة تتبعها أخرى، واحتضان طال أكثر مما ينبغي، وكلمات هامسة اختلطت بخجلها واشتياقه...
حتى هدأت مقاومة القلبين، واستسلما لتلك الليلة التي لم تعد تحمل بينهما خصامًا ولا كبرياء...
وفي النهاية، بقي أديم يحتضنها، بينما رأسها مستند إلى صدره، ويده تمر بحنان على شعرها.
همست بصوت خافت:
أديم.
-نعم.
همست كأنها بلا وعي:
متسبنيش أبعد تاني.
توقف قلبه للحظة، ثم شد ذراعيه حولها... ضمها بقوة كان ذلك أبلغ من الرد... لكن داخلها كانت تبغي أن يؤكد ذلك بكلمات... لكن غفت بين يديه... من الإرهاق...أو من الإشتياق.
بعد وقت فتح عيناه،نظر الى يدها التى فوق عُنقه كأنها متشبثة به..تبسم وعادت كلمات ريان تدق برأسه..
وسؤال بعقله...لماذا سافرت فجأة...والجواب معها...لحظة حسم عقله وكاد يوقظها يسألها...لكن منعه همس خرج منها وهي غافية:
أديم...متسبنيش أغرق بعيد عنك.
نظر لها ظنها مستيقظه،لكن كانت غافية...حين حاول سؤالها...لم ترُد... كان هزيان غفوة...
تنهد وهو يضمها أقوي... وعقله فى إتجاة واحد...
لماذا كذب عليه سليم.
فتح عيناه يعتصرهما من الندم... والجواب علمه من غير سليم... تقارير طبي، تشخيص لم يستطع عقله استيعابه في البداية، هي كانت تُصارع "اللوكيميا"
سرطان الدم... وهو بلحظة غباء منه طلب منها التبرع بدمائها.. حقيقة... مازالت ترفض أن تستقر في عقله...
فهم معني قولها
"دمي مش رخيص، أعرف غيرها كان مستعد دمه يتصفي بس اللى قدامه يخف ويعيش"
وقتها ظن أنها تتحدث بغرور...
أما الآن...
فقد أدرك أنها كانت تتحدث عن حياتها...
عن دماء غيرها التي كانت تستخدم لإنقاذها هي...
عن جسد أنهكته المعارك الطبية، بينما هو بكل غباء طلب منها أن تمنح دمًا وهي نفسها كانت تحتاجه...
من كانا يتبرعا لها بالدماء هما والديها... ومن أعطي لها النُخاع كان سليم...
نشأ الإثنين لها حياة أخرى...
والغريب هو، كان غارقًا في شكوكه، يبحث عن خيانة لا وجود لها، ويحاسبها على أشياء لم تفعلها... هو كان كالبحر وأراد إغراقها غضبً..
شعر بأن صدره يضيق...
كان كالبحر حين يثور... وهي
كلما حاولت النجاة، دفعها بموجة غضب جديدة...
وكلما مدت يدها إلي النجاة، أغرقها بغضبه.
ندم لكن لم يفوت الوقت بعد، إن كان صدق كذبة وتحامل عليها..هو الذي جعلها تخاف من أن تظهر ضعفها أمامه...
هو الذي جعلها تخشى أن يعرف حقيقتها فيستخدمها ضدها...
لكن الآن...
هل ستمنحه ميراچ فرصة بعدما تعرف أنه عرف الحقيقة متأخرًا.. والتصميم...
عليه أن يجدها أولًا.
❈-❈-❈
بعد مرور عام
قبرص
وقع عينيها على تلك العلامة التي شبة إختفت من معصم يدها تنهدت، تلك العلامة هي ذكري وتأكيد نهاية فُرص أديم لديها...
زفرت نفسها.. حين صدح رنين هاتفها... نظرت له... تنهدت بضجر.. ثم قامت بالرد لتسمعه يقول:
أديم رفض الانفصال الودي.
زفرت نفسها بغضب قائلة:
يعني إيه رفض، السنه إنتهت وفات كمان أكتر من كذا شهر، يعني كان بيماطل ودلوقتي رفض... تمام... أنا راجعة مصر الجواز ده لازم ينتهي.
أغلقت الهاتف وضعته أمامها بغضب، بنفس الوقت شهقت حين شعرت بيد توضع فوق كتفها، وتفوهت:
بلاش تتسحبي كده، أنا بتخض.
ضحكت لولا قائلة:
أعمل ايه أنا حركتي خفيفة.
بعدما كانت متعصبة ضحكت، ضحكت لولا وجلست أمامها قائلة:
كنتِ بتكلمي المحامي... أديم لسه بيماطل في الانفصال.
زفرت نفسها قائلة:
لا ده جابها من الآخر ورفض الطلاق.
لم تستغرب لولا وقالت:
كنت متوقعة منه كده... أديم ابن درية الاتنين دماغهم متخلفة.
ضحكت ميراچ، بينما قالت لولا:
سمعتك هتنزلى مصر.
أومأت قائلة:
أيوه كفاية كده، أديم مفكر نفسه هو صاحب القرار، لو وصل القرار هرفع عليه قضية خُلع.
ضحكت لولا قائلة بمزح:
أيوه وقولى عدم تكافؤ فى السرعات يا سيدي القاضي، هو عنده غباء وراثي وارثه من المتخلفة مامته، وأنا بنت النطع سليم...والعبيطة لميس... ومش ذكية زي ناناه لولا.
ضحكت ميراچ قائلة:
طب ما تديني شوية ذكاء من عندك.
ضحكت لولا بمكر قائلة:
عنيا ليكِ... بس تسمعي كلامي، أنا هنزل معاكِ لـ إسكندرية... الواد قديم ده تربيته على إيدي
❈-❈-❈
بعد مرور يومين...
بمكتب المحامي
كان أديم يجلس ينتظر، بعدما أخبره أن ميراچ عادت الى الأسكندرية وطلبت لقاء مباشر...
ها هو يجلس ينتظرها.. يعلم أنها ستتعمد التأخير... بالفعل... نظر المحامي نحوه يستغرب هدؤه، رغم إشعاله لأكثر من سيجارة، لكن لو بالسابق لما كان إنتظر.. دقيقة واحدة، وما جلس بهذا الصبر...
أخفي بسمته.. حين نظر أديم الى ساعته ونظر للمحامي قائلًا:
متأكد إنها....
قبل أن يستكمل حديثه، صدح هاتف والمحامي الأرضي، قام بالرد قائلًا:
تمام تدخل فورًا.
نظر نحو أديم قائلًا:
مدام ميراچ وصلت.
أومأ ببرود وعاد يجلس... بينما دخلت ميراچ الى الغرفة..
نظر نحوها.. تبسم عيناه تجوب على كل جزء بها... بداية من خصلات شعرها التي جمعتها بقطعة قماش وردية خلف رأسها، وجهها الظاهر بالكامل ملامحها إزدادت رونقًا خاص أكثر نضارة، حتى جسدها إكتسبت بعض الوزن الزائد... لكن فاتنة... بل فاتنة للغاية...
ورغبة تسير بعقله لما لا يتغاضي عن وجود المحامي وينهض يجذبها يضمها بل يعتصرها بين يديه إشتياقًا...
نظرت ميراچ نحوه نظرة خاطفه... جلوسه إعتبرته تعالي وغرور مازال متملك منه... لم تهتم به وعادت بنظرها للمحامي وقبل أن تتحدث، نهض أديم نظر نحو المحامي قائلًا بنبرة أمر:
لو سمحت ممكن تسيبني مع مدام ميراچ لوحدنا.
لم تهتم ميراچ.. هي ليست ضعيفة كي تخشي وجودهما بمفردهما..
بينما
شعر المحامي بالحرج، نظر نحو ميراچ ثم الى أديم وأومأ بموافقة، سار نحو باب الغرفة لكن قبلها إقترب من أديم. وتحدث له بصوت منخفض:
حاولت معاها عالموبايل كتير وهي مصممة عالطلاق، طريقك صعب.
كانت نظرات أديم مسلطة على ميراچ المُتحفزة بوضوح... رسم بسمة ثقة قائلًا بهمس:
عارف.
تبسم المحامي ثم غادر وأغلق الباب خلفه، ساد صمت للحظات قبل أن تقطعه ميراچ بغضب:
أظن الوصية كانت بتقول سنة... والسنة انتهت، وزيادة فوقها كمان أربع شهور. وسبق وكلمت المحامي عن إجراءات الانفصال، وإنت كنت بتماطل لأسباب ملهاش لازمة... ودلوقتي رافض.
قالتها ميراچ بانفعال، وهي تحاول تثبيت نظراتها في عينيه... غير مُبالية بأي مشاعر... رغم الغضب الذي بدأ يتسلل إليها.
لم يُجبها فورًا..
ظل واقفًا أمامها، ساكنًا بصورة أثارت أعصابها أكثر، وعيناه تتفحصان ملامحها كأنه يبحث عن شيء تخفيه خلف غضبها... أو يود النظر اليها أكثر... فى أول لقاء لهما مباشر وجهًا لوجه بعد مُضي عام تقرييًا
اقترب خطوة واحدة.. قائلًا ببرود:
خلصتي كلامك .
رمقته باستنكار... وغضب قائلة:
لاء لسه عندي كلام كتير... لكن المهم عندي هو الطلاق.
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
اتفضلي... قولى كل اللى عندك.
بغضب نظرت له قائلة:
مفيش حاجة اسمها اتفضلي أنا بطلب حقي، وعايزة أخرج من الجوازة دي زي ما دخلتها... من غير مشاكل، ومن غير ما أفضل متعلقة أكتر من كده... فى شئ مُنتهي
تبدلت ملامحه قليلًا عند كلمة "معلقة"... كذالك كلمة" شئ مننهي"
اقترب منها أكثر، ثم قال بهدوء شديد:
وإنتِ متأكدة إنك عايزة الانفصال.
اشتعل الغضب في عينيها... وقالت:
جدًا.
بمراوغة لمعت بسمة سخيفة على وجهه قائلًا باختصار:
متأكدة.
بتسرع وثقة أجابته.
أيوه يا أديم، متأكدة.
ظل ينظر إليها لحظات، ثم مال برأسه قليلًا... وقال: .
غريبة.
سألته:
إيه الغريب.
بمراوغة منه:
إنك طول عمرك بتفكري قبل ما تاخدي قرار... دلوقتي مستعجلة قوي في قرار زي ده.
زفرت بضيق:
لأني تعبت.
خرجت الكلمة منها أضعف مما أرادت، وكأنها كشفت دون قصد عن شيء حاولت إخفاءه...
تعلقت عينا أديم بملامحها... وسأل بخباثة:
تعبتي من إيه.
ابتلعت ريقها، ثم أجابت بجمود:
تعبت من الوضع كله.
تخابث قائلًا:
وأنا جزء من الوضع ده.
تنهدت قائلة:
أيوه وأكبر جزء فيه.
ساد الصمت.
اقترب أديم حتى أصبح بينهما خطوات قليلة فقط، ثم قال بصوت أخفض:
عايزة الطلاق ليه يا ميراچ.
ضحكت بسخرية موجوعة... قائلة:
لسه هتسألني.
أومأ قائلًا:
أيوه... عايز أسمع منك.
تغيرت ملامحها، وكأن سؤاله أعاد أمامها كل الوجع الذي حاولت دفنه... تهكمت قائله:
بعد كل اللي حصل..
عشان أنا اكتشفت إن وجودي في حياتك عمره ما كان مهم... وإظن الجوازة دي من البداية كانت مجرد تنفيذ لوصية... حتي عشان تعيش حياتك مع اللى أختارها قلبك.
توقف للحظة...
نظرت إليه بصدمة، وكأنها لم تتوقع أن يعترف:
منين جالك إن قلبي إختار غيرك.
تهكمت بسخرية
هزت رأسها بألم، وقالت:
عشان كده لازم ننهيها... قبل ما أكره نفسي أكتر بسبب إني صدقت إن ممكن يتغير شيء.
اقترب أديم حتى وقف أمامها مباشرة... وقال بنبرة إصرار:
وأنا مش هطلقك يا ميراچ.
رفعت عينيها إليه بغضب قائلة:
وإنت مين عشان تمنعني.. كان فى إتفاق.
ثبت عينيه في عينيها، وقال بثقة هادئة:
متعرفيش إن الجواز المشروط حرام.
نظرت له بغضب وقالت بحدة:
ومقولتش الكلام ده لنفسك قبل كده ليه عالعموم مدة لوصية انتهت.
تبسم قائلًا بمكر:
فعلًا
الوصية انتهت... بس أنا مكنش فى دماغي جواز مشروط.
اقترب أكثر، وصوته انخفض:
الوصيه إنتهت... إنما جوازنا لأ.
ارتجفت أنفاسها، لكنها تماسكت وقالت:
أنا مش عايزة أفضل مراتك.
ابتسم ابتسامة خافتة، ثم قال:
المشكلة إنك مش واخدة بالك إن أنا كمان مبقتش عايزك تفضلي مراتي عشان الوصية...
توقفت أنفاسها للحظة...
نظرت إليه، تنتظر أن يكمل...
لكنه اكتفى بنظرة طويلة أربكتها أكثر من أي اعتراف...
-يبقى ليه مش عاوز تنهي جوازنا.
سألته بصوت خافت رغمًا عنها.
مال قليلًا نحوها، وقال:
دي بقى... الحكاية اللي لازم تسمعيها للآخر.
تهكمت بسخرية وقالت:
مكنتش أعرف إن لك فى الحكايات.
ظل صامتًا للحظات...
ثم قال بهدوء:
إنتِ فاكرة إن الموضوع بإيدك لوحدك.
عقدت حاجبيها بسؤال:
يعني إيه.
اقترب منها خطوة، وصوته ظل منخفضًا، لكنه فقد كل أثر للود:
يعني لو قررتي ترفعي قضية وتكملي إجراءات الطلاق من غير موافقتي، أنا مش هقف أتفرج.
بإستبياع سألته:
هتعمل إيه.
ابتسم ابتسامة باردة.
هستخدم كل حاجة في إيدي عشان أوقفك.
- ده تهديد بقي.
أومأ مبتسمًا يقول:
اعتبريها نصيحة.
نظرت إليه بتحدٍّ قائلة:
وأنا مش بخاف منك.
اقترب أكثر، حتى أصبحت كلماته تصلها بوضوح شديد...
المفروض تخافي من قرارك، مش مني..
تابع أديم:
لأنك لو بدأتي حرب الطلاق دي، متوقعيش إنها تخلص بالطريقة السهلة اللي في دماغك. هراجع كل اتفاق، وكل ورقة، وكل بند في الوصية، وهخلي المحامي يتصرف قانونيًا في كل نقطة أقدر أستخدمها.
رفعت ذقنها رغم الضيق الذي ظهر في عينيها.
وإنت فاكر إن ده هيخليني أرجع.
ثبت نظره عليها وقال:
لأ.
توقف لحظة...ثم قال:
أنا مش بحاول أخليكي ترجعي... أنا بحذرك من إنك تفتحي باب مش هتعرفي تقفليه بعد كده.
بإصرار منها:
وأنا برضه هطلب الطلاق.
ساد صمت ثقيل...
ثم قال أديم ببرود:
يبقى من اللحظة دي، متلومينيش على أي حاجة تحصل نتيجة قرارك...
كان نفسي يطول بينا اللقاء بس للآسف عندي إجتماع مهم... قدامك فرصة لسه تراجعي قرارك.
لم ينتظر ردها، ذهب نحو باب المكتب وفتحه وغادر، ببرود يبتسم.. بينما هي تشعر بغيظ، لحظات حتى هدأت وقالت:
كده يا أديم... تمام، إتحمل بقي.
❈-❈-❈
بشقة خاصة
كاد يسود الغرفة أصوات وتنهيدات علاقة حميمية... بإستمتاع من الطرفين... حتى هدأت تلك الأصوات وإنتهت بنهوضه من فوقها وإستلقائه على الطرف الآخر للفراش يلهث بإنتشاء وهي كذالك.. دقائق حتى هدأ ذلك الصخب... تبسم من جوارها، جذب علبة السجائر والقداحة أشعل سيجارة... نفث أول دخانها ثم وضعها بفمه مرة أخرى أخذ نفس قبل أن تجذبها من فمه وتضعها بفمها... تنفث دخان يخرج من قلبها... تبسم وهو ينظر لها قائلًا:
أديم لسه غضبان عليكِ يا كوكو...مش عارفة تليني دماغه...كده هشُك فى قدراتك.
نفثت دخان السيجارة ثم قالت بغضب:
المفروض السنه انتهت، مش فاهمه ليه أديم مطلقش بنت خالك يا "فارس"... كمان مستغربه من سكوتها... تفتكر يكون إتقابلوا وإتفقوا ومخبيين...
ضحك قائلًا:
معتقدش إتقابلوا، حاولت أستدرج خالي وكلامه إن حتي أديم ميعرفش مكان ميراچ فين.
نفثت دخان السيجارة وقالت:
تفتكر خالك صادق، أديم له علاقات كتير بسهولة يعرف هي فين.
ضحك فارس وهو يجذب السيجارة منها وأخذ نفسًا ونفثه ثم قال:
وإنتِ ناسيه إن خال ميراچ سفير فى الخارجية مش صعب عليه ينقلها من مكان لمكان ويخفي أثرها...
السؤال دلوقتي:
ليه أديم مطلقش ميراچ.. تفتكري تكون مشاعره صحيت تاني من ناحيتها.
نظرت له بسخط.. تبسم قائلًا:
قولت لك إستخدمي أنوثتك معاه، لكن عملتي فيها شريفة.
نظرت له بغضب قائلة:
مفكر أديم زيك بإزدواجية فى الشخصية، يظهر البرئ وهو سافل.
ضحك قائلًا:
سافل...
دي مش إزدواجية... ده تكتيك يا حلوة.
تهكمت ونظرت له قائلة:
طب ما تستخدم التكتيك ده وتوقع ميراچ فى غلطة و...
ضحك قائلًا:
تفتكري محاولتش معاها بطريقة غير مباشرة، بس تربية ميراچ مع مامتها لوحدهم... عدمت ثقتها في اللى حواليها ودايمًا تاخد حذرها...
توقف ثم نظر الى عُري جسدها ونهشته رغبه وهو ينظر لها بوقاحة فجة قائلًا:
سيبك من ميراچ وأديم خلينا نستمتع شوية، بس فى دماغي سؤال واحد.
قال ذلك ونهض باغتها يعتليها... تبسمت بقبول قائلة:
وإيه هو السؤال ده.
أجابها بوقاحة:
لو أديم طلق ميراچ... وفكر يتجوزك... هترجعي بنت بنوت إزاي.
ضحكت بمرقعة قائلة:
دي أسهل حاجه.
❈-❈-❈
بشقة لميس
سمعت ميراچ صوت دق جرس الشقة خرجت من الغرفة... لكن تصنمت مكانها حين فتحت لميس، ونظرت الى الواقف أمامها وقالت بدهشة:
أديم!.
إبتسم لها... لكن هو نظره كان منصبً لناحية أخرى، نحو جدة ميراچ، لا ليس منصبً عليها، بل على ذلك الصغير التي تحمله بين يديها...
تبسم وهو يدخل بلا إهتمام لنظرات ميراچ... ذهب نحو جدتها مد يده أخذ ذلك الصغير منها وحمله يتأمل ملامحه... تغيرت قليلًا عن ملامحه وقت الولادة، بدأت تظهر ملامحه بوضوح.. ضمه الى صدره، شعور مختلف أن تحتضن جزء صغير منك، إختلف شعوره عن المرة السابقة... الآن هو يحتضن طفله من ميراچ أمامها دون أن يفعل ذلك خلثة.
