رواية كيفك أنت الفصل السابع عشر
مرّ يومان...
وفي نهاية يوم طويل من العمل، خرج يحيى من الجامعة وهو يشعر ببعض الإرهاق. اتجه إلى سيارته، وأخرج هاتفه من جيبه، وظل للحظات ينظر إلى الشاشة.
تردد قليلًا...
ثم ضغط على اسم لوجين واتصل بها.
بعد عدة رنات جاءه صوتها:
لوجين:
ـ ألو؟
يحيى:
ـ إيه فينك؟
لوجين:
ـ مشغولة بالكلية مش أكتر.
سكت يحيى لحظة، ثم عقد حاجبيه.
يحيى:
ـ مال ردك متغير يا لوجين؟
لوجين:
ـ متغير إزاي؟
يحيى:
ـ مش عارف... حاسس إنك مش عايزة تتكلمي.
لوجين:
ـ لا عادي، أنا بس تعبانة شوية.
يحيى:
ـ تعبانة؟
لوجين:
ـ أيوه.
يحيى:
ـ طب كنتِ قوليلي.
ضحكت لوجين ضحكة خفيفة، لكنها لم تحمل نفس الدفء المعتاد.
لوجين:
ـ وإنت من إمتى بقيت بتسأل عني بالشكل ده؟
ابتسم يحيى.
يحيى:
ـ من زمان... بس إنتِ اللي مش واخدة بالك.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ.
ثم قالت لوجين:
لوجين:
ـ يحيى...
يحيى:
ـ نعم؟
لوجين:
ـ إنت كنت بتفكر في إيه يومها؟
تغيرت ملامح يحيى.
عرف فورًا ما الذي تقصده.
يحيى:
ـ يوم إيه؟
لوجين:
ـ يوم ما كنت واقف قدام الشباك وبتتكلم عن الماضي.
لم يجب.
لوجين:
ـ فاكر لما قلت إنك حاسس إن حاجة من الماضي بتحاول ترجع؟
تنهد يحيى.
يحيى:
ـ أيوه فاكر.
لوجين:
ـ كنت تقصد مين؟
ظل يحيى صامتًا.
كان يستطيع أن ينكر...
كان يستطيع أن يغير الموضوع...
لكنه هذه المرة لم يجد إجابة سهلة.
يحيى:
ـ معرفش.
ضحكت لوجين بسخرية خفيفة.
لوجين:
ـ لأ... إنت عارف.
يحيى:
ـ يمكن.
لوجين:
ـ زهرة؟
توقف يحيى عن الحركة.
لم يتوقع أن تنطق لوجين بالاسم بهذه الصراحة.
يحيى:
ـ لوجين...
لوجين:
ـ أنا مش بسألك علشان ألومك.
يحيى:
ـ أمال؟
لوجين:
ـ علشان عايزة أعرف الحقيقة.
صمت يحيى طويلًا.
ثم قال:
يحيى:
ـ ساعات الإنسان بيفتكر حاجات كان فاكر إنه نسيها.
لوجين:
ـ وإنت نسيتها؟
نظر يحيى أمامه، ثم ابتسم ابتسامة حزينة.
يحيى:
ـ كنت فاكر إني نسيتها.
ساد الصمت من جديد.
شعرت لوجين بشيء ينكسر داخلها، لكنها تماسكت.
لوجين:
ـ وإيه اللي حصل؟
يحيى:
ـ معرفش.
لوجين:
ـ الأغنية؟
رفع يحيى عينيه بدهشة.
يحيى:
ـ إنتِ سمعتيها؟
لوجين:
ـ أيوه.
صمت.
لوجين:
ـ وعرفت إنها مش أغنية عادية بالنسبالك.
لم يجد يحيى ما يقوله.
فقالت لوجين بهدوء:
لوجين:
ـ يحيى... لو في حاجة جواك لسه، متحاولش تقنع نفسك إنها ماتت.
يحيى:
ـ وإنتِ ليه بتقوليلي الكلام ده؟
ترددت لوجين.
ثم قالت:
لوجين:
ـ علشان يمكن في يوم هتندم إنك خبيت الحقيقة عن نفسك قبل أي حد.
أغلق يحيى عينيه للحظة.
ثم قال:
يحيى:
ـ لوجين...
لوجين:
ـ نعم؟
يحيى:
ـ إنتِ زعلانة مني؟
صمتت.
ثم أجابت بصوت منخفض:
لوجين:
ـ مش منك يا يحيى...
يحيى:
ـ أمال من مين؟
لوجين:
ـ من نفسي.
ثم أنهت المكالمة بهدوء.
ظل يحيى ممسكًا بالهاتف، ينظر إلى الشاشة بعد انتهاء الاتصال.
كان يشعر لأول مرة أن الأمر لم يعد مجرد ذكرى عابرة.
هناك شيء قديم بدأ يتحرك من جديد...
وفي نفس الوقت، في مصر...
كانت زهرة تجلس بجوار والدتها، بينما لا يزال سؤال صفية يشغل عقلها.
زهرة:
ـ ماما...
صفية:
ـ نعم؟
زهرة:
ـ الشخص اللي سأل عن يحيى... قال اسمه؟
نظرت إليها صفية بتردد.
صفية:
ـ لأ.
زهرة:
ـ طب قال عايز إيه؟
صفية:
ـ قال إنه بيسأل بس إذا كان يحيى لسه بيتواصل معانا ولا لأ.
تسارعت أنفاس زهرة.
زهرة:
ـ وقلتي له إيه؟
صفية:
ـ قلت له معرفش.
ثم اقتربت منها وقالت:
صفية:
ـ زهرة، إنتِ ليه مهتمة أوي كده؟
خفضت زهرة عينيها.
زهرة:
ـ مش مهتمة...
ابتسمت صفية ابتسامة صغيرة.
صفية:
ـ إنتِ بنتي يا زهرة... أنا عارفة إمتى بتكوني مش مهتمة وإمتى بتكوني بتحاولي تداري اهتمامك.
لم تجب زهرة.
فقالت صفية:
صفية:
ـ لو يحيى رجع فعلًا... هتعملي إيه؟
رفعت زهرة عينيها إليها.
ولأول مرة...
لم تستطع أن تجد إجابة.
زهرة:
ـ معرفش يا ماما.
ثم سكتت لحظة وقالت:
زهرة:
ـ بس يمكن... المرة دي مش ههرب من الإجابة.
نظرت إليها صفية بدهشة.
أما زهرة...
فكانت تشعر أن شيئًا ما يقترب منها.
شيء انتظرته سنوات...
وربما لم تكن مستعدة لمواجهته.
وفي لندن...
عاد يحيى إلى شقته.
وضع مفاتيحه على الطاولة، ثم جلس في هدوء.
ظل يفكر في كلام لوجين.
ثم أمسك هاتفه من جديد.
فتح قائمة الأسماء...
وتوقف.
كان يبحث عن اسم لم يعد موجودًا في هاتفه منذ سنوات.
زهرة.
ظل إصبعه متوقفًا فوق الشاشة.
ثم قال لنفسه:
يحيى:
ـ يمكن فعلًا لازم أعرف أخبارك...
لكن قبل أن يقرر ماذا سيفعل...
مرّ يومان...
وبعد انتهاء العمل، خرج يحيى من الجامعة متجهًا إلى سيارته.
كان يومًا طويلًا، لكنه لم يكن مرهقًا بقدر الأفكار التي ظلت تدور في رأسه منذ ذلك المساء.
فتح باب السيارة، وقبل أن يركب، أخرج هاتفه من جيبه.
ظل ينظر إلى الشاشة للحظات...
ثم قرر أن يتصل بلوجين.
ضغط على اسمها.
رن الهاتف عدة مرات، لكن لم تجب.
أعاد الاتصال مرة أخرى.
وبعد لحظات...
جاءه صوتها.
لوجين:
ـ ألو؟
يحيى:
ـ إيه فينك؟
لوجين:
ـ مشغولة بالكلية مش أكتر.
لاحظ يحيى أن صوتها لم يكن كالمعتاد.
يحيى:
ـ مال ردك متغير يا لوجين؟
لوجين:
ـ مفيش حاجة.
يحيى:
ـ لأ، في حاجة... صوتك مش عاجبني.
صمتت لوجين قليلًا.
ثم قالت:
لوجين:
ـ يحيى... ممكن نتقابل؟
استغرب.
يحيى:
ـ نتقابل؟ ليه؟
لوجين:
ـ ضروري.
يحيى:
ـ حصل إيه؟
لوجين:
ـ مش هقدر أقولك في التليفون.
تغيرت ملامح يحيى.
يحيى:
ـ خوفتيني، في حاجة حصلت؟
لوجين:
ـ لا، مفيش حاجة وحشة.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
لوجين:
ـ بس أنا لازم أشوفك.
يحيى:
ـ طيب قوليلي إمتى ومكان إيه؟
لوجين:
ـ النهارده... لو ينفع.
يحيى:
ـ النهارده؟
لوجين:
ـ أيوه.
يحيى:
ـ حاضر.
سكتت لوجين.
كان واضحًا أنها تحاول أن تجمع شجاعتها.
يحيى:
ـ لوجين؟
لوجين:
ـ نعم؟
يحيى:
ـ إنتِ متأكدة إن مفيش حاجة؟
أغمضت لوجين عينيها.
ثم قالت بصوت هادئ:
لوجين:
ـ يمكن في حاجة...
يحيى:
ـ إيه؟
لوجين:
ـ هقولك لما أشوفك.
ثم أنهت المكالمة.
ظل يحيى ينظر إلى الهاتف باستغراب.
لم يفهم ماذا يحدث.
لكن شيئًا في نبرة صوتها أخبره أن هذه المقابلة لن تكون عادية.
في المساء...
جلس يحيى في أحد الأماكن الهادئة التي اعتادا الجلوس فيها.
كان ينظر إلى ساعته بين الحين والآخر.
وبعد دقائق...
ظهرت لوجين.
كانت تسير نحوه بخطوات بطيئة.
ما إن رأته حتى توقفت للحظة.
بدت عليها علامات التردد.
رفع يحيى يده لها.
يحيى:
ـ لوجين.
اقتربت وجلست أمامه.
يحيى:
ـ إنتِ كويسة؟
هزت رأسها.
لوجين:
ـ أيوه.
يحيى:
ـ طيب قوليلي بقى... إيه الموضوع اللي كان ضروري لدرجة إنك طلبتي تقابليني؟
نظرت إليه طويلًا.
ثم قالت:
لوجين:
ـ عايزة أقولك حاجة... ومش عايزاك تقاطعني.
استغرب يحيى.
يحيى:
ـ حاضر.
أخذت نفسًا عميقًا.
لوجين:
ـ أنا حاولت كتير أسكت.
سكتت للحظات.
لوجين:
ـ حاولت أقنع نفسي إن اللي جوايا مجرد تعود... مجرد عشرة... مجرد إننا عشنا سنين في نفس المكان واتعودنا على بعض.
نظر إليها يحيى بصمت.
لوجين:
ـ لكن الحقيقة إن الموضوع أكبر من كده.
خفضت عينيها.
لوجين:
ـ أنا بحبك يا يحيى.
تجمدت ملامح يحيى.
لم يتوقع تلك الجملة.
رفعت لوجين عينيها إليه، وقد قررت أخيرًا أن تقول كل ما أخفته طويلًا.
لوجين:
ـ بحبك من زمان... ويمكن كنت مستنية إنك في يوم تشوفني بالطريقة اللي أنا شايفاك بيها.
ظل يحيى صامتًا.
لوجين:
ـ ولما سمعتك بتتكلم عن الماضي... ولما شفتك واقف قدام الشباك وبتفكر فيها...
توقفت لحظة.
لوجين:
ـ حسيت إني لازم أقول الحقيقة.
يحيى:
ـ لوجين...
رفعت يدها قليلًا.
لوجين:
ـ سيبني أكمل.
سكت يحيى.
لوجين:
ـ أنا مش جاية أطلب منك تنسى حد.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة.
لوجين:
ـ ومش جاية أقولك إن زهرة ما ينفعش تكون في قلبك.
صمتت.
لوجين:
ـ أنا بس كنت محتاجة تعرف إن في حد هنا... كان طول الوقت شايفك أكتر من مجرد صديق.
ظل يحيى ينظر إليها.
كان يشعر بثقل شديد في صدره.
ليس لأنه غاضب...
بل لأنه يعرف أن كلماته القادمة قد تغير شيئًا بينهما إلى الأبد.
يحيى:
ـ لوجين...
لوجين:
ـ عارفة إنك ممكن متكونش بتحس بنفس اللي أنا حاساه.
ثم أخذت نفسًا عميقًا.
لوجين:
ـ بس على الأقل... دلوقتي بقيت صريحة معاك.
خفض يحيى عينيه.
وفي تلك اللحظة...
عاد اسم واحد فقط إلى ذهنه.
زهرة.
نظر أمامه وكأنه يبحث عن إجابة لا يعرف كيف يقولها.
أما لوجين...
فكانت تنتظر رده، وقلبها معلق بكلمة واحدة منه.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
يحيى:
ـ أنا مقدر شعورك... وعارفه وحاسه من زمان، بس أنا قلبي وعقلي لغوا الحب.
اقتربت لوجين منه بخطوة، وقاطعته بهدوء وهي تقول:
لوجين:
ـ بحبك قوي يا يحيى.
نظر إليها يحيى للحظات، ثم تنهد.
يحيى:
ـ لوجين... الحكاية عندي مش حب وبس، أنا...
توقف، وكأن الكلمات خانته.
رفعت لوجين عينيها إليه، وقالت فجأة:
لوجين:
ـ تتجوزني يا يحيى؟
ساد الصمت.
نظر يحيى إليها بدهشة، وكأنه لم يتوقع أن تصل بها الجرأة إلى هذا السؤال.
يحيى:
ـ أتجوزك؟
هزت لوجين رأسها.
لوجين:
ـ أيوه.
يحيى:
ـ إنتِ عارفة إنتِ بتقولي إيه؟
لوجين:
ـ عارفة.
يحيى:
ـ وإنتِ متأكدة إن ده القرار الصح؟
لوجين:
ـ لأول مرة في حياتي أكون متأكدة من حاجة بالشكل ده.
سكت يحيى.
لوجين:
ـ أنا مش بطلب منك تنسى الماضي في يوم وليلة... ولا بطلب منك تمسح حد من ذاكرتك.
ثم قالت بهدوء:
لوجين:
ـ أنا بس بطلب منك تديني فرصة.
ظل يحيى صامتًا.
كان عقله يحاول أن يفكر بعقلانية...
لكن قلبه كان في مكان آخر تمامًا.
يحيى:
ـ لوجين... أنا مش عايز أظلمك معايا.
لوجين:
ـ وأنا مش خايفة.
يحيى:
ـ أنا مش عارف إذا كنت أقدر أديكي الحب اللي تستحقينه.
ابتسمت لوجين بحزن.
لوجين:
ـ يمكن الحب بييجي بعد العِشرة... يمكن مش لازم يبدأ من أول يوم.
نظر إليها يحيى طويلًا.
ثم قال:
يحيى:
ـ اديني وقت أفكر.
تنفست لوجين بارتياح.
لوجين:
ـ هديك كل الوقت اللي تحتاجه.
وقف يحيى، وأخذ هاتفه.
وقبل أن يرحل، نظر إليها وقال:
يحيى:
ـ بس أوعديني بحاجة.
لوجين:
ـ إيه؟
يحيى:
ـ مهما كانت إجابتي... متخليش ده يغير اللي بينا.
نظرت إليه لوجين، وقالت بثقة:
لوجين:
ـ مش هتغير حاجة.
لكنها في داخلها كانت تعرف...
أن كل شيء قد تغير بالفعل.
أما يحيى...
فخرج من المكان، ووجهه يحمل حيرة لم يشعر بها منذ سنوات.
فهل سيوافق على الزواج من لوجين؟
أم أن قلبه سيقوده مرة أخرى إلى زهرة؟
ترك يحيى لندن بعد أيام قليلة من حديثه مع لوجين.
أخبرها أن لديه رحلة عمل إلى باريس، وأن الأمر لن يستغرق وقتًا طويلًا.
لكن الحقيقة...
لم يكن يهرب من لندن.
كان يهرب من نفسه.
كان يحتاج إلى مكان بعيد، إلى شوارع لا يعرفه فيها أحد، وإلى ساعات طويلة يستطيع خلالها أن يجلس مع أفكاره دون أن يضطر إلى إعطاء إجابة لأحد.
وصل إلى باريس في المساء.
كانت المدينة هادئة رغم ازدحامها، والأنوار تنعكس على الشوارع القديمة.
دخل الفندق، وضع حقيبته جانبًا، ثم جلس أمام النافذة.
ظل ينظر إلى باريس، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا.
يحيى:
ـ أعمل إيه يا رب؟
أغمض عينيه.
ظهرت أمامه لوجين.
صوتها وهي تقول:
"بحبك قوي يا يحيى."
ثم عادت جملتها الأخيرة إلى ذهنه:
"تتجوزني يا يحيى؟"
فتح عينيه بسرعة.
ثم ظهرت أمامه صورة أخرى...
زهرة.
ضحكتها.
نظراتها.
والسنوات التي مرت منذ أن تركها.
وضع يده على وجهه بضيق.
يحيى:
ـ أنا ليه لسه بفكر فيها؟
كان السؤال يطارده منذ سنوات.
حاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به مجرد حنين للماضي.
مجرد ذكريات قديمة.
لكن كلما حاول إقناع نفسه بذلك...
كان اسم زهرة يعود أقوى.
وفي المقابل، كانت لوجين موجودة في حياته.
امرأة عرفته سنوات، وقفت إلى جواره، وفهمت تفاصيله، واعترفت له بحبها دون خوف.
لم يكن يريد أن يظلمها.
ولم يكن يريد في الوقت نفسه أن يتخذ قرارًا لمجرد الهروب من وحدته.
فتح حقيبته وأخرج بعض الأوراق الخاصة بالعمل، ثم وضعها أمامه.
حاول أن يركز.
لكن الكلمات أمام عينيه بدت بلا معنى.
نهض واتجه إلى النافذة.
يحيى:
ـ العقل بيقول لوجين...
سكت.
ثم ابتسم بحزن.
يحيى:
ـ والقلب...
لم يكمل.
كان يعرف الإجابة.
لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بها.
في لندن...
كانت لوجين تجلس وحدها في غرفتها.
كانت تنتظر مكالمة من يحيى.
لكن الهاتف ظل صامتًا.
نظرت إلى الشاشة، ثم قالت لنفسها:
لوجين:
ـ سافر علشان يفكر...
ثم ابتسمت بثقة تحاول أن تخفي خلفها خوفها.
لوجين:
ـ هيرجع بإجابته.
لكنها لم تكن تعرف...
أن يحيى لم يسافر إلى باريس بحثًا عن الإجابة.
بل سافر إليها لأنه لا يعرف كيف يواجه السؤال.
وفي باريس...
في منتصف الليل، خرج يحيى من الفندق وسار وحده في أحد الشوارع الهادئة.
كان يحاول أن يترك الماضي خلفه.
لكن الماضي لم يكن مكانًا يستطيع الابتعاد عنه.
كان بداخله.
توقف فجأة.
رفع عينيه إلى السماء، وقال بصوت منخفض:
يحيى:
ـ يا زهرة...
ثم سكت.
وكأنه شعر بالخجل من مجرد نطق اسمها بعد كل هذه السنوات.
يحيى:
ـ إنتِ لسه جوايا ليه؟
لم يجد إجابة.
فأكمل طريقه...
وهو يعلم أن عليه أن يختار.
ليس بين امرأتين فقط...
بل بين حياة يستطيع أن يبدأها بعقله...
وحياة ظل قلبه متعلقًا بها رغم كل محاولاته للنسيان.
