رواية ألوان مستعاره الفصل السادس عشر
ماجد كان قاعد بيبص لآيتن وهي بتبكي بانهيار، وأمها رقية بتواسيها وتقولها بغل: "أخوكي هيجيبلك حقك من الكلب ده ومن الفاجرة التانية!"
ماجد بضيق وحسرة: "خلاص يا رقية.. خلاص خليكي في بنتك دلوقتي، بلاش تزودي النار بكلامك ده. أنا دلوقتي هروح أوديلهم الشبكة ونقفل الموضوع ده نهائي."
آيتن بانهيار وصريخ: "هو ده رد فعلك؟! دي السبب في كل اللي أنا فيه حالياً! هي أكيد اللي كلمته وخلته يحن لقصة حبهم زمان.. أنا بكرها البنت دي!"
ماجد بعقلانية: "وهي مالها يا بنتي؟ هي اللي جات وقالتلك الكلام ده ولا هو؟ اعقلي الكلام قبل ما تقوليه!"
آيتن بعصبية وجنون: "أنا بكرها! وأنا لسه عايزة كاسر يا بابا.. هو بيحبني أكيد بيحبني! أنت مشوفتهوش كان بيعاملني إزاي؟ أكيد هي اللي لعبت عليه وضحكت عليه!"
ماجد بكل ثبات: "ليه، هو عيل؟ ده راجل وبيدير شركات.. حتة بنت تحركه؟ مستحيل! صدقي الواقع يا آيتن، هو فركش الخطوبة عشان مبيحبكيش، وده في حد ذاته كويس إنه حصل دلوقتي."
آيتن اتعصبت أكتر وزقت التربيزة برجلها بقوة لاتقلبت على الأرض، وقامت تصرخ وتجري على أوضتها وهي بتقفل الباب وراها برزع هز البيت.
رقية كانت هتتشل من جوزها، وبصتله بنظرة كلها غيظ وكره: "أنت مالك منحاز ليه أوي للبنت دي؟!"
ماجد: "عشان هي ملهاش ذنب! هو اللي فركش الخطوبة، إيه دخلها هي في الموضوع؟"
رقية: "عشان بيحبها هي وهي السبب! وآديك شايف ابنك اشتكى إزاي وقال إنها مش بترضى تخليه يلمسها!"
ماجد بحدة: "مشاكلها مع ابنك متدخلهاش في دي.. دي بعيدة خالص خالص عن دي! أولاً أنتِ عارفة ابنك سادي وكان أي علاقة يدخل فيها بيعمل إيه.. وياما كشفناله بس مفيش استجابة للعلاج! فهو نفسه أكيد همجي معاها، وأنتوا الستات أهم حاجة عندكم معاملة الحنية والرومانسية.. دي حاجة. تاني حاجة، البنت من أول ما دخلت بيتنا وهي عمرها ما عملت حاجة غلط ولا غلطت في حد فينا بكلمة حتى.. حتى لو كان بينهم حاجة زمان، أنتوا مالكم ومال الماضي؟ أنتِ ليكي من بعد جواز ابنك.. هل هي خانته؟ لا، يبقى خلاص!"
وجمّع كلامه بثقة وقوة: "ومشكلة آيتن وكاسر.. الحمد لله إننا لسه على البر، مال العقل؟ ليه كل حاجة نحلها بالطريقة الهمجية دي؟ وأنه يقولها في وشها 'مش عايزك عشان بحب واحدة تانية' ده موقف شجاع من راجل، مش أحسن ما كان اتجوزها ويدخلوا في مشاكل وطلقوا برضه؟"
رقية اتصدمت من كلام جوزها وقالت بذهول: "أنت بتقول إيه؟! يعني أنت موافق إنه محبش بنتك ولسه بيحب مرات ابنك؟!"
ماجد بهدوء: "الحب كده يا رقية.. القلوب دي مش بأيدينا."
رقية افتكرت ماضيه زمان، وأنه كان على علاقة بـ واحدة بعد جوازه منها وماتت بسبب قهرتها منه، فنطقت بمرارة وسواد: "آه.. قول كده! الحب فعلاً.. الحب فعلاً اللي خلاك تتكلم بالدبلوماسية دي وأنت بتفكر في ست 'نجاة' اللي كنت بتخونّي معاها!"
ماجد بنفاذ صبر وزهق: "يوه بقى! سيبي الست في تربتها في حالها!"
رقية بقسوة: "ما فرقتش كتير عن حبيبة.. فاجرة تانية زيها!"
ماجد حاول يتمالك أعصابه وما يردش عليها أكتر من كده عشان الموضوع ما يكبرش، سابها ومشي من قدامها، دخل أوضة المكتب بكل هدوء، وطلع علبة شبكة بنته من الخزنة.. خرج من الفيلا وانطلق بعربيته متثاقل الخطوات، وهو حاسس إن العيلة دي كلها رايحة للظلام بسباب طمعهم وهمجيتهم.
المشهد طالع مكتوب بنضج كبير جداً، وشخصية "ماجد" عاملة اتزان ممتاز وواعية لحقيقة ابنها يوسف ورغبات بنته.
((بعيدا عن كتابه الروايه بس اقتباسات الروايه معظمها من ارض الواقع
في الحقيقة، وفي الواقع بعيداً عن مثاليات الدراما، المواقف المعقدة اللي زي دي لما بتوصل للنقطة دي من الغل والتشابك، بتتحرك في ثلاثة مسارات واقعية جداً:
انكسار الحلقة الأضعف (حبيبة):اللي هي الزوجه
الواقع السيكولوجي: الست اللي بتعيش تحت ضغط ذنب المبادئ، والتهديد برفع قضايا أو فضايح، ومراعاة سمعة أهلها، في الأغلب بتستسلم مؤقتاً للواقع (زي ما عملت حبيبه ورجعت مع يوسف). ودا في أمثالها كتير علي أرض الواقع
وبتكون النتيجة: العودة دي ما بتكونش بداية إصلاح، بل بتكون بداية موت بطيء للتردد والرعب. يوسف بقسوته وساديته اللي كشفها أبوه، ... او شخصيته عموما اللي عمرها ما هتنسي كرامته كراجل في عمره ما هيسامح، بل هيحول الجواز لرحلة انتقام وإذلال عشان يرجع كرامته المجروحة قدام نفسه... وحتي لو فيه اصلاح هيكون بعد سنين بس دي النسبه بتكون ضئيله جدا
و تدخل العائلات وصوت العقل (ماجد ومحمد):
الواقع العائلي: وجود أب عقلاني زي ماجد (أبو يوسف) وأب زي محمد (أبو كاسر) هو اللي بيمنع شلال الدم في المجتمعات الشرقية.
النتيجة: الأباء في الحقيقة بيقعدوا قاعدة كبار (جلسة عرفية أو عائلية) بعيداً عن طيش الشباب. ماجد عارف عيب ابنه النفسي... او اي اي عارف ابنه كويس ، ومحمد عارف اندفاع كاسر. الحل الواقعي الوحيد اللي الكبار هيوصلوله هو "الطلاق الهادئ لحبيبة وتصفية الحسابات المالية، عشان يقطعوا دابر الفتنة ويحموا أولادهم من السجن أو الجريمة...
و مصير كاسر ويوسف: وامثالهم
يوسف: الراجل اللي بيستمد قيمته من النفوذ أو امتلاك الست، لما يحس إنها بتبصلة بنظرة شفق أو كره، بيتحول لكتلة من الغضب المتفجر. في الواقع، يوسف مش هيقدر يكمل مع ست عارف إن روحها مش معاه، والازدواجية دي هتوصله لإما إنه يطلقها برغبته بعد ما ينفث غضبه، أو يدخل في قضايا خلع وطحن قانوني.... وبرضو مش بسهوله ... بعد ما يحس أنه زلها علي الاخر
كاسر المواجهة مع حبيبة وهي بتقوله كفاية إحنا مش في فيلم هي أكبر صفعة تفوقه.... وهي معاها حق في كل حاجه
حتي قرارها واقعي لما خيرت بين الحب وراحه البال اختارت راحت البال
هي عايزه تنهي المهزله دي بروحها ل جوزها من غير فضايح
ودا من الخوف من المجتمع
الست في مجتمعاتنا لما بتوصل لمرحلة "الإنهاك النفسي" التام، التضحية بالحب ما بتكونش شجاعة بقدر ما بتكون "طوق نجاة" وأقل الأضرار، هي بتشتري هدوء السر حتى لو على حساب قلبها.)))
وصلو فلتيهم ...باب الشقة اتقفل وراهم. الصوت جه مكتوم وثقيل، كأنه قفل على اتنين محبوسين في زنزانة مش بيت.
الصالة واسعة، بس الضلمة والبرود اللي فيها كانوا أكبر بكتير من مساحتها. حبيبة وقفت مكانها جنب الباب، ماسكة شنطتها بإيد بتترعش، عيونها تايهة على الأرض ومش قادرة ترفع راسها وتبص قدامها. رجعت.. رجعت عشان تقفل الباب على فضيحة ممكن تفرم أهلها، وعشان تشتري دماغها من صراخ مجتمع لا بيترحمش ولا بيستر.
يوسف قلع جاكت بدَلته ورماه بلامبالاة على الكنبة، وفك زرار قميصه الأولاني بإيد بطيئة . وقف مكانه ثواني بيبص لها.. نظرة مفيهاش أي تعبير بشري؛ لا غضب صاخب، ولا حتى فرحة بالانتصار العُرفي إنه كسب الجولة ورجعها بيته. كان برود أشبه بسكون ما قبل العاصفة.
قرب منها بخطوات هادية وثابتة، لحد ما وقف قدامها مباشرة. ريحة البرفان بتاعه المختلطة بدخان السجائر ملات المكان.
— يوسف (بنبرة هادية جداً، بس كل كلمة فيها كانت بتنقط سم): نورتي بيتك.. يا عروسة.
حبيبة بلعت ريقها بصعوبة بالغة، وحست إن أكسجين الأوضة خلص. رفعت عيونها المكسورة وبصتله بصوت خاوت وخالي من أي حياة:
— حبيبة: عايز إيه يا يوسف؟ رجعت زي ما طلبت.. خلصنا بقى.
يوسف ضحك ضحكة قصيرة من خياشيمه، ومال براسه لقدام، وعينيه بتلمع بقرارات سودة:
— يوسف: خلصنا؟ دي لسه اللعبة بدأت.. إنتي فاكرة إنك لما رجعتي الشقة دي، رجعتي حرم لسي السيد؟ لا يا حبيبة.. إنتي رجعتي هنا عشان تعيشي في الكابوس اللي إنتي بنفسك اخترتيه.
مد إيده ببطء، ولمس باصابعه دقنها ورفع وشها لفوق بقسوة بالغة بس من غير ما يصرخ، وقرب وشّه منها لحد ما أنفاسه بقت على خدها:
— يوسف: كنتي فاكرة إنك لما تقفي مكسورة قدامهم، ولا تبصي النظرة دي.. هتهوني عليا؟ ولا كرامتي اللي اتمرغت في التراب دي هتعدي بالساهل؟ أنا هخليكي تتمني دقيقة راحة وتدوري عليها مش هتلاقيها..
حبيبة حست بدمها بينجمد في عروقها. في الواقع.. في اللحظة دي، مكنش فارق معاه لا حب ولا نيله، كان فارق معاه "الملكية". إيده اتحركت من دقنها ونزلت على كتفها بضغط تملكي فجظ، وبدأ يسحبها وراه بقسوة وهو ماشي في اتجاه الأوضة، كأنه بيجر قدامه غنيمة كسر عينها وبیثبت لنفسه قبلها إنه الآمر الناهي.
حبيبة مقاومتـش.. مقاومة مين وهي جثتها هامدة وقلبها اتسحب منها في الجنينة برة؟ استسلمت للمصير المُر اللي اختارته، وهي عارفة إن الباب ده اتقفل على سنين طويلة من الموت البطيء، والذل اللي على أصوله، من راجل مجروح الكرامة ومش هيرحم ضعفها أبداً.
مشي بها وراها خطوة بخطوة، وهي ماشية زى المسحورة،رِجليها مش شايلها، لحد ما دخلوا الأوضة. زق الباب برجله فرزّع، ورماها بقلة ذوق على السرير.
وقفت حبيبة مكانها على حرف السرير، حضنة نفسها بإيديها كأنها بتحاول تحمي باقي كسرها من طوفان الجبروت اللي واقف قدامها. يوسف وقف قصادها، قلع ساعته ورماها على التسريحة بصوت رنان خبط في جدران الأوضة الساكتة، وبعدين لف وشّه وبص لها بنظرة فاحصة، نظرة حيوان منتقم بيستكشف فريسته بعد ما وقعت في مصيدته خلاص ومش هتعرف تهرب.
قرب منها وقعد على حرف السرير قصادها، مد إيده ومسك طرف طرحتها اللي مداريه بيه كدمات ضربه ليها وبحركة بطيئة ومستفزة ورماها على الارض، وشعرها نزل على كتفها.
— يوسف (بصوت واطي وناعم بشكل مرعب، نبرة تخلّي الدم يقف في العروق): عارفة؟ أنا كنت غبي وأنا بفكر إني ممكن أسايسك أو أعاملك بالحسنى. كنتي مفكرة إني عشان بحترم أهلك، هسيبك تعملي اللي إنتي عايزاه؟
حبيبة رفعت عيونها الباهتة فيه، وقالت بصوت مكسور شبه الهامس، من غير أي خوف أو مقاومة خلاص، كأنها بتستسلم للموت الحتمي:
— حبيبة: إذنبه إيه اللف والدوران ده كله يا يوسف؟ اضربني.. أذيني.. اعمل اللي أنت عايزه.. ارتاح.. بس خلصني من القرف ده!
يوسف ضحك ضحكة قاسية، ضحكة خالية من أي روح:
— يوسف: أضربك؟ لا.. الضرب ده بيبقى للناس اللي لسه فيها الروح، إنتي أصلًا ميتة.. بس أنا مش هقتلك مرة واحدة. أنا هخليكي كل يوم تصحي تتمني اللحظة اللي دخلتي فيها من باب الشقة دي. الجوازة دي مش هتكون حياة.. دي هتكون العقاب اللي هتعيشيه بقية عمرك.
قرب منها أكتر وحاصرها بيديه الاتنين على السرير، ومال عليها بقسوة، بيفرض سيطرته بكل وزنه وبكل ملامحه اللي بينبع منها الغل والرفض الداخلي المتبادل. الواقع هنا مكنش فيه أي دراما رومانسية رخيصة ولا محاولات تصالح كدابة؛ كان واقع جاف، مرعب، ومجرد من أي مشاعر غير رغبة راجل في تأديب وانتقام لرجولته اللي اتجرحت قدام الكل.
حبيبة غمضت عيونها ونزلت دمعة صامتة على خدها، وسابت جسمها يتأقلم مع اللحظة المرة دي، وهي عارفة كويس إنها التمن الغالي اللي دفعته عشان تشتري هدوء أهليها.. بس بالبطيء، وفي العتمة اللي مفيش فيها أي بوابات للخروج.
بيت كاسر.. كسر النفس والاعتذار الواجب
جرس فيلا كاسر رن هادي. طارق فتح الباب، وتفاجأ بوجود "ماجد" واقف قدامه بوقاره المعروف، وملامحه شاربة الهم والحزن.
رغم إن طارق وأهله هما اللي موقفهم صعب، إلا إن طارق استقبله باحترام وخجل، لأنه عارف إن ماجد راجل منصف ومالوش ذنب في طيش ولادهم.
— طارق (باحترام وبصوت هادي): أهلاً يا حج ماجد.. اتفضل، نورتنا.
ماجد دخل بخطوات متثاقلة، وفريال وميرفت وقفوا في الصالون بكسفة واضحة وعيونهم في الأرض. ماجد قعد باحترام، وطلع من جيبه علبة الشبكة وحطها بهدوء على الترابيزة قدام طارق، من غير ما ينطق بكلمة لوم واحدة.
طارق بص لعلبة الشبكة، وبعدين رفع عيوشه لماجد وقال بصوت مكسور:
— طارق: حقك عليا يا حج ماجد.. وحق يوسف على راسنا. اللي حصل ده كان فوق طاقتنا، ومكنش ينفع أبداً يوصل للشكل ده. إحنا مكسوفين نقف قدامك بعد قلة الوعي اللي حصلت دي.
فريال بصت لماجد وقالت بصوت مكسور وبنبرة اعتذار:
— فريال: سامحنا يا حج ماجد.. الولاد طاشوا ومحدش فينا كان يتمنى إن الأمور تخلص بالشكل ده. وكاسر.. أهو زي ما حضرتك شايف، من وقت اللي حصل وهو اختفى، تليفونه مقفول وكأنه الأرض انشقت وبلعته، ومش عارفين نوصله خالص.
ماجد بص ليهم بنظرة كلها تفهم واحتواء، وقال بهدوء وصوت حكيم:
— ماجد: إنتوا مش محتجين تعتذروا يا جماعة.. البيوت أسرار، واللي حصل قدر ومكتوب. وأنا لا يمكن ألومكم على حاجة مالكوش يد فيها. أنا جاي بنفسي عشان أرجع أمانة سيادتكم، وعشان نقفل الصفحة دي بما يرضي الله، وكل واحد فينا يشوف عياله.
ميرفت مسحت دمعة نزلت على خدها، وقالت باحترام:
— ميرفت: كبرتك دي على راسنا يا حج.. ربنا يسترها على أولادنا، ويكفينا شر النتائج.
ماجد وقف واستأذن بلطف، وسابهم في حيرتهم وقلقهم على كاسر اللي اختفى، بينما الجرح جوه البيت لسه بينزف
....................................................
احلام ومجدي وهما قاعدين في بيتهم ميتين من الرعب عليها).
البيت كان ظالم وهادي بطريقة تقبض الصدر. الشاي في الكوبايات برد ومحدش سد بقه بحاجة من ساعة ما حبيبة رجعت مع يوسف ودخلت كابوسها.
أم حبيبة كانت قاعدة على الحرف، ضامة كفوفها لبعض وبتفركهم بجنون، عيونها مكسورة وباصة في الفراغ، وكل دقة في الساعة كانت بتدق في راسها كأنها شاكوش بيخبط في قلبها.
— أم حبيبة (بصوت مرتعش ودموعها نازلة بغزارة، كأنها بتكلم نفسها): بنتي.. بنتي يا مجدي .. رميتها برجليها في نار مش هترحمها. أنا قلبي موجوع.. حاسة إنها هناك بتموت بالبطيء. يوسف ده مش طبيعي، عيونه كانت بتاكلها! ليه سيبناها ترجع؟ ليه مخدناهاش وسافرنا بيها.. ليه بعناها بالسهولة دي؟!
مجدي كان واقف قدام الشباك المفتوح مخنوق وكأنه متكتف النار آكلة في قلبه. لف وشّه ببطء، وبص لمراته وكسرة الدنيا زايدة على ملامحه، بس حاول يتماسك ويخبي رعشة صوته عشان يهديها:
— مجدي (وهو بيقرب منها ويقعد جنبها على الكنبة، وبيمد إيده يطبطب على كتفها بحنان مقهور): اهدي . استغفري ربنا. بالله عليكي ما تقوليش كده، قطعتي قلبي زيادة عن ما هو مقطوع.
— احلام (وهي بتعيط بصوت عالي وبتمسك في هدومه): أهدا إزاي؟! دي بنتي الوحيدة! دي دخلت بيت راجل مجروح في كرامته ومنتقم. هينتقم منها هي! هيموتها ضرب وإهانة ومحدش هيسمع صوتها! يا ريتني كنت مت قبل ما أشوفها راجعة للظلم ده بكيناها!
مجدي بندم بلع ريقه بصعوبة، وحس بغصة حرقة في زوره من كتر القهر والعجز، : انا السبب في كل دا سامحوني .... انا لو مكنتش شغلتها في المخروب دا زمان مكنش حصل كل دا
لو. مكنتش انسان عاطل وفاشل وبشرب مكنش حصل كل دا سامحيني ي احلام
احلام بصتله بنظره كلها لوم ودي كانت اول مره يحس منها انها فعلا بتلومه ..
.............................................
عتمة الشقة.. والموت البطـيء
الليل كان عدى، وساعات الصمت الطويلة كانت أثقل من الجبال على جدران الشقة.
يوسف قام من على السرير ببطء، شد غطاء السجادة ورمى نفسه على الكنبة وبره، بيشرب سيجارة ودخانه بيطلع بكثافة وسط ضلمة الصالة. مكنش على وشه أي أثر لأي مشاعر بشرية؛ لا ندم، ولا حتى راحة من الانتقام. كان بيبص للركن المظلم ببرود تام، كأنه خلص مهـ.ـمة أو أدى واجب تقيل من على كتافه ورمى زبالته.
جوة الأوضة.. حبيبة كانت مرمية على حرف السرير، جثتها هـامدة كأن الروح فارقتها من ساعات. ما كانتش بتبكي.. الدموع خلصت، وكل اللي فضل حرقان بيقطع في جسمها ومن جوه قلبها.، وشعرها المبعثر، وإهانة كرامتها اللي اتداس عليها بالجزمة.
يوسف دخل عليها تاني بخطوات باردة، وقف قدام السرير وبص لها بنظرة ملهاش أي معنى غير الاحتقار التام، كأنه بيبص لوحدة جابها بفلوسه تعمل اللي هو عايزه وتمشي.
— يوسف (بنبرة ناشفة وخالية من أي صوت بشري، كأنه بيكلم واحدة في الشارع): فوقي.. مش عايز منظر الجثث ده قدامي في البيت. قومي اغسلي وشك وشوفي وراكي إيه، اعتبري نفسك هنا خدامة.. مش أكتر. دخلتي بيتي برضاكي، يبقى تستحملي اللي يجرالك.
حبيبة ولا كأنها سامعتة. عيونها كانت مسبّتة في السقف، وفمها مطبق على بعضه بمرارة. مبقتش حاسة بفرق بينها وبين أي واحدة رخيصة؛ لأن الراجل اللي مفروض يكون سندها وعزوتها، اتعامل معاها أسوأ معاملة ممكن تتخيلها ست، وكسر كل ذرة كرامة جواها.
حاولت ترفع جسمها اللي كان بيترعش من كتر الألم والوجع، وسحبت ملاية السرير تداري بيها جسمها المكسور. قامت بخطوات تانية مش ثابتة، زي المسحورة، وراحت على الحمام.
أول ما قفلت باب الحمام عليها، فتحت الميه على آخرها عشان تخبي صوت صريخها المكتوم.. نزلت على الأرض منهارة، بتفرك جلدها بقوة وعنف كأنها بتغسل عار وعفن لازق فيها، وبتدعي بقلب بينزف إن الأرض تنشق وتبلعها، وترتاح من كابوس ملوش آخر.
