رواية ألوان مستعاره الفصل السابع عشر
الوان مستعارة
الحلقه ١٧
الأيام عدت كأنها سنين عجاف.. الوقت فقد معناه جوه شقة يوسف. برة الجدران دي، الدنيا كانت مقلوبة؛ كاسر لسه أثره مفقود وتليفونه مغلق، أبوه وأخوه ميتين من القلق عليه، وأخته رجعت من كليتها وكلهم عرفوا فضيحة اللي حصل والكتلة السوداء اللي الكل عايش فيها. أما في بيت أهل حبيبة، الرعب كان بياكل قلب أمها، ومجدي(جوز أمها) الندم كان بينهش في روحه حرفياً وهو حاسس إنه شارك في بيع حبيبه
وفي الجهة التانية، آيتن كانت قاعدة في بيتها نار الانتقام والغل بيكلوها من الناحية دي، وكل شوية ترن على كاسر وبرضه تليفونه مغلق كأن الأرض انشقت وبلعته.
أما جوة الشقة.. يوسف نفذ وعيده بحذافيره؛ قطع عنها أي مصدر خارجي تماماً، سحب تليفونها، منع عنها حتى نور الشمس إنها تلمحه من برا وبقت عايشة في سجن مظلم، عزلها عن العالم وكأنها مش موجودة في الدنيا.
في يوم، وكان لسه العصر في أوله، يوسف رجع من شغله بدري عن ميعاده. باب الشقة اتفتح، وحبيبة كانت واقفة في الحمام بتغسل هدوم بإيدها وهي لابسة عباية قديمة ومبهدلة، وشعرها مهشوم ومكسورة الجناح.
أول ما شافته، قلبها قبض ورجعت لورا بخطوات مرتعشة، وقفت في مكانها وهي بتبلع ريقها بصعوبة:
— حبيبة (بصوت واطي ومرتجف): حمداً لله على السلامة.. تحب أحطلك أكل؟
يوسف وقف مكانه، علق جاكته ببطء ولف وشّه ببطش. عنيه مسحتها بنظرة مفترسة.. نظرة رغبة مدمرة لجسمها اللي هو بيعشقه رغم حقده عليها. حبيبة انكمشت على نفسها وحست بالرعب بيكسح عظمها، وكشت في نفسها من نظراته اللي كانت كفيلة تعري روحها، وفهمت كويس هو بيبصلها كده ليه وعاوز منها إيه في اللحظة دي.
حبيبة نزلت عيونها في الأرض وقالت بصوت مكسور:
— حبيبة: ط.. طيب.. دقيقة واحدة.. أخد دش وأطلعلك..
قبل ما تكمل كلمتها، كان يوسف قدامها في ثانية. ملامحه كانت محمرة، واصح كأنه شارب أو تحت تأثير حاجة مسكرة أفقدته السيطرة تماماً.
مد إيده بخشونة ومسكها من وسطها بقسوة شديدة، وقربها لصدره بعنف وهو بيلهاث:
— يوسف (صوته كان خشن ومليان شره): دش إيه؟ وبلاوي إيه؟ .. لا انا مش هستنى تخرجي من الزفت ده!
قبل ما تلحق ترفض أو تدافع عن نفسها، شالها بين إيديه كأنها ريشة، ودخل بيها على الأوضة ورماها بقسوة على السرير. رمى نفسه عليها بوزنه كله، وبحركة همجية قطعت العباية البالية اللي كانت لابساها، وحبيبة استسلمت تماماً.. جثتها كانت هامدة، مفيهاش أي مقاومة، كأنها روح بتتعذب في جثّة ميتة، وعيونها مسبتة في السقف بدموع جامدة.
بعد دقائق، ومع حالة الهياج والجنون اللي كانت مسيطرة عليه، يوسف قام فجأة من فوق السرير وهو بيلهاث بعنف. حبيبة قامت مفزوعة، مرعوبة، وبتلم على نفسها اللي باقي من ملاية السرير بتهتج.
شافت يوسف وهو رايح ناحية الدولاب، فتحه وطلع منه "كرباج" جلد أسود تقيل..
عيون حبيبة اتوسعت بزهول ورعب هلع، ولسه هترجع بضهرها لورا وتصرخ، بس صرختاها وقفت في زورها أول ما سمعت صوت ضربة الكرباج بتقطع هواء الأوضة:
— يوسف (وهو بيبتسم ابتسامة سادية ومرعبة، وعنيه فيها شرارة الجنون): تعالي لي بقى.. ما إنتي لازم تتعلمي أصول الطاعة صح، عشان تبطلي تبصي برة تاني!
حبيبة قامت مفزوعة من فوق السرير، جسمها كله بيتترعش، ودموعها نازلة بغزارة وهي باصة للكرباج في إيده كأنه كابوس مرعب بيتحقق قدام عينها. حاولت تتلم على نفسها بقطعة الملاية الممزقة، ونطقت بصوت مخنوق ومرتجف، عيونها مليانة رعب مش مصدقة اللي بيحصل:
— حبيبة (بصوت مرتعش ودموعها سبتة في عيونها): يوسف.. أنت.. أنت هتعمل إيه؟!
يوسف وقف في نص الأوضة، واخد نفس طويل وشهيق وزفير بصوت عالي، وابتسم ابتسامة صفراء وباردة، ابتسامة شيطانية كفيلة توقف قلب أي حد:
— يوسف (بنبرة تشفي وسادية مقرفة): أنا.. كدا هتبسط !
هوا الكرباج شق الصمت بصوت مرعب قبل ما ينزل بقسوة وجبروت على جسمها المكسور. حبيبة صرخت صرخة مكتومة قطعت قلب الأوضة، وسقطت على الأرض.. ومن هنا، بدأت ساعات طويلة من العذاب اللي ما بيخلصش، في زنزانة ملهاش باب ولا فيها أي أمل للنجاة.
الوقت فات، وجبروته وساديته أكلوا كل حاجة.
صوت ضربات الكرباج والصراخ المكتوم فضلوا يترددوا جوه الحيطان، لحد ما الصمت المفاجئ جه أثقل وأرعب من الضرب نفسه. الشراشف البيضا على السرير تحولت للون الأحمر القاني، والدم بقى في كل حتة بغزارة مرعبة مش راضية تقف وكأنها بتفتح باب لنهاية ماكنش عامل حسابها.
يوسف فجأة وقف.. الدم اللى ملا السرير وايديه نزل عليه زي الصاعقة. سكارته وساديته طاروا في ثانية، وحل محلهم رعب أعمى.
قرب من السرير، ووطى بجسمه جنب دماغها المرمية بلا حراك، وابتدي يهزها بجنون وصوت مهزوز مش مصدق نفسه:
— يوسف (برعشة واضحة في صواته وبصوت مكسور): حبيبة.. حبيبة فوقي! فيه إيه؟ فتحي عينيك يا حبيبة.. قومي!
لكن جسمها كان كتلّة هامدة، جثة تانية خالص مش حاسة بأي حاجة، ولا فيه أي استجابة؛ الروح كانت شبه فارقت الجسد من كتر النزيف والألم.
الرعب اتجنن جواه، لبس هدومه بسرعة الصاروخ جرى عليها، حاول يلبسها هدومها بسرعة عشان يداري المصيبة، بس بلا جدوه، الدم كان بيغرق الهدوم وبينزل بغزارة من تحت إيديه كمان وهي بتتحرك معاه زي الدمية المقطوعة.
شالها بين إيديه والدم نازل على هدومه هو كمان، ونزل بيها طيران جرى على السلم، رماها في العربية وداوس بنزين بأقصى سرعة طايرة بيه على المستشفي
..........................................
: عتبة بيت ماجد.. صرخة الأم المقهورة
أحلام كانت جابت آخرها، صبرها خلص وقلبها كان بيحترق وهي مش عارفة بنتها بيتعمل فيها إيه جوه السجن ده. ملقاتش قدامها غير إنها تروح بنفسها لبيت أهل يوسف، وتواجههم كلهم.
راحت لحد الفيلا، ووقفت على الباب بتردد ثواني قبل ما ترن الجرس. الحرس فتحولها، ودخلتها خدامة جوه بعد ما ضيافتها في الصالون لحد ما أهل البيت ينزلوا.
أحلام كانت قاعدة على أعصابها، لحد ما نزلت رقية (أم يوسف) ومعاها آيتتن، وشكلهم كان بيكفي لوحده عشان يوضح إنهم مش طايقين حتى بصتها.
— رقية (باستعلاء وبرود): عايزه إيه يا أحلام؟ خير؟
أحلام قامت وقفت بسرعة، واتكلمت بنبرة ترجي ودموعها سبتة في عيونها:
— أحلام: بنتي يا رقية هانم.. بنتي.. من يوم اللي حصل وأنا مشوفتهاش ولا سمعت صوتها. ابنك ياختي.. ابنك حابسها ومش بيخليني حتي أكلمها.. أنا خايفه ليكون عملها حاجة!
آيتتن ضحكت بقرف، ورمت كلام زي السم:
— آيتتن: مش مهم.. أهوه يكون أحسن، على الأقل يغسل عاره بإيده!
أحلام عيطت بغصب عنها، بس الغضب والقهر قوّوها، فوقفت بقوة الأم اللي بتحارب عشان ضناها:
— أحلام: بنتي أشرف من الشرف يا آيتتن يا بنتي.. وملهاش ذنب في اللي حصل في خطوبتك.. هو اللي دخل حياتها ودمرها!
آيتتن اتعصبت وجابت اخرها وصرخت في وشها بغضب:
— آيتتن: متتكلميش عنه بالطريقة دي! وبعدين إنتي جاية هنا ليه يا ولية إنتي؟ غوري دوري على نجدة غير هنا!
في اللحظة دي، ظهر ماجد من وراهم، وقطع الكلام بصوت جهوري مرعب:
— ماجد: آيتتن!
قرب منهم بخطوات ثابتة وملامحه متجهمة:
— ماجد: اطلعي فوق إنتي وملكيش دعوه بالكلام ده.. وتاني مرة أتعلمي تتكلمي مع الناس بأدب!
رقية بصت لجوزها باستهزاء وغل:
— رقية: ودول بتسميهم ناس دول؟! كان نسب يعرّ.. أنا طول عمري بقول ليوسف بلاش بلاش.. أهو جابلنا وجاب لنفسه البلاوي!
ماجد زعق بصوت عالي قطع لسانهم:
— ماجد: بس يا رقية.. خلاص! خير يا ست أحلام، اتفضلي؟
أحلام نزلت دموعها وهي سامعة الكلام اللي بيقل منها ومن بنتها، وراحت ناحيته بصوت منكسر:
— أحلام: أنا جاية واقعة في عرضك يا بيه.. وأنا عارفتك طول عمرك راجل حقاني.
ماجد شفق لحالتها، وشاورلها بتهدئة:
— ماجد: اتفضلي طيب اقعدي.. في إيه؟ إيه اللي محتاجاه؟
آيتتن بغرور وتقليل:
— آيتتن: لو عايزه فلوس.. أطلع أرميهوملك عادي، بلاش شغل الدحلبة ده!
ماجد بصلها نظرة حادة وقاسية كانت كفيله تخرس آيتتن وتخليها تقفل بوقها خالص.
كملت أحلام وهي بتمسح دموعها بوجع:
— أحلام: لا يا ست آيتتن.. أنا عايزه بنتي يا بيه. أنا من يوم اللي حصل وأنا مشوفتهاش.. ابنك مش بيخليني أسمع صوتها حتى.. وأنا قلقانة خالص عليها.
ماجد حاول يهديها بصوت رزين:
— ماجد: اهدي يا أم حبيبة.. البيوت أسرار، يمكن بالطريقة دي بيصفوا لبعض.
أحلام انهارت أكتر، وعيطت بحرقة:
— أحلام: أنا قلبي مش مطمن.. أنت مشوفتش ابنك كان عامل فيها إيه آخر مره؟! كان ضاربها ومشربها المرار.. بنتي كان على وشها كدمات مدارية ملامحها! أبوس إيديك يا بيه، اطمن بس اطمئنان على بنتي.. ولو ابنك مش عايزها تاني، بلاش العذاب ده كله، يطلقها ويخلص ويخلصنا!
آيتتن ورقية أمها بصوا لبعض بقرف وشماتة واضحة.
ماجد اتنهد بتعب وقال:
— ماجد: لا حول ولا قوة إلا بالله.. طيب استني أرن على يوسف.
قام جاب تليفونه، وجه جنبهم تاني، وفتحه على الإسبيكر قدام الكل:
— ماجد: ايوا يا يوسف يا ابني.. فينك؟
رد يوسف من الناحية التانية، وكان صوته متهدج وبيموت من الانهيار والرعب:
— يوسف: بابا.. حبيبة نزفت.. ومش ناطقة خالص.. وأنا في طريقي للمستشفى حالا بيها!
المشهد: صرخة الأم.. وطريق الموت للمستشفى
الكلمة نزلت على صالة الفيلا زي الصاعقة.. ثواني معدودة وكانت أحلام قد فاقت على كابوس أهول بكتير من اللي كانت متوقعته.
انهارت أحلام بشكل مرعب، سقطت على الأرض بتلطم على وشها وتصرخ بصوت مجروح بيمزق القلوب:
— أحلام (بصراخ هستيري ودموع محروقة): بنتي!.. يا رب سترك وعطفك على ضنايا!
رفعت نفسها بصعوبة، وجريت على ماجد متمسكة في هدومه وبتترجاه بصوت مكسور:
— أحلام (وهي بتبوس إيده بانهيار): أبوس إيدك يا بيه.. خدني معاك! ما تسيبنيش! دي روحي.. دي بنتي الوحيدة.. بالله عليك ما تحرمني منها، وديني عندها!
ماجد، اللي كان ملامحه ميتة من الصدمة والرعب، هز راسه بسرعة وعيونه حمرا:
— ماجد: قومي معايا يا أم حبيبة.. قومي بسرعة!
في نفس اللحظة دي، وقبل ما يتحركوا، أحلام افتكرت جوزها (مجدي). طلعت تليفونها ببرود يداه، وإيديها بتترعش بعنف، وضربت رقمه.
— مجدي (رد بسرعة وصوته كله قلق): ألو يا أحلام.. طمنيني، وصلتي لحاجة عند أهل الكلب دول؟
— أحلام (وهي بتعيط بصوت مش طلع وبتتنفس بصعوبة): الح الحقني يا مجدي.. ي يوسف بيقول بنتنا نزفت.. وراحت المستشفي! الحقنا يا مجدي والنبي!
مجدي أول ما سمع الجملة، التليفون وقع من إيده ثواني واتنطق بصوت مرعب من العصبية:
— مجدي: بتقولي إيه؟! مستشفى إيه؟.. أنا جاي حالا
قفل السكة في ثانية، وركب تاكس وعقله مش بيستوعب كارثة إن بنته بتموت تحت إيد الحيوان ده.
في الوقت نفسه، ماجد أخد أحلام وركبوا عربيته، ورقية وآيتتن واقفين مذهولين في مكانهم من هول الفضيحة بس جريوا وراهم برضو عشان يشوفوا الكارثة اللي وقعت على دماغهم، وماجد طار بأقصى سرعة وراه يوسف على المستشفي، والكل في طريق مرعب ملوش أول من آخر.
المشهد: طوارئ المستشفى.. لحظات الرعب الأكبر
عربيات ماجد ومجدي وصلوا قدام طوارئ المستشفى في نفس اللحظة تقريباً. منظر العربيات وهي بتفرمل بعنف، والباب اللي اتفتح بصوت مزعج، كان كفيل ينطق بحجم الكارثة.
مجدي نزل من عربيته وعيونه جاحظة من كتر الغضب والرعب، بيجري زي المجنون على باب المستشفى، وأحلام نزلت من عربية ماجد وهي بتصرخ وبتلطم، وماجد جنبها محتار ومكسور، بيمشي بخطوات تقيلة وهو مش عارف هيبص في وش أب المضروبة دي إزاي.
أول ما دخلوا طوارئ المستشفى، لقوا يوسف واقف قدام أوضة العمليات والعناية المركزة. منظره كان مرعب؛ هدومه عليها بقع دم ناشفة، شعره منكوش، وعيونه حمرا وفاقدة النطق، واقف مذهول وبيتنفس بصعوبة كأنه واحد خرج من حرب مدمرة.
مجدي شافه، وفقد عقله تماماً. هجم عليه زي الأسد الجريح، مسكه من تلابيب قميصه ورزع ضهره في الحيطة بصوت رن في ممر المستشفى كله:
— مجدي (بصراخ هيستيري وعروق رقبته بارزة): عملت فيها إيه يا يوسف؟! عملت في بنتي إيه عشان توصل للموت؟!
يوسف مكنش بينطق.. كان باصص للفراغ، كأن جواه صمت الموت، ومبيقاومش إيد مجدي خالص من كتر الصدمة والذهول.
أحلام جرت عليهم زي المجنونة، اترمت على الأرض قدام أوضة العمليات، وبتضرب بإيديها على الأرض وبتعيط بدموع مجمّدة:
— أحلام: بنتي! رجعوا لي بنتي! يا رب حوش عن ضنايا.. يا رب!
ماجد (أبو يوسف) قرب بسرعة، وبصوت مكسور وحزين شد مجدي عن ابنه بصعوبة:
— ماجد: اصبر يا مجدي.. بالله عليك اصبر، البنت جوه والدكاترة بيحاولوا معها.. وساعتها لو ابني غلطان، أنا أول واحد هسلمهالك برقبتي!
الممر كان مقبوض، وأنفاس الكل متقطعة برعب قدام أبواب العمليات. رقية وآيتتن واقفين في جنب مذهولين ومرعوبين من الفضيحة، وأحلام قاعدة على الأرض بتعيط بانهيار، وماجد ومجدي أعصابهم متدمرة.
بعد ساعات طويلة، باب العمليات اتفتح، وطلع الدكتور ومعاه ممرضة، وملامحه كانت متجهمة وغرقانة في العرق والتعب.
جروا كلهم عليه بلهفة، وأحلام مدت إيديها بانهيار:
— أحلام: بنتي يا دكتور! طمني على بنتي!
— الدكتور (بصوت هادي ومهني): الإسعافات الأولية ووحدات الدم أنقذت حياتها في آخر لحظة.. هي خرجت من الخطر الظاهري ونقلناها أوضة الملاحظة. بس للأسف.. المدام كانت حامل في أسابيعها الأولى، وحصل لها إجهاض كامل نتيجة عنف جسدي وصدمة شديدة تعرضت لها.
كلمة "إجهاض بسبب عنف جسدي "نزلت كالصاعقة. رقية حطت إيديها على بوقها بذهول وصدمة، وأحلام انهارت بصراخ مكتوم، بينما مجدي اتجمد مكانه وانفجر غضباً، فهجم على يوسف مسكه من ياقته ورزعه في الحيطة:
— مجدي (بصوت مرجف من القهر): ضربتها وهي حامل ؟! قتلت حتة منك ومنها؟!
يوسف كان واقف مبلوع لسانه، عيونه مبرقة ومش بينطق حرف واحد، وماجد شد مجدي عنه بصعوبة وهو مكسور ومش قادر يدافع عن ابنه.
في اللحظة دي، الدكتور كمل بجدية وحزم وهو بيبص ليوسف ومجدي:
— الدكتور: يا جماعة.. آثار الكدمات الواضحة جداً في جسمها، وطبيعة الإصابات اللي ظهرت أثناء الفحص، بتأكد إن الحالة تعرضت لعنف قاسي ومكرر مش مجرد اعتداء ععارض. وبناءً على الإجراءات الطبية والقانونية، المستشفى ملزمة تبلغ النيابة والشرطة بالتقرير المبدئي للحالة. الأمن في الطريق.
كلام الدكتور نزل على الكل زي القنبلة؛ رقية بكت بانهيار على ابنها اللي ضاع ودمر نفسه، وآيتتن باصة للأرض برعب من الفضيحة اللي بقت على كل لسان، وماجد حط إيفه على وسّه بقلب مكسور.
..
الممرضة خرجت من أوضة العمليات بهدوء، وشاورت لهم عشان يتحركوا وراها:
— الممرضة: اتفضلوا.. هننقلها أوضة الإفاقة، هي دلوقتي نايمة وحاطين لها أكسجين. ويستحسن بلاش أي كلام جنبها أو إزعاج.. ولما تفوق، أنا هدخلكم لها بنفسي.
اتنقلت حبيبة على الأوضة، والكل قعد برة على الكراسي المجاورة. أحلام كانت منهارة تماماً ومش مبطلة عياط ولطم، ومجدي قاعد جنبها بيواسيها بقلب مقهور ومكسور. أما ماجد (أبو يوسف)، فكان واقف على جنب مربع إيديه بصمت تام، تايه ومش عارف يعمل إيه ولا يواجه الناس دي إزاي. في الناحية التانية، رقية وآيتتن كانوا قاعدين جنب يوسف اللي كانت حالته النفسية والعصبية متدهورة تماماً، عيونه زايغة ووشه باهت.
يوسف فجأة رفع راسه، وبص للكل بنظرة كلها قرف وإنكار، وقال بصوت واطي بس الكل سمعه:
— يوسف: كويز إن الجنين نزل.. بصراحة أنا مأمنش أصلاً إن ده ابني ولا لأ!
الكلمة نزلت على الكل كالصاعقة المرعبة.
ماجد مابقاش قادر يمسك أعصابه أكتر من كده.. اتحرك بسرعة الخطى، وبعصبية عمياء نزل على وش ابنه بقلم قاسي هز الممر كله، ووقفه قدامه بعنف:
— ماجد: إنت الظاهر لسه مريض وما خفتش! إنت ناسي عملتك السودة؟! أنت لازم ترجع للمصحة تاني حالاً!
رقية قامت مفزوعة من جنب ابنها، وزعقت في جوزها بصوت عالي وغير مدركة حجم الكارثة اللي ابنها عملها، ومش مهتمة بوجود مجدي وأحلام اللي كانوا مصدومين من بجاحة الكلام:
— رقية: أنت بتعمل إيه يا ماجد؟! بتمد إيدك على ابنك عشانها؟! الولد شاف كتير منها.. وبعدين ما أنت عارف انها كانت بتحب خطيب بنتك
ماجد انفجر فيها بغضب أعمى، وعروق رقبته نطت:
— ماجد: اسكتي يا رقية! اسكتي خالص.. إنتي السبب في اللي هو وصله! كنتِ دايماً مفهمته إن كل حاجة في الدنيا دي ملكه وبس، فتح عينه علي الغلط وعمل الغلط مرة واتنين وتلاته في الحرام، وكنا نقول معلش أصل مريض يا حرام، ونقول نجوزه يمكن يتعدل! ودلوقتي بيظلم مراته وكمان بيهتك في شرفها؟! ده إنت كنت حابسها في البيت مانع عنها نور الشمس! محدش دمر البنت دي غير ابنك
سابهم وماجد عيونه مليانة قرف من كلام مراته، وقرب من أحلام ومجدي اللي كانوا قاعدين مذهولين من قسوة عيلة يوسف. ماجد انحنى شوية وبص لأحلام بصوت مكسور:
— ماجد: يا ست أحلام.. أرجوكِ، متقوليش حاجة في المحضر، وحاولي تقفليه على قد ما تقدري.. ومقابل ده، أنا هبديكِ حرية بنتك كاملة، هطلقها منك وتاخديها من غير أي مشاكل ولا قواضي... وكل حقوقها هيكونوا عندها
أحلام ومجدي تبادلوا نظرات سريعة، ولمحة من الأمل والراحة سرت في عيونهم.. كل اللي هامهم دلوقتي إن بنتهم تبعد عن جحيم الكائن ده وتعيش. أحلام ردت بسرعة ومن غير تردد:
— أحلام: موافقة.. موافقة على كل اللي تقوله، بس بنتي ترجع لي سليمة وفي حضني!
في الوقت ده، آيتتن كانت قاعدة باصة لأبوها وأمها بذهول وصدمة من اللي بتسمعه.. غرورها كله اتهد، وحست إن عيلتها بتدمر قدام عينيها بسبب جنون يوسف.
وفعلاً، بتدخلات ماجد وبموافقة أهل حبيبة اللي مكنوش ناقصين عذاب تاني، قدرت العيلة تخلص الإجراءات ويقفلوا المحضر بسرية تامة، عشان حبيبة تخرج من الكابوس ده بأقل خسائر ممكنة.
في مكان تاني.. وفي صمت تام
بينما كل ده بيحصل في المستشفى، كان كاسر قاعد في عربيته بعيد عن الزحمة، ماسك تليفونه السري التاني. على الشاشة قدامه كانت بتظهر رسائل وتقارير مفصلة، صور وفيديوهات قصيرة وحركات بتوصله لحظة بلحظة من اللي كان موصيها تراقب حبيبة وكل تحركاتها من أول يوم دخلت فيه شقة يوسف.
كاسر قفل الشاشة ببطء، وعيونه بتلمع ببريق هادئ وواثق.. هو كان عارف كل تفصيلة، وكل صرخة، وكل وجع عشته حبيبة..
حبيبة كانت شبه جثة هامدة على السرير، وشها أبيض كأنه ورق، والأكسجين بيغطي جزء من ملامحها اللي ذبلت قبل أوانها. أول ما عيونها فتحت وشافت "يوسف" واقف بعيد بملامحه الجامدة، انكمشت على نفسها زي الطفلة المذعورة، واستخبت في حضن أمها اللي كانت بتنهشها الدموع.
بصت بذهول للدم الناشف اللي مالي هدوم يوسف، وصوتها طلع واهن، مجروح، ومخيف في هدوئه:
— حبيبة: هو إيه اللي حصل يا ماما؟ أنا نزفت ليه؟.. أنا كان فيا إيه؟
سكون الممرضة وهي بتدخل كان هو الصوت الوحيد اللي بيخترق الجدار اللي الكل بانيه حوالين الحقيقة.
— الممرضة (بمهنية باردة): حمد لله على سلامتك.. الدكتور كتبلك محاليل هركبها دلوقتي، تعويضاً عن الدم اللي فقدتيه.. مع البيبي اللي نزلتيه.
الكلمة زي الرصاصة اخترقت روح حبيبة. سكتت.. وعنيها وسعت بصدمة، استنت لحد ما الممرضة خلصت وخرجت، وبصت لأمها اللي دافنة وشها في إيديها، وبصت لماجد اللي واقف متجمد.
— حبيبة (بصوت متقطع وعيون تايهة): هو أنا كنت حامل يا ماما؟.. كنت حامل يا عمي ماجد؟
ماجد قرب منها ببطء، إيده كانت بتترعش وهو بيلمس شعرها، من غير ما يرد.. بس صمته كان اعتراف كفيل يهد جبال. حبيبة انفجرت في بكاء هستيري، شهقاتها كانت بتطلع من أعماق صدرها، والوجع كان أكبر من إن أي بشر يتحمله.
ماجد ضمها لحضنه، بيحاول يهديها، وهي وسط دموعها، كسرت صمت الشهور وقررت تفضي الوجع اللي كان بيموتها بالبطء:
— حبيبة (بشهقات مقطعة): أنا طول عمري محبتش يوسف.. بس قسماً بالله ما خنتش، ولا فكرت أخونه! أنا طول عمري كنت حاسة إني معاه مش زوجة.. كنت حاسة إني جارية، فتاة ليل بتأدي واجب وبتدفع تمن عيشة مش عيشتها. جسمي كان بيرفض قربه، بس كان ممكن يتقبله لو حسيت بروح بتحبني قبل ما تلمس جسمي!
مسكت إيد ماجد بقوة كأنها بتستنجد بغريق:
— حبيبة: ابنك علامات ضربه محفورة في جلدي.. ساب أثر في كل حتة في جسمي، ومع ذلك كنت صابرة، كنت هكمل، كنت هفضل معاه عشان أموت بكرامتي مش بلقب "خاينة"! لكن دلوقتي؟ بعد ما خد مني ابني اللي كان هو النور الوحيد اللي فاضلي في دنيتي.. أنا مبقتش قادرة. أنا مش عايزه ابنك!
بصت ليوسف اللي كان واقف مذهول ومرعوب من كلامها، وكملت بصراخ مكتوم:
— حبيبة: أنقذني منه يا عمي.. اعتبرني بنتك، أنا مليش غيرك.. مش عايزه أرجع معاه، مش عايزه أشوفه.. أنقذني منه يا عمي!
الكلام كان أقوى من الرصاص. ماجد حس إن قلبه اتقطع، قام وقف قدام ابنه، مش بيشوف فيه "ابنه"، بيشوف فيه "وحش" لازم يتوقف:
— ماجد (بصوت مرعب وقرار نهائي): هطلقها.. وتتعالج. يلا، بره!
طرد الكل، والأوضة فضلت هادية.. بس كان هدوء ما قبل العاصفة. يوسف خرج وهو حاسس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه، وساب حبيبة مع أمها وأبوها، اللي لأول مرة من شهور، بيشوفوا بنتنهم "بتتكلم" وبترفض الظلم.
كانت لحظة انكسار ليوسف، وبداية طريق جديد..
بعد ما خرج الكل وفضلت أحلام ومجدي جنب حبيبة، كان الصمت في الأوضة تقيل، مش صمت راحة، ده كان صمت "الكسرة" اللي بيجي بعد الانفجار.
حبيبة نامت من كتر الانهيار، وأحلام ماسكة إيد بنتها وبتبوسها بدموع صامتة، ومجدي قاعد جنبهم بيبص للفراغ، حاسس إنه أخد بنته من "الموت" بأعجوبة.
في اللحظة دي، يوسف كان واقف في ممر المستشفى، ملامحه متغيرة، كأنه واحد فاق من سكر طويل على حقيقة إنه خسر كل حاجة. رقية وآيتتن كانوا واقفين وراه، رقية لسه بتحاول تلملم أشلاء الكبرياء اللي اتداس، وآيتتن باصة ليوسف بنظرة غريبة.. نظرة خوف ممزوجة بـ "إيه اللي عملته في نفسك يا يوسف؟".
