رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل الثامن عشر
استيقظت حبيبة في صباح آخر يوم من امتحانات منتصف السنة، تحمل في قلبها مزيجًا من القلق والحماس. لم تفطر في البيت كعادتها، بل قررت أن يكون إفطارها بعد الامتحان مع أصدقائها في الجامعة، كتوديع لهذه المرحلة المرهقة، والاحتفاء بالجهود التي بذلوها معًا، وصناعة ذكريات ستبقى محفورة في قلوبهم إلى الأبد.
وبعد ذهابها، جهزت زهرة طاولة الطعام لرضوان، واتخذت قرارًا مهمًا بأنها ستتحدث معه وتصالحه؛ فهو مهما كان يحمل قلبًا طيبًا، ولن يستمر هذا الخصام طويلًا.
ارتدى رضوان ملابس العمل، وخرج من غرفته مستعدًا للذهاب، بعدما اطمأن على شقيقته عبر الهاتف، لكنه وجد أمه تقف أمام طاولة الطعام، وهي تقول له مباشرة وبلهجة تحذيرية:
ـ لو ما قعدتش وفطرت واتكلمت معايا زي الأول، أنا هاخد بعضي وأروح بيت أبويا القديم، وهفضل مع أخويا. أي نعم مراته صعبة، بس مش مهم، أهو هيكون أهون عليا من إني أشوفك كل يوم مكشر وزعلان وبتكلمني بالعافية. قلت إيه؟ هتفطر وتصالحني ولا آخد الهدومتين اللي حلتي وأمشي؟
تنهد متعجبًا من كل ما قالته، فهي ليست مضطرة لكل هذا، فهي أمه. وما إن ابتسمت له فقط، حتى نسي كل شيء.
ظلت تنظر إليه ببراءة طفولية، وكأنها تستعطفه حتى يرضى ويوافق. فابتسم حين رآها تقلد حبيبة، واقترب منها مقبلًا قمة رأسها، وهو يقول بابتسامة عذبة:
ـ إحنا كلنا نمشي وإنتِ اللي تفضلي يا ست الكل، وأنا ما أقدرش أتخيل البيت من غيرك، ده إنتِ روح البيت والحارة كلها. ربنا يخليكِ لينا يا أمي.
عادت إليها فرحتها، وربتت على صدره بحنان، وأخذته من يده ليجلس على كرسي الطاولة، فمشى معها وهي تقول بفرح:
ـ والله أنا قلت كده، ما حدش صدقني، ابني عمره ما يزعل من أمه أبدًا.
جلست جواره، وناولته كوب القهوة، فوجدته ينظر إليها متذكرًا كل شيء، وهو يقول معاتبًا:
ـ بس أنا زعلت حقيقي يا أمي، ما كنتش أتوقع إني أسمع اللي سمعته منك في اليوم ده.
ثم سكت قليلًا وسألها:
ـ في إيه تاني مخبياه عليا يا أمي؟ ونفسي أعرف بجد ليه بتخبي عليا، وكمان ليه ما قلتليش عن الكلب صفوت ده؟ كنت هعرفه مقامه.
بترت كلامه، وقالت مسرعة، مدافعة عن نفسها لتثبت له أن وجهة نظرها صحيحة:
ـ أهو ده اللي أنا كنت عاملة حسابه. كنت صح إني ما أقولش حاجة ليك علشان ما تعملش حاجة نندم عليها بعدين. وبعدين ده موضوع قديم من سنين طويلة واتردم عليه، ومش عايزة أدوش دماغك بيه.
ـ بس كان لازم أعرف علشان ما حدش يفكر يقرب منك ولا يرفع عينه ليكي وأنا موجود.
نظرت إليه بقوة وثقة، وهي تقول:
ـ وهو يعني في حد في وجودك جرب بس يقرب ولا يعملنا حاجة! ده أنت رضوان ابن بطني اللي مخلي بالك مني طول السنين دي كلها.
نظر إليها مترددًا، وهو يقول بأسلوب مبطن:
ـ هو، هو أبويا فعلًا صفوت اللي ضحك عليه!
سكتت مترددة، فسألها مرة أخرى:
ـ عايز أعرف كل حاجة. نفسي بالي يرتاح يا أمي، أنا تعبت من كمية التفكير اللي بقى ملازمني ليل ونهار.
تكلمت بتردد:
ـ بعد الشر عليك يا حبيبي من التفكير. بس أحيانًا يا رضوان، الكلام في الماضي بيوجع ويألم.
ردد قائلًا:
ـ بس من حقي أعرف.
تنهدت مستسلمة، وقالت:
ـ حاضر يا رضوان، أنا هقولك كل حاجة حصلت زمان.
ثم سردت عليه كل ما حدث وقتها؛ أخبرته أن والده كان رجلًا صالحًا، وأنهما أحبا بعضهما حبًا شديدًا.
ولكن قبل زواجهما وقف صفوت في طريقها، متوعدًا بأنه سيتزوجها، لكنها رفضته كثيرًا. وعندما علم قاسم، أسرع إلى التقدم لخطبتها، وبعد ذلك تم الزواج، وتزوج صفوت أيضًا.
وقد ظنت بعد زواجه أن كل شيء سيعود كما كان، وأن كلًّا منهما سيعيش بعيدًا عن حياة الآخر.
لكن حدث ما لم يكن متوقعًا.
تقرب بعض الأصدقاء إلى قاسم، وبدأوا في الخروج معه، وربطتهم به صداقة قوية، ووثق بهم. وبعد ذلك بفترة وجيزة، تغير قاسم تدريجيًا، ورأته يشرب أنواعًا من المخدرات.
تحدثت معه أكثر من مرة، وكرهت أصدقاءه، لكنها اكتشفت الكارثة الكبرى؛ هؤلاء الأصدقاء كانوا مقربين من صفوت، ورأته يقف معهم ويعطيهم بعض النقود ليستمروا في إفساد زوجها.
فهمت وقتها أن الأمر لم يكن صدفة، بل خطة لهدم حياتها وحياة قاسم، وأن صفوت كان السبب في فساده حتى لا يدري بحاله، ولم يستطع قاسم الابتعاد عن رفقة السوء تلك.
وعقبت قائلة:
ـ ليته سمع لي، وليته لم يصدقهم ويثق بهم.
انتهت من سرد ماضيها المؤلم، وهي تنظر إلى ملامحه التي تبدلت بالحزن. فأمسكت يده بحنو:
ـ خلاص يا رضوان، اللي حصل حصل، وإنت كنت صغير، ما تعرفش حاجة. وقاسم راح للي أحنّ مننا، وربك غفور رحيم. وإن كان على صفوت، لحد دلوقتي بدعي عليه، وإن شاء الله ربنا هيجيب حقنا. ربك لا بيغفل ولا ينام، وحق قاسم راجع راجع.
تنهد رضوان وقال:
ـ إن شاء الله، كل واحد غلط هياخد جزاؤه يا أم رضوان.
ثم ابتسم لها، مشيرًا إلى الطعام:
ـ يلا افطري معايا قبل ما الأكل الحلو ده يبرد، من زمان ما اتكلمناش مع بعض وإحنا على الأكل.
ابتسمت له، وتناولت معه الطعام، وتبادلا أطراف الحديث مثلما كانا يفعلان من قبل.
وترددت بين حين وآخر، تريد أن تسأله عن زاد، لكنها توجست منه. وبعد ثوانٍ عزمت أمرها وسألته عنها.
تبدلت ملامحه إلى السكون؛ فهو لم يعرف عنها شيئًا منذ أن ذهبت.
فقدمت له النصيحة:
ـ ما ينفعش يا رضوان، دي زاد بتحبك.
نظر إليها بتعجب، وابتسم ساخرًا:
ـ بتحبني مرة واحدة! هي اللي قالتلك كده؟
ـ مش لازم هي تقول، أنا اللي كنت عايشة معاها هنا أطول وقت، وبشوف عينيها بتدور عليك إزاي.
وأكملت بمكر ملمحة:
ـ زي ما عينيك كده لحد دلوقتي بتدور عليها في كل حتة.
هرب من عينيها، قائلًا باقتضاب:
ـ أنا ما كنتش عارف إن ليكي في الشعر يا أم رضوان.
ضحكت الأم، وهي تقول:
ـ لا شعر ولا حاجة، ده أنا غلبانة والله. بس سيبك مني، أنا عايزاك تريح قلبي.
أعاد الطعام إلى الصحن، وهو يقول بتنهيدة وحيرة:
ـ أريح قلبك إزاي يا أمي، وأنا في إيدي إيه أعمله؟ هي طالبة الطلاق. يعني مفيش حاجة اسمها حب وكلام من ده.
تكلمت مسرعة:
ـ أوعى تعمل كده، هي طلبت الطلاق في ساعة غضب، اسمع مني.
ابتسم لها وهو يقول بحزن دفين:
ـ مش هنكذب على بعض، إنتِ عارفة إيه سبب الجوازة دي ومشيت إزاي، ثم دلوقتي أو بعدين كانت هتطلب الطلاق، ومستحيل تعيش مع واحد فقير زيي. شوفي هي فين وأنا فين.
تحدثت بعقلانية:
ـ الإنسان عمره ما كان بفلوسه، الإنسان بقيمته ومبادئه واحترامه لنفسه. ياما ناس كتير معاها فلوس، بس فقيرة كرامة وعزة نفس. مش ده كلامك لينا يا رضوان!
ابتسم لها:
ـ أديكي قولتيها أهو كلام.
ـ بس كلام حقيقي يا ابني، مش هنخدع نفسنا.
ـ عندك حق يا أمي.
ابتسمت قائلة بنصح:
ـ اسمعني يا ابني، الست مننا لما بتضايق من جوزها وبتتخانق معاه، ما بيبقاش في إيديها حاجة غير الكلام وبس، وأول كلمة تقولها لجوزها "طلقني"، وبتقولها وهي مغلوبة على أمرها. إنما لما بتقعد مع نفسها كده وتهدى وتفكر، بتعرف إنها لا يمكن تستغنى عن جوزها أبدًا. كله كلام وقت غضب يا رضوان. انسى يا ابني اللي قالته، وروح هاتها ورجعها لبيتك.
نظر إليها بتفكير، قائلًا:
ـ وتفتكري لو رحت هترجع؟
سألته مباشرة:
ـ قبل ما أجاوبك، جاوبني أنت، وقلي، أنت حبيت زاد يا رضوان!
حمحم، وهرب من إجابة السؤال، فسألته مرة أخرى:
ـ أنت حبيتها مش كده؟ ريح قلبي وقولي.
أخذ نفسًا طويلًا بعمق، ثم زفره بقوة، وهو يقول:
ـ ما أقدرش أكدب عليكِ يا أمي، مش عارف، بس هي يمكن مسألة تعود. كنت فاكر في الأول إن وجودها في البيت ده عادي، وكنت عامل حسابي لليوم اللي هتمشي فيه، ولما مشيت حسيت قد إيه إن البيت فاضي من غيرها. في حاجة كبيرة ناقصة من يوم ما سابتنا، بس اللي أنا متأكد منه إنها مسألة تعود مش أكتر.
ابتسمت زهرة بصمت على مراوغة رضوان في الإجابة، فهي تعرفه حق المعرفة، وتعلم أن وراء كلماته ما لا يريد البوح به، وأنه لا يزال يحب زاد ويشتاق إليها، مهما حاول إخفاء ذلك.
ظلت تنصحه وتحدثه بهدوء، مؤكدة له أن زاد ستعود إليه، وأن عليه أن يذهب إليها بنفسه، فما حدث لها كان قاسيًا، ويجب أن يفعل هذا من أجلها، ومن أجل والدها الرجل الوقور، السيد حسين، الذي ائتمنه على ابنته.
استمع رضوان إليها طويلًا، وظل صامتًا يفكر فيما قالته، حتى اقتنع بحديثها، ثم قال بعد لحظات:
ـ خلاص يا أمي، النهارده بعد ما أخلص شغلي هروح لها وأتكلم معاها، وإن شاء الله مش هيأس لحد ما ترجع معايا البيت.
أشرقت ملامح زهرة بالفرح، وكأنها كانت تنتظر منه هذه الجملة تحديدًا، وقالت بسعادة:
ـ ربنا يفرح قلبي بيك يا ابني، وأنا من دلوقتي هقوم أجهزلك الأكل اللي بتحبه أنت وزاد، يا فرحة قلبي.
وفجأة لمعت في ذهن زهرة فكرة، فالتفتت إلى رضوان وقالت بابتسامة:
ـ إيه رأيك بعد ما ترجعها، تاخدها أسبوع وتسافروا إسكندرية؟ أهو تهونوا على نفسكم شويه،وفي الوقت ده تكون اتفقت مع حد يجهز لك أوضة نوم جديدة، وتظبط لها أوضتها وتفاجئها بيها. زاد من حقها تفرح... وإنت كمان يا حبيبي من حقك تفرح.
ضحك رضوان، وابتسم وهو يتخيل المفاجأة، ثم قال:
ـ والله فكرة حلوة يا أمي... خلاص، أول ما أرجعها هجيب لها أوضة نوم جديدة، ونسافر إسكندرية كمان.
ربتت زهرة على صدره بحنان، وابتسمت بسعادة وهي تدعو له من قلبها:
ـ ربنا يفرح قلبك يا حبيبي.ويستر طريقك، ويكتب لك السلامة في كل خطوة تخطيها، ويرجعك لبيتك وأنت مرتاح وفرحان. ربنا يحفظك ويبعد عنك كل شر يا رضوان.
ابتسم رضوان، وشعر بشيء من الراحة يتسلل إلى قلبه بعد أيام ثقيلة أثقلته بالحزن. اقترب من أمه واحتضنها بسعادة، وكأنه وجد في كلماتها بارقة أمل تمسّك بها قلبه.
ـ أيوه كده. انا عايزك على طول تدعيلي يا ست الكل.
أغمضت زهرة عينيها بحب، ورفعت يديها إلى السماء، وظلت تدعو له من أعماق قلبها، تسأل الله أن يرد إليه زاد، ويجمع بينهما من جديد، ويبدل حزن قلبه فرحًا.
ثم غادر المنزل، وفي قلبه شيء من التفاؤل، وكأنه للمرة الأولى منذ أيام يرى أمامه طريقًا قد يعيد إليه زاد من جديد.
رفع أذان الظهر.
استيقظت رباب من نومها، واعتدلت تفرك عينيها، فوجدت عزت جالسًا على الأريكة بجانب النافذة، واضعًا يده على خده، ويبدو عليه الشرود.
تعجبت لوجوده، ونادته، لكنه لم يجبها.
فقامت من فراشها وجلست أمامه لجلب انتباهه:
ـ يا عزت، أنت مش سامعني!
انتبه لها، محمحمًا:
ـ ها، بتكلمني يا رباب؟ وصحيتي إمتى؟
مصمصت شفتيها، وهي تقول باقتضاب:
ـ صحيت إمتى؟ صحيت يا خويا من شوية، وقاعدة على السرير وبنادي عليك، وإنت ولا سامعني. وبعدين، إنت قاعد ليه؟ ما رحتش الشغل ليه؟
نظر إلى النافذة، وهو يقول بوهن:
ـ تعبان، مش قادر أروح النهارده.
قطبت حاجبيها متسائلة:
ـ تعبان، مالك؟ ما إنت حلو، وصحتك حلوة. فيك إيه؟
شعر بالاختناق، وكظم غيظه، وهو يقول بحنق:
ـ مخنوق يا رباب، مخنوق وزهقان وقرفان وطهقان. أظن مش حرام يعني أخدلي إجازة يوم وأقعد في البيت. أظن ده حقي.
شهقت، وحركت حاجبها إليه، وقالت بصوت مسموع:
ـ بالراحة على نفسك يا عزت. لا يطق لك عرق. واقعد يا خويا براحتك، أنا هسيبهالك مخضرًا وهروح أقعد مع أمي، زمانها مستنياني علشان نفطر سوا.
أنهت كلماتها الباردة، وقامت لتبدل ملابسها وتنزل إلى الأسفل، بينما عزت لم يعلق على تصرفها، وظل جالسًا في صمت تام.
في الجامعة، أنهت حبيبة آخر امتحان لها، وخرجت وجلست تحت مظلة لتراجع مع نفسها الأسئلة المطروحة عليها، ووضعت كل تركيزها فيما تراجعه.
رن هاتف رضوان ليطمئن عليها، فطمأنته بأخبار سارة، وهكذا فعلت مع أمها زهرة، وسألتها متى ستعود.
أجابتها بأنها ستعود عند السادسة مساءً.
أغلقت الهاتف، وعادت لما كانت تفعله.
رأتها منال، واقتربت من خلفها ببطء لتفزعها، فأفزعتها، فصرخت حبيبة، وضحكت منال.
وعندما رأتها حبيبة، انزعجت وصرّت على أسنانها، وهي تقول منفعلة:
ـ منال! حرام عليكِ، قلبي كان هيقف. في حد يعمل كده؟ هو إنتِ لسه صغيرة!
ضحكت منال مقهقهة على انفلات أعصاب صديقتها، وجلست بجوارها وهي تقول معتذرة بلطف:
ـ سوري يا بيبو، إنتِ طلع قلبك خفيف أوي. اجمدي كده.
وضعت حبيبة يدها على قلبها لتضبط أنفاسها، وقالت منزعجة:
ـ هي دي فيها جمدان، إنتِ كمان.
ثم نظرت إليها لتكمل قائلة:
ـ وإنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟ إحنا مش متفقين هنتقابل الساعة تلاتة عند مبنى الإعلام.
غمزت لها منال، وهي تقول:
ـ أيوه بقى بقينا نحب الإعلام، وماله يا ستي. ثم أنا جيت أسلم وأطمن عليكِ، وأشوفك عملتِ إيه في الامتحان، وهمشي على طول.
ارتبكت حبيبة، وقالت:
ـ أحم، كان كويس وكنت براجع عليه. ثم إيه المشكلة يعني إني أقول هنتقابل عند إعلام؟ ما إحنا على طول بنتقابل هناك، وكمان متفقين إننا هنتصور هناك صور للذكرى.
ضحكت منال بصوت عالٍ، قائلة:
ـ افصلي، يخربيت كده. أنا عارفة كل ده.
ثم أكملت بتلميح:
ـ بس مش لوحدنا، أكيد معاذ موجود في الصورة، مش كده!
احمر وجهها وسكتت، فقالت منال بوضوح:
ـ يا بنتي، في إيه بقى؟ أنا عارفة إنك بتحبي معاذ.
شهقت حبيبة، واضعة يدها على فمها حتى لا يسمعهم أحد، وهي تقول مكتومة:
ـ اكتمي، الله يخرب بيتك، هتفضحيني.
نزعت منال يد حبيبة من على فمها، وقالت:
ـ إيه يا بنتي، الأسلوب البلدي ده؟ أعقلي بقى، وبعدين مين يعني هيسمعنا؟ وإنتِ قاعدة في مكان محدوف في آخر الجامعة. وبعدين عادي يعني، طب ما أنا عارفة إن معاذ بيحبك، وهو قالي كده بنفسه. إنتِ ناسية إني بنت خالته ولا إيه!
هي تعلم كل هذا، لكنها تنهدت بقلق وقالت:
ـ والله يا منال، ما أنا عارفة إيه اللي جرالي. أنا خايفة أوي.
ـ خايفة من إيه يا حبيبة؟
ـ خايفة من بكرة، معاذ عيلته كبيرة وممكن لأي سبب عيلته ترفضني.
تحدثت منال بعقلانية:
ـ بصي، هو علشان أكون واضحة معاكِ، خالتو صعبة شوية، لكن بابا معاذ راجل متحضر جدًا وجنتل مان، وبيقدّر قوي وبيحترم علاقات الحب، فما أظنش هيبقى في عقبات كبيرة في حياتك.
ثم أكملت:
ـ وبعدين يعني هما هيلاقوا فين واحدة زيك؟ إنتِ هتبقي دكتورة، عارفة يعني إيه! يعني أي حد يتمناكِ. إنتِ مش قليلة يا بيبو.
استعادت حبيبة ثقتها بنفسها، ورفعت رأسها، وأردفت بثقة:
ـ عندك حق، أنا برده مش أي حد. أنا تعبت في حياتي، وأهلي تعبوا علشان أوصل للي أنا فيه دلوقتي. واللي عايزني زي ما أنا كده، أهلًا وسهلًا.
ابتسمت منال عندما رأت معاذ قادمًا، وغمزت لها قائلة:
ـ طيب يا ستي، اللي عايزك جالك هناك. أنا هقوم بقى علشان ألحق صحباتي.
تركتها منال وذهبت، وأتى معاذ، وارتجف قلب حبيبة عندما جلس بجوارها، لكنه ترك مسافة بينهما.
وبعد أن اطمأنّا على بعضهما، سألها معاذ عن سبب صمتها وعدم الحديث معه في تلك الأيام الماضية:
ـ مش هتقوليلي بقى عن السبب اللي كان مغيرك عليا الفترة اللي فاتت وما بتكلمنيش!
تحدثت إليه حبيبة، وقالت بارتباك:
ـ أبدًا يا معاذ، شوية مشاكل عندي في البيت.
ـ طيب، ما تشاركني مشاكلك، مش يمكن أقدر أعمل حاجة!
ابتسمت له، وقالت:
ـ مستحيل تقدر طبعًا، لأن المشكلة بين أخويا ومراته.
ابتسم لها قائلًا بمزاح:
ـ طيب، جربي، مش يمكن العبد لله ده يكون في إيده المفتاح اللي يرجعهم لبعض.
تنهدت، متمنية تحقيق كلامه، وكانت في حاجة إلى التحدث مع أحد قريب منها وتشعر معه بالارتياح، ولا يوجد أفضل منه.
نظرت إليه وقالت:
ـ أنا حقيقي محتاجة أحكي لحد اللي جوايا، ومش قادرة أشيل اللي في قلبي لوحدي، ومش هلاقي حد غيرك أشاركه وجعي.
ثم سردت إليه ما يعتلج في قلبها، عسى أن تخفف العبء الذي يثقل صدرها.
فتحت زاد خزانتها، ومربيتها بجانبها، وأمسكت ببعض الفساتين، ويبدو عليها علامات الحيرة في اختيار فستان من بينها، حين صدح هاتفها.
ابتسمت مجيبة، وهي تقول:
ـ أيوه يا حبيبي، مش ناسية. لكن كمان ساعتين هسافر على الإسكندرية علشان أنا اللي هستقبل بابا في المطار بكرة الصبح.
تحدث الطرف الآخر، فعقبت هي بابتسامة عذبة:
ـ أيوه فعلًا، أنا واثقة إنها هتكون حفلة تجنن، ما أنا قلت لك أنا ما بثقش في حد غيرك.
أجابها الطرف الآخر، فأكملت هي:
ـ أوكي، أنا هقفل معاك وهتصل عليه حالًا. أوكي حبيبي، باي باي.
ثم أغلقت الهاتف وعادت إلى خزانتها لتكمل ما كانت تفعله.
عادت حبيبة من الجامعة على غير موعدها المحدد، فتوجهت مسرعة إلى غرفتها، ثم خرجت وذهبت إلى غرفة أخيها، ثم عادت مرة أخرى إلى غرفتها.
تعجبت أمها عندما خرجت من المرحاض، وهي تحمل بين يديها طبقًا كبيرًا يحتوي على الثياب التي ستجففها في الشرفة.
وعندما شاهدتها، سألتها عن سبب عودتها على غير موعدها:
ـ إيه يا حبيبة؟ رجعتي بدري ليه يعني؟
أجابتها حبيبة بنبرة مرتبكة:
ـ ها! أبدًا يا ماما، أنا نسيت حاجة مهمة ورجعت آخدها. أنا هرجع الجامعة تاني وهقعد مع صاحباتي، ولما نخلص هاجي، مش هتأخر.
وقبل أن تذهب، أوقفتها زهرة، ووضعت الطبق على الطاولة، وهي تحدثها بتعجب:
ـ صحابك مين اللي إنتِ نازلة ليهم تاني؟ إنتِ مش خلاص خلصتي امتحانات وخرجتوا شوية؟ مالوش لزوم ترجعي تاني.
ازدادت حيرة حبيبة، فهي لابد أن تذهب الآن. قالت مبررة:
ـ عادي يا ماما، ده آخر يوم بقى ولازم نقضي اليوم كلنا مع بعض، وهرجع وأفضل معاكي الإجازة كلها، ومش هشوفهم للترم التاني. لحد ما تزهقي مني، هروح ساعة زمن بس وراجعة، ماشي؟
ازداد الشك في قلب زهرة من توترها ووقفتها المريبة أمامها، وكأنها فعلت شيئًا لا ترغب في البوح به وتكذب عليها.
اقتربت من ابنتها وأمسكت بذراعها، وقالت بحدة:
ـ إنتِ بتكدبي يا حبيبة، وما فيش نزول من غير ما أعرف. إنتِ رايحة فين؟
وأكملت بقسم:
ـ والله العظيم هتصل على رضوان ييجي دلوقتي ويشوف تصرفاتك اللي مش مفهومة دي.
ابتلعت حبيبة ريقها، وقالت بنبرة مهزوزة:
ـ يا ماما، ما فيش حاجة، صدقيني.
انفعلت عليها، وبترت حديثها قائلة:
ـ بلا ماما بلا زفت، هتقولي في إيه ولا أتصل على أخوكِ ييجي! وقسمًا بالله، يا حبيبة، لو ما تكلمتيش وقلتي على اللي مخبياه عليا، ما هسامحك أبدًا.
ارتبكت حبيبة واستسلمت، وهي تنظر إلى أمها بتوسل، وتقول:
ـ طيب خلاص، اهدي. بصي، هحكيلك وأقولك أنا رايحة فين، بس توعديني إن رضوان ما يعرفش حاجة غير في الوقت المناسب، علشان أنا عاملاله مفاجأة.
استمعت زهرة إلى ابنتها، وعرفت ماذا تنوي حبيبة أن تفعل من أجل شقيقها، فسألتها بحيرة:
ـ إنتِ واثقة من الموضوع ده يا حبيبة؟
اقتربت حبيبة متلهفة:
ـ واثقة مليون في المية يا ماما، بس أرجوكِ سيبيني أمشي دلوقتي ساعة زمن وهكون هنا قبل ما رضوان يرجع.
أجابتها زهرة بقلق:
ـ لا، مش هسيبك تروحي لوحدك، أنا هاجي معاكي.
وقبل أن ترفض حبيبة، صدح هاتفها، وكان معاذ.
فأجابته بصوت خافت حتى لا تسمعها أمها، وتبدلت ملامحها إلى الحزن، وفكرت لثوانٍ، وهي تقول:
ـ خلاص يا معاذ، أوكي، طيب ممكن تجيب العنوان؟ مش عايزة أتأخر.
أغلقت الهاتف، وذهبت زهرة مع ابنتها.
طال بهما الطريق في سيارة الأجرة، حتى وقف السائق أمام العنوان الذي ذكرته حبيبة له.
هبطت حبيبة، وهبطت زهرة أيضًا، متعجبة من هذا البناء الفخم.
قالت زهرة متسائلة:
ـ بت يا حبيبة، المكان هنا؟ ولا كأنه ألف ليلة وليلة! إنتِ متأكدة إن ده العنوان الصح؟
ابتسمت حبيبة، وهي تشعر بالاطمئنان لأن والدتها بجانبها، وقالت:
ـ أيوه طبعًا يا ماما، ده العنوان بالظبط. بصراحة، كويس إنك جيتي معايا. أنا كنت هخاف أجي لوحدي وكنت هرجع في نص الطريق.
اقتربت من البوابة، وتحدثت حبيبة إلى الحارس، طالبة الدخول لمقابلة صاحب المبنى. ففتح لها البوابة، ودخلت حبيبة وفي يدها بعض الأوراق، ومشت زهرة بجانبها، متمنية أن يتم الأمر الذي تنوي فعله من أجل شقيقها.
بعد أن ارتدت زاد ثيابها بمساعدة مربيتها، بدت أنيقة إلى درجة كبيرة.
نظرت إلى ساعة يدها، وقالت لمربيتها باستعجال:
ـ يا دوبك يا دادا أسافر دلوقتي، واعملي حسابك أنا مش راجعة غير بكرة الضهر مع بابا، عندنا حفلة، أوكي؟
تنهدت المربية، وقالت:
ـ ربنا معاكِ يا بنتي ويجيب العواقب سليمة.
ابتسمت زاد مودعة إياها، وذهبت لاستقبال والدها.
دقت السادسة مساءً، ليصدح هاتف رضوان وهو في المكتب.
ترك ما في يده، فوجده رقمًا غير معروف.
ظن أنه أحد العملاء لديهم في الحدادة أو ما شابه، ويريد تصميمًا آخر، فرد عليه وعلى وجهه ابتسامة عريضة، لكنها سرعان ما اختفت، وتحولت ملامحه إلى علامة استفهام قوية، وهو يقول بترقب وقلق:
ـ أيوه، أنا رضوان العطار، أخو حبيبة العطار.
تحدث الطرف الآخر لثوانٍ.
عندها دق قلب رضوان رعبًا، واتسعت عيناه، وعلت وتيرة أنفاسه، وهو يهتف:
ـ حبيبة!
عندما وصل إلى المشفى، ظل يركض داخلها مثل الفتى الضائع، لا يدري ماذا يجري، وإلى أين سيصل به المطاف.
لم يفهم شيئًا.
لا يعلم لماذا قال له هذا الرجل عبر الهاتف إن أمه تصارع الموت هنا، ولماذا أخته تعاني من صدمة.
فهو ترك أمه في المنزل منذ الصباح، تعد له وجبة الطعام التي يحبها كثيرًا، وشقيقته أنهت امتحانها في الجامعة وذهبت لتودع أصدقاءها.
كانت طبيبة المستقبل، المجتهدة التي لطالما رآها نبراس حياته.
فكيف حدث كل هذا في ساعات قليلة؟
كان يتمنى أن يكون ذلك الاتصال كاذبًا، مثلما يحدث في الأفلام.
ظل يحدث نفسه وهو يجري هنا وهناك مثل التائه:
اهدأ يا رضوان... لن يحدث شيء.
هو فقط اتصال كاذب، مثلما يحدث في الأفلام.
أجل... هو كذلك.
صعد الدرج بسرعة، بعد أن سأل عن مكان عائلته، فأجابته ممرضة.
ورغم شرود عقله والصراع الذي لم يهدأ بداخله، وصل إلى الردهة، وكانت بها بعض الأشخاص.
ركض فيها، لكنه توقف فجأة.
كانت هناك فتاة جالسة على أحد المقاعد، وجهها ملطخ بالدماء، ويداها تحملان آثار دم، وثيابها كذلك.
حدق بها.
لم يتعرف إليها في البداية.
ثم وقعت عيناه على حقيبتها... ساعة يدها... هيئتها.
عاد بظهره ببطء شديد، وكاد قلبه أن يتوقف من الخوف.
إذا كان الاتصال حقيقيًا...
أيعقل أن يكون حقيقيًا؟
أيعقل حقًا أن أمه تصارع الموت، وأخته تعاني من الصدمة؟
وقعت عيناه عليها من جديد.
هذه هي بالفعل... حبيبة.
تجمدت قدماه أمامها، وخفق قلبه بعنف وهو يراها على تلك الحال. كانت الدماء قد جفت على وجهها، ولم يستطع ابتلاع ريقه من شدة الخوف.
جاهد نفسه لينطق اسمها، فخرج صوته مرتجفًا:
ـ حـ... حبيبة!
رفعت عينيها إليه ببطء شديد.
كانت الحسرة تملأ ملامحها، ولم تستطع نطق كلمة واحدة.
عيناها شديدتا الاحمرار من البكاء.
أحس رضوان بانهيارها، فجثا على ركبتيه أمامها، وسألها بقلق وحيرة، وهو يتفحصها:
ـ دم مين ده يا حبيبة؟ وماما فين؟
هبطت دموعها مختلطة بالدماء، متساقطة على يد رضوان، وهي ترفع يدها مشيرة بإصبعها نحو الغرفة التي أمامها.
خرجت من بين شفتيها كلمات غير مفهومة، لكنها كانت تحمل إجابة واحدة.
التفت رضوان برأسه، فرأى غرفة ذات باب كبير، وعلى بابها لوحة كُتب عليها: «غرفة العمليات».
عقد حاجبيه بحيرة، ثم التفت إليها ليسألها مصدومًا:
ـ أمي في العمليات ليه؟ وإيه اللي مبهدلك كده؟ إيه اللي حصل؟
وأكمل بعينين تلتمعان بالدموع:
ـ أنا سايب أمي من الصبح في البيت. انطقي!
لم تجبه.
فنفد صبره، وأمسك يديها الاثنتين بقوة، مشيرًا بهما أمام وجهه، وهو يتحدث بحرقة تأكل قلبه:
ـ ردي عليا، أمي في العمليات ليه؟ ودم مين ده يا حبيبة!
بكت حبيبة بحرقة كبيرة، تكاد أن تميتها من الندم والحسرة، وقالت كلمات متقطعة، لكن من السهل ترجمتها:
ـ ده دم... دم ماما يا رضوان، دم ماما.
هرب الدم من جسده.
انتفض قلبه، وهز رأسه نافيًا، وكأنه يحاول أن يمنع الكلمات من الوصول إلى الحقيقة التي يخشاها.
وقبل أن ينطق حرفًا واحدًا ليعترض على ما تهذي به شقيقته، فُتح باب العمليات، وخرجت منه عدة ممرضات مسرعات، ينادين على طبيب آخر، فالحالة حرجة جدًا.
ثم جاء الطبيب على عجل، وفتح الباب على مصراعيه، ودلف مسرعًا.
وضعت حبيبة وجهها بين يديها، وبكت بحرقة.
أما رضوان، فاعتدل واقفًا، وتعالت وتيرة أنفاسه من الرعب الذي احتل قلبه.
رأى الطبيب ممسكًا بجهاز إنعاش القلب، يحاول إنقاذ أمه.
اقترب رضوان بخطوات ثقيلة حتى وقف عند عتبة الباب، لكن الباب أُغلق في وجهه.
رفع نظره إلى الزجاج.
كانت أمه هناك.
جسدها مستلقٍ بلا حول، والأطباء من حولها يحاولون انتزاعها من الموت.
امتلأت عيناه بالدموع.
لم يفهم كيف تحولت ساعات قليلة فقط إلى هذا الكابوس.
ظل ينظر إليها، وكأن عينيه وحدهما تستطيعان الوصول إليها.
وكأن قلبه يطلب منها أن تقاوم.
أن تبقى.
فهو ليس لديه سواها.
هي رفيقة دربه، وأول من احتواه، وآخر من كان يظن أن يفقده بهذه السرعة.
هبطت دموعه، وارتعشت شفتاه، وكثرت مدامعه.
بعد ثوانٍ، فُتح الباب.
اندفع رضوان نحوه مسرعًا، يبحث بعينيه عن الطبيب، ثم أسرع إليه يسأله بلهفة عن حالتها.
هز الطبيب رأسه بأسف، وبدت علامات القلق واضحة على وجهه، ثم وضع يده على كتف رضوان، قائلًا:
ـ الحادث كان مأساوي، وحالتها حرجة جدًا. أنا آسف، إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه، لكن حالتها محتاجة معجزة بجد.
ارتجف قلب رضوان، وتعلقت عيناه بوجه الطبيب، بينما أكمل الطبيب بنبرة هادئة:
ـ صلّي وادعي لها، لأن دلوقتي مفيش في إيدينا غير إننا نعمل اللي علينا، والتوفيق من ربنا.
جلس رضوان بجوار أخته في صدمة، يريد أن يعرف ماذا حدث.
مد يده إليها، وجفف دموعها، محاولًا تهدئتها، بينما كانت تنتحب بنحيب يتقطع له القلب، ثم قالت:
ـ ده دم... دم ماما يا رضوان، دم ماما. ماما خرجت معايا وإحنا بنعدي الطريق، ومشافتش عربية جاية بسرعتها كلها وخبطتها. سامحني يا رضوان، والله العظيم ما كنت أعرف إن ده هيحصل بسببي.
ثم نظرت إليه بتوسل:
ـ ماما هتعيش مش كده يا رضوان؟ هتعيش، عمرها ما هتسيبنا، مش كده؟
آهةٌ على قلبٍ متألم، تزيد به الجراح حزنًا، يليه حزنٌ آخر يمزق قلبه.
يريد أن يهرب بعيدًا، ولكن إلى أين؟
فالحزن ليس له جدران تحبسه، ولا أبواب حتى يغلقها بأقفال موصدة ويذهب. فالحزن لا يُرى، بل يلامس الروح ويمزقها، ويشعر به القلب فيبتره.
لم يدرِ أي ذنبٍ ارتكب حتى يُعاقب بسجن روحه بين ثنايا العذاب.
شعر أنه تائه في صحراء واسعة، لا يعرف كيف يخرج منها.
نظر إلى شقيقته، فوجدها منهارة أمامه.
فماذا يفعل معها؟
هل يلومها على ما حدث؟ أم يحتويها، وهي نفسها غارقة في الندم والخوف؟
أغمض عينيه، وجذب رأسها إلى صدره، وربت على كتفها وظهرها، مطمئنًا إياها بصوت جريح:
ـ هتعيش. أمي هتعيش يا حبيبة، عمرها ما هتسيبنا.
تعلقت بثيابه باكية، بصوت حزين يؤلم كل من يمر أمامها ويرى حالها.
مرت فترة قصيرة، وأتى كريم وعصام على الفور بعد علمهما بالأمر، ليقفا بجانب صديقهما.
بعد ثوانٍ، خرجت الممرضة من الغرفة التي بها زهرة، وسألت في الردهة عن رضوان.
فالمريضة بالداخل تسأل عنه باستمرار، وتهذي باسمه.
وما إن سمع ذلك، حتى دق قلبه بالأمل مجددًا.
جرى إليها، وقال:
ـ أنا رضوان، أنا ابنها.
أشارت إليه ليدخل.
دلف رضوان إلى الغرفة، فانقبض قلبه.
لم يتحمل رؤيتها هكذا.
وجدها على فراش كره شكله، وكره كل شيء في تلك الغرفة عدا أمه. أراد فقط أن يأخذها ويذهب من هنا.
مسح دمعه، واستمع إلى أنينها وهمهماتها وهي تنادي باسمه.
اقترب منها.
وكانت الصورة التي رآها أمامه أقسى من أن يحتملها.
صدرها مضمد، ورأسها ملتف بالضماد.
ثبتت الصورة في ذاكرة رضوان إلى الأبد.
حاول أن يكبح دموعه، لكنه فشل.
ارتجفت يداه، واقترب منها أكثر، محاولًا أن يجيبها، ونجح في هذه المحاولة قائلًا مرتجفًا:
ـ أنا جمبك يا أمي.
عمّ السكون قليلًا.
وهدأ قلبها بعد سماع صوته الذي تحبه أكثر شيء في حياتها.
أراد رضوان أن يجلس بجانبها، لكنه خاف أن يؤلم أي جزء من جسدها.
اقترب أكثر من رأسها، ووضع راحة يده بخفة على جرحها، ممسكًا يدها بيده الأخرى، مقبلًا إياها بندم على إهماله لها.
نسب كل التهم إلى نفسه.
شعر أنه المهمل الأول والأخير لما جرى.
وتمنى لو كان مكانها الآن، يحمل عنها كل الألم.
فتحت عينيها ببطء، وابتسمت لرؤيته أمامها، ثم تكلمت بصوت متهالك:
ـ رضوان، اتأخرت عليا ليه يا حبيبي؟
ارتجفت شفتاه، وقال بحب واضح:
ـ عمري ما اتأخر عليكِ يا حبيبتي. أنا جمبك.
ثم أكمل متسائلًا بنبرة مرتعشة:
ـ إيه اللي حصل يا أمي؟ وحادثة إيه دي؟
حاولت أن ترفع يدها إلى وجنته، لكنها فشلت.
ساعدها رضوان، وأمسك بيدها، ووضعها على خده، وربت عليها.
قالت:
ـ اللي حصل خلاص حصل، بس أوعدني إنك تخلي بالك من نفسك ومن حبيبة.
ثم نظرت إليه بابتسامة رقيقة، وتكلمت وهي تتنفس ببطء:
ـ عارف نفسي في إيه يا رضوان؟
انتبه لها، محاولًا أن يبتسم:
ـ إيه يا روح رضوان؟
وضعت يدها إلى جانبها، ونظرت إلى السقف، وهي تقول متمنية:
ـ كان نفسي أفضل جمبك وأشيل عيالك في حجري وأضحك على شقاوتهم من قلبي وأقول للناس شفته دول أحفادي. كل دول أحفادي من ابني ونور عيني رضوان.
مسح دموعه التي سالت، وجاهد أن يبتسم، لكنه لم يعرف هذه المرة.
ردد قائلًا بأمل واضح:
ـ هتفضلي جمبي بإذن الله، وهتشيلِ عيالي وعيال حبيبة كمان. وإنتِ اللي هتربيهم، وإنتِ اللي هتعملي لهم كل حاجة بإيديكِ.
ابتلعت لعابها متألمة بشدة، واغرورقت عيناها بالدموع، وهي تقول:
ـ مش كل حاجة بنحتاجها بتتحقق.
رفض تفكيرها قائلًا:
ـ لا، هتتحقق، ربنا يديكِ طولة العمر.
بترت حديثه، لتقول بأنفاس ثقيلة:
ـ مش وقته الكلام ده، أنا عايزاك تسمعني.
منعها من الحديث خوفًا عليها:
ـ أمي، ما تتكلميش، إنتِ تعبانة. لما تروقي وتخرجي بألف سلامة، تبقي قولي اللي إنتِ عايزاه.
لم تستجب لطلبه، وأفصحت عما في داخلها:
ـ أنا عايزة أوصيك، تخلي بالك من أختك حبيبة، حطها جوه عينيك. حابي عليها زي ما دايمًا بتعمل. أصل إنت جناحها وضِلها، حبيبة بتحبك يا رضوان، ولو عملت أي حاجة، اعرف إنها عملتها علشان بتحبك وبتخاف عليك. وأوعدني كمان إنك تحضر حفلة تخرجها بالبدلة زي ما وعدتني. أيوه، ما هي الدكتورة حبيبة العطار، أختك وبنتك، وأنا عارفة إنك هتفرح لها.
سكتت قليلًا لتأخذ أنفاسها، وابتلعت لعابها بصعوبة وألم بالغ وواضح:
ـ وزاد، زاد كمان بتحبك، وهترجعلك زي ما قلتلك، أنا عارفة. وأوعدني إنك عمرك ما تطلقها. دي بنت غلبانة ووحدانية، ما لهاش غيرك زي حبيبة.
لم يتحمل ما تقوله، وزاد ذلك من ألم قلبه وخوفه عليها.
جفف دموعها ودموعه أيضًا، وقال مبتسمًا بتصنع:
ـ طيب يا حبيبتي، هعملك كل اللي إنتِ عايزاه، بس فوقي واتعافي، وارجعيلي من تاني. بس دلوقتي الكلام غلط عليكِ، نامي دلوقتي وارتاحي.
ابتسمت له، وتعلقت عيناها به، وهي تقول برضا:
ـ ما عادش ينفع خلاص.
خفق قلبه.
جلس على الكرسي جوارها، ودخل الشك قلبه، وأردف بصوت متحشرج:
ـ ليه بتقولي كده يا أمي؟
ـ ما تقطعنيش يا رضوان، سيبني أتكلم. عايزاك تعرف حاجة مهمة.
انتبه لها بتركيز، وأمسك يدها بين كفيه:
ـ إيه يا حبيبتي؟
علقت عيناها بعينيه كأنها تحفظ ملامحه للمرة الأخيرة، وتحدثت بقلب أم راضٍ:
ـ راضية عنك، وقلبي داعيلك كل لحظة في حياتي. روحي وربي راضيين عنك، ربنا يحنن قلب الدنيا عليك يا رضوان يا ابن زهرة.
انزعج رضوان من هذا الحديث، وقال:
ـ أبوس إيدك، بلاش الكلام ده يا أمي.
لم تجبه.
شعر بثقل يدها بين كفيه.
نظر إليها، فوجد عينيها قد استقرتا بعيدًا.
جف حلقه.
ورجفت يده وهو ينطق متوجسًا:
ـ أم رضوان...
...
ـ ما بترديش عليا ليه؟
لم تجب زهرة.
استقام الخط على الشاشة بجوارها، ومالت رأسها بعيدًا.
توقف كل شيء في رضوان للحظة.
رفض عقله أن يفهم ما رأته عيناه.
أمه لن تتركه.
لن تذهب.
ليس بهذه السهولة.
وليس الآن.
تاهت عيناه بين ما يحدث في الغرفة، حين ركضت الممرضة لتنظر إلى الشاشة، وضغطت على الزر بجوار الفراش، ليدخل الطبيب مسرعًا.
مر كل شيء أمام رضوان كأنه يحدث لشخص آخر.
الطبيب يقترب.
الممرضة تتحرك.
الصمت يزداد.
وهو واقف لا يستطيع أن يفعل شيئًا.
ثم سحب الطبيب الغطاء، وغطى وجهها.
وقال:
ـ إنا لله وإنا إليه راجعون.
دخل كريم وعصام إليهما عند نطق تلك الجملة التي يجف لها الحلق عند سماعها.
أكمل الطبيب مواساته:
ـ البقاء لله وحده. إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه.
كذب رضوان كلمات الطبيب.
لم يرد تصديقها.
ودخل في نوبة هوجاء، يوجه حديثه إليه، منفعلًا فاقدًا أعصابه، بسؤال لا يهمه سواه:
ـ إنت بتغطي وشها ليه! هتتنفس إزاي دلوقتي؟ أنت عايز تموتها!
تنهد الطبيب، مقدرًا حالته.
فليس من السهل على الإنسان أن يفارق أحباءه، وليس أقسى من فراق الأم.
أما رضوان، فدخل في حالة من الصدمة، ونزع الغطاء عن وجهها مسرعًا، وأمسك وجهها بين يديه، قائلًا لها:
ـ شوفتي يا أمي، اللي بيعملوه هنا في المستشفى دول مهملين، وبيغطوا وشك. فاكر إني هصدق الهبل اللي بيقوله. افتحي عينيكِ، وردي عليه، كلميه، قوليله إنك معايا.
اقترب منه كريم مسرعًا، ممسكًا كتفه من الخلف:
ـ تعالى معايا يا رضوان، حرام اللي بتعمله ده، أمر الله ونفذ. ادعيلها بالرحمة.
نظر رضوان إليه، شاعرًا بشوك يغزو حلقه:
ـ يعني إيه؟ أمي ماتت؟
اقترب منه عصام ليواسيه:
ـ شد حيلك يا رضوان، إن الصبر عند الصدمة الأولى.
أكمل كريم بغصة في حلقه هو الآخر:
ـ إنت لازم تجمد علشان خاطر أختك اللي واقفة بره دي ولسه متعرفش. ملهاش غيرك.
نظر رضوان إلى كريم، ودموعه تنهمر بلا حساب، عاجزًا عن استيعاب ذلك المصاب الجلل الذي أصاب قلبه.
ثم نظر إلى أمه الساكنة على الفراش.
إلى الجسد الذي فارقته الروح.
وقامت الممرضة بتغطية وجهها مرة أخرى.
ظل رضوان ناظرًا إليها.
لم يتحرك.
كأن الزمن توقف فجأة.
وكأن كل شيء في العالم ما زال يسير، إلا هو.
لم يعد يسمع أصواتهم بوضوح، ولا يشعر بمن حوله.
فقط يرى أمه.
أمه التي كانت منذ ساعات قليلة تنتظره على مائدة الطعام.
أمه التي وعدته أن تعد له ولزاد الطعام الذي يحبانه.
أمه التي احتضنته قبل أن يخرج، ودعت له أن يعود إليها سالمًا.
والآن...
لن تناديه مرة أخرى.
لم يستطع جسده حمل الحقيقة.
ارتخت ملامحه، وانطفأت عيناه، وانحنى ظهره كأن شيئًا ثقيلًا سقط فوقه فجأة.
أبكى ذلك المشهد أصدقاءه الذين رأوه للمرة الأولى بهذا الانهيار.
نعم...
لقد كُسر ظهر رضوان بموت أمه.
أما حبيبة، فعندما علمت بموت أمها، انفجرت مشاعرها دفعة واحدة.
تأجج الحزن في قلبها، وانفطر فؤادها لسماع الخبر الذي هدم آخر ما تبقى من تماسكها.
كانت أمها عالمها كله، وملاذها الآمن الذي تلجأ إليه عند كل محنة.
وعندما علمت بالخبر، شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها.
جثت على ركبتيها، وانهمرت دموعها، وهي تحاول أن تصدق أن اليد التي كانت تمسح على رأسها، والصوت الذي كان يطمئنها، والحضن الذي كان يسعها في كل مرة، أصبح الآن ذكرى لا تستطيع الوصول إليها.
لم يكن الفراق بالنسبة إليها غياب شخص.
كان غياب الأمان نفسه.
تولى كريم مسؤولية إنهاء إجراءات المشفى، وبحزم وصبر تنقل بين المكاتب، وملأ الاستمارات اللازمة، بينما وقف عصام بجانبه يساعده في كل خطوة.
كانا يعملان معًا كفريق متماسك، عازمين على تخفيف العبء عن كاهل رضوان.
وبعد إنهاء الإجراءات، مرت الليلة عليهم بصعوبة بالغة.
وأشرقت شمس يوم جديد.
يوم حزين على كل من عرف زهرة.
تم دفنها بسلام، وعاد كريم وعصام إلى رضوان في منزلهما، ليؤمنا له الدعم والعزاء في هذا الوقت العصيب.
عند الظهيرة، وصل حسين وزاد إلى الفيلا أخيرًا.
بعد أن استقبلته صباحًا في المطار، كانت زاد تمسك بيد والدها، وهي تشعر بالراحة لوجوده بجانبها.
لكن عند باب الفيلا، فجأة انطلق صوت سيارات الشرطة وهي تقترب بسرعة.
تجمدت زاد في مكانها، وهي ترى رجال الشرطة يقتربون من والدها.
صرخت بخوف وارتباك:
ـ إيه اللي بيحصل يا بابا؟
حاول حسين أن يطمئنها، لكنه لم يستطع.
تقدم الضابط بخطوات ثابتة نحو حسين، وقال بلهجة صارمة:
ـ اتفضل معانا على القسم ومن غير شوشرة.
تعجب حسين، وقال:
ـ أظن إنك جاي عنوان غلط.
ـ إزاي غلط؟ إنت حسين المالكي، رجل أعمال، يعني معروف، ومن الصعب نغلط في حاجة زي كده. وبعدين أنا معايا إذن نيابة بالقبض عليك.
انتفض قلب زاد، وصرخت بهم قائلة:
ـ وإيه يعني إذن نيابة، بس تقدر تقول بتهمة إيه إنك تقبض عليه!
أجابها الضابط:
ـ الاتجار في اللحوم الفاسدة.
انهارت زاد بالبكاء، وهي تشعر بالعجز والخوف على والدها بعدما أخذته الشرطة.
أسرعت بمهاتفة عمها نجيب لتستنجد به، فرد عليها الآخر متفاجئًا، وحاول أن يطمئنها، وأخبرها أنه سيذهب إليه في الحال ليعرف ماذا يجري.
عندما علم عزت بوفاة أم رضوان، لم يكن يتوقع أن تصل الأمور إلى هذا الحد.
ورغم شره وخبثه اللذين أخفاهما عن الجميع، أدرك أن هذه المرة تجاوزت كل الحدود.
بوجه متجهم، ونظرات مليئة بالحنق والحقد المكتوم، توجه عزت إلى الشركة بخطوات واثقة تعكس شخصيته الماكرة.
التقى بالشخص الذي كان يعرف دوره في المؤامرة، وبنبرة باردة بدأ في توجيه الاتهامات إليه.
كان يحاول أن يظهر كأنه يبحث عن العدالة، لكن في أعماقه كان يغلي من الغضب والخوف من انكشاف دوره الحقيقي.
وبصوت مخنوق بالحقد والارتباك، قال:
ـ إحنا متفقناش على كده يا سعادة الباشا، متفقناش على القتل. أم رضوان ماتت، وإنت السبب.
كانت كلماته تخرج كالسكاكين، تكشف عن توتره الداخلي ورغبته في إلقاء اللوم على شخص آخر لتبرئة نفسه.
في وقت ما، سيدرك الجميع أن عزت ليس كما يبدو، وأن هناك وجهًا آخر له، وجهًا لم يظهره من قبل.
