رواية كيفك انت الفصل الثامن عشر
بعد مرور عدة أشهر...
عاد يحيى إلى لندن من جديد.
ومنذ عودته، عاد إلى عمله بالمستشفى، وكأن الأشهر التي قضاها بعيدًا لم تكن كافية لإيقاف حياته لحظة واحدة.
وفي ذلك اليوم...
كان يحيى قد انتهى للتو من إجراء عملية جراحية استغرقت عدة ساعات.
خرج من غرفة العمليات، واتجه إلى غرفته حتى يغير ملابسه ويستريح قليلًا.
وبعد دقائق...
خرج يحيى من الغرفة بملابسه العادية، وما إن سار في الممر حتى جاءه صوت النداء الآلي:
ـ الدكتور يحيى... هناك من يريد مقابلتك في الاستقبال.
توقف يحيى للحظة، ثم ابتسم وهز رأسه.
يحيى:
ـ أكيد لوجين... أكيد.
اتجه إلى الاستقبال، وبالفعل وجد لوجين تنتظره.
وما إن رأته حتى تغيرت ملامحها من القلق إلى الفرح، وركضت نحوه دون تردد.
لوجين:
ـ إيه الغيبة دي كلها؟! وحشتني!
ابتسم يحيى وهو ينظر إليها.
يحيى:
ـ وإنتِ أكتر.
اقتربت منه وهي تتأمله باهتمام.
لوجين:
ـ إنت تعبان؟
يحيى:
ـ شوية... العملية كانت طويلة.
لوجين:
ـ عملية إيه؟
يحيى:
ـ عملية جراحية، وخلصت الحمد لله.
تنفست لوجين براحة.
لوجين:
ـ الحمد لله... المهم إنك رجعت بالسلامة.
ابتسم يحيى.
يحيى:
ـ وحشتيني إنتِ كمان.
ابتسمت لوجين بسعادة، ثم قالت:
لوجين:
ـ طب قولي بقى... اختفيت كل الفترة دي ليه؟
يحيى:
ـ الشغل والسفر... والدنيا أخدتني.
نظرت إليه لوجين بنظرة تحمل عتابًا خفيفًا.
لوجين:
ـ وأنا؟
صمت يحيى لحظة.
ثم ابتسم وقال:
يحيى:
ـ إنتِ ليكي مكان تاني.
لوجين:
ـ مكان فين؟
ضحك يحيى.
يحيى:
ـ في دماغي دلوقتي، ومش هعرف أجاوبك وأنا واقف هنا.
ثم أضاف:
يحيى:
ـ تعالي ناخد قهوة في أي مكان.
لوجين:
ـ دلوقتي؟
يحيى:
ـ أيوه.
لوجين:
ـ وإنت لسه خارج من عملية!
يحيى:
ـ أنا دكتور يا لوجين، متقلقيش عليا.
ضحكت.
لوجين:
ـ ماشي يا دكتور.
اتجها معًا نحو باب المستشفى.
لكن قبل أن يخرج يحيى...
توقف للحظة.
شعر بذلك الإحساس القديم يعود من جديد.
اسم واحد مر في ذهنه دون استئذان...
زهرة.
خفض عينيه للحظة.
يحيى:
ـ يا ترى أخبارك إيه؟
انتبهت لوجين إلى شروده.
لوجين:
ـ يحيى؟
رفع عينيه إليها سريعًا.
يحيى:
ـ نعم؟
لوجين:
ـ سرحت في إيه؟
ابتسم يحيى محاولًا إخفاء ما بداخله.
يحيى:
ـ ولا حاجة... يلا بينا.
خرج الاثنان من المستشفى.
كانت لوجين سعيدة بعودته، بينما كان يحيى يحمل بداخله سؤالًا لم يجد له إجابة حتى الآن.
هل يعود إلى حياته القديمة مع لوجين؟
أم أن الماضي الذي ظن أنه انتهى...
كان يستعد للعودة من جديد؟
في الكافيه...
كان الصمت يسود المكان، لا يُسمع سوى أصوات خافتة من حولهما.
كانت لوجين تجلس أمام يحيى، تنظر إليه منتظرة أن يقول شيئًا.
أما يحيى، فكان يقلب فنجان القهوة بين يديه، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة.
وبعد لحظات...
رفع عينيه إليها، وقال بهدوء:
يحيى: ـ لوجين...
لوجين: ـ نعم؟
ظل ينظر إليها للحظات، ثم قال فجأة:
يحيى: ـ تتجوزيني؟
تجمدت لوجين في مكانها.
لم تصدق ما سمعته.
وبسبب شدة فرحتها، حاولت أن تبدو هادئة جدًا، فردت بكل برود:
لوجين: ـ طيب... ماشي.
ظل يحيى ينظر إليها لثوانٍ، ثم انفجر ضاحكًا.
يحيى: ـ هو إيه اللي "ماشي طيب"؟!
لوجين: ـ إيه؟
يحيى: ـ بقولك تتجوزيني!
ضحكت لوجين، ثم برقت عيناها بالسعادة وقالت:
لوجين: ـ آه طبعًا!
يحيى: ـ كده أحسن.
لوجين: ـ إنت عارف أنا مستنية الكلمة دي من قد إيه؟
ابتسم يحيى، ثم قال:
يحيى: ـ طيب قولي لباباكي إني هنزل معاكي علشان نتجوز.
اتسعت عينا لوجين.
لوجين: ـ ننزل مصر؟
يحيى: ـ طبعًا.
لوجين: ـ ليه؟
ابتسم يحيى:
يحيى: ـ الأصول يا لوجين.
ضحكت لوجين وهي لا تزال غير مصدقة أن حلمها تحقق أخيرًا.
لوجين: ـ يعني إنت قررت فعلًا؟
نظر إليها يحيى بهدوء.
يحيى: ـ أيوه... قررت.
لوجين: ـ ومفيش تراجع؟
يحيى: ـ مفيش.
ابتسمت لوجين، وامتلأت عيناها بالفرحة.
لكن يحيى...
ظل للحظات صامتًا.
كان قد اتخذ قراره بالفعل.
أو هكذا كان يحاول أن يقنع نفسه.
فربما الزواج من لوجين هو الطريق الذي سيجعله يغلق صفحة الماضي نهائيًا.
وربما...
كان القدر يخبئ له شيئًا آخر تمامًا.
أما في مصر...
فلم تكن زهرة تعلم أن اسمها سيعود قريبًا إلى حياة يحيى من جديد.
بقلم ميادةيوسف الذغندى
في المدرسة...
كانت زهرة تسير في الممر حاملة بعض الكتب، متجهة إلى فصلها، وفجأة سمعت صوتًا يناديها من خلفها.
زميلها: ـ زهرة... استني.
توقفت زهرة، ثم التفتت إليه بضيق.
زهرة: ـ عايز إيه يا كريم؟
اقترب منها وهو يبدو غاضبًا.
كريم: ـ يعني إنتِ مصممة ترفضي الجواز مني؟
نظرت إليه زهرة باستغراب.
زهرة: ـ أيوه، وأنا قلتلك قبل كده إن الموضوع ده مش مناسب ليا.
رفع صوته أمام الطلاب الموجودين في الممر.
كريم: ـ ومين قالك إنك من حقك ترفضي؟!
بدأ بعض الطلاب يلتفتون إليهما، وتجمع عدد منهم حولهما.
زهرة: ـ من حقي طبعًا، ده قرار يخصني.
كريم: ـ يعني كل مرة أكلمك تقولي لأ؟! طب أنا عملتلك إيه؟
زهرة: ـ إنت معملتش حاجة، بس أنا مش عايزة أتجوزك. وده سبب كفاية.
ضحك أحد الطلاب من بعيد، فزاد ذلك من غضب كريم.
كريم: ـ أكيد في حد تاني!
صمتت زهرة للحظة، ثم قالت بحزم:
زهرة: ـ حتى لو فيه، ده مش من حقك تسألني.
كريم: ـ لأ، أنا لازم أعرف!
زهرة: ـ مش لازم تعرف أي حاجة.
ارتفع صوته أكثر:
كريم: ـ إنتِ فاكرة نفسك مين؟
ردت زهرة بثبات رغم إحراجها من تجمع الطلاب حولهما:
زهرة: ـ أنا واحدة قالتلك لأ، والمفروض تحترم كلمتي.
وفجأة...
ظهر صوت حازم من خلف الطلاب:
مديرة المدرسة: ـ في إيه هنا؟!
التفت الجميع إليها، وساد الصمت فورًا.
اقتربت مديرة المدرسة منهم، ونظرت إلى كريم ثم إلى زهرة.
مديرة المدرسة: ـ أنا سمعت صوت عالي من آخر الممر. إيه اللي حصل؟
تفرق بعض الطلاب، بينما ظل الآخرون واقفين في أماكنهم.
كريم: ـ مفيش يا مدام.
مديرة المدرسة: ـ مفيش؟! أمال كل الطلبة متجمعين ليه؟
ثم التفتت إلى زهرة.
مديرة المدرسة: ـ وإنتِ يا زهرة، حصل إيه؟
زهرة: ـ هو كان بيتكلم معايا، ولما قلتله إني مش موافقة أتجوزه، بدأ يعلي صوته عليا قدام الطلبة.
نظرت المديرة إلى كريم بصرامة.
مديرة المدرسة: ـ إنت طلبت منها الجواز ورفضتك؟
كريم: ـ أيوه، بس أنا...
قاطعته المديرة:
مديرة المدرسة: ـ والرفض ده مديك الحق تضايقها أو تعمل مشكلة قدام زملائها؟
خفض كريم عينيه ولم يرد.
مديرة المدرسة: ـ تعال معايا على مكتبي حالًا.
كريم: ـ بس يا مدام...
مديرة المدرسة: ـ مفيش بس. يلا.
ثم التفتت إلى زهرة وقالت بهدوء:
مديرة المدرسة: ـ وإنتِ ادخلي فصلك، ومتقلقيش. الموضوع هيتاخد بجدية.
هزت زهرة رأسها.
زهرة: ـ حاضر.
اتجهت زهرة إلى فصلها، بينما غادرت المديرة مع كريم إلى مكتبها.
جلست زهرة في مكانها، وأسندت ظهرها إلى الكرسي، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كانت كلمات كريم لا تزال تتردد في أذنها.
لكنها كانت متأكدة من شيء واحد...
رفضها لأي شخص لا يجعلها مخطئة.
فتحت كتابها محاولة أن تنسى ما حدث، وهي لا تعلم أن الأيام القادمة ستضعها أمام مفاجأة أكبر بكثير....
