رواية وكأن ذنبي عظيم الفصل التاسع عشر
"فقدان الأم هو غياب حضن الأمان الأول، وسكون الصوت الذي كان يملأ البيت حبًا وسكينة. هي غصة في القلب لا تزول، ولكن في عمق الحزن نكتشف قوة الحب الذي يبقى بعد الرحيل. إن الأم تبقى في كل زاوية من حياتنا، في ضحكاتنا ودموعنا، وفي كل ذكرى تحمل عبق وجودها."
خيّمت سحابة من الحزن والكآبة على منزل عائلة رضوان. فالبيت الذي لطالما امتلأ بالدفء والضحكات، عمّه الآن صمت ثقيل، وبدا كل ركن فيه وكأنه يفتقد صوت زهرة ووجودها.
جلس رضوان في زاوية الصالة، بعينين شاردتين، كأنه يبحث عن ملامح أمه بين الذكريات. كانت يداه ترتجفان وهو يعبث بخاتمها الذي تركته على الطاولة قبل خروجها. لم يكن قادرًا على مواجهة الحقيقة؛ فالفراغ الذي تركته في قلبه كان أكبر من قدرته على الاحتمال.
وفي الجهة الأخرى، وقفت حبيبة أمام نافذة غرفة النوم، بعينين محمرتين من كثرة البكاء. كانت تتذكر لمسات أمها وصوتها وضحكاتها، وكأن كل شيء حولها فقد معناه منذ غيابها.
وفي وسط هذا الحزن، امتزجت همسات الجيران والأقارب بكلمات التعزية، لكن لا كلمة كانت قادرة على ملء الفراغ الذي خلفته زهرة.
أما عزت، فكان حزنه مختلفًا.
بعدما كشف عن وجهه وبانت أنيابه الخفية خلف ثوبه المرقع بصدق الحياة، وأنه شخص جيد وصديق وفيّ لرضوان، وافق بسهولة على هدم بنيان صديقه. لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه الآن.
كان الحزن يضغط على صدره منذ أن خرج من العزاء. لم يستطع نسيان ما حدث، ولا نسيان زهرة التي لطالما عاملته كابن لها. ظل وجهها يلاحقه، وكذلك صورة حبيبة وهي تبكي في عزاء أمها، وانكسار رضوان أمامه وهو يطلب منه أن يظل بجواره ليستقبل العزاء؛ لأن زهرة كانت تعتبره واحدًا من أبنائها.
كانت تلك الجملة عالقة في رأسه حتى الآن.
خطت قدماه شوارع كثيرة بعد أن ترك العزاء، حتى وصل إلى منزله منهكًا. وما إن دلف إلى الداخل حتى ألقى بجسده على أريكة الصالة، وأخفى وجهه بين يديه للحظات.
لم تمضِ دقائق حتى أتت إليه رباب، وعيناها محمرتان إثر البكاء، وقالت بحزن واضح:
ـ عملت إيه في العزا يا عزت؟ أنا مش مصدقة اللي حصل مع رضوان، أمه ماتت، خالتي زهرة ماتت.
رفع عزت رأسه إليها ببطء. كان وجهه متعبًا، وعيناه تحملان حزنًا حقيقيًا لم تستطع رباب أن تشك فيه.
ابتلع لعابه، فهو مثقل من الداخل بما لا يتحمله أحد. جلست رباب بجانبه، وانهمرت دموعها بحرارة؛ فقد شعرت هي الأخرى بتأنيب الضمير. في آخر لقاء بينها وبين زهرة، سببت لها جرحًا عميقًا وعاملتها بشكل سيئ، ونسيت أنها من أحبّتها بصدق ورحبت بها في جميع الأوقات.
ازداد بكاؤها حسرة على رضوان، فهي تعلم إلى أي مدى يحب أمه، وقالت من بين أنينها:
ـ الله يرحمك يا خالتي زهرة، أنا مش مصدقة، يا ترى حبيبة عاملة إيه دلوقتي؟ قوم يا عزت، قوم لازم نقف معاهم، ولازم أروح أطيب بخاطر حبيبة.
رفع عزت عينيه إليها، وراقب دموعها وإصرارها على الذهاب، حتى تبدلت ملامحه شيئًا فشيئًا. اختفى الحزن الذي كان يسكن عينيه، وحل مكانه غضب مكتوم ظل يتراكم داخله طويلًا.
اعتدل واقفًا، وأمسك ذراعها بقوة، وقال بعيون حمراء تحمل الكره والشر، كاشفًا عما بداخله:
ـ عايزة تروحي لحبيبة تطيبي خاطرها ولا خاطر رضوان يا رباب!
نظرت إليه في صدمة، بينما أكمل على الوتيرة نفسها:
ـ وإيه عياطك بالطريقة دي؟ معقول كل القهر اللي أنتِ فيه ده علشان موت زهرة، ولا زعل على رضوان!
لم تستطع أن تغلق عينيها من شدة الصدمة من تصرفه وطريقته واتهامه، وهمست:
ـ إيه الكلام ده يا عزت؟ مالي ومال رضوان دلوقتي؟
انفجر بها بصوت كالنار:
ـ علشان رضوان ده حبيب القلب بتاع زمان.
سحبت ذراعها منه بقوة وقامت، وقد تجمدت ملامحها خوفًا من أن يكون قد علم بما كان بينها وبين رضوان قديمًا، وقالت بارتباك:
ـ أنت جرى لمخك حاجة؟ إيه الهبل اللي أنت بتقوله ده؟
صفعها حتى بتر كلامها.
تجمدت في مكانها، ووضعت يدها على خدها، بينما أمسك هو كتفيها بقوة، وحدق فيها بعينين لم ترَهما من قبل.
كشف عن وجهه قناعًا آخر، وقال:
ـ لا، مش هبل يا رباب. وأوعي تكوني فاكرة أني عبيط أو إني الواد عزت الأهبل اللي حبك واتجوزك علشان تغفليه. لا، ده أنا واعي قوي ومصحصح لكل حاجة كانت بتحصل.
ثم اقترب من وجهها وقال:
ـ أنا آه، اتجوزتك علشان بحبك، بس في نفس الوقت خدتك من رضوان. ما هو مش كل حاجة أبصلها وأحط عيني عليها، رضوان ياخدها مني على الجاهز.
علت وتيرة أنفاسها، واتسعت عيناها في ذهول. للحظة شعرت أنها لا تعرف الرجل الواقف أمامها، وكأن السنوات التي عاشتها معه لم تكن كافية لتكشف لها حقيقته.
استشاطت غضبًا، وتجمدت دموعها في عينيها، وهي تردد بعنف:
ـ يعني كنت عارف يا عزت!
ـ أيوه، كنت عارف كل حاجة.
ـ عارف أني بحب واحد غيرك وبرضه خدتني؟ تصدق أنا ما كنتش أعرف أنك واحد واطي كده!
صفعها مجددًا، فسقطت أرضًا.
جثا بجانبها، وأمسك ذراعها بقوة، دون أن يرق قلبه لها، ولا لجنينها الذي تحمله بداخله، وقال بكل وضوح:
ـ لما كنت بشوفك وأنتِ طالعة البلكونة وبتبصي علينا، وإحنا قاعدين على القهوة، كنت فاكر أنك بتبصي عليا أنا، وساعتها كان قلبي هينط من مكانه.
سكت لثوانٍ، وهو يرى الخوف يتسلل إلى عينيها. وللمرة الأولى، بدا لها كأنه شخص آخر تمامًا.
ابتعد عنها وعاد واقفًا، ثم أكمل في حزن امتزج بالحقد:
ـ من لما وعيت في الحارة دي وعرفت يعني إيه حب، لقيت نفسي بحبك أنتِ، ومش عايز حد غيرك. كنت بموت في اليوم ألف مرة من فكرة أنك بنت معلم ومسنودة ومن عيلة كبيرة ومتعلمة. قلت: يا واد يا عزت، بطل تحلم حلم عالي عليك، بعيد قوي. بقى معقول رباب بنت المعلم صفوت تبصلك أنت، يا حتة حداد! لحد ما في يوم عرفت أنك ميالة لرضوان، وظروفه نفس ظروفي وحالة زي حالي ويتيم. حسيت بالنار هتطلع من نفوخي. راسي دي كانت بتغلي من الغيرة عليكِ، حاسس أني بجري ورا حاجة مش متشافه لأي حد. ما فيش غيري بس اللي شايفها، ومش قادر أمسكها ولا أطولها. وبالصدفة عرفت قد إيه أمك بتكره رضوان، ومن ساعتها رميت سمي في عقلها، وعملت كل حاجة علشان أخلي أمك ترفض رضوان، وذليت نفسي وقلتلها: أنا خدامك، بس جوزيني بنتك. قالت: ما تخافش يا عزت، رباب مش هتكون لحد غيرك. ياه على الفرحة يا رباب! وقتها كان نفسي كل الناس تشوف قلبي بيرقص إزاي، بس عارف إن ما فيش حد هيفرحلي، حتى رضوان.
ثم التفت إليها وعلى ثغره ابتسامة انتصار، وقال بتوعد:
ـ وخدتك وبقيتي ليا وملكي ومن نصيبي، مع أني عارف أن قلبك مع غيري. قلت: يا واد استحمل، هي برضه معذورة، ما تعرفش أني رايدها من زمان. عاملها بالراحة، واحدة واحدة هاتلين، وهتنسى رضوان واللي خلفوه.
ثم صر على أسنانه واقترب منها، وجذبها من شعرها وسط صراخها، ليكمل بعنف:
ـ بس فشلت يا رباب. عملت خدي مداس علشان تحبيني. استحملت كلامك عنه وسكت. استحملت أنك تروحي تعايني مراته وتشوفيها أحلى منك ولا لأ، وبرضه سكت. استحملت أنك تتصلي عليه بدل المرة عشرة وسكت. استحملت غيرتك عليه من مراته وضربتيها وبرضه سكت، وكل ده ما خلاش قلبك يلتفتلي ولو بشوية حب أرد بيهم روحي. لا، فضلتي مكملة ودايسة عليا.
ثم ضغط على عنقها بيديه، فكادت تموت رعبًا، وأخذت تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقال مهددًا بشر:
ـ ورحمة أبويا وأمي اللي ما أعرف هما مين يا رباب، لو ما اتعدلتي معايا، لا تشوفي أسود أيام حياتك. ولو جبتِ سيرة لحد، لا هكون محسرك على نفسك.
ثم ابتسم ابتسامة باردة، وأكمل بخبث:
ـ وهحسرك على رضوان كمان زي ما اتحسر على أمه.
توقفت الكلمات في حلقها.
حدقت رباب فيه، وقد انطفأت كل محاولات المقاومة في عينيها للحظات. لم تعد ترى أمامها الزوج الذي أحبها واحتواها، ولا الرجل الذي ظنت أنها قادرة على السيطرة عليه.
رأت وجهًا آخر تمامًا.
وجهًا كان مختبئًا خلف سنوات من الصمت، ينتظر اللحظة التي يسقط فيها القناع.
ارتجفت شفتاها، وتراجعت عنه بجسدها، بينما كانت يدها ترتعش فوق موضع عنقها، تحاول استيعاب ما حدث.
أما عزت، فظل واقفًا أمامها، يراقب خوفها بصمت، وقد اختلط في داخله الحقد بالغيرة، والحب القديم بالرغبة في الانتقام.
وكان أكثر ما يرعبها الآن أنها أدركت الحقيقة متأخرة...
أنها لم تكن تعرف زوجها كما كانت تظن.
بعد عدة أيام من اعتقال السيد حسين بتهمة الاتجار في اللحوم الفاسدة وتحويله إلى النيابة وحبسه على ذمة القضية، جُدّد حبسه مرة أخرى خمسة عشر يومًا على ذمة التحقيقات.
وبذل نجيب مجهودًا كبيرًا حتى لا تصل هذه الأخبار إلى الصحافة، فالأمر بالنسبة إليه لا يزال يحمل الكثير من علامات الاستفهام، ولا بد أن هناك سوء فهم أو لبسًا في القضية.
أما زاد، فمنذ ذلك اليوم لم تذهب إلى أي مكان سوى الشركة وقسم الشرطة للاطمئنان على والدها. كانت تعيش على أعصابها، لا يهدأ لها بال، ولا تستطيع أن تفكر في شيء سوى أن يخرج والدها من محنته سالمًا.
ذهبت هذا الصباح إلى الشركة، وجلست مع عدد من المحامين، ترجتهم بإصرار أن يبذلوا كل ما يستطيعون لإخراج والدها من هذه التهمة الباطلة. وبعد أن طمأنوها أنهم سيفعلون كل ما في وسعهم، غادروا بعد وقت.
جلست زاد على كرسي المكتب بتهالك، وأسندت ظهرها إليه، وأغمضت عينيها للحظات. كانت تشعر أنها استنفدت كل طاقتها، وأنها بحاجة إلى شخص واحد فقط تشعر معه أنها ليست وحدها.
رضوان.
مدت يدها إلى هاتفها بتردد. أرادت أن تخبره بما حدث، أن تسمع صوته، وربما تقول له ببساطة: «ابقَ بجانبي هذه الفترة، أحتاجك بشدة.»
بحثت عن اسمه، وقبل أن تضغط على زر الاتصال، دلف نجيب إلى المكتب بوجه عابس.
وضعت الهاتف سريعًا، ثم نهضت واتجهت إليه:
ـ ها يا عمو! طمني إيه الجديد.حصل حاجة؟
جلس نجيب على أريكة المكتب بجسد منهك، وفك رباط عنقه، وبدا الإجهاد واضحًا على ملامحه، ثم قال بنبرة حزينة:
ـ للأسف يا زاد، النيابة جددت له الحبس ١٥ يوم على ذمة التحقيق.
اتسعت عيناها، وكأنها لم تعد تحتمل خبرًا آخر، وقالت:
ـ مستحيل .ليه بيحصل معانا كل ده؟ بابا بريء.
ثم نظرت إليه مترجية:
ـ اعمل حاجة يا عمو، بابا مش لازم يتسجن. دي مصيبة، بابا بريء، عمره ما يعمل حاجة زي كده أبداً.
ربت على كتفها لتهدأ، وقال:
ـ للأسف، حاولت، لكن المصيبة الكبيرة إن التهمة لابساه، والطب الشرعي أثبت إن كمية اللحمة كلها منتهية الصلاحية وخارجة من مزرعة والدك، وعليها كمان ختم مزور، والعميل الجديد ده مش هيسكت.
تعالت أنفاسها وردت بضياع:
ـ بس ده ما حصلش، بابا قبل ما يسافر بيوم أنا سمعته بنفسي وهو بيتكلم في التليفون وقال لأنكل توفيق: خلي بالك، العميل ده تاني مرة يتعامل معانا، وعجبه التعامل معانا، وعايزك تورد لهم أحسن حاجة عندنا. يبقى إزاي تكون اللحمة فاسدة؟ بس أنا هتجنن.
أمسك نجيب رأسه، وقال:
ـ مش عارف أفكر، دماغي واقفة. توفيق وأنا متأكدين إن حد خطط علشان يوقع أخويا في المصيبة دي.
فكرت زاد في الحال، وقالت:
ـ طيب، لو نروح للشخص اللي قدم البلاغ ونتفاهم معاه، ونشرح للعميل ده إن بابا لا يمكن يعمل كده أبداً، وأكيد في حد عايز يوقع بابا. ونقوله يتنازل عن القضية.
تنهد نجيب وقال:
ـ أنتِ فاكرة الموضوع هيخلص بالسهولة دي يا زاد؟ خلاص، دي أصبحت قضية وهتبقى قضية رأي عام، ولو حتى العميل ده تنازل، القضية هتفضل شغالة. دي لحمة فاسدة يا زاد، يعني أرواح بتروح وناس بتموت بسبب التسمم، واللي اسمه صفوت الدويقي ده عمره ما هيتنازل، ده شكله راجل غتت.
ما إن نطق نجيب بالاسم حتى تجمدت ملامح زاد.
صفوت الدويقي.
ظلت تحدق أمامها للحظات، وكأن الاسم أعاد إليها شيئًا حاولت ذاكرتها أن تضعه في مكان بعيد. ثم بدأت الصور تتلاحق في رأسها... رباب، والدها، رضوان، وما حدث لوالدها، ثم هذا الاسم الذي لم يأتِ صدفة الآن.
رفعت عينيها ببطء إلى نجيب، واتسعتا شيئًا فشيئًا.
ـ صفوت الدويقي...
همست بالاسم وكأنها تختبره على لسانها، ثم عادت بها ذاكرتها إلى ما سمعته من قبل، وإلى كل ما حدث في الأيام الماضية.
بدأت الخيوط تتجمع أمامها واحدة تلو الأخرى.
لم تكن مصيبة والدها منفصلة عن كل ما سبق.
شعرت ببرودة تسري في أطرافها، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف، وكأنها وصلت فجأة إلى إجابة كانت تخشاها منذ البداية.
رباب.
لم تكن بحاجة إلى دليل آخر كي تعرف من أين بدأت الحكاية.
رفعت يدها إلى فمها للحظات، ثم أنزلتها ببطء، وتحولت ملامحها من الصدمة إلى غضب مشتعل.
كل هذا بسبب رضوان.
حتى بعد أن ابتعدت عنه، وحتى بعد أن حاولت أن تبدأ حياة جديدة، لم يتركها الماضي وشأنها.
اشتعلت النار في قلبها، ونهضت فجأة، واتجهت إلى المكتب، ثم أخذت تزيح كل ما عليه بيديها، فسقطت الأوراق والأقلام أمامها، وهي تصرخ بكل ما تراكم بداخلها من قهر وغضب:
لقد نجح رضوان في الانتقام منها.
مضى يومٌ آخر...
وفي الصباح، كانت حبيبة تقف في المطبخ لإعداد الفطور لأخيها، مرتديةً ثيابها السوداء حزنًا على فراق أمها.
توسطت المكان في صمت، وعيناها تجولان في أرجائه وكأنها تبحث عن شيءٍ تعرف جيدًا أنها لن تجده. كل زاوية في المطبخ كانت تحمل أثرًا من أمها؛ مكان وقوفها، صوتها، حركتها المعتادة، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن حبيبة تلتفت إليها من قبل.
رأتها في خيالها تقف أمام الثلاجة وهي تحدثها بمزاح، ثم رأتها أمام موقد الغاز، تتذوق الطعام الذي أعدته وتقول لها:
ـ شوفي كده يا حبيبة، لا يكون ناقص ملح! أنا عارفاكي ذواقة.
ثم انتقلت عيناها إلى زاوية أخرى، فتذكرتها وهي تقطع لها بعض الكيك وتقدمه إليها بحب كبير:
ـ امسكي كلي دول تصبيرة لما أخوكي ييجي ونسهر كلنا مع بعض.
ثم جاءها صوتها من مكانٍ أبعد في الذاكرة، حنونًا وحازمًا في الوقت نفسه:
ـ حبيبة، قومي صلي الصلاة في وقتها. والله لو ما قمتي لأتصل على أخوكي يتصرف معاكي.
وأيضًا تذكرتها وهي تداعبها وتضحك بصوت عالٍ:
ـ يا بت، بس نفسي هيتقطع من الضحك، ما بقيتش قادرة.
لم تكن تلك مجرد ذكريات عابرة...
كان صوت أمها لا يزال حيًّا في أذنها، يتردد في المكان الذي رحلت عنه، وكأن روحها ما زالت معلقة بين جدرانه.
انسابت دموع حبيبة بغزارة، وحاولت أن تكتم شهقاتها، لكنها لم تستطع. وما إن شعر بها رضوان حتى أسرع إليها، لتلقي بنفسها بين ذراعيه، تختبئ في صدره وهي تبكي بحسرةٍ مزقت قلبها.
كان ضميرها ينهشها بلا رحمة، وتشعر أنها تموت في اليوم ألف مرة كلما تذكرت ما حدث. كانت تهتز من شدة احتياجها لأمها، ومن قسوة غيابها، ومن ذلك الفراغ الذي تركته خلفها ولم يعرف أحد كيف يملؤه.
ـ مش قادرة أصدق يا رضوان. يعني كده خلاص ماما ماتت بجد!
أغمض رضوان عينيه بألمٍ بالغ، وسقطت دموعه هو الآخر دون مقاومة. كان وجعه لا يقل عنها، لكنه لم يكن يملك رفاهية الانهيار. كان عليه أن يثبت، أن يسند شقيقته، وأن يذكّر نفسه بأن كل شيء مقدر، وأن كل أمر يحدث بيد الله سبحانه وتعالى، ولا اعتراض على قضائه.
فكلنا راحلون، ولا يبقى من الإنسان إلا أثره الطيب وعمله الصالح.
مسح على ظهرها بحنان، ثم رفع يده إلى وجهها يمسح دموعها، قائلًا:
ـ ادعيلها يا حبيبة، هي مش محتاجة مننا غير دعواتنا.
أجابته بدموعٍ حزينة:
ـ بدعيلها والله يا رضوان، بس قلبي جواه نار فراقها. نفسي أصحى ويكون كل اللي بيحصل ده حلم. وألاقيها بتنده عليا علشان متأخرش على الجامعة.
ابتلع رضوان غصته.
كان هو الآخر يتمنى لو يستيقظ فيجد أمه كما كانت؛ تقف أمامه تعد له كوب قهوته كالمعتاد، تبتسم له ابتسامتها العذبة، وتسمعه صوتها الحنون ودعاءها الذي كان يجلو صدره ويمنحه القوة على احتمال الحياة.
لكنه لم يجد أمامه إلا الحقيقة.
حقيقة ثقيلة لا يستطيع تغييرها.
مسح على وجه شقيقته محاولًا أن يخفف عنها، وقال:
ـ عايزك تفوقي لنفسك، والحمد لله إنك في إجازة، وبعدها تهتمي بدراستك. وده مش علشانك، علشان تفرحي ماما، كانت مستنية اليوم اللي هتشوفك فيه يوم التخرج وبامتيازات في كل المواد. إنتِ لازم تحققي حلمها، وعلشان ده يحصل لازم ولو تنسي شوية من اللي حصل. هوني على قلبك، هي في مكان أحسن من هنا بكتير.
حركت حبيبة رأسها بحزن موافقةً على كل ما قاله، ووعدته بأنها ستنتبه أكثر إلى دراستها في الأيام المقبلة.
ابتسم لها رضوان، وقبّل قمة رأسها، ثم أشار إليها قائلًا:
ـ إنتِ جسمك بيرجف ليه! روحي إنتِ ارتاحي وأنا هجهز الفطار بسرعة.
أخذت نفسًا عميقًا محاولةً تهدئة نفسها، وقبل أن تذهب، ناولها كوبًا من الحليب كما كانت أمها تفعل دائمًا.
ارتجفت يدها أكثر، وارتعشت شفتاها وهي تتناول الكوب، ثم أسرعت إلى غرفتها.
وما إن اختفت عن عينيه حتى أغمض رضوان عينيه وسط دموعه.
كان يهون عليها، بينما لم يجد من يهون على قلبه فراق أمه.
مسح شعره بيده، ثم نفض عن وجهه كل ملامح البؤس والاستسلام، وكأنه يجبر نفسه على الصمود من أجل شقيقته، وبدأ في إعداد الفطور.
ودون أن يدري، صنع ثلاثة أكواب من الشاي كعادته.
ثلاثة أكواب...
توقفت يده للحظة وهو يحملها، ثم أدرك الحقيقة التي نسيها للحظات؛ لم يعودوا ثلاثة.
أصبحوا اثنين فقط.
أخذ نفسًا عميقًا، وزفره ببطء، ثم ترك الكوب الثالث مكانه، وذهب ليضع الأطباق أمام شقيقته، وجلس إلى جوارها محاولًا أن يأكل شيئًا حتى تأكل هي.
كان الصمت يخيّم على المكان.
وبعد أن انتهيا، ذهبت حبيبة إلى غرفتها في صمت تام.
حمل رضوان الأطباق، وفي تلك اللحظة صدح جرس المنزل متكررًا.
اتجه إلى الباب وفتحه...
فوجد زاد.
لم يشعر هذه المرة بأي شيء تجاهها.
كان ألم فراق أمه قد محا من داخله كل ذرة اشتياق إليها، كما ترك غيابها هي ووالدها عن وقت وفاة أمه، وعدم حضورهم لمساندتهم في تلك الظروف، أثرًا ثقيلًا في نفسه.
كان يريد أن يخبرها بأنها أتت متأخرة، لكنه لم يكن يعلم أنها جاءت لتخبره بما حدث لها، ولتعنفه على ما تعرضت له هي ووالدها.
لم يتحدث.
فقط ترك الباب مفتوحًا ودلف إلى الداخل.
اغتاظت زاد من عجرفته، ودلفت خلفه، دون أن ترى الحزن الذي يغمر المكان، أو تلتقط عيناها ما يختبئ خلف ملامحه المنهكة من ألم.
وألقت كلماتها القاسية:
ـ طبعًا أنت فاكر إني جاية أشوفك وزمانك دلوقتي بتقول يا حرام، ما قدرتش على فراقك. لكن لا أحب أخيب ظنك وأقولك إن لحد اللحظة دي مش طايقة أبص في وشك.
نظر إليها رضوان متنهّدًا، وسألها بصوت متعب:
ـ جاية ليه؟
ـ جاية أقولك إن لعبتك الرخيصة اتكشفت يا أستاذ. جاية أبلغك إنك مهما يوصل بيك تفكيرك للغدر والخيانة، فأنت برضو الخسران. أنت الخسران الوحيد في اللعبة دي يا رضوان.
كان صوتها ثقيلًا عليه في تلك اللحظة.
لم يكن يحتمل المزيد من الكلمات، ولا يملك طاقة للدخول في خلاف جديد. لم يفهم إلى ما ترمي إليه؛ أي لعبة تقصد؟ وأي خسارة تتحدث عنها؟
تحدث بهدوء مصطنع:
ـ أنا مش فاهم بتتكلمي عن إيه؟
ـ مشكلتك إنك فاشل حتى في التمثيل. لكن لحد إمتى؟ واللي أنا بقى عايزاك تعرفه، لا أنت ولا الحيوانة التانية هتقدروا إنكم توقعوا بابا في المصيدة. بابا هيخرج منها يا رضوان، ولحد ما يخرج أنا اللي هقفلك.
ثم نظرت إليه بحقد:
ـ مش عارفة بابا بيثق فيك على إيه. واحد فقير زيك وجاهل، مش عارف حتى يشتري حتة شقة ولا عارف يعيش ربع مستوانا، فأكيد هيغير والنار والحقد هيملوا قلبه ويفكر بكل خبث إنه يوقع حسين المالكي. بس لا، ده بعدك. أنا بقى هعرفك مين هو حسين المالكي.
علت نبرة صوته، فقد بدأ صبره ينفد:
ـ زاد، أنا مش فاهم منك حاجة. يا تتكلمي وتقولي جاية ليه، يا ترجعي مطرح ما جيتي. أنا فيا اللي مكفيني وزيادة، يعني مش ناقصك.
اقتربت منه، ونظرت إلى عينيه بقوة وهي تقول:
ـ ماشي، هعمل إني مصدقاك وإنك ما تعرفش حاجة. بابا اتسجن يا رضوان، اتسجن في قضية لحمة فاسدة، وكان مورد لعميل جديد، والعميل ده يبقى صفوت الدويقي، والد رباب. رباب حبيبتك يا رضوان.
تجمد رضوان في مكانه.
لم يستوعب الكلمات من المرة الأولى.
صفوت الدويقي؟
والد رباب؟
وقبل أن يتمكن من استيعاب الصدمة، أكملت زاد، وعيناها تلمعان بخيبة وقهر:
ـ أنا دلوقتي بتكلم بهدوء، مع إني مش باقية على أي حاجة في البيت ده غير مامتك، اللي لو عرفت بمعاملتك واتفاقك أكيد مع رباب، دي هتروح فيها.
جاءها صوت حاد من خلفها:
ـ ماما ماتت يا زاد.
قالتها حبيبة، التي كانت قد استمعت إلى كل شيء، ثم خرجت من غرفتها لتوقف ما اعتبرته ترهات تُلقى في وجه أخيها في أسوأ لحظات حياته.
اتسعت عينا زاد في صدمة، والتفتت إليها ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديق ما سمعته.
همست بعدم تصديق:
ـ مستحيل! ماتت؟
همست مستفسرة كيف ماتت، لكن حبيبة لم تمنحها فرصة لإكمال حديثها.
صرخت بها بصوتٍ خرج من قلبٍ ينزف:
ـ أيوه ماتت، وكفاية بقى لحد كده. أنتِ السبب في كل حاجة حصلت معانا وجاية دلوقتي ترمي بلاك على رضوان. رضوان عملك إيه غير إنه اتجوزك وحافظ عليك. سيبينا بقى في حالنا. أنتِ سبتيه ومشيتي وحاولتِ تكسريه. لولاكي ما كانش حصل لماما حاجة. أنتِ السبب، أنتِ السبب. منك لله، اطلعي بره، مش عايزة أشوفك هنا تاني. ماما راحت بسببك. لولاكي كانت ماما معانا دلوقتي. بكرهك يا زاد، بكرهك وبتمنى أبوك ياخد إعدام علشان تحسي بالنار اللي جوايا.
خرجت الكلمات منها متلاحقة، حادة، موجوعة، وكأن كل كلمة كانت انتزاعًا لقطعة من قلبها.
وما إن أنهت حديثها حتى خانتها قواها، وسقطت مغشيًا عليها.
ـ حبيبة!
اندفع رضوان نحوها، بينما شهقت زاد، وتحرك رأسها غير مصدقة ما سمعته.
لم تفهم شيئًا.
لم تفهم لماذا تتهمها حبيبة، ولا ما الذي فعلته حتى تُحمّل مسؤولية موت زهرة.
كل ما تعرفه أنها لم تفعل شيئًا.
حمل رضوان شقيقته بخوف بالغ، وكأن خوفه من فقدانها هي الأخرى صار يطارده في اللحظة ذاتها التي فقد فيها أمه.
دلف بها إلى الغرفة، ووضعها على فراشها، وحاول أن يعيد إليها وعيها.
اقتربت زاد منه لتطمئن عليها، لكنه استدار إليها، وقد انفجر غضبه:
ـ إنتِ لسه هنا بتعملي إيه؟ مش قالتلك اطلعي بره؟ بره يا زاد، مش عايز أشوف وشك هنا تاني. إنتِ فاهمة؟
وقفت أمامه ودموعها تنساب، وقالت:
ـ رضوان، أنا ماعرفش حاجة، صدقني. وماعرفش إن مامتك...
لم يتحمل أن يستمع إليها أكثر.
أمسك يدها وجذبها خارج الغرفة، ولم يرَ تألمها، ولا الارتباك الذي اجتاح ملامحها، حتى أخرجها من المنزل بالكامل.
وقال لها بغضب جامح:
ـ مش عايز أشوف وشك هنا تاني. بره وانسينا، وسيبينا في حالنا.
أنهى كلامه وأغلق الباب في وجهها.
ثم عاد إلى شقيقته.
لكن كلمات حبيبة لم تغادر أذنيه.
كل كلمة قالتها كانت تحمل خلفها سرًا.
وسرًا أكبر من أن يتجاهله.
ظل واقفًا للحظات، ينظر إلى شقيقته الراقدة أمامه، وفي داخله سؤال واحد يتضخم كل ثانية:
ما الذي أخفته عنه أمه؟
وما الذي أخفته عنه حبيبة؟
ولماذا قالت إن زاد هي السبب في موت أمه؟
انتظر حتى استعادت حبيبة وعيها، وارتشفت بعض الماء، وهدأت قليلًا، ثم جلس أمامها وسألها مباشرة:
ـ الكلام اللي إنتِ قلتيه لزاد بره ده معناه إيه؟
ابتلعت لعابها خوفًا، وردت بتبرير:
ـ كلام إيه يا رضوان؟ ده كان وقت عصبية، أنا ما استحملتش أسمع منها أي حاجة قالتها عليك.
ثار غضبه.
لم يعد قادرًا على احتمال المزيد.
لقد سئم الكذب.
كذبة تلو الأخرى، من أشخاص أحبهم ووثق بهم، حتى أصبح يشعر وكأن الحقيقة تُنتزع منه انتزاعًا.
صرخ بها:
ـ كفاية كذب بقى! كفاية كذب! إنتوا بتعاقبوني على إيه؟ أنا كأني عامل ذنب بتعاقب عليه. محدش حاسس بالنار اللي بتكوي قلبي لما أكتشف كل شوية كذبة جديدة! ردي عليا، إنتِ قلتي إن لولا زاد، ماما كان زمانها عايشة، واتهمتيها اتهام واضح بأنها السبب. اتكلمي يا حبيبة.
اهتز جسدها، وانفجرت في بكاء مرير.
اقترب منها رضوان بقوة، وقد غاب عنه كل شيء سوى رغبته في معرفة الحقيقة:
ـ أنا صح، كان جوايا أسئلة كتير. أمي ما بتخرجش غير لما تقولي هي رايحة فين. واليوم ده بالذات قالت إنها مش هتروح في حتة، وإنتِ قلتي هتخرجي مع صحابك، وبعدين ألاقيكِ مع أمي في المستشفى. وأمي أصلًا ما اتصلتش عليا ولا قالت إنها خارجة. في سر في الموضوع، وإنتِ مش عايزاني أعرفه. هتتكلمي يا حبيبة، يا إما قسمًا بالله من اللحظة دي...
لم تجعله يكمل قسمه.
وضعت يدها على فمه، وهي تصرخ به:
ـ خلاص هتكلم، بس بالله عليك كفاية. أنا تعبانة، تعبانة، ما حدش حاسس بيا. أنا بموت كل ليلة من العذاب، لأن أنا السبب في موت ماما يا رضوان.
رجع خطوة إلى الخلف.
توقفت ملامحه تمامًا، وكأن الصدمة أوقفت كل شيء بداخله.
قالت حبيبة بدموع الحسرة:
ـ بغبائي راحت مني.
جلس أمامها، يحدق بها بتركيز، محاولًا أن يتمالك نفسه، وسألها بهدوء مصطنع:
ـ إيه اللي حصل يا حبيبة؟ اتكلمي.
صمتت لبرهة.
ولم يتحمل رضوان الانتظار، فضرب بيده على الكومود، وقال:
ـ ما تتكلمي بقى، أنا ما بقاش عندي صبر.
اهتز جسدها، وأدركت أنه لم يعد أمامها مفر هذه المرة.
بدأت تسرد ما حدث لها:
في واحد زميلي في الجامعة. اسمه معاذ.
وأكملت بدموع أنه في السنة الثالثة بكلية الإعلام، حيث إنه تعرف عليها من خلال منال ابنة خالته، وشعرت بالانجذاب نحوه من كثرة اهتمامه بها، وعقبت قائلة:
ـ أبوه راجل غني جدًا. رغم ظروفنا ما شافش كل ده ومكمل معايا.
ثم أغمضت عينيها، وبعد أن تركت زاد المنزل وطلبت الانفصال، لم تتحمل حبيبة أن ترى انكسار رضوان بهذا الشكل.
كانت تريد أن تفعل أي شيء من أجله.
أي شيء يعيد إليه ما سُلب منه، ويمنحه فرصة أن يصل إلى المكانة التي يستحقها، وأن يعوض كل ما تعب من أجله.
لذلك أخبرت معاذ بكل شيء، علّها تجد عنده حلًا.
فاقترح عليها معاذ أنه من الممكن توظيف شقيقها في إحدى شركات والده بمبلغ كبير، وأنه سيتوسط عند أبيه إليه.
فرحت حبيبة، وسألت معاذ كيف.
قال لها: قدمي الأوراق الخاصة بشقيقك إلى والدي في الشركة، وسأتحدث معه حتى يوظفه.
وبعد أن علمت أمها، قررت أن تذهب معها.
لكن معاذ هاتفها معتذرًا، وأخبرها أن تؤجل الذهاب اليوم، لأن والده ذهب من الشركة عائدًا إلى المنزل.
ومن حماس حبيبة، طلبت منه عنوان المنزل، حيث تقدم الأوراق وتذهب سريعًا.
فقررت زهرة أن تذهب معها، ولم تتركها وحدها.
وذهبتا معًا فرحتين، تحملان في قلبيهما أملًا صغيرًا في أن تكون تلك الخطوة بداية جديدة لرضوان، وأن تفاجئاه بهذا العمل المجزي.
ثم قالت حبيبة ببكاء مرير:
ـ أول ما دخلنا الفيلا كان في راجل كأنه كان مستني حد، وفضل يبصلنا نظرات غريبة.
ثم سألته بتوجس هل حدثه عنّا معاذ؟ فأجابنا: من معاذ؟ وضحك بشكل مريب.
عندها قلقت أمي واعتذرت له، ويبدو أننا أخطأنا المكان، وعليهما الذهاب.
لكن ما إن خطونا حتى أغلق الحارس علينا باب تلك الفيلا من الخارج، وحاصرنا هذا الرجل من الداخل، وهو يخبرنا بأنه كان منتظرني أنا، حبيبة فقط.
وبما أن أمي أتت معي، فليس مشكلة، بل هذا يفرحه وسيجعل مهمته أسهل.
وأنهى كلامه بضحكات مخيفة، واقترب مني للاعتداء عليّ، لكن كانت أمي تحميني، وأمسكت يدي بقوة حتى لا تفلتها.
وتم غلق جميع النوافذ المفتوحة.
عندما كنا نركض سويًا هربًا من ذلك الرجل، صعدنا للأعلى حتى نطلب المساعدة من أي نافذة.
وجدنا شرفة كبيرة.
ركضت إليها بطلب من أمي حتى تلهيه هي، وصرخت أنا لعل أحدًا يستمع إلينا.
لكن هذا الرجل صفع أمي وأسقطها أرضًا، وأتى إليّ في الشرفة.
ظللت أدافع عن نفسي حتى لا يلمسني، وكاد أن يخنقني بيده.
جذبتْه أمي بعيدًا عني، وصفعته بقوة، وجُنّ جنونه، وهجم عليّ.
وعند دفاع أمي، سقطت من الأعلى في حديقة المنزل على حجر صخري.
تَلَجّمتُ أنا من الصدمة والخوف.
أما الرجل، فهبط مسرعًا، وركضت خلفه كي أنقذ أمي، وكلي مرتجفة.
وجدت الدماء تسيل حولها، وصرخت من أعماق قلبي حتى ينقذنا أحد.
فوجدت هذا الرجل يخبرني بأنه سيساعدني ويرسل معي أشخاصًا يحملونها للمشفى، ولكن بشرط واحد:
ـ لو حد عرف باللي حصل هنا هيدفني حية أنا وماما. ولو حتى الشرطة شمت خبر. مش هيتأخروا إنهم يقتلوك يا رضوان.
ثم أكملت بشهقات:
وكمان هو مقتدر وهيطلع منها، وهيقول علينا أنا وماما دخلنا الفيلا علشان نسرقها. وهيسجنا بتهم تانية.
صمتت حبيبة.
انخفض رأسها، وانهمرت دموعها على وجهها دون مقاومة.
لم تعد قادرة على النظر إلى أخيها.
كانت تشعر أن كل حرف قالته جاء متأخرًا، وأن الحقيقة التي أخفتها خوفًا عليه، كانت هي نفسها السبب في أن يظل وحيدًا أمام موت أمه، لا يعرف لماذا رحلت، ولا كيف رحلت.
أما رضوان...
فلم يتحرك.
ظل جالسًا أمامها، كأن الكلمات التي سمعها لم تصل إلى عقله دفعة واحدة، بل كانت كل جملة منها تضربه وحدها، وتفتح داخله جرحًا جديدًا.
أمه لم تمت في حادث عابر.
لم تكن مصيبتها قدرًا مجهول السبب.
لقد ماتت وهي تحمي ابنته.
وماتت لأنها كانت تحاول إنقاذ حبيبة.
والأكثر قسوة...
أن حبيبة عرفت كل شيء.
وظلت تحمل السر وحدها.
ارتجفت أصابع رضوان، ثم قبض يديه بقوة حتى ابيضّت مفاصلهما.
كانت صورة أمه وهي تحتضر تمر أمام عينيه؛ صوتها، وجهها، يدها التي طلبت منه أن يحافظ على حبيبة، وصوتها وهي توصيه ألا يترك زاد.
ثم تداخلت تلك الذكريات مع صورة أخرى...
أمه تسقط من مكان مرتفع.
تنزف.
وهو بعيد عنها، لا يعلم شيئًا.
كان الألم أكبر من أن يحتمله قلب رجل فقد أمه قبل يوم واحد، ثم اكتشف أن موتها لم يكن نهاية وجعه، بل بداية الحقيقة.
تسلل إلى صدره غضب بارد في البداية، ثم اشتعل فجأة كالنار.
لم يعد يرى أمامه إلا الجاني.
الرجل الذي فعل ذلك.
واليد التي دبرت.
والأسباب التي أوصلت أمه إلى تلك الفيلا.
كانت عيناه تشتعلان بالحقد والقهر، لكن خلفهما كان هناك شيء أشد إيلامًا...
عجزه.
عجزه عن إنقاذ أمه.
عجزه عن معرفة الحقيقة.
وعجزه عن أن يكون إلى جوارها في آخر لحظاتها.
اهتز جسده من شدة الغضب، وانقبض صدره حتى بدا وكأن أنفاسه نفسها أصبحت مؤلمة.
لم يعد الحزن وحده يسكنه.
لقد تحول الفقد داخله إلى نار، والصدمة إلى غضب، والغضب إلى رغبة عارمة في معرفة كل من كان وراء ما حدث.
رفع رأسه ببطء.
كانت عيناه مختلفتين.
عين رجل لم يعد يستطيع أن يتقبل أن يموت أحب الناس إليه، ثم يطلب منه الجميع أن يصمت ويتقبل الأمر.
لقد سُلبت منه أمه.
وسُرقت منه الحقيقة.
والآن فقط...
بدأ يعرف أين يبحث عنها.
ارتفع صدره وهبط بعنف، ولم يعد قادرًا على السيطرة على مشاعره.
صرخ بأعلى صوته من شدة غضبه...
كان حسين يجلس خلف باب زنزانته، شارد الذهن، لا يفكر في نفسه بقدر ما كان القلق ينهش قلبه على ابنته.
أصبح الخطر يحيط بها أكثر من ذي قبل.
كان يظن أن زواجها سيجعل كل من يتربص بها يختبئ في جحره، وأنها بذلك ستعيش في أمان بعيدًا عن أعين الطامعين والحاقدين. لكنه الآن، وهو خلف تلك الأبواب المغلقة، لم يعد قادرًا حتى على معرفة ما يحدث لها، فضلًا عن حمايتها.
كانت ابنته وحدها تواجه العالم، بينما هو عاجز عن مد يده إليها.
وفي ظل شروده وريبته، انفتح باب الزنزانة، وناداه حارسها، يخبره بأن شخصًا ما يريد مقابلته.
اعتدل حسين واقفًا، ونفض الغبار عن ثيابه باستحياء، ثم خرج مع الحارس.
وما إن وقعت عيناه عليها حتى تغيرت ملامحه.
كانت زاد.
وما إن رأته حتى جرت إليه مسرعة، وألقت حزنها وقلقها وخوفها في أحضانه، باكيةً كطفلة وجدت أخيرًا المكان الوحيد الذي يمكنها أن تسقط فيه دون خوف.
ربت حسين على كتفها بحنان محاولًا طمأنتها، ثم جلسا معًا.
جففت زاد دموعها، وقالت:
ـ طمّني عليك يا بابا.
تنهد حسين بإحباط:
ـ مش مهم أنا، المهم أنتِ يا زاد. طمّنيني عليكِ يا حبيبتي.
ـ أنا مش بخير أبدًا يا بابا، ولا هكون بخير لحد ما تخرج من هنا.
ردد قائلاً بريبة:
ـ هيحصل يا بنتي، هيحصل.
ثم نظر إليها ليسألها مستفسرًا:
ـ رضوان عرف باللي حصل معانا؟
سكتت زاد.
تذكرت كلمات حبيبة القاسية لها في ذلك اليوم، وتذكرت كيف طُردت من بيت رضوان دون أن تفهم شيئًا مما يحدث حولها.
ظن حسين من صمتها أنها لا تريد أن تخبر رضوان، أو أنها لم تعد تحتاج إليه، فقال:
ـ بلّغيه يا بنتي باللي حصل، لأنه أكيد ما يعرفش. أنا واثق إن رضوان لو عرف، أكيد مش هيسيبني دقيقة واحدة وهيكون معانا في المحنة دي. وأكيد في سبب قوي إنه ما يجيش مرة واحدة حتى.
خفضت زاد رأسها إلى الأرض، وقالت بحزن واضح:
ـ مامة رضوان، طنط زهرة.
عقد حسين ما بين حاجبيه متسائلًا:
ـ خير؟ مالها؟ تعبت ولا حاجة؟
ـ ماتت.
نزل الخبر عليه كالصاعقة.
اتسعت عيناه، وبدا للحظة عاجزًا عن استيعاب ما سمعه:
ـ ماتت؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. إمتى الكلام ده؟
ردت بوهن:
ـ قبل اللي حصل مع حضرتك بيوم واحد.
ضرب حسين كفًا بكف، وقال غير مصدق:
ـ إنّا لله وإنّا إليه راجعون.
ثم مسح وجهه، ونظر إليها قائلًا:
ـ طيب ورضوان عامل إيه دلوقتي؟ أكيد رُحتي واطمنتي عليهم وعملتي الواجب.
نظرت بعيدًا وهي تجيبه:
ـ هو كويس، ما تقلقش عليه حضرتك. وبعدين أنا رحت، وغير كده أنا عندي ظروف قهرية ومكنتش عارفة بحاجة من دي. ولو حد بلغني كنت أكيد رحت، لأن بصراحة طنط زهرة ست طيبة قوي وعاملتني بطريقة جميلة، الله يرحمها.
تنهد حسين وقال:
ـ الله يرحمها. أنا برده قلت، مش هيشغل رضوان عنّا غير الشديد القوي.
لم تحتمل زاد سماع أبيها يمدح رضوان، وهو لا يعلم أن هذا الرجل الذي يثق به قد أصبح، في نظرها، طرفًا في كل ما يحدث معها ومعه.
فردت منزعجة:
ـ هو حضرتك مش شايف إنك مديله أكبر من حجمه وبتثق فيه، يمكن أكتر مني كمان.
أجابها قائلًا:
ـ ما لوش لازمة الكلام ده، وبطلي تهاجمي رضوان عمال على بطال.
ردت مندفعة بانفعال:
ـ حقيقي، أنا مش مصدقة ده، ولا كأنه ابنك. طيب تعرف حضرتك إن العميل اللي هو السبب في حبستك بالشكل ده، واللي مقدم البلاغ فيك، يبقى والد رباب، اللي هي أصلًا تبقى حبيبة رضوان، ومش بعيد إنهم يكونوا اتفقوا مع بعض عليك علشان يدمروك.
عقد حسين ما بين عينيه، ونظر إلى عينيها متسائلًا:
ـ وليه؟
أجابت بطريقة تفكيرها:
ـ علشان طبعًا يشوهوا صورتك، ولأني طلبت منه الطلاق، أظن ده سبب كافي إنه ينتقم. طيب ممكن تفكر فيها، هتلاقي إن كل كلمة بقولها صح، ما هي ما تجيش غير كده.
سكت حسين.
ظل ينظر إليها للحظات، ثم شرد بذهنه بعيدًا، وكأنه يعيد ترتيب كل ما سمعه، ويربط بين تفاصيل لم يكن قد وضعها بجوار بعضها من قبل.
تعجبت زاد من صمته، وظلت تنتظر رده.
لكنها فوجئت بطلبه:
ـ عايز أقابل رضوان في أسرع وقت يا زاد.
انتهت المقابلة، وعاد حسين إلى زنزانته، بينما ظلت زاد في مكانها للحظات، تشعر بالذهول من طلب والدها.
أيُعقل أنه يريد مقابلة هذا الشرير... وهنا؟
لماذا؟
وماذا يريد منه؟
---
في وقت متأخر من الليل، كان المطر يهطل بغزارة، يغرق الأزقة الضيقة ويغسل حجارتها، بينما وقف رضوان في إحدى زوايا الحارة وسط عتمة الليل الكاحلة.
كانت قطرات المطر تتساقط فوق رأسه وكتفيه، تتسلل إلى ملابسه وتبلل جسده، لكنه لم يتحرك.
لم يكن يشعر بالبرد.
النار المشتعلة في صدره كانت أقوى من كل شيء.
منذ أن عرف الحقيقة، لم يعد قلبه يعرف السكون.
لم يعد يريد شيئًا سوى الوصول إلى الرجل الذي قتل أمه، ومعرفة اليد التي كانت خلفه، ولم يكن مستعدًا أن يهدأ قبل أن يأخذ حقها.
سمع خطوات تقترب منه، فالتفت.
وما إن رأى صاحبها حتى تحدث إليه:
ـ اتأخرت كده ليه!
رفع الرجل الوشاح عن وجهه متأثرًا بالصقيع، فإذا به عزت، الذي كان يرتجف من البرد وينفث في كفيه قائلًا:
ـ إيه يا عم رضوان، جو الرعب ده! في حد ينزل في وقت متأخر ومطر وبرق ورعد زي ده؟
تنهد رضوان، وقال معتذرًا:
ـ معلش يا عزت. عموماً لو عايز ترجع بيتك، ارجع. أنا كنت مخنوق شوية.
ـ كلام إيه ده يا جدع؟ أنا بهزر معاك. أنا بس قلقت لما اتصلت عليا وقلتلي تعالى في المكان ده وفي أسرع وقت. قلت بس في مصيبة حصلت. خير يا رضوان؟
ضرب رضوان بقبضة يده على الحائط بقوة عند ذكر المصيبة.
ارتج الحجر تحت قبضته، وانعكس صوت الضربة في الزقاق الخالي.
وقال بانفعال:
ـ هي مصيبة بعقل يا عزت. دي مصيبة قايدة في قلبي جمر نار.
تعجب عزت، وازداد فضوله لمعرفة ما يرمي إليه:
ـ خير يا رضوان؟ اتكلم، قلقتني.
نظر إليه رضوان مترددًا.
كان يبحث عن الكلمات التي يمكن أن يقولها، قبل أن ينطق بالحقيقة التي قلبت حياته رأسًا على عقب:
ـ أمي ما ماتتش في حادثة.
تجمد عزت في مكانه.
للحظة، ظن أن رضوان قد عرف الحقيقة، وأنه استدعاه إلى هذا المكان المعزول ليقتله ويأخذ بثأره.
ارتعشت أطرافه، وتلعثم وهو يقول:
ـ أز... أزاي؟ مش فاهم.
احمرت عينا رضوان، وهو يستعيد في ذاكرته صورة أمه التي فارقها:
ـ اتقتلت يا عزت.
اتسعت عينا عزت، واضطرب قلبه بعنف، وكاد الرعب أن يفضح ما يخفيه.
ـ أنت... أنت بتقول إيه يا رضوان؟ خالتي زهرة ماتت مقتولة؟ معقول؟
صر على أسنانه، وأجاب:
ـ واحد ابن حرام ما عرفوش، ولا حتى حبيبة تعرفه. بس مسيره هيقع بين إيديا، وساعتها أقسم بالله ما هرحمه.
تنفس عزت في داخله براحة خفية.
إذن هو لا يعرفه.
ولا يعرف من يقف أمامه.
عاد نبض قلبه إلى هدوئه شيئًا فشيئًا، وكاد أن تفر منه ابتسامة من شدة ارتياحه، لكنه كتمها سريعًا، ورفع يديه إلى رأسه ليزيح عنه مياه المطر، ثم أكمل الإنصات.
بدأ رضوان يسرد له ما حدث لأمه في ذلك اليوم المشؤوم.
استمع عزت بتركيز شديد، وأتقن إظهار الدهشة والصدمة على وجهه، حتى انتهى رضوان من حديثه قائلًا:
ـ ومن وقتها وأنا مش عارف أتلم على أعصابي. نفسي أمسك الراجل ده وأقتله بإيديّ دول. عايز أعرف مين ده ومين اللي وراه، وعايزين إيه من أختي!
ساد الصمت للحظات.
كان عزت يستمع، لكن الكلمات التي يسمعها كانت تخنقه من الداخل.
الغضب الذي يراه في عيني رضوان لم يكن غضبًا عابرًا.
كان غضب رجل فقد أمه، ثم اكتشف أنها لم تمت قضاءً وقدرًا كما ظن، بل قُتلت وهي تحاول حماية شقيقته.
وفي الحقيقة، خاف عزت من منظر رضوان هكذا.
كان غضبه يشبه إعصارًا لا يعرف إلى أين سيتجه، وهو نفسه لا يعلم متى قد يكتشف الحقيقة.
إذا كان رضوان غاضبًا إلى هذا الحد وهو لا يعرف الرجل...
فماذا سيفعل به لو علم أنه يقف أمامه الآن؟
حاول عزت أن يثبت ملامحه، وأتقن تمثيله، ثم ضرب كفًا بكف وقال:
ـ لا إله إلا الله. والله أنا ما مصدق دي حكاية ولا في الأفلام يا جدع.
تنهد رضوان، وأكمل بعدما شعر أنه أزعج عزت في هذا الوقت المتأخر من الليل:
ـ معلش يا عزت، نزلتك في وقت متأخر. أنا كنت هتصل على كريم أحكيله ونفكر مع بعض، وأكيد هنوصل لحل. بس بصراحة أنت جيت على بالي في آخر لحظة، لأني عارف إن أمي لها معزة كبيرة جواك، ده غير إنك حِرك عن كريم وهتقدر تساعدني.
ابتسم عزت لاحتياج رضوان إليه، وأردف بمكر:
ـ ما تقولش كده يا رضوان، أنا في خدمتك يا عم. وولاد الهرمة دول هيتجابوا هيتجابوا، وحق خالتي زهرة مش هيروح.
ثم أكمل بخبث، حتى لا يعرف أحد غيره بمخطط رضوان، وحتى لا ينكشف أمره:
ـ ولو عايز نصيحتي يا ابن عمي، بلاش تقول لكريم ولا عصام ولا لأي حد ربنا خلقه. قول ليه؟
انتبه له رضوان متسائلًا عن السبب، فأجابه عزت:
ـ علشان الكلام بيتنطور يا عمنا. كريم ما بيخبيش حاجة عن مراته، وعصام صاحب أبوه، كلمة تتقال كده أو كده، وحد ليه طرف في الموضوع، يقوم يعرف بالحوار ونفضل إحنا في حوريني يا كيكة كده! لا، إحنا نفكر بروقان بال، ونركز كده ونشوف هنبدأ منين، ووعد مني يا صاحبي، رقبتي سدادة وهكون في ضهرك، أنت عارفني. بس قولي، أنت ناوي على إيه؟
مسح رضوان وجهه بيده، بينما كان عقله يعمل بلا توقف.
لم يعد يفكر في أمه وحدها.
كان يفكر في الرجل الذي اقتحم حياتهم، وفي من أرسله، وفي السبب الذي جعل أمه تدفع حياتها ثمنًا لما لم يكن لها ذنب فيه.
رفع عينيه إلى عزت، وقال بتوعد:
ـ ما فيش غيره. هنبدأ بيه معاذ، لأنه أكيد الخيط اللي هيوصلنا للراجل ده.
ابتلع عزت ريقه بقلق.
معاذ...
بدأ رضوان يفكر بعقل أكثر مما يتحرك بغضب، وهذا تحديدًا ما أخافه.
فكر للحظات، ثم تكلم بتوجس:
ـ آه، أيوه، صح. هو معاذ ده. قولي بس أنت ناوي على إيه، وأنا في ضهرك على طول.
تحركت سيارة فاخرة مبتعدة عن منزل حسين المالكي، بينما ظلت زاد واقفة خلف نافذة غرفتها تتابعها بعينين شاردتين، حتى اختفت من مجال رؤيتها.
استدارت عن النافذة، وبدأت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا.
كان الغضب يشتعل داخلها، لا يهدأ ولا يمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، بعدما كشفت حقيقة رضوان التي كان يخفيها عنها.
تكوّنت في قلبها نار من الكراهية تجاهه، وكلما عادت بذاكرتها إلى ما حدث، ازداد يقينها بأنه خدعها، وأنه أخفى عنها الكثير.
توقفت أمام فراشها، ونظرت إلى هاتفها الموضوع بجواره، ثم اتجهت إليه بانفعال والتقطته. جلست على الفراش، وأخذت تكتب رسالة نصية، وملامح الغضب لا تزال مسيطرة على وجهها.
أنهت إيمان وجبة الغداء في منزل رضوان، ثم اتجهت إلى غرفة حبيبة.
وجدتها مستلقية على فراشها، تحدق في السقف بعينين غارقتين في الدموع.
جلست إيمان إلى جوارها بحنان، وقالت:
ـ حبيبة يا حبيبتي، أنا عملت أكل يكفيكوا يومين. وبليل إن شاء الله هاجي أنا وكريم وبابا وماما نقعد معاكم شوية.
ابتلعت حبيبة غصتها، وأغمضت عينيها، ثم حركت رأسها لها تعبيرًا عن شكرها.
ربتت إيمان على كتفها بحزن، ثم غادرت عائدة إلى منزلها.
كانت تأتي من حين إلى آخر لتقدم لهم المساعدة وتقف إلى جوارهم، فلم تكن مصيبة زهرة قد تركت أثرها في رضوان وحبيبة وحدهما؛ الحارة كلها كانت تشعر بغيابها.
وبعد ثوانٍ، عاد رضوان إلى منزله بعدما انتهى من عمله، وفي يده كيس يحتوي على بعض الأدوية التي جلبها لشقيقته لتتحسن.
منذ اليوم الذي اعترفت فيه حبيبة بكل شيء، وهي تحاول التواصل مع معاذ عبر الهاتف، لكنه كان مغلقًا دائمًا.
لم تحتمل الانتظار، ولا ذلك الشعور الثقيل بالذنب، حتى أنهكها المرض وأصبحت طريحة الفراش.
دلف رضوان إلى غرفتها، فوجدها نائمة في فراشها، لكنها كانت مستيقظة.
وما إن شعرت به حتى حاولت الاعتدال، فجلس إلى جوارها.
كان يحمل في قلبه عتابًا ولومًا كبيرين لها.
لو أنها أخبرته بما تنوي فعله، لرفض هذا العرض من البداية.
كانت أمه لا تزال موجودة بينهم.
وكان هو راضيًا كل الرضا عن نفسه، ومستعدًا لأن يفني حياته من أجلهما، فكيف سمحت لنفسها أن تخوض تلك المجازفة؟
ماذا كانت تظن أنها ستفعل؟
والآن...
خسر نفسه.
وخسر أعز شيء في حياته.
وخسر زاد أيضًا، التي لم تعد ترى من الأمور إلا ما يسمح لها غضبها أن تراه.
لكن كل ذلك كان يهون أمام الخوف الأكبر الذي ينهش قلبه الآن...
الخوف من أن يخسر حبيبة.
فهي لم تعد مجرد شقيقته.
كانت آخر ما تبقى له من بيته، من أمه، من الحياة التي عرفها.
ولم يكن مستعدًا لخسارتها هي الأخرى.
تحطم قلب رضوان من جميع الجهات، حتى لم يعد يعرف أي جرح عليه أن يداويه أولًا.
ساد الصمت بينهما.
لم تكن حبيبة تملك الجرأة على رفع عينيها إليه، ولا القدرة على الكلام، بينما كان رضوان يريد أن يطمئنها رغم كل ما بداخله.
كان هناك حاجز بنته تلك الصغيرة بيديها بين قلبها وقلب شقيقها، بسبب فعلتها الأخيرة التي كادت أن تهدم كل جميل في هذا المنزل.
ومع ذلك...
لم يستطع أن يتركها خلف ذلك الحاجز وحدها.
شعر بشيء دافئ يسقط على يده.
ألقى نظرة إلى يده، فوجد دمعة قد سالت من عين حبيبة واستقرت عليها.
رفع عينيه إليها.
كانت تبكي بصمت.
تغيرت ملامح حبيبته كثيرًا؛ وجهها البريء أرهقه الحزن، وعيناها فقدتا شيئًا من بريقهما، وملامحها الصغيرة بدت وكأنها تحمل فوق عمرها أضعاف ما تحتمل.
لان قلبه أمامها.
هدم ما تبقى من الحاجز بينهما في لحظة واحدة.
تنهد رضوان متألمًا لرؤيتها بهذا الضعف، ثم رفع راحة يده إلى وجهها، ومسح دموعها بحنان، وقال:
ـ عاملة إيه دلوقتي؟
أجابته بشهقات:
ـ أنا بكره نفسي أوي يا رضوان. ياريتني أنا اللي...
لم يجبرها على إكمال الجملة.
وضع يده على فمها قائلًا:
ـ بلاش الكلام العبيط ده. اللي حصل مقدر ومكتوب علينا.
ثم نزع يده، وأخذ يبحث في كيس الدواء، وأخرج منه بعض الأقراص وناولها لها، ثم أكمل:
ـ امسكي، أنا جبتلك العلاج اللي الدكتور قال عليه، وأهم حاجة تاخدي الفيتامينات في معادها، ومش عايز كسل.
جففت دموعها، ونظرت إليه باحتياج كبير، وقالت:
ـ بالله عليك ما تزعل مني. زعلك مني مموتني يا رضوان.
حاول أن يبتسم لها، وقال بحنو:
ـ مش زعلان منك، كل اللي عايزه إنك تفوقي وترجعي تقفي على رجليك من تاني.
ابتسمت وسط بكائها.
وكانت تلك الابتسامة الصغيرة كافية ليشعر أن شقيقته بدأت تعود إليه من جديد.
جذبها رضوان إلى صدره، واحتضنها بحب كبير وحنان بالغ، وكأنه يريد أن يطمئنها بأنه مهما حدث، لن يتركها وحدها.
وقال:
ـ أنا دلوقتي ماليش غيرك. وعايزك تقفي من تاني وتسنديني.
ازدادت حبيبة تشبثًا به، وسألته بحزنٍ وندم:
ـ يعني مش زعلان مني؟
أجابها بصدق وحنان:
ـ ونزعل ليه والدنيا فيها حبيبة؟
أغمضت عينيها براحة، لأول مرة تتسلل إلى قلبها منذ أيام، بينما استكانت بين ذراعيه مطمئنة، وكأن حضن أخيها كان المكان الوحيد الذي استطاعت فيه أن تنسى للحظات كل ما ينهش قلبها.
وبعد أن هدأت، طلب منها رضوان أن تذهب لتغسل وجهها بالماء البارد حتى تستعيد نشاطها.
انصاعت له في الحال، ونهضت متجهة إلى المرحاض.
ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب.
ثم تنهد، وأخذ يضع الدواء بجوار فراشها.
بينما كان رضوان يضع الدواء، فوجئ بوصول رسالة نصية على هاتف شقيقته. المدهش أن الرسالة كانت من زاد، حيث كشفت فيها حقيقة والده قاسم، موضحة أنه كان لصًا، وعندما مات، مات بفضيحة كبيرة يعرفها الجميع عداها.
ما إن وقعت عيناه على الكلمات حتى تجمد للحظات، وكأن عقله رفض أن يستوعب ما قرأه. ثم تبدلت ملامحه دفعة واحدة، واشتعل الغضب في عينيه، وانقبض فكه بعنف حتى برزت عضلاته، ثم قبض على الهاتف بقوة، وصرَّ على أسنانه بغضب شديد.
لم يفكر.
ترك الدواء مكانه، واتجه إلى الخارج بخطوات سريعة، ثم انطلق نحو زاد، والغضب يشتعل في صدره كالنار. ظل طوال الطريق يعيد كلمات الرسالة في رأسه، وكلما أعاد قراءتها في ذاكرته، ازداد احتقان صدره.
لم يكن غضبه وحده ما يدفعه إليها، بل كان وراءه شعور أعمق وأقسى... شعور بالخيانة.
كيف استطاعت زاد أن تفعل ذلك؟
كيف وصلت بها القسوة إلى أن تفتح جرحًا ظل عمره كله يحاول أن يدفنه؟
وكيف علمت أصلًا؟ وممن؟
كان الألم والغضب يتنازعان داخله، حتى لم يعد قادرًا على التفكير بعقل أو هدوء. لم يكن يريد سوى مواجهتها، يريد أن يسمع منها الإجابة، ويرى بعينيه كيف استطاعت المرأة التي وثق بها أن تطعنه في أكثر الأماكن التي تؤلمه.
وعندما وصل رضوان إلى فيلا زاد، كانت هي تقف في شرفة غرفتها، تمسك بإناء الري وتسقي الورد بهدوء. وما إن وقع بصرها عليه حتى توقفت يدها عن الحركة، واتسعت عيناها بدهشة،فلم تتوقع أن يأتي إليها بهذه السرعة، ولا أن يواجهها في منزلها بعد أن طردها من منزله شر طردة.
تحركت بسرعة نحو الباب، وبدأت تهبط الدرج بخطوات متسارعة، بينما كان رضوان قد دخل من الباب الرئيسي.
تقابلا في منتصف المسافة.
توقفت زاد أمامه، بينما وقف هو في مواجهتها كأن الطريق كله لم يعد يتسع إلا لهما.
