رواية ألوان مستعاره الفصل التاسع عشر 19 بقلم سها رمضان


 رواية ألوان مستعاره الفصل التاسع عشر 

ماجد (أبو يوسف) كان واقف على أول الاستقبال بيدفع مصاريف المستشفى، أعصابه تالفة من اللي حصل، وعانا كتير لغايه ما اقنع يوسف ورقيه وايتن أنهم يمشوا من المستشفي وفجأة لمح كاسر داخل بخطوات واثقة ومريبة، وطارق وراه بيحاول يلحقه بقلة حيلة. ماجد بص للأرض بصدمة، استوعب إن كاسر جاي للمستشفى، فمشى وراهم بسرعة وهو حاسس إن في كارثة هتحصل.
​كاسر كان ماشي بخطوات محسوبة ومباشرة، كأنه عارف المكان شبر شبر، وصل لحد أوضة حبيبة ووقف قدام الشباك القزاز الصغير، بص منه بتركيز.
​شاف حبيبة نايمة في حضن أمها، دموعها نازلة بوجع وسكون مكسور، ومجدي (جوز أمها) كان قاعد جنبها بيدعيلها بصوت واطي ومسموع بنبرة مليانة خضوع وراحة بال.
​كاسر قلبه كان بيدق بعنف، لكن ملامحه كانت ثابتة كأنها حجر. ماجد وصل وراهم، وقف بيبص لكاسر بغضب مش قادر يخفيه.
​كاسر ما التفتش ورا ولا حتي شافه، سحب نفس عميق وفتح باب الأوضة ودخل بهدوء مرعب.
​أول ما دخل، أم حبيبة قامت بخضة، ومجدي وقف بذهول. حبيبة فتحت عينيها، شافت كاسر قدامها، نظرتها كانت تائهة ومحطمة، جسمها اترعش لا إرادي تحت الغطاء.
​كاسر ما بصش لحد غيرها، قرب من السرير، وقعد على ركبة ونص  عشان يبقى في مستوى نظرها، مد إيده ببطء شديد، فوق الغطاء خايف يقرب، وبصوت مبحوح ومكسور قال:
— كاسر: أنا هنا.. ومحدش هيقدر يقرب منك تاني. أنا جيت أخدك من الوجع ده يا حبيبة.
​حبيبة غمضت عينها، دموعها زادت، وبصوت مخنوق ومتقطع قالت:
— حبيبة: مابقاش فيه حاجة يا كاسر.. أنا اتكسرت.. اتكسرت بجد.... ومش عايزه اي حاجه من الدنيا 
​كاسر بص لأمها، وبعدين رجع بص لحبيبة بكل وجع الدنيا وقال:
— كاسر: أنا اللي هرمم الكسر ده.. لو هقضي عمري كله أداوي فيكي، مش هسيبك.
​ماجد هنا وقف بصلابة وبص لكاسر بنظرة تحذير وقال بصوت حاد بعد ما دخل علطول: اخرج بره يا كاسر.. متنساش أنها لسه مرات ابني ... وانا مسمحش للي بيحصل هنا 
​كاسر ما اتحركش، بَص لماجد ببرود حاد وقال:
— كاسر: مش خارج.. ولا حد يقدر يخرجني من هنا غيرها  هي ... 
​حبيبة فضلت باصة للسقف وبتترعش، مش قادرة تستوعب وجوده، ولا قادرة تلملم شتات نفسها. طارق كان واقف عند الباب، ملامحه مصدومه من اللي بيحصل، ومراقب كل حركاتهم وهو خايف من أي رد فعل عنيف من ماجد أو كاسر الأوضة كانت غرقانة في صمت بيتقطع بصوت أنفاس حبيبة المكتومة.
كاسر كمل : وبعدين مش ابنك هيطلقها 
ماجد : اديك قولتها يعني لسه مطلقهاش .... كاسر لو سمحت امشي من هنا بكل هدوء لو سمحت ... يوسف لو عرف انك هنا مش هيحصل كويس 
كاسر ضحك بإستفزاز : نفسي ابنك يجي ... بجد عشان هعمله درس ماخدوتش ولا سنه من سنوات دراسته 
طارق قرف من كاسر : كاسر ممكن تهدي ... الراجل معاه حق. ... كدا ميصحش دي مراته 
ماجد قرب وبصله باهتمام : بص ي ابني انا حاسس بيك يمكن عشان مريت بنفس اللي مريت بيه حاليا ... بس دلوقتي مينفعش ... اديك شايف حالتها... انت بالمنظر دا بتضغط عليها هي اصلا.... وهي اصلا مش مستحمله ... فا ارجوك امشي دلوقتي ....والطلاق كدا كدا هيتم يومها بقا اعمل اللي عايزه 
بس حاليا متنساش أنها برضو مرات ابني 
كاسر بصله بحده ورجع نظره علي حبيبه اللي مغمضه عينيها ومش حاسه بالدنيا اصلا ... واخد بعضو وجري ل برا 
طارق بكسوف : انا اسف ي جماعه ... اسف ي عم ماجد ... وشكرا ل تفهمك الموقف ... انا مش عارف اقولك اي 
ماجد : حصل خير ي ابني 
طارق : الف مليون سلامه علي حبيبه 
قال جملته وجري ورا صحبه خلاص مبقاش ضامنه ممكن يعمل اي في نفسه 
طارق كان بيجري ورا كاسر في ممرات المستشفى، أنفاسه متسارعة، وصوت دقات قلبه بيعافر عشان يلحق صاحبه اللي بيتحرك بجنون. خرجوا من باب المستشفى للجو البارد بره، كاسر كان ماشي بخطوات سريعة وغير متزنة، ملامحه متجمدة، وواضح إنه في قمة الغليان.
​وصلوا للعربية، كاسر فتح الباب بحدة، دخل وقعد وسند راسه على الدركسيون، إيديه كانت بتترعش بعنف، المرة دي مش من البرد، بس من كتر كبت الوجع والغل.
​طارق ركب جنبه بسرعة، وبص له بقلق حقيقي:
— طارق: كاسر.. فوق يا صاحبي! إنت عملت اللي عليك، والراجل كلمك بالعقل، ماجد معاه حق في كل كلمه قالها .. حبيبة دلوقتي محتاجة هدوء، مش محتاجة حد يزود نارها وتوترها.
​كاسر رفع راسه، عينيه كانت حمرا بلمعة انكسار مش طبيعية، وبص لطارق بصوت مبحوح:
— كاسر: شفت حالتها يا طارق؟ شفت رعشتها وهي بتسمع صوتي؟ أنا شفت في عيونها إنها بتستنجد بيا، وفي نفس الوقت خايفة مني.. خايفة من الجنان اللي أنا فيه، وخايفة من اللي جاي. هي متكسرة لدرجة إنها مش قادرة حتى تتقبل وجودي اللي هو الملاذ الوحيد ليها.
​طارق مسح على وشه بيحاول يهديه:
— طارق: هي مش خايفة منك يا كاسر، هي خايفة من "الواقع".. خايفة من يوسف، ومن كلام الناس، ومن اللي حصلها. هي محتاجة وقت، ومحتاجة إنك تكون "عاقل" عشانها، مش مجنون عليها. لو عايزها، لازم تلعبها صح، لازم تديها مساحة تشفى فيها من غير ضغط.
​كاسر ضرب الدركسيون بإيده بغضب مكتوم، وصرخ بصوت واطي:
— كاسر: أنا مش هسيبها يا طارق! مش هسيبها 

 عايز أخدها بعيد عن الريحة اللي هي فيها، عايز أغسلها من كل ذكرى وجع. يوسف ده لو قرب منها تاني.. أنا مش هسكت، هنهي حياته بإيدي!
​طارق اتنهد بيأس، وعرف إن كاسر في حالة "إنكار" تامة:
— طارق: طيب والعمل؟ هنعمل إيه دلوقتي؟ إنت واعدتني إنك مش هتتهور.. بس اللي عملته جوه ده قمة التهور.
​كاسر شغل العربية، صوت الموتور زأر في المكان، وبص للطريق بنظرة حادة:
— كاسر: هراقب كل حركة، هشوفها بتخرج إمتى، ومين بيدخل لها. ولو لمحت يوسف بيقرب منها، أو بيحاول يرجعها لذمته بأي وسيلة ضغط.. وقتها لا القانون ولا الأهل ولا أي حد في الدنيا هيوقفني. أنا صبرت كتير، ومباقيش في قلبي صبر زيادة.
​طارق بص لصاحبه بذهول، حس إن كاسر خلاص قرر يعيش في عالم موازي، عالم مفيش فيه حلول سلمية، مفيش فيه غير "حبيبة" كهدف وحيد، و"انتقام" كطريق وحيد.
واتاكد أنه خلاص كاسر فعلا مش سامع غير كلام دماغه فا لازم الكل يمشي وراه 
وهو هيصحصح للحقيقه واحده واحده 
العربية كانت بتلف في شوارع القاهرة كأنها بتهرب من شبح، كاسر سايق بنظرة تائهة، وطارق جنبه حاطط إيده على قلبه، بيراقب كل حركة لصاحبه. طارق فهم اللعبة خلاص؛ كاسر دلوقتي في منطقة خطر، والتعامل معاه بالمنطق مش هيجيب نتيجة، فقرر يغير تكتيكه.. هيبدأ "ياخده على قد عقله" عشان يقدر يسيطر عليه.
​— طارق (بهدوء مصطنع): عندك حق يا كاسر.. اللي شوفناه هناك يهد جبال، وحبيبة فعلاً محتاجة وقت عشان تستوعب إنك رجعت. إحنا لازم نرجع الفيلا، نريح أعصابنا شوية، ونرتب خطواتنا اللي جاية.. عشان لما نرجع لها نكون جاهزين فعلاً ونخلصها من يوسف ومن المستشفى وكل اللي فيها.
​كاسر بص لطارق بصمت طويل، وبعدين هز راسه ببطء شديد، ولف بالعربية ناحية الفيلا.
​أول ما وصلوا، كان التوتر في الفيلا بيتقطع بالسكين. كاسر نزل، دخل بخطوات "إنسان آلي" مبرمج، وشه مفيش عليه أي تعبير، عيونه باصة لقدام، تجاهل الكل تماماً.. تجاهل نظرات أبوه، ودموع أمه، وسؤالات ملك. طارق دخل وراهم بسرعة، وشاور للكل بإيده إشارة قوية: "محدش يتكلم نص كلمة، سيبوه".
​كاسر طلع السلم بهدوء مخيف، دخل أوضته وقفل الباب وراه، والبيت ساد فيه صمت جنائزي.
​ميرفت كانت بتترعش، قربت من طارق بذهول:
— ميرفت (بصوت مخنوق): ماله كدا يا طارق؟ إيه اللي حصل؟ قولي ارجوك، أنا قلبي هيقف من الخوف عليه!
​الكل اتجمع حولين طارق، محمد، خالد، ملك، والجده فريال. طارق أخد نفس عميق، ولقى إن مفيش مفر من الحقيقة، وبدأ يحكي لهم كل حاجة بالتفصيل الممل.. من ساعة ما وصلوا المستشفى،  لحد ما ماجد (أبو يوسف) تدخل، والكلمتين اللي وجعوا كاسر وكسروه لما قاله "دي مرات ابني".
​صوت طارق كان بيتنقل بين الغضب والحزن وهو بيحكي:
— طارق: كاسر مش في وعيه الكامل يا جماعة.. هو في حالة إنكار، شايف إن حبيبة بتنادي عليه، وشايف إن كل العالم واقف ضده وضدها. ماجد عرف يخرجه بالكلمة الحلوة، بس كاسر جوا نار، ونار دي ممكن تحرق الأخضر واليابس لو حد ضغط عليه زيادة.
​الفيلا غرقت في صمت تاني، أثقل من اللي قبله. محمد (أبو كاسر) رجع لورا وقعد على الكرسي، ملامحه كبرت فجأة، وبص لمراته وقال بصوت مكسور:
— محمد: الولد بيضيع مننا يا ميرفت.. بيضيع في حب كان المفروض يكون أجمل حاجة في حياته، بس بقى هو سجنه.
​الجده فريال مسحت دمعة في عينها، وبصت للكل بحزم:
— فريال: كاسر محتاجنا.. بس مش بالضغط، ولا بالخناق. كاسر محتاج حد يطمنه إن حبيبة مش هتضيع، عشان يقدر هو نفسه يهدى.
​طارق بص للباب المقفول بتاع أوضة كاسر، وكان عارف إن ورا الباب ده، فيه "بركان" مستني أي شرارة.. وكلمة "مرات ابني" اللي قالها ماجد لسه بتتردد في جدران دماغ كاسر، وممكن تكون هي اللي هتفجر الحرب اللي جاية.
الأيام كانت بتمر تقيلة وبطيئة، كأن الزمن واقف عند لحظة الكارثة. حبيبة بقت زي الروح اللي معلقة في جسد؛ بتفوق للحظات وعيونها دبلانة، وبعدين بتغرق تاني في نومها بمساعدة المهدئات والمحاليل، وما بتنطقش حرف. الدكتور المسؤول عن حالتها بجدية وقلق أقنع أهلها إن الحالة الجسدية بدأت تستقر، لكن الصدمة النفسية عميقة ومحتاجة دكتور متخصص في النفسية والعصبية عشان يقدر يخرجها من حالة "الخرس الاختياري" اللي دخلت فيها.
​كاسر.. كان في حالة غليان مكتوم. بقى زي المجنون اللي مفيش قدامه غير هدف واحد، أي حد يحاول يعترض طريقه أو يقوله "استنى" أو "اهدأ"، كان بيقابله بوش خشن وتكسير لأي حاجة تقرب منه. عيونه كانت دايماً مسمرة على تقارير رجالة الحراسة اللي سابهم يراقبوا أوضة حبيبة في المستشفى 24 ساعة، بيطمن على كل نفس بتنفسه.
​في الناحية التانية، ماجد (أبو يوسف) كان هو اللي مقيم في المستشفى، حارس على اللي فاضل من كرامة ابنه، في حين إن أيتن ورقيه لسه في حالة ذهول مش مستوعبين حجم اللي حصل ولا كيف الأمور وصلت للدم والطلاق. أما يوسف، فكان في عالم تاني خالص، سهر وشرب وسادية مفرطة، بيحاول يغطي على وجع فشله بزيادة قسوته على نفسه، وما يعرفش إن رجالة كاسر بيصوروا كل خطوة بيخطيها، بيوثقوا كل تدمير بيعمله عشان تكون دي الورقة الرابحة في وقتها.
​في يوم، الجدة فريال مابقاش عندها صبر. اشتياقها لحبيبة كان أقوى من أي اعتبارات ... كلمت طارق واتفقت أنه يوصلها .... قامت لبست وطلعت، قلبها بيتحرك قبل رجليها. وحشتها قعدتهم سوا، وحشتها ضحكتها اللي كانت بتنور البيت. فريال كانت بتتحرك ببطء وقار الستات المسنة، وصلت المستشفى وقالت ل طارق يستني هنا هي عايزه تقعد معايا لوحدها وسألت بتوتر عن الدور ورقم الأوضة، لحد ما وقفت قدام الباب.
​خبطت بخفة ودخلت بعد ما سمعت صوت الإذن.
​أول ما عيون حبيبة جت على فريال، الروح اللي كانت شبه ميتة جوه الأوضة بدأت ترجع تدب فيها من تاني. حبيبة، اللي بقالها أيام ساكنة كأنها تمثال، قامت بلهفة وحركة مفاجئة، جريت على فريال وارتمت في حضنها، مسكت فيها بكل قوتها وكأنها طوق النجاة الأخير في وسط بحر من الوجع.
​حبيبة فضلت تبكي، بكاء حار ومكتوم، دموعها كانت بتغسل جزء من قهر الأيام اللي فاتت. فريال ضمتها لصدرها بقوة، ودموعها هي كمان خانتها، وبدأت تطبطب عليها بحنية الأم والجدة:
— فريال (بصوت يرجف من العياط): اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا قلب فريال. أنا جيتلك.. خلاص مفيش وجع تاني، أنا هنا يا حبيبة.. أنا هنا.
​حبيبة كانت بتهز رأسها في حضن فريال وهي بتشهق، وكأنها بتقول لها من غير كلام: "ليه اتأخرتي؟ ليه سبتيني أواجه كل ده لوحدي؟".
​فريال فضلت متمسكة بيها، وبصت في ملامحها اللي دبلت من الألم، وقلبها بيتقطع، وقالت بصوت واطي:
— فريال: قوليلي يا حبيبة.. قوليلي إيه اللي حصل؟ احكيلي كل اللي في قلبك، أنا جيت عشان أسمعك، ومش هسيبك لحد ما ترجع الضحكة دي لعينك تاني.. أحكي احساسك ي بنتي 
​حبيبة رفعت عيونها المحمرة لفريال، ولأول مرة من أيام، حاولت تفتح شفايفها، كان باين إنها عايزة تقول كلمة.. كلمة واحدة بس تكسر بيها جدار الصمت.
حبيبة بعدت عن حضن فريال شوية، قعدت على طرف السرير، وضمت رجليها لصدرها وهي بتبص للفراغ، وكأنها بتسترجع شريط فيلم رعب مش قادرة توقفه. صوتها كان طالع زي النسمة المكسورة، ضعيف، خايف، ومجروح لدرجة إن كل كلمة كانت بتطلع كأنها بتطلع من قطعة من روحها.
​— حبيبة (بصوت مبحوح ودموع سايلة بصمت): عارفة يا ستي فريال.. الوجع مش في اللي عمله في جسمي، الوجع في "الخديعة". أنا كنت فاكرة إن البيت ده أمان، فاكرة إن الشخص اللي اخترته عشان أعيش معاه العمر، هو اللي هيحميني من وحشة الدنيا.. بس طلع هو الوحش نفسه.
​سكتت لحظة، مسحت دموعها بإيد مرتعشة وكملت:
— حبيبة: يوم ما قفل عليا الأوضة، كنت بحس بروحي بتنسحب مني.. مش عشان الضرب، لأ، عشان نظراته اللي كانت بتحسسني إني مش إنسانة، إني مجرد "شيء" يمتلكه ويؤذيه عشان يثبت لنفسه إنه قوي. كان بيستمتع وهو بيشوفني بنكسر.. كان بيطفي فيا أي نور، بيكره فيا أي حاجة حلوة كانت بتفكرني بـ "حبيبة زمان". كنت بدعي ربنا ياخدني، كنت بطلب الموت كأنه خلاصي الوحيد.. لأن القهر كان واكل عضامي قبل لحمي.
​شهقت شهقة وجعت قلب فريال، وكملت بانهيار:
— حبيبة: أكتر حاجة بتقتلني دلوقتي.. هو "إحساسي بالذنب". أنا اللي سمحت لده يحصل، أنا اللي سلمته مفاتيح حياتي ورخصت نفسي في نظر نفسي. أنا حاسة إني "متسخة" بكل نظرة قرف، بكل لمسة عنيفة، بكل صرخة مكتومة خنقتها في ضلوعي عشان مايسمعهاش ويتمادى. أنا بقيت أخاف من ضلي يا ستي.. بقيت أخاف من أي حد يقرب مني، بقيت بحس إن كل الرجالة زي يوسف، مفيش فيهم حد أمين.
​حبيبة بصت لفريال بعيون تاهت فيها كل ملامح البراءة اللي كانت فيها، وقالت بصوت همس:
— حبيبة: كاسر.. كاسر بيجي في أحلامي، كاسر بيجي في ريحة الأمان اللي وحشتني، بس أنا بقيت "خوافة". أنا مش قادرة أقبله في حياتي وأنا بالبشاعة دي، مش قادرة أبصله في عينه وأقوله "أنا هنا". كاسر بيحبني عشان اللي كنت عليه.. بس دلوقت، أنا مين؟ أنا بقيت مجرد بقايا إنسانة مكسورة، شافت الموت بعينها، واتداس على كرامتها لحد ما مابقيش فيها حتة سليمة.
​فريال كانت بتعيط بصمت وهي سامعة الكلام ده، حاسة إن كل كلمة بتخترق جلدها زي السكاكين. حبيبة كملت بوجع يقطع القلب:
— حبيبة: ي ستي.. أنا حاسة إني بموت في اليوم ألف مرة.. كل ما غمض عيني بشوف اليوم ده، بشوف لحظة ما فقدت كل حاجة، بشوف نظرة يوسف وهو بيكسر كل حاجة فيا. أنا مش محتاجة حد يعالج جسمي، أنا محتاجة حد يرجعلي "حبيبة" اللي ماتت.. بس للأسف، أنا عارفة إنها راحت، ومحدش هيرجعها تاني، لا كاسر ولا غيره.
​حبيبة رجعت ضمت نفسها وبدأت تترعش بعنف، والصمت رجع تاني يسيطر على الأوضة، صمت كان فيه وجع أكبر من أي كلام ممكن يتقال. 
فريال مكنتش قادرة تتحمل أكتر من كدا، قلبه كان بيتمزق على حبيبة، الست اللي كانت دايماً رمز للصبر والرضا دلوقتي بقايا إنسانة بتلملم شتاتها بصعوبة. فريال قربت منها، مسكت إيدها المرتعشة، وضغطت عليها بكل حنانها وقالت بصوت مليان إصرار وثقة:
​— فريال (بصوت يقطر ألم وحنان): يا حبيبة قلبي، اسمعيني كويس.. اللي حصل ده "جريمة" في حقك، مش غلطك إنتي. القهر اللي عشتيه ده كسر في عضمك بس ما كسرش روحك، الروح اللي جواكي دي أطهر من إنها تتلوث بأفعال حيوان زي يوسف.
​حبيبة كانت بتهز راسها بالنفي، ودموعها مش بتبطل، فريال كملت وهي بتمسح على شعرها:
— فريال: إنتي مش بقايا إنسانة، إنتي "مقاتلة" نجت من جحيم.. كاسر مش بيحب حبيبة اللي كانت، كاسر بيعشق الروح اللي فيكي، والروح دي ما اتغيرتش. الوجع اللي فيكي ده "غريب" عنك، هيطرد، وهتطهريه من جوه، بس محتاجة وقت. إنتي مش لوحدك يا بنتي، إحنا كلنا وراكي، وكاسر.. كاسر ده "جنونه" عليكي هو اللي هيحرق كل الشياطين اللي حواليكي.
​حبيبة بصت لفريال، وقالت بضعف:
— حبيبة (بهمس): بس أنا خايفة يا ستي.. خايفة من نظرة الناس، خايفة من إنه يوسف يرجع، خايفة من كاسر.. خايفة أكون حمل عليه، حمل تقيل مش هيقدر يشيله. 
​فجأة، الباب اتفتح بهدوء، ودخل كاسر. كان واقف عند الباب، سمع آخر جملة قالتها حبيبة، وعيونه كانت بتلمع بوجع مش قادر يخبيه. دخل بخطوات هادية جداً، وقرب منهم، وفريال وسعت له الطريق وهي بتمسح دموعها.
​كاسر وقف قدام السرير، وبص لحبيبة نظرة طويلة، نظرة كانت فيها اعتذار عن كل لحظة كان بعيد فيها، ونظرة وعد أقسم بيه في نفسه. مد إيده وبحركة رقيقة جداً، شال خصلة شعر نازلة على عينها، وبصوت مبحوح ودافي بشكل يكسر القلب:
​— كاسر: "حمل"؟ إنتي فاكرة إني ممكن أحس إنك حمل يا حبيبة؟ إنتي الروح اللي بتخليني أتنفس، إنتي النور اللي بدور عليه في عتمة أيامي. خوفي عليكي كان هو اللي بيخليني أبعد، بس دلوقتي.. مفيش قوة على الأرض هتبعدني تاني. مش عايزك تفكري في بكرة، ولا في يوسف، ولا في نظرة حد.. أنا موجود، وموجود عشانك إنتي وبس.
​حبيبة حست ببرودة في جسمها من وجوده، حاولت تبعد، بس كاسر مسك إيدها بحنية وثبات، وكأنها بتقوله "أنا محتاجالكم، بس مش قادرة
للحظه فريال بتهز حبيبه اللي باصه جنبها ومبتسمه وكأنها بتتكلم مع نفسها 
حبيبه بابتسامه : كدا شملنا رجع تاني صح ي فريال ... كاسر لسه مطمني بكلام من دا 
فريال بقلق علي حبيبه وبصيت حواليها بس مفيش اي حد : كاسر اي ي بنتي ... مفيش غيرنا في الاوضه 
حبيبه انتبهت ل كلامها وبصيت حواليها بفرح والإبتسامة اختفت تماما من علي وشها لما فعلا ملقتش حد حواليها غير فريال 
هنا دخل ماجد عليهم وهي قامت من مكانها بذهول وتلف حواليها تتدور علي كاسر أو حتي مصدر صوت 
حبيبه بضحك : كان هنا والله ... وكان بيكلمني صدقيني ... صدقني طيب انت ي عمو ماجد ... كاسر كان هنا من شويه وبيكلمني 
ماجد مش فاهم اي حاجه ومسكها من كتافها 
وفريال مصدومه : اهدي اهدي بس .... اي اللي حصل ي ست فريال 
هنا حبيبه وقعت جثه بين أيديه وبصوت حهوري نده الممرضه


تعليقات