رواية ألوان مستعاره الفصل العشرون
ساد في الأوضة صمت مخيف، صمت تقطعه فقط أنفاس حبيبة المتلاحقة اللي بدأت تتحول لشهقات مكتومة. ماجد كان ماسك حبيبة بين إيديه اللي بتترعش، وجسدها كان زي الريشة اللي فقدت كل قوتها وفقدت الوعي تماماً.
فريال كانت واقفة مكانها، مذهولة، عيونها بتدور في كل ركن في الأوضة، كأنها بتدور على أثر لكاسر، خيال، أي حاجة.. بس الأوضة كانت فاضية تماماً، ومفيش غيرهم هما التلاتة.
في لحظات، الأوضة اتملت بضجيج حركة الأجهزة والممرضين والدكاترة اللي دخلوا بسرعة عشان يلحقوا الحالة. ماجد وفريال اتسحبوا لبره في الممر، ملامحهم باين عليها الصدمة والهلع.
فريال بصت لماجد، صوتها كان طالع بالعافية وهي بتسأل:
— فريال: شفت اللي حصل يا ماجد؟ البت كانت بتكلمه بجد.. كانت شايفة حاجة إحنا مش شايفينها!
ماجد مسح على وشه بعنف، ملامحه كانت مزيج من الحيرة والشك، رد بصوت واطي:
— ماجد: أنا مش فاهم حاجه ...
فريال بصت للباب المقفول والدموع في عينيها:
— فريال: دي كانت بتتكلم مع كاسر وانا جنبها.... دي مش تهيؤات عادية يا ماجد.. دي كانت نظرة حب، نظرة روح بتلمس روح تانية. أنا خايفة تكون الحالة النفسية دخلت في مرحلة تانية.. خايفة حبيبة تعيش في دنيا تانية غير دنيتنا.
في اللحظة دي، طارق كان بيتمشى في الممرات بعد ما قعد كتير في العربيه وراح يطمن، شاف المنظر وجري عليهم بخطوات سريعة
— طارق (بلهفة): في إيه؟ إيه اللي حصل؟ حبيبة جرالها حاجة؟
ماجد بص لطارق بعيون مليانة غضب مكتوم:
— ماجد بعدم فهم : محدش فاهم يا ابني
فريال : كانت قاعده جمبي عادي بنحكي مره واحده لقيتها سرحت كدا وبدأت تتكلم مع نفسها مع كاسر وقامت بعدها تدور عليه ومكنش في الأوضه غير انا وهي اصلا
طارق اتجمد في مكانه، صدمة كلام فريال خلت قلبه يقع في رجليه.
— طارق (بهمس): هي.. هي لسه مكلمة كاسر وكأنه موجود؟
فريال هزت راسها بأسى:
— فريال: هي مش بس مكلمته، هي عاشت اللحظة.. كانت بتضحك معاه يا طارق،
بعد فتره الدكتور خرج من الأوضة، وشه كان مجهد، بص للكل وقال بنبرة جدية:
— الدكتور: المريضة دخلت في حالة صدمة عصبية حادة. هي محتاجة دلوقتي حقن مهدئة قوية، وممنوع منعاً باتاً أي زيارة، حتى لو مين. الحالة اللي وصلتلها دي خطر على أعصابها، لأن العقل بدأ يخلق "عالم بديل" عشان يهرب من الواقع المر اللي هي فيه.
ماجد بص لطارق نظرة أخيرة قبل ما يمشوا، نظرة كانت بتقول إن "الحرب" بدأت بجد، وإن اللي جاي مش بس صراع بين رجالة، ده صراع على حياة حبيبة نفسها اللي بدأت تتلاشى بين إيديهم.
الدكتور وقف قدام ماجد وفريال وطارق، كان بيمسح عرقه بمنديل، ملامحه مكنتش مريحة، كانت ملامح حد مغلوب على أمره.
— الدكتور (بصوت حازم وهادي): يا جماعة، الحالة اللي المريضة فيها دي مش مجرد انهيار عصبي عادي، دي حالة "انفصال عن الواقع" نتيجة صدمة شديدة. حبيبة رافضة الواقع اللي هي فيه، وعقلها بيحاول يعوض النقص والأمان اللي فقدته بإنها بتستحضر الشخص اللي بيمثل لها الأمان ده.. كاسر.
ماجد عقد حواجبه، صوته طلع مليان استنكار:
— ماجد: عايزنا نعمل إيه يا دكتور؟ دي مريضة، ومحتاجة علاج ومهدئات، مش محتاجة أوهام!
الدكتور بص في عين ماجد بجدية:
— الدكتور: العلاج الحقيقي مش في الحقن يا أستاذ ماجد. العلاج حالياً.. إنها تلاقي الشخص ده قدامها، "كاسر" لازم يكون موجود. هي محتاجة تشوفه وتتأكد إن اللي بتشوفه ده مش خيال، محتاجة تحس بوجوده عشان عقلها يرجع يربط خيوط الواقع تاني. غير كدا، أنا مقدرش أضمن لكم إنها ممكن ترجع لطبيعتها، الخطر إنها تفضل محبوسة جوه عالمها الخاص ده للأبد.
ماجد اتصدم، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. هو اللي كان بيحاول يمنع كاسر عشان "كرامة ابنه"، دلوقتي الدكتور بنفسه بيقول إن كاسر هو "العلاج".
بعد ما الدكتور مشي، ماجد خد قرار مفاجئ، مشي بخطوات سريعة متوجه لبيته، كان مشحون بطاقة غضب وحزن وخيبة أمل. وصل البيت، دخل ولقى الجو مشحون.. أيتن ورقيه قاعدين في ركن بيعيطوا، ويوسف.. يوسف كان قاعد في نص الصالة، متبهدل، ريحة الشرب فايحة منه، ملامحه مش باينة من كتر ما هو تايه ومفصول عن العالم.
ماجد وقف في نص الصالة، بص ليوسف وبص للبنات، صوته كان عالي لدرجة إن الكل اتنفض من مكانه:
— ماجد: قوم.. قوم يا يوسف! كفاية لحد هنا!
يوسف رفع عينه التايهة لأبوه وضحك ضحكة باردة:
— يوسف: إيه يا بابا؟ جاي تقولي إن مراتي اتجننت؟ طيب ما أنا عارف.. ما هو ده اللي أنا عايزه.
ماجد قرب منه بسرعة وشدّه من ياقة قميصه وقومه، وصرخ في وشه:
— ماجد: حبيبة بتموت! الدكتور قال إنها فقدت عقلها بسببك، وبسبب ساديتك اللي دمرتها. الحل الوحيد عشان تفوق.. إن كاسر يجي لها، وإنها تخلص من قيدها معاك!
الهدوء ساد المكان فجأة. أيتن ورقيه قاموا بذهول، ويوسف بدأ يستوعب كلام أبوه، ملامحه اتغيرت من السخرية للغل.
— ماجد (بصوت آمر): ورقة الطلاق هتتكتب دلوقتي.. دلوقتي حالا يا يوسف! أنا مش هسمح إن بنت الناس دي تضيع بسببي أو بسببك. كرامة إيه اللي بتتكلم عنها؟ إنت كسرت كرامتك قبل ما تكسر كرامتها.
يوسف زق إيد أبوه بعنف ووقف، كان بيترعش من الغضب:
— يوسف: تطلق؟ تطلق مين يا بابا؟ أنا ما طلقتش! هي لسه مراتي على الورق، ومفيش حد في الدنيا هيجبرني أطلقها، حتى لو كانت بتموت! كاسر ده أنا هقطعه لو فكر يقرب منها..
ماجد بص ليوسف بنظرة احتقار، وقال ببرود:
— ماجد: كاسر مش محتاج إذنك. أنا اللي بطلب منك ده دلوقتي، مش بصفتي أبوك، بصفتي إنسان عنده ذرة ضمير. يا تطلقها وتستر على اللي باقي من عمرها، يا إما أنا اللي هعرف أخد حقها منك، وهشهد قدام الكل بكل اللي عملته فيها.. وهخليك تترمي في السجن ببلاغ واحد مني.
يوسف بص لأبوه بذهول، مكنش مصدق إن ماجد ممكن يقلب عليه. الصمت في البيت كان بيحرق.. يوسف بيبص للبنات اللي نظراتهم كلها لوم، وبيبص لأبوه اللي واقف زي الجبل، بيحاول ياخد قرار يا إما ينهي كل حاجة، يا إما ينهي نفسه مع أول خطوة هيخطوها كاسر ناحية المستشفى.
الأيام بقت بتعدي على حبيبة وكأنها فصول من عذاب ساكن. هي غايبة عن الوعي، جسدها موصول بأسلاك المحاليل والقسطرة، أنفاسها منتظمة بشكل آلي كأنها بتستريح من واقع هي مش قادرة تواجهه.
ماجد، اللي قرر يصحح مسار حياة ابنه، كان بيحاصر يوسف بكل ضغطه، ويوسف الغارق في دوامته بقى زي الحيطة المسدودة. وفي نفس الوقت، أيتن، اللي كان قلبها مليان غل، خدت قرار إنها تروح المستشفى. دخلت الأوضة ببطء، شافت حبيبة، شافت الضعف اللي هي فيه، وسمعت وهي نايمة بتنطق بأسامي وأحداث من حياتها الجميلة مع كاسر، كلام طالع من أعماق روحها براءة ونقاء. أيتن قعدت جنب السرير ودموعها نزلت، الندم أكل قلبها، ومسحت كل ذرة كره كانت بتحملها لحبيبة، وقررت إنها مش بس هتسامح، دي هتحاول تكون جزء من جبر خاطرها.
في الوقت ده، كاسر كان في معركة مع نفسه. فريال كانت الملاذ، هي اللي بتهدي بركانه، بتقوله "اصبر يا كاسر، حبيبة محتاجة وقت عشان روحها ترد فيها، لو دخلت عليها وأنت بالشكل ده هتتعب أكتر". كاسر كان بيسمع، وبيستحمل، وبيستنى زي الأسد الجريح اللي بيراقب فريسته من بعيد.
وأخيراً، جه اليوم الموعود. ماجد وصل المستشفى، ملامحه هادية بس مليانة حزم، وفي إيده ورقة طلاق حبيبة من يوسف. بمجرد ما دخل الأوضة، أحلام (أم حبيبة) استقبلته بدموع وشكر، بتبوس إيده على رجولته وموقفه اللي رجع لبنتها حريتها.
فريال فوراً بلغت طارق، وطارق ما كذبش خبر، اتصل بكاسر اللي كان بيعد الثواني. لما الخبر وصل لكاسر، حس إن روحه رجعت لجسده، دموع الفرحة اتجمعت في عيونه، وساب كل حاجة وجري على المستشفى، كأنه عيل صغير بيجري لملاذه الأخير.
وصل كاسر، قلبه بيدق بعنف، فتح الباب بلهفة "أخيراً.. أخيراً هشوفها "، بس أول ما عينه وقعت على حبيبة، اتجمد في مكانه.
المشهد كان صادم؛ حبيبة كانت باهتة، بشرتها شاحبة جداً، وعروق إيديها باينة من أثر المحاليل، جسمها نحف لدرجة إنه اختفى تحت الغطاء. هي مش "حبيبة" اللي كان بيعرفها، هي كانت نسخة مكسورة، خاوية، كأن الزمن أخد منها كل شيء.
كاسر اتسند على الحيطة، أنفاسه بقت متقطعة، وبص لفريال اللي كانت واقفة جنبه، وبعينين مليانة رعب وسؤال، فريال فهمت صدمته. قربت منه، حطت إيدها على كتفه، وبدأت تحكيله بصوت مخنوق كل اللي حصل في الأيام اللي فاتت، من نوبات الهلوسة، لانهيارها العصبي، لرفض جسمها للأكل، ولحالة الغيبوبة اللي بتدخل فيها وتخرج منها.
كاسر بص لحبيبة تاني، دموعه نزلت على خدوده بغزارة، بس المرة دي مكنش غضب، كان وجع أبدي.. وجع عاشق بيشوف حبيبته بتموت قدام عينه، وهي مش حاسة بيه. كاسر قرب من السرير ببطء، ووقع على ركبه جنب إيدها، مسكها بحذر شديد وكأنها إزاز ممكن يتكسر في أي لحظة، وبصوت مش طالع من صدره، همس:
— كاسر: أنا جيت يا حبيبة.. جيت عشان أكون جنبك ، جيت عشان أكون أمانك.. بس قومي، قومي وأنا أقسم برب العزة لاخليكي تنسي إن في وجع في الدنيا دي.
حبيبة فضلت ساكنة، لا حركة، لا استجابة، بس وكأنها سمعت صوته في أعماق عقلها الباطن، دمعة وحيدة هربت من عيونها المغمضة ونزلت على خدها، في إشارة صامتة لقلب كاسر إنها لسه موجودة، بس هي محتاجة معجزة عشان ترجع.
