رواية عيون حنين الفصل الاول
حنين كانت واقفة بحذاءها المقطوع من قدام باين منه صوابع رجلها المتشققة من الشغل وفستانها اللي لونه اتحول من غبار الشارع
في حضنها ملف مهري و أطرافه مقطوعة عينيها واسعة وفيها بريق تحدّي.. تحدّي بنت شايلة جبل على ضهرها ومش عايزة تقع.
وقفت قدام موظفة الاستقبال اللي كانت قاعدة بيونيفورم لبني مكوي أظافر فرنسي رموش صناعية بتخبط في بعض من كتر ما هي طويلة، وريحة برفان حلوة بتبص للشاشة قدامها من غير ما ترفع عينها حتى.
"لو سمحتي.. أنا عندي موعد مع الدكتور بتاع العيون للأطفال.. الحالة طوارئ"
الموظفة رفعت عينها .. بصت لحنين من فوق لتحت وبعدين رجعت بصت للشاشة "طوارئ العيون في الدور التالت.. بس مفيش دور قبل بكرة .. خدي ورقة وسجّلي اسمك" قالتها وهي بتديها ورقة صغيرة من غير ما تبص ليها
حنين مسكت الورقة وإيدها بتترعش، فتحت الملف بسرعة وطلعت منه أشعة وشهادات طبية "أنا مش هقدر أستنى لبكرة.. أخويا عينه الشمال بدأت تنزف من امبارح بالليل والدكتور بتاعنا في البلد قالي لازم أروح مستشفى كبيرة فوراً وإلا هيفقد بصره في العين التانية كمان..
هو أصلاً أعمى في اليمين.. لو العين الشمال راحت كمان هيبقى أعمى تماماً"
"يا حبيبتي كل اللي هنا حالاتهم صعبة.. مش انتي بس اللي عندك مشكلة.. خدي دور واستني"
حنين بلعت ريقها وحست إن الأرض بدور تحتها: "بس هو بيموت من وجعه.. ومش شايف حاجة خالص.. هو عنده 10 سنين بس.. ويتيم ومفيش حد في الدنيا غيري" الدموع بدأت تتجمع في عينيها .
الموظفة تنهدت تنهيدة طويلة "قولي للدكتور في البلد يكتبلك تحويل رسمي للمركز وبعدين تقدري تاخدي موعد.. ده النظام قالتها ورجعت تكتب في الكيبورد كأن الموضوع خلاص.
الدم غلي في عروق حنين.. وشها احمر من القهر، عينيها لمعت بدموع وغيظ "نظام إيه اللي بتكلمي عنه؟ طفل بيفقد بصره وانتو بتكلموني عن ورق وتحويلات؟
هو أنا جايه أطلب منكم صدقة؟ أنا جايه أقولكم إن في بني آدم بيموت وانتم قاعدين بتلعبوا في اظافركم" صوتها عالي فجأة والناس اللي في الريسبشن كلها لفت تبص.. أمهات بعيالهم ورجالة وممرضات.. الكل بصّ.
الموظفة وقفت من على الكرسي ووشها احمر
"لو سمحتي يا آنسة وطي صوتك وإلا هنادي الأمن يطلّعك بره.. ده مركز خاص مش جمعية خيرية"
حنين لمت ورقها بعنف وحطته في الملف ، حست إن قلبها بيتقطع حتت.. دي باعت خاتم أمها المتوفاة، واستلفت من الجيران وركبت عربية نقل من البلد للقاهرة عشان توصل هنا.. وآخر حاجة تتقالها "استني لبكرة".. بكرة ممكن يوسف يصحى مش شايف حاجة خالص.
لفّت على كعبها الحافي تقريباً ومشيت ناحية المصعد وهي بتجز على سنانها ودموعها أخيراً نزلت "أنا هطلع لمدير المركز ده.. مش ممكن كل الناس دي مفيش فيها حد عنده ضمير" قالتها لنفسها بصوت مخنوق.
دخلت المصعد وضغطت على زرار الدور الخامس اللي مكتوب جنبه "الإدارة" بإيد مرتعشة.. المصعد كان نضيف ومرآيته بتعكس شكلها.. بصت لنفس في المراية وشافت بنت تعبانة، هدومها باهتة وشها مليان تعب ودموع، وملف مهري
يوسف من يوم ما مات أبوهم وأمهم وهي عندها 14 سنة وهو عنده 4سنين وهي اللي بتاكلة وتلبّسه وتنام جنبه وتصحى على صراخه هي أمه وأبوه وأخته وكل عيلته.
المصعد بدأ يطلع .. وحنين كانت بتكلم نفسها بصوت عالي من كتر القهر اللي جواها "يا ترى المدير بتاعهم ده عامل إزاي؟ أكيد راجل كبير في السن.... أصلع، بيشرب سيجار وبيضحك على الناس الغلابة اللي بتيجي تطلب منه مساعدة.. وقاعد في أوضة مكيفة ومش حاسس بينا إحنا اللي بنموت قالتها وهي بتمسح دموعها بكم فستانها .
وفجأة المصعد وقف في الدور التالت والباب اتفتح.. ودخل راجل.
حنين ما رفعتش عينها.. كانت لسه بتعيط وبتكلم نفسها..
الراجل كان طويل.. طويل أوي كتافه عريضة وجسمه رياضي شعره أسود فاحم دقنه خفيفة وشه حاد الملامح وعينيه.. عينيه كانت رمادي غريب
عمر بص للبنت اللي في المصعد.. بنت صغيرة، هدومها قديمة وعينيها مليانة دموع وبتكلم نفسها بصوت عالي من غير ما تحس إن في حد معاها.
حنين كملت كلامها من غير ما تاخد بالها "وأنا هقوله كمان إن الموظفة اللي عنده دي عديمة الإحساس وإن المركز بتاعه ده الغلابة بتيجي تتذل فيه.. ولو عنده ذرة ضمير هينزل يشوف العيال اللي في الريسبشن اللي بتموت من الوجع وهو قاعد فوق في البرج العالى بتاعه" قالتها وهي بتعيط وبتجز على سنانها في نفس الوقت.
عمر كتم نفسّه.. أول مرة حد يوصفه بالوصف ده.. هو بقاله 3 ساعات في العمليات من غير ما يقعد دقيقة.. وضحكة صغيرة كادت تطلع منه
وفجأة صوت حنين اتغير.. الغضب راح وبقى حزن.. حزن بنت صغيرة وشايلة هم كبير "بس مش مهم.. أنا هبيع أي حاجة.. هشتغل ليل ونهار.. هنام في الشارع.. المهم يوسف ما يبقاش أعمى.. هو مش يستاهل كده.. هو طفل ما شافش من الدنيا غير وجع.. ربنا أخد أمه وأبوه وكمان بصره.. حرام قالتها ودموعها نزلت على خدودها
عمر حس بغصة في حلقه هو كمان.
المصعد وصل الدور الخامس والباب اتفتح.. عمر خرج وحنين خرجت وراه وهي لسه بتمسح وشها وبتبص حواليها تايهة..
الطرقة كانت هادية
جريت وراه غصب عنها: "لو سمحت يا دكتور.. مكتب المدير فين؟"
عمر وقف ولف لها.. بص لها كويس المرة دي.. بص لعينيها الحمرا من العياط، لوشها اللي من غير أي مساحيق بس فيه براءة غريبة للملف المهري اللي ماسكاه
"عايزة المدير ليه؟"
حنين بصت له بكل الوجع اللي في الدنيا: "أخويا هيفقد بصره.. والناس اللي تحت مبيسمعوش.. بيقولولي استني لبكرة.. وبكرة ممكن يكون فات الأوان.. أنا يتيمة ومفيش حد في الدنيا غيري وغيره.. لو ضاع بصره هيبقى ضاع هو كمان" قالتها ودموعها رجعت تنزل تاني، كانت بتبص له كأنه آخر طوق نجاة.
عمر مد إيده "ممكن أشوف الملف؟"
حنين رجعت خطوة لورا وضمت الملف "حضرتك مين؟"
عمر ابتسم.. "انتي بجد مش عارفة أنا مين؟"
حنين هزت راسها ببراءة حقيقية "لا بجد.. أنا جايه من البلد ومعرفش حد هنا.. حضرتك حد مهم يعني؟"
عمر ضحك "أنا مدير المركز اللي انتي عايزاه.. وأستاذ طب العيون فيه" قالها وهو باصص في عينيها مباشرة.
حنين بصت له ثانية.. وبعدين ضحكت ضحكة مليانة عدم تصديق: "لا طبعاً.. مدير المركز أكيد راجل كبير وأصلع وبكرش وبيشرب سيجار" قالتها بمنتهى الثقة، كانت متخيلة المدير راجل عجوز تخين قاعد في مكتب مكيف
عمر بص لها ، الابتسامة لسه على وشه . ما ردش.. لف ومشى ودخل مكتب كبير في آخر الطرقة مكتوب عليه "د. عمر الشافعي المدير العام ورئيس قسم جراحة العيون".
حنين وقفت مكانها متجمدة.. وبعدين قربت من ممرضة كانت معدية "لو سمحتي.. هو مدير المركز موجود؟"
الممرضة بصت ناحية المكتب وابتسمت "لسه واصل حالا.. دكتور عمر اللي كان واقف مع حضرتك.. ده أستاذ دكتور وعمره 32 سنة بس وأصغر رئيس قسم في تاريخ المركز
حنين شهقت.. شهقة طلعت من أعماق قلبها، حطت إيدها على بوقها وعينيها برقت بصدمة: "هو المدير بجد؟"
الممرضة ضحكت......"وهو اللي بيعمل أصعب عمليات العيون في مصر كلها.. ناس بتيجي له من برا البلد عشان يعالجهم.. ده إيديه دهب يا حبيبتي" قالتها ومشيت.
حنين فضلت واقفة مكانها متجمدة.. يا نهار أسود.. هي قالت عليه إيه؟ أصلع؟ بكرش؟ بيشرب سيجار؟ يا لهوي لو الأرض تتشق وتبلعها دلوقتي أهون.. حست إنها عايزة تجري وتنط من السلم وتسيب المركز كله، بس افتكرت يوسف.. يوسف اللي قاعد في البيت مش شايف حاجة وبيصرخ من الوجع.
في نفس اللحظة، عمر كان قاعد على مكتبه ماسك ملف.. كان بيقرا فيه وبعدين رفع عينيه وبص لها وشاور بإيده "تعالي".
حنين قلبها كان بيدق بسرعة جنونية.. حست إن رجلها مش شايلاها.. هتدخل إزاي بعد الكلام اللي قالته؟ بس ده يوسف.. عشان خاطر يوسف هتدخل حتى لو هيطردها ويهينها.
أخدت نفس عميق واتحركت ناحية المكتب كل خطوة كانت بتقول
"يارب استر..
مد إيده وقال "الملف".
حطت الملف قدامه وهي مكسوفة لدرجة إنها مش قادرة ترفع عينها.
عمر فتح الملف وبدأ يقلب فيه عينيه كانت بتتحرك على الأشعة على تقارير الدكاترة على صور قاع العين اللي بتوضح انفصال في الشبكية ونزيف داخلي في العين الشمال "هو أخوكي؟" سألها وهو رافع عينه ليها، صوته بقى جاد تماماً، نبرة دكتور شاف حالة خطيرة.
حنين هزت راسها "آه.. يوسف.. عنده 10 سنين.. أعمى في عينه اليمين من الولادة والعين الشمال كانت شغالة بس من أسبوعين بدأت تضعف ومن امبارح بالليل نزل منها دم.. الدكتور في البلد قالي لو ما عملناش عملية خلال 48 ساعة هيفقد بصره تماماً"
عمر قفل الملف وحطه على المكتب، وبص لها بصة طويلة.. كان شايف بنت صغيرة أوي على الهم اللي شايلاه، فستانها باهت وحذاءها مقطوع بس عينيها فيها نار.. نار أم مش أخت.. نار واحدة هتحرق الدنيا عشان تحمي اللي قدامها.
"تقدري تجيبيه المركز دلوقتي؟ لازم أعمله أشعة مقطعية على العين وفحوصات شاملة فوراً" قالها بنبرة حاسمة.
حنين رفعت وشها فجأة، عينيها لمعت بخوف تاني.. الخوف خوف الفلوس "والفحوصات دي.. بتاعة الفلوس ولا.. أنا يعني.. مش معايا غير.." قالتها وصوتها واطي ومكسوف، إيديها اتشبكت في بعض.
عمر فهم نظرتها في ثانية.. النظرة دي شافها ألف مرة في عيون الغلابة اللي بييجوا المركز.. نظرة الخوف من الفاتورة
قام من على الكرسي
"على حساب المركز.. بس يكون هنا في خلال ساعة بالكتير.. الحالة مش تحتمل تأخير"
حنين حست بقلبها هيقف من الفرحة.. أول مرة من شهور تحس إن في باب اتفتح بجد: "يعني هتعملوا له العملية؟" بصت له بأمل عينيها بتلمع وشفايفها بترتعش.
عمر سند بإيده على المكتب وبص لها
"هاتيه نعمل الفحوصات الأول وبعدين نحدد.. بس أنا هكون المتابع لحالته بنفسي" قالها بنبرة واثقة خلت حنين تحس إن الأرض رجعت تحت رجلها تاني.
حنين اتحركت بحماس كأن حد حقنها بطاقة "حاضر.. هجيبه حالا لحضرتك.. شكراً.. شكراً أوي يا دكتور" قالتها وهي بتجري ناحية الباب نسيت حتى الكسوف من كتر ما هي طايرة من الفرحة.
وخرجت بسرعة من المكتب..
عمر سند ضهره على الكرسي وهو بيبص قدامه بتفكير.. كان شايف وشها.. وش البنت اللي قالت عليه أصلع وبكرش.. افتكر إزاي كانت بتعيط في المصعد وإزاي قالت
"هو طفل ما شافش من الدنيا غير وجع".. حس بغصة في صدره.. هو متعود على حالات العيون الصعبة، متعود يشوف ناس بتفقد بصرها، بس المرة دي كان مختلف.. يمكن عشان شاف أخت شايلة حمل أخوها على ضهرها وهي نفسها لسه طفلة.
داس على زرار الانتركم: "دكتورة لمى.. تعاليلي المكتب حالا
بعد تلات دقايق الباب اتفتح ودخلت دكتورة لمى.. كانت داخلة كأنها داخلة حفلة مش مستشفى.. بالطو أبيض مفتوح على فستان أحمر ضيق، شعرها الأشقر وعطرها الفرنسي القوي . كعبها العالي بيطقطق على الرخام وشها مليان بوتوكس وفيلر، وعينيها الزرقا بتبص لعمر بصة فيها حب وتملك
لمى بنت من عيلة كبيرة في عالم الطب، أبوها صاحب سلسلة صيدليات، وخطيبة عمر من سنتين بالترتيب العائلي مش بالاختيار
"عمر.. حبيبي.. عايزني؟" قالتها بدلع وهي بتقرب منه وبتقعد على طرف المكتب بتاعه، بتحاول تبين ساقها.
عمر بعد عنها خطوة لا إرادية، هو مبيحبش ريحتها القوية ومبيحبش طريقتها المتصنعة
"حالة طوارئ هتيجي كمان ساعة.. ولد 10 سنين انفصال شبكية ونزيف في العين الشمال.. عايزك تجهزي أوضة عمليات وتجهزي فريق التخدير.. وهيكون على حساب المركز" قالها وهو بيديها ملف يوسف.
لمى خدت الملف وبصت عليه بقرف و قلبت فيه بسرعة: "حالة مجانية تاني؟
يا عمر انت هتفلس المركز بالحالات دي.. بابا بيقولي إن المركز خسر ملايين السنة دي بسبب الحالات المجانية.. وإحنا كمان عندنا مؤتمر في دبي الشهر الجاي ومحتاجين فلوس" قالتها وهي بتلوي بوقها .
عمر بص لها بصة باردة.. البصة اللي بتخلي كل الدكاترة في المركز ترتعد...."المركز بتاعي وأنا حر في فلوسي.. ولو مش عاجبك النظام الباب واسع يا دكتورة لمى.. اعملي اللي قولتلك عليه" قالها بنبرة حادة خلت وشها يحمر
لمى قامت وقفت وعدلت فستانها "حاضر يا دكتور عمر" قالتها بغيظ مكتوم، وخرجت وهي بتطقطق بكعبها جامد، رزعت الباب وراها.
عمر رجع قعد على الكرسي وتنهد.. كان عارف إن لمى بتحبه، وكل العيلتين عايزين الجواز يتم بسرعة، بس هو عمره ما شافها أكتر من زميلة متعجرفة وطماعة.. هو عايز واحدة حقيقية.. واحدة طبيعية.. واحدة زي.. وسكت.. زي مين؟ زي البنت اللي قالت عليه أصلع وبكرش؟ ضحك ضحكة صغيرة لوحده وهز راسه.
في الوقت ده حنين كانت بتجري في الشارع.. كانت بتجري بجد فستانها بيلف حولين رجلها ورجليها بتوجعها من الحذاء المقطوع، الشمس كانت حامية أوي فوق دماغها كأنها نار بس هي مش حاسة.. كانت حاسة بس إنها لازم توصل ليوسف قبل ما الوقت يضيع.
وصلت الحارة بتاعتهم في بولاق.. حارة ضيقة وبيوت قديمة متلاصقة وصوت أم بتصرخ على عيالها من بلكونة.. طلعت السلم المكسر وهي بتنهج لحد ما وصلت أوضتهم.. أوضة واحدة وصالة صغيرة في شقة مقسومة
فتحت الباب: "يوسف.. يا يوسف حبيبي" نادت بصوت عالي.
يوسف كان قاعد على السرير الصغير في الركن، ولد نحيف أوي جسمه هش لابس تيشيرت أبيض واسع عليه ومكتوب عليه "برشلونة" بخط إيد حنين لأنها ما قدرتش تشتري له تيشيرت حقيقي
عينه اليمين مغمضة دايماً ومغطاة بقطعة شاش وعينه الشمال اللي لسه شايف بيها كانت حمرا ومنتفخة ودموع بتنزل منها لوحدها.. أول ما سمع صوتها مد إيده في الهواء يدوّر عليها
"حنين.. انتي؟ أنا مش شايف كويس.. الدنيا ضلمت أوي" قالها بصوت طفل خايف بيوجع القلب.
حنين جريت عليه حضنته جامد حضن أم بتحضن ابنها
"أنا هنا يا حبيبي.. أنا هنا.. يلا قوم هنلبس ونروح للدكتور شاطر.. الدكتور وافق يشوفك دلوقتي فوراً" قالتها وهي بتعيط وبتضحك في نفس الوقت وبتبوس وشه الصغير.
يوسف بصلها بعينه الشمال الحمرا بخوف.... "الدكتور ده هيعملي عملية يا حنين؟ أنا خايف.. مش عايز أموت" قالها وصوته ارتعش.
حنين مسكت وشه الصغير بين إيديها وباصت في عينه الوحيدة اللي لسه شايفة: "مش هتموت يا روحي.. أنا مش هسيبك.. عمري ما هسيبك.. الدكتور ده أشطر دكتور في مصر كلها وهيرجعلك بصرك إن شاء الله.. وهتشوف الدنيا وهتشوف وشي.. مش عايز تشوف وش أختك؟" قالتها ودموعها نزلت على خدوده.
يوسف ابتسم
"عايز.. عايز أشوف وشك يا حنين.. نسيت وشك عامل إزاي" قالها وكلمته دي خلت قلب حنين يتقطع لألف حتة.
لبسته قميص نضيف وبنطلون جينز قديم ولفّت عينه الشمال بشاش نضيف، وخدت الملف التاني والبطاقة وكل حاجة.. ونزلت بيه وهي سانداها.. كان ماشي جنبها وإيده ماسك إيدها جامد كأنه خايف يضيع في الضلمة اللي عايش فيها.. وقفت عربية ميكروباص بالعافية بآخر فلوس في جيبها.
طول الطريق يوسف كان ساند راسه على كتفها "أنا تعبان يا حنين.. عيني بتوجعني أوي
حنين حضنته أكتر ودموعها نزلت "معلش يا حبيبي.. هنوصل حالا والدكتور عمر هيخففك إن شاء الله.. هتبقى كويس وهتشوف كل حاجة.. وهتشوف البحر اللي وعدتك بيه.. فاكر؟" قالتها وهي بتبوس راسه وبتحاول تطمنه وتطمن نفسها.
حنين وصلت المركز وهي ساندة يوسف.. جسمها كان واجعها من الجري والتعب وشعرها نازل على كتافها وفستانها اتبهدل بس هي مكانتش شايفة كل ده.. كانت شايفة بس باب المركز
دخلت الريسبشن وهي بتنهج يوسف ساند عليها ووشه أصفر وعينه مغطاة بالشاش المبلل بالدم "لو سمحتي.. أنا طالعة مكتب الدكتور عمر.. هو اللي قالي أجيب أخويا فوراً" قالتها لنفس الموظفة بتاعة الصبح.
الموظفة بصت لها من فوق لتحت وبصت ليوسف اللي هدومه قديمة ووشه تعبان، ورفعت حاجبها بقرف "يا حبيبتي قولتلك الصبح.. المدير مش بيقابل أي حد.. روحي خدي دور في الطوارئ" قالتها ببرود.
حنين حست بالدم بيغلي
"بقولك الدكتور عمر اللي طلب يشوفه بنفسه.. ابعدي عن طريقي قبل ما أصرخ" صوتها بدأ يعلى.
الموظفة وقفت: "يا أمن.. يا أمن" نادت.
الصوت العالي لفت نظر لمى اللي كانت واقفة في الناحية التانية بتتكلم مع اتنين دكاترة رجالة..
أول ما شافت حنين ويوسف قربت وهي ماشية بكعبها العالي... "إيه الدوشة دي؟ مش قولتلكم اطردوا الأشكال دي من هنا؟ ده مركز راقي مش عيادة شعبية" قالتها بصوت عالي وهي بتبص ليوسف بقرف.
حنين بصت لها بعينيها المليانة نار "أشكال إيه؟ ده طفل بيموت وانتو بتتكلموا عن رقي؟ الرقي في القلب مش في الكعب العالي اللي في رجلك" قالتها بصوت عالي خلى لمى تحمر من الغضب.
لمى رفعت إيدها كأنت هتصفع حنين.. بس في اللحظة دي بالظبط..
"إيدك لو لمست شعره منها هتتفصلي من المركز قبل ما إيدك تنزل".
الصوت كان حاد
عمر كان واقف على السلم الداخلي نازل من الدور التالت بقميص سماوي وكمّه مشمّر لحد كوعه..... بص للمى بصة خلتها تتجمد في مكانها.
لمى سحبت إيدها بسرعة ووشها اصفر...... "عمر.. أنا كنت بس.."
عمر قطعها "الحالة دي معايا شخصياً.. وأي حد في المركز يتعامل معاها باحترام كامل.. فهمتي يا دكتورة لمى؟" قالها بنبرة ما فيهاش نقاش.
لمى بلعت ريقها وهزت راسها وخرجت بسرعة وهي بتطقطق بكعبها من الغيظ.
عمر نزل السلم وقرب من حنين ويوسف.. بص ليوسف اللي بيترعش من الخوف والوجع، وحط إيده على كتفه الصغير بحنية
"أنت يوسف؟"
يوسف هز راسه بخوف وماسك في إيد حنين جامد.
عمر ابتسم له حتى لو يوسف مش شايف الابتسامة "أنا دكتور عمر.. وهخليك تشوف الدنيا تاني.. اواعدك.. بس لازم تكون شجاع"
يوسف بص بعينه الشمال الحمرا ناحية الصوت "بجد يا دكتور؟ هقدر أشوف أختي تاني؟"
عمر حس بغصة في حلقه.. بص لحنين اللي كانت بتعيط بصمت ودموعها بتنزل على خدودها "بجد.. هتشوفها.. يلا بينا نطلع نعمل الفحوصات" قالها وهو شايل يوسف على إيده فجأة لأن الولد ما كانش قادر يمشي من الوجع.
حنين بصت لعمر وهو شايل أخوها.. شايل يوسف كأنه طفله هو مش مريض غريب..
بعد 6 ساعات..
العملية خلصت.. عمر خرج من أوضة العمليات وهو بيشيل الكمامة من على وشه، شعره متلخبط وعينيه متعبة .. بص لحنين اللي كانت قاعدة على كرسي في الطرقة من 6 ساعات من غير ما تتحرك .. أول ما شافته قامت جريت عليه.
"دكتور عمر.. طمني.. يوسف.. يوسف كويس؟" صوتها بيترعش وخايفة تسمع أي خبر وحش.
عمر بص لها.. شاف وشها الغرقان بالدموع والتعب، وابتسم لها بهدوء.. ابتسامة فيها كل الطمأنينة اللي في الدنيا
"العملية نجحت الحمد لله.. الشبكية اتثبتت والنزيف وقف.. وإن شاء الله خلال أسبوعين هيبدأ يشوف تاني.. مش بس يشوف.. هيشوف كويس"
حنين حست إن رجلها مش شايلاها.. حطت إيدها على صدرها وشهقت شهقة فرحة.. دموعها نزلت بس المرة دي دموع فرحة
"بجد؟ يعني هيشوف؟ يعني هيشوف وشي؟" قالتها وهي مش مصدقة.
عمر هز راسه بابتسامة"هيشوف وشك.. وهيشوف البحر اللي وعدتيه بيه" قالها وهو فاكر الكلام اللي سمعه منها في المصعد من غير ما تقصد.
حنين بصت له بصدمة.. هو كان سامع كل حاجة.. كل كلمة.. فكرت إنها بتكلم نفسها بس هو كان سامع.. و عمل العملية ببلاش.. وشال يوسف على إيده..
رفعت عينها للسقف ودموعها بتنزل وهي بتقول من قلبها
الحمد لله يارب.. شكراً يارب" وسجدت على الأرض في طرقة المستشفى.. سجدت شكر لله وهي بتعيط وبتشكر ربنا إنه رجعل ليها نظر يوسف.
عمر بص لها وهي ساجدة على الأرض في طرقة المستشفى.. وحس إن المنظر ده أحلى من أي عملية نجح فيها في حياته.. وحس إن البنت دي اللي قالت عليه أصلع وبكرش.. هي أقوى بني آدمة شافها في حياته.
في المساء..
في فيلا عيلة الشافعي.. عيلة عمر.
الساعة بقت 8 بالليل.. جرس الفيلا رن.
لمى وصلت مع عيلتها.. داخلة وهي ماسكة إيد باباها.. لابسة فستان ذهبي قصير شيك أوي
وماسكة بوكيه ورد أحمر كأنها جايه تتجوز مش تتعشى.
والد عمر كان كل شوية يبص على الباب وبعدين يبص لوالد لمى ويضحك ضحكة متوترة
"عمر زمانه جاي.. عنده عملية كبيرة في المركز.. انتو عارفين الجراحين الكبار مشغولين إزاي" قالها وهو بيحاول يبرر تأخير ابنه.
أهل لمى اضايقوا.. وشهم اتقلب.
ولمى وشها احمر من الكسوف والغضب.. كانت قاعدة مش طايقة نفسها.. وبتفكر في البنت اللي في الريسبشن.. البنت اللي عمر دافع عنها قدامها.. البنت اللي خلت عمر يبص لها بالطريقة دي..
وعمر كان لسه في المركز.. قاعد جنب سرير يوسف اللي نايم بعد العملية وعينه مغطاة بضمادات .. وحنين نايمة على الكرسي جنب السرير من التعب، إيدها ماسكة إيد يوسف حتى في النوم.
عمر بص ليهم.. بص للأخ اللي نايم والأخت اللي نايمه جنبه.. وحس إن في حاجة جواه اتغيرت..
حاجة متعلقة بقلب كان فاكر إنه مات من زمان.
