رواية عيون حنين الفصل الثاني
"عمر إنت اتجننت؟ إزاي تكلم عمك كده؟"
"إنت بتطردنا يا عمر؟ عشان إيه؟ عشان الجربيع اللي لميتهم من الشارع؟"
#عيون_حنين
في فيلا عائلة الشافعي..
الساعة تجاوزت العاشرة مساءً، والهدوء المشحون بالغضب كان يسيطر على المكان. السفرة الطويلة المليئة بأفخم الأكلات اللى بردت، ووالد لمى (الدكتور رأفت) وقف وهو يزرر جاكيت بدلته بعنف، ووشه محتقن بالدم.
"لحد كده وكفاية أوي يا كمال بيه.. إحنا ولاد أصول وما نقبلش الإهانة دي. بنتي تتوزن بالدهب، وعمر ابنك سابنا قاعدين تلات ساعات كأننا شغالين عنده!" قالها الدكتور رأفت بصوت عالي.
كمال الشافعي (والد عمر) وقف بسرعة يحاول يهديه "يا دكتور رأفت حقك عليا، أنت عارف شغل الجراحين، أكيد حالة حياة أو موت هي اللي أخرته."
لمى وقفت ودموع التماسيح بتلمع في عينيها الزرقا، بصت لكمال بيه وقالت بصوت مليان غل: "حالة إيه يا أنكل؟ عمر سابني وساب العشا عشان يعالج عيل شحات جاي من الشارع هو وأخته.. بيعملهم عملية مجانية على حساب المستشفى، وفضل قاعد جنبهم كأنه ممرض مش مدير المركز!"
لسه كمال بيه هيتكلم، باب الفيلا اتفتح ودخل عمر.
كان باين عليه الإرهاق، الجاكيت على دراعه، والكرافتة مفكوكة وشعره الأسود مبعثر، بس عينيه كانت بتشع برود
"مساء الخير." قالها بهدوء
رأفت بيه بصله باحتقار: "لسه فاكر يا دكتور عمر؟ إحنا ماشيين.. وبنتنا خطوبتها منك هتتفسخ الليلة."
عمر ما اتهزش فيه شعرة، حط الجاكيت على الكرسي وبصلهم ببرود شديد: " الباب يفوت جمل."
الكلمة نزلت كالصاعقة على الكل. كمال بيه صرخ: "عمر!! إنت اتجننت؟ إزاي تكلم عمك كده؟"
لمى شهقت وحطت إيدها على بوقها: "إنت بتطردنا يا عمر؟ عشان إيه؟ عشان الجربيع اللي لميتهم من الشارع؟"
نظرة عمر اتحولت في ثانية لنار تحرق، خطى خطوتين ناحية لمى لحد ما بقت بترتعش من نظرته "الكلمة دي لو اتقالت تاني هنسى إنك بنت.. الجربيع اللي بتتكلمي عنهم دول أشرف من ناس كتير لابسة ألماظ وقلبها أسود من الفحم. الشحاتة دي عندها كرامة وعزة نفس لو اتوزعت على عيلتك كلها تفيض."
رأفت بيه شد لمى من دراعها بعنف: "يلا بينا يا لمى.. الجوازة دي انتهت."
خرجوا ورزعوا الباب وراهم، وكمال بيه فضل يلف حوالين نفسه من الغضب: "ضيعت نسب يرفعك لسابع سما.. ضيعت مستقبلك مع بنت الدكتور رأفت عشان شوية شحاتين! إنت إيه اللي جرالك؟"
عمر بصله ببرود مميت: "نسب إيه يا بابا؟ نسب المصالح والصفقات؟ أنا جراح عيون مش تاجر.. وتصبح على خير عشان ورايا مستشفى الصبح." سابه وطلع وهو جواه راحة غريبة كأنه جبل وانزاح من على صدره.
-في المستشفى.. صباح اليوم التالي.
أشعة الشمس دخلت من شباك الأوضة ، حنين فتحت عينيها حست بوجع في رقبتها من نومة الكرسي، بس أول ما عينيها وقعت على يوسف اللي نايم نسيت كل الوجع.
قامت براحة باست جبينه، لقت باب الأوضة بيتفتح
كان عمر.. لابس البالطو الأبيض وريحته الهادية ملت الأوضة. في إيده صينية صغيرة عليها فطار
حنين اتكسفت جداً، حاولت تداري فستانها المتبهدل وتعدل شعرها دكتور عمر.. صباح الخير.. تعبت نفسك ليه؟"
عمر ابتسم ابتسامته وحط الصينية على الترابيزة "صباح النور.. ده فطار يوسف، ولازم يفطر كويس عشان الأدوية، وده فطارك إنتي كمان."
حنين رجعت خطوة لورا ووشها احمر: "لا شكراً.. أنا مش جعانة، أنا بس كنت عايزة أسأل حضرتك.. أنا.. أنا هسدد تمن العملية إزاي؟ أنا مش معايا فلوس دلوقتي بس والله العظيم هشتغل ليل ونهار وهسددلك كل قرش."
عمر حط إيده في جيوب البالطو وبصلها بتركيز.. كانت واقفة مرفوعة الراس، رغم فقرها ورغم هدومها ، فيها كبرياء يكسر عين أي حد.
"العملية اتعملت على حساب صندوق الحالات غير القادرة في المركز يا حنين.. إنتي مش مدينة لحد بحاجة."
حنين هزت راسها بعناد: "لا.. أنا مش باخد صدقة من حد. أنا قولت لحضرتك هسدد يعني هسدد. لو سمحت يا دكتور شغلني هنا.. خليني أمسح سلالم، أغسل
أنضف الأوض.. أي حاجة لحد ما أسدد تمن عملية أخويا."
عمر حس بقلبه بيدق دقة غريبة.. البنت دي من طينة تانية خالص غير اللي متعود يشوفهم.
قرب منها خطوة وقال بنبرة جدية "تمسحي سلالم إيه؟ إنتي معاكي شهادة إيه؟"
حنين نزلت عينيها بحزن: "دبلوم تجارة.. كان نفسي أكمل جامعة بس أمي ماتت ويوسف كان صغير.."
عمر ابتسم برضا كأنه لقى الحل "ممتاز.. قسم الأرشيف والملفات عندنا في المركز محتاج مساعدة إدارية فوراً. هتبدأي شغل من بكرة الصبح، بمرتب ثابت، وتخصمي منه كل شهر جزء للعملية زي ما تحبي.. والأهم، الأوضة دي هتفضل ليوسف لحد ما يخف تماماً.. موافقة؟"
حنين رفعت عينيها اللي لمعت بالدموع، ما كانتش مصدقة إن أبواب السما بتتفتح لها مرة واحدة "أنا.. أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه.. ربنا يسترك دنيا وآخرة يا دكتور."
"عمر.. اسمي عمر يا حنين." قالها وهو بيبصلها بعمق خلى قلبها يرتجف لأول مرة في حياتها.
بعد مرور ثلاث أيام..
يوسف بدأ يتعافى، وحنين استلمت شغلها في الأرشيف. لبست بلوزة بسيطة وجيبة من بتوع جارتها بس كانوا نضاف ومكويين وكانت بتشتغل كأنها نحلة، رتبت ملفات بقالها سنين متراكمة في يومين بس.
عمر كان بيراقبها من بعيد لبعيد كل ما ينزل الدور بتاعها، وكان حاسس إن المستشفى نورت بوجودها.
لكن الهدوء ده ما كانش مكتوب له يدوم.
الساعة 2 الضهر عمر دخل عملية صعبة هتاخد أكتر من 4 ساعات
في الأرشيف، باب الأوضة اتفتح فجأة بعنف..
حنين رفعت راسها من وسط الملفات، لقت لمى واقفة قدامها.
لمى كانت لابسة طقم أسود في أحمر، حاطة ميك أب كامل وعينيها بتطق شرار. بصت لحنين من فوق لتحت باحتقار كأنها حشرة.
"إنتي بقى السنيورة اللي عمر بيه فسخ خطوبته عشانك؟" قالتها لمى وصوتها بيرن في الأوضة.
حنين وقفت، ملامحها اتشدت
"أنا مش فاهمة حضرتك بتتكلمي عن إيه.. أنا موظفة هنا."
لمى ضحكت ضحكة مستفزة وقربت منها، خبطت إيدها على المكتب بقوة... "موظفة؟ تصدقي ضحكتيني! حتة جربوعة جاية من الشوارع مفكرة نفسها هتلعب على دكتور عمر الشافعي؟ إنتي فاكرة إني هسيبك تاخدي مكاني؟"
حنين بلعت ريقها
"أنا ما أخدتش مكان حد، أنا بشتغل عشان أعالج أخويا.. ياريت حضرتك تخرجى وتخليني أشوف شغلي."
لمى عينيها وسعت من الغضب، ما توقعتش الرد ده: "تطرديني؟ إنتي حتة زبالة.. بس أنا مش هوسخ إيدي بيكي.. أنا هضربك في الحتة اللي هتوجعك."
طلعت تليفونها وكلمت حد: "أيوه يا أمن.. اطلعوا أوضة 304، حالة الولد اللي اسمه يوسف.. ارموه هو واخته بره المستشفى حالا.. أوامر الإدارة."
حنين صرخت ورمت الملفات من إيدها: "إنتي بتعملي إيه؟! أخويا لسه تعبان .. إنتي مجنونة؟"
لمى ابتسمت بانتصار وشر: "وريني بقى مين هيلحقك.. عمر في العمليات ومش هيطلع قبل 4 ساعات.. وإنتي وأخوكى هتترموا في الشارع دلوقتي زي الكلاب."
حنين ما استنتش تسمع كلمة كمان زقتها بكل قوتها وطلعت تجري على السلالم زي المجنونة، قلبها هيقف من الرعب. بتسابق الزمن عشان توصل ليوسف قبل أمن المستشفى..
بس وهي بتجري في الطرقة، لقت اتنين من أمن المستشفى ضخام الجثة خارجين من أوضة يوسف وماسكينه من دراعه، والولد بيصرخ وبيعيط بهيستيريا وهو مش شايف حاجة!
"يوســــــف!!!" صرخت حنين صرخة سمعت المستشفى كلها
