رواية ليلة في الزنزانه الفصل الأول 1 بقلم عيد عزام

 


رواية ليلة في الزنزانه الفصل الأول بقلم عيد عزام 


عمري ما كنت أتخيل إن أكتر ليلة هخاف فيها في حياتي، هتبدأ بجملة عادية جدًا:
- هتبات هنا النهارده، والصبح نشوف موضوعك.
بصيت للظابط اللي قدامي وقلت:
= يعني إيه أبات هنا؟
رفع عينه من الورق.
- يعني هتتحجز لحد الصبح.
= يا باشا، أنا معملتش حاجة.
- وأنا مقولتش إنك عملت. فيه محضر، وفيه طرف تاني، والصبح النيابة تشوف مين عمل إيه.

حاولت أتكلم تاني، بس بص للعسكري الواقف عند الباب.
- خده.

العسكري شاورلي أمشي قدامه. وأنا خارج من المكتب كنت لسه مقتنع إن أسوأ حاجة ممكن تحصللي الليلة دي إني أنام في زنزانة، مكنتش أعرف إن بعد كام ساعة هتمنى لو المشكلة كانت الزنزانة وبس.

اسمي سالم ، عندي تمانية وعشرين سنة، وكل اللي حصل إني دخلت في خناقة مكنتش بتاعتي.

كنت راجع من الشغل حوالي عشرة بالليل، ولقيت راجلين بيتخانقوا قدام كافيه تحت البيت. واحد منهم زق التاني، التاني وقع على عربية راكنة، وصاحب العربية نزل، وفي أقل من دقيقة بقى فيه ستة بيتخانقوا بدل اتنين، وأنا بمنتهى الذكاء دخلت أفصل بينهم.

بعد عشر دقايق كنت في عربية الشرطة معاهم. كل واحد بيقول إن التاني ضربه، وواحد منهم اتنقل المستشفى عشان راسه اتفتحت، وأنا الوحيد اللي فضلت أكرر:
= والله العظيم أنا كنت بفصل ما بينهم بس 

محدش كان مهتم ، العسكري نزل بيا سلم ضيق لتحت. مع كل درجة كنا بننزلها، صوت القسم كان بيبعد، الكلام، التليفونات، صوت الناس، لحد ما وصلنا لطرقة طويلة، الإضاءة فيها ضعيفة، وعلى الجانبين أبواب حديد.
وقفت وبصيت حواليَّ :
= هو الحجز تحت هنا؟

العسكري مردش، كمل مشي لحد آخر الطرقة تقريبًا. كان فيه باب حديد قديم، لونه الأصلي أخضر، بس الصدأ أكل جزء كبير منه. طلع المفتاح، وقبل ما يفتح بصلي.
- اسمك إيه؟
= سالم 

فضل باصصلي شوية فاستغربت
= فيه إيه؟
- مفيش.

فتح الباب ودخلت. الزنزانة كانت صغيرة، فيها شباك عالي جدًا عليه حديد، ولمبة صفرا فوق الباب، وحوض صغير في الركن، وفي آخرها كان فيه راجل قاعد على الأرض، رجله مفرودة قدامه وضهره مسنود على الحيطة. كان كبير في السن، يمكن قرب الستين، لابس قميص أبيض قديم وبنطلون غامق. رفع عينه وبصلي، والعسكري قفل الباب.

مسكت الحديد.
= يا باشا، أنا هفضل هنا لحد الصبح؟

العسكري بدأ يمشي، فناديت:
= يا حاج!

وقف ورجع خطوتين وقرب وشه من الباب.
- نام.
استغربت.
= إيه؟
- حاول تنام بدري.
ضحكت.
= هو أنا جاي مصيف؟

مضحكش، فضل باصصلي، وبعدها قال بصوت واطي:
- ولو سمعت حد بينادي اسمك بالليل، متردش.

ابتسامتي اختفت.
= نعم؟

لف ومشي. خبطت على الباب.
= استنى! يعني إيه؟

صوته جه من آخر الطرقة:
- متردش وبس.

فضلت واقف ماسك الحديد، وبعدين بصيت ناحية الراجل اللي جوه. كان باصص للأرض كأنه مسمعش حاجة.
= هو بيهزر؟

مردش. قربت منه شوية.
= يا حاج؟

رفع عينه. كانت عينه غريبة، مش في شكلها، في طريقته وهو بيبصلي، كأنه كان مستنيني.
= العسكري قال كلام غريب قبل ما يمشي.
- سمعته.
= يعني إيه لو حد نادى اسمي مردش؟
- يعني متردش.
بصيتله هو كمان بأستغراب 
= هو إنت كمان؟

مردش. بصيت حواليا.
= هو فيه حد تاني هنا؟
- دلوقتي؟
= أيوه.
هز راسه.
- لأ.
= أمال مين اللي هينادي؟

فضل باصصلي شوية، وبعدين قال:
- لما تسمعه هتعرف.

الجملة ضايقتني أكتر ما خوفتني. مشيت للناحية التانية وقعدت، حطيت إيدي في جيبي أدور على موبايلي، وبعدها افتكرت إنهم أخدوه مني فوق.

كنت عايز أكلم أختي، أكيد دلوقتي قلقانة. أنا كلمتها وأنا في القسم وقلت لها إن الموضوع بسيط وهطلع، بس مقولتلهاش إني هبات. من ساعة ما أمي مـ ـاتت، أختي بقت بتقلق عليا بزيادة، بقالها تلات سنين، ومع ذلك لحد دلوقتي أول حاجة بتيجي في دماغي لما أتزنق إني أكلم أمي ، يمكن العادة أبطأ من المـ ـوت.

بصيت للراجل.
= إنت هنا من إمتى؟
- من  شوية.
= شوية يعني إيه؟
- وقت 
اتنرفزت.
= إنت بتتكلم كده ليه؟
ابتسم ابتسامة صغيرة.
- عايزني أقولك إيه؟
= مثلًا اسمك
- فاروق.
= وأنا سالم 

بصلي وقال:
- عارف.

سكت لحظة.
= عارف؟

هز راسه ناحية الباب.
- العسكري قال اسمك.

افتكرت إنه فعلًا سألني قبل ما يدخلني، فهديت شوية.
= إنت عامل إيه عشان تتحجز هنا؟

فاروق بص قدامه.
- حاجات قديمة.
= إيه الغموض ده كله؟
- لما تكبر هتعرف إن مش كل حاجة ينفع تتحكي.
ضحكت.
= واضح إن الليلة طويلة.

فاروق مردش. عدى وقت مش عارف قد إيه، الإضاءة كانت بتوجع العين، والزنزانة رغم إنها مقفولة كانت ساقعة بشكل غريب ، بصيت للشباك العالي.
= هو فيه تكييف مستخبي هنا؟

فاروق رفع عينه.
- بردان؟
= جدًا.
قال بهدوء:
- لسه بدري.

بصيتله.
= إنت بتتعمد تخوفني؟
- لأ.
= أمال كل كلمة بتقولها شكلها طالعة من فيلم رعــ ـب ليه؟

لأول مرة ضحك، ضحكته كانت عادية وده ريحني شوية. قلت لنفسي إن الراجل محجوز بقاله فترة، يمكن القعدة أثرت عليه، ويمكن العسكري نفسه كان بيهزر عشان يخوفني.

فضلت ساكت، كل شوية أسمع باب بعيد يتفتح، خطوات، صوت مكتوم، وبعدين الصمت يرجع تاني. فاروق كان مغمض عينه.

سألته:
= إنت نايم؟
- لأ.
= الساعة كام تقريبًا؟
- قربت.
= قربت على كام؟

فتح عينه.
- نص الليل.

بصيتله باستغراب.
= عرفت منين؟

مردش عليا ولا كأنى سألت ، بعد ثواني، اللمبة اللي فوق الباب طفت والزنزانة غرقت في الضلمة.
= يا نهار أبيض.

نورت تاني، وبعدين طفت، وبعدين نورت ، صـــ ـرخت ناحية الباب:
= يا عسكري!

فاروق قال بسرعة:
- متندهش.
بصيتله.
= ليه؟
- متندهش على حد.
= اللمبة بتقطع.
- سيبها.

طفت تاني، والمرة دي فضلت مطفية. الضلمة كانت كاملة تقريبًا، إلا خيط نور ضعيف جاي من الشباك العالي.

سمعت صوت فاروق:
- سالم 
= نعم؟
- من دلوقتي، لو سمعت اسمك، متردش غير لو أنا اللي كلمتك.
ابتسمت رغم إني بدأت أقلق.
= وإيه اللي هيحصل يعني؟
- متردش.
= يا عم فاروق، إنت والعسكري متفقين عليا؟

ملقتش رد منه ، سندت ضهري على الحيطة وحاولت أقنع نفسي إن كل ده هبل، وغمضت عيني. مش عارف عدى خمس دقايق ولا نص ساعة ، حسيت أن نمت شوفت وانا نايم أو كنت صاحى مش عارف أصوات غريبة وحاسس أن قدام بحر وفى حد من بعيد بيمدلى أيده وانا غصب عنى بقرب وبقرب فى المية وحاسس أن جسمى بيغرق بس حاسس ان اللى بيمدلى أيده حد اعرفه ،  فجأة صحيت وسمعت خطوات في الطرقة 

فتحت عيني. الخطوات كانت بطيئة، خطوة وبعدين خطوة وبعدين خطوة، وكانت جاية ناحية الزنزانة. فضلت مركز مع الباب، والصوت قرب أكتر لحد ما وقف قدامنا.

استنيت حد يفتح، محدش فتح. مرت ثواني، وبعدين سمعت صوت من ورا الباب، همس واطي جدًا:
- يا فاروق.

بصيت ناحيته، مكنتش شايف ملامحه كويس، بس كان قاعد ثابت مكانه.

الصوت كرر:
- فاروق.

فاروق مردش. قربت منه وقلت بصوت واطي:
= مش هترد؟

رفع إيده وحط صباعه على بقه ،الصوت اختفى. عدت دقيقة تقريبًا، افتكرت إن الشخص اللي برا مشي، بس مفيش خطوات بعدت. بدل كده الصوت رجع، والمرة دي قال:
- سالم

لقيت نفسي ببص لفاروق من غير ما أنطق، كان مركز مع الباب.

الصوت كرر:
- سالم

كنت هرد تلقائي، بس فاروق قال بسرعة:
- لأ.

قفلت بوقي ، الصوت سكت، وبعدها سمعت احتكاك خفيف في الباب، زي ضوافر بتتحرك ببطء على الحديد.

كششششش ، بعدت عن الباب وهمست:
= مين ده؟

فاروق مردش ، الاحتكاك وقف. مرت كام ثانية، وفجأة الصوت اتغير:
- سالم يا حبيبي.

كل الأصوات اختفت من ودني، مفضلش غير الصوت ده، نفس النبرة، نفس الطريقة اللي كانت بتطول بيها اسمي، وحتى نفس الكلمة اللي كانت بتقولها لما تلاقيني زعلان.

- سالم يا حبيبي، افتحلي.

قمت من مكاني. فاروق اتحرك بسرعة ومسك إيدي.
- متردش.

بصيتله وأنا حاسس إني مش قادر آخد نفسي.
= دي .. مااا

الصوت جه تاني، أوضح وأقرب:
- سالم، أنا ماما.

شدّيت إيدي من فاروق.
= مستحيل.

مسكني أقوى.
- مهما سمعت، متردش.

بصيت ناحية الباب، ودموعي نزلت من غير ما أحس، لأن الصوت اللي واقف برا الزنزانة كان صوت أمي ،أمي اللي 
دفـ ـنتها بإيدي من تلات سنين.


تعليقات