رواية متيم في محراب عينيها الفصل الأول بقلم ديدي
ـ إبن الأجانب هيرجع البيت!
ردت بمنتهى اللامبالاة:
= و المطلوب؟
ـ لا بجد ! انتِ باردة كدا ليه!
بصتلها فى انعكاسها فى المراية وبقولها بعدم اهتمام:
= اعمل ايه يعنى يا زوبة ؟
اتعدلت زوبة في قعدتها، وقالت بجدية:
ـ أنتِ تعرفى معنى أنه جاي البيت معناها ايه؟
قولتها و انا بسرح شعرى بلا مبالاة:
= ميهمنيش.
ـ لا يهمك لأنك عارفة قوانين جدى و لا نسيتِ!
انتهدت :
= منستش بس الموضوع ميهمنيش يا زوبة !
زوبة قربت منى شوية، وقالت بنبرة مؤكدة :
ـ يهمك يا دينا .. يهمك لأنك عارفة معنى أنه هيرجع يبقى هيتجوز واحدة مننا و العروسة طبعاً اختيار جدى!
قولتلها بضيق :
= عارفة كله دا ليه بقا بتقوليلى!
ـ يمكن عشان أنتِ من البنات اللى عليكوا الدور !
وقفت تسريح شعرى، ولفيت و بصتلها مباشر:
= و مين قالك إن هوافق على كدا !
ـ دا أوامر جدى و اللى مش بينفذها أنتِ عارفة مصيره ايه !
رجعت ابص في المراية، وقالت بهدوء مستفز :
= هيتحرم من الورث و من إسم عيلة الدهبى.
ـ طب ما انتِ حلوة و عارفة اهو.
حركت كتفى بلا مبالاة :
= الصغير قبل الكبير عارف القوانين بس انا مش موافقة على الجواز دلوقتى و انا بتعلم!
بصتلى باستنكار:
ـ و جدى !
مسكت المشط، وكملت تسريح شعرى ، و قولتها بحسم :
= زى ما قولتى أنه فيه كذا واحدة مننا خليه يشوف حد منهم إنما أنا لا!
بصتلى شوية و طلعت من الاوضة ، بصيت للباب بعد ما خرجت، وبعدين رجعت بصيت لنفسي في المراية.
طلعت تنهيدة طويلة، ورميت المشط على التسريحة بضيق من قوانين جدى اللى بتبقى على الكل.
بس مستحيل على آخر الزمن اخد واحد تربية أجانب!
قمت من قدام المراية ومشيت نحية الشباك، فتحت الازاز شوية عشان الهوا الهادي يدخل الأوضة ويطفي النار اللي بدأت تحرق دمى.
اسم عيلة "الدهبي" لوحده كان كفيل يخلى الكل يترعب.
دا غير قانون جدى حامد الدهبي اللى كان حاجة تانية خالص؛ قوانين متوارثة، واللى يتجرأ يكسرها، كأنه بيحرم نفسه من الورث و العيلة و السرايا كلها.
"إبن الأجانب" اللقب اللى مطلق فى السرايا على عزيز إبن عمى راضى!
عمى راضى اللى سافر اتجوز أمريكية و طلع عن طوع جدى و قوانينه لانه حب أمريكية، و بعد ولادة عزيز حصل بينهم مشاكل و عمى طلقها و عمى رجع مصر و طلب السماح من جدى لكن جدى رفض لحد اما عمى مات.
أما عزيز ابنه فضل فى أمريكا مع و والدته ، و عاش حياته كلها هناك و مفيش فينا لحد وقتنا هذا شافه و من كما سنة طلب من جدى يضمه للعيلة بس جدى رفض و بعد إلحاح سنتين جدى وافق أنه يرجع.
فوقت من سرحانى على خبط خفيف على الباب الاوضة و أذنت بالدخول و كانت زوبة.
ـ يا خير يا زوبة ... ايه حصل تانى ؟
فركت بأيدها و هى بتقول بتوتر :
ـ جدى عامل اجتماع فى الصالة !
بصتلها بفهم :
ــ اه يعنى الوقت جه ؟
= ايوا و الكل مجتمع تحت عشان يعرفوا مين العروسة المختارة من جدى
ـ تمام يلا ننزل ... خلينا نخلص بقا.
خدت نفس عميق عشان أثبت نفسي، وطلعت ورا زوبة اللى كانت ماشي وهى قلقانة ، كأننا رايحين محكمة مش قعدة عائلية جوه بيتنا.
وصلنا عند التجمع اللى كان فيه همس بين العيلةو مستنين قرار جدى اللى هيغير حيات واحدة مننا.
لفيت بعينى فى الصالون لعل و عسى يكون عزيز قاعد بينهم بس ملقتهوش اكيد طبعا هو من امتى بيتجمع معانا اصلا .
انتهدت و روحت قعدت و انا ببص على جدى اللى قاعد فى الكرسى اللى قدامى و ساند بأيده الاتنين على العصايا و نظراته عليا.
ـ الاكل جاهز يا حامد بيه.
قالتها سعدية الخدامة وهي واقفة على بُعد خطوات من جدي، مستنية رده.
جدي ما ردش عليها على طول، فضل ساكت كام ثانية، وعينه بتلف على كل واحد فينا، لحد ما وقف نظره عندي تاني.
ـ اتفضلوا على الأكل يا عيلة الدهبى.
اتحرك الكل في اتجاه غرفة السفرة الكبيرة. سرايا الدهبي دايماً كانت معمولة على الطراز القديم؛ ترابيزة خشب عتيقة تكفي العيلة بحالها، وعليها أشكال وأنواع الأكل البيتي الفاخر.
دخلنا وقعدنا كلنا و جدى سمحلنا بالاكل ، بدأ الكل يأكل و هم بيهمس لبعض ، وكل واحدة بتحاول تعرف من نظرات التانية هي مين اللي جدي ناوي يختارها.
أما أنا فكنت قاعدة في مكاني بهدوء، بحرك المعلقة في طبقي من غير ما يكون ليا نفس حقيقي للأكل.
محدش تقريبًا كان مركز في الأكل ، الكل كان مركز مع جدي حامد الدهبي.
كان بياكل بهدوء ، من غير ما يشارك في أي همس حاصل حوالينه، وكأن الموضوع كله مش فارق معاه.
لكن أنا كنت عارفة جدي كويس ،الهدوء ده مش معناه إنه مش واخد باله.
بالعكس...
جدي كان بياخد باله من كل حاجة.
ابتسمت لنفسي بسخرية لما لفيت بعينى على السفرة ،
واضح إن كل واحدة من بنات العيلة بدأت تحسبها.
مين فينا أقرب للاختيار؟
ومين ممكن يهرب من الموضوع؟
بصيت ناحية زوبة، و همست جنب ودنها :
ـ ايه الدنيا ؟
= فانية!
قالتها و ضحكنا احنا الاتنين بصوت واطى عشان جدى لو سمعنا هينفخنا على 180.
خلصنا أكل، وكل واحد بدأ يقوم من مكانه و يدخل الصالون ، دخلت قعدت على الكرسى سندت ضهرى على الكرسى و انا بحاول ابأن طبيعى فى وسط القلق اللى بيحصل.
ـ أكيد كلكم عرفتوا أنه سمحت لـ عزيز يبقى معانا فى البيت!
الكل هز رأسه بـ الموافقة ، و جدى كمل :
ـ عزيز ابن راضي الدهبى، ومهما حصل بيني وبين أبوه... يفضل من دم عيلة الدهبى.
الكل اتصدم من اعتراف جدى لأول مرة بـ عزيز أنه من عيلة الدهبى و كان مانع اى حد يذكر اسمه هو عمى.
ـ طبعا لانه بقى واحد من عيلة الدهبى هيطبيق عليه قوانين عيلة الدهبى إلا و هى أنه هيتجوز بنت من عيلة الدهبى عشان يقدر يورث و ياخد اسم عيلة الدهبى.
سكت و هو بياخد نفس و بيطلعه و هو بيكمل :
ـ و انا قولتله على الشروط و هو وافق فاضل بس اختيار العروسة!
سكت جدي بعد جملته، وساب الصمت يلف حوالين الصالون ، أنا كنت قاعدة مكاني، ضهري لازق في ضهر الكرسي، وإيديا متشابكة ، وبحاول بكل طاقتي إني مبيبانش عليا أي توتر ، بس الحقيقة إن قلبي كان بيدق أسرع من الطبيعي.
ندى بنت عمى اتكلمت بتوتر و هى بتسأل جدى :
ـ يعنى هو وافق على الجواز ؟
= هو عارف إن دخوله للعيلة ليه تمن، وعارف إن اسمه وورثه وحقه في العيلة مربوطين بالقوانين اللي مشيت على الكل قبله.
سكت شوية و هو بيبص على وشوش الكل و قال بنبرة لا نقاش فيها :
ـ أنا مش هكرر كلامي مرتين اللي هختارها لعزيز هتبقى زوجته، ودي مش حاجة هنتناقش فيها بعد ما أقول اسمها دا أمر لو رفضت هتعتبر نفسها برا عيلة الدهبى!
= بس دا مش عدل !
قولتها و انا مضايقة و بقوم اقف ، رفع عينه و بصلى و قال بهدوء :
ـ اقصدك ايه يا بنت عمران !
= يعنى ايه يا جدى يا نتجوز اللى اختارته يا اما نطلع برا العيلة دا مش عدل يا جدى !
ـ اقصدك إن قوانين أجدادك مش عادلة !
= اه يا جدى مش عادلة عشان تخلى اتنين يتجوزوا بالاجبار.
ـ بس أنتِ مش مجبرة أنتِ بتختار اللى أنتِ عايزة يتكملى فى العيلة و أنتِ متجوزة يتطلعى برا و تبنى نفسك بنفسك.
قعدت و انا باخد نفسى بضيق ،وحاولت أهدّي دقات قلبي اللي كانت بتعلى من كلام جدى.
جدي رجع يسند ضهره على الكرسي، وحط إيده فوق عصايته، وقال بنبرة أهدى:
ـ عزيز مش هيبقى قاعد معنا هنا اسبوع الفرح و هياخد مراته و هيقعدوا فى شقته لانه شغله هناك و انا وافقت لانه يناسب العروسة اللى اختارتها لـ عزيز !
= اللى هى مين بقا يا جدى المختارة ؟
قالتها زوبة لانه جدى بقاله ساعة مخلينا متوترين و مش عارفين مين هى العروسة المختارة ، جدى سكت شوية و بيلف بعينه لينا و رد :
ـ دينا عمران حامد الدهبى !
اتجمدت مكانى لما سمعت أسمى ، الصدمة لجمتنى خلتنى مش قادرة اتكلم حتى و ارفض حسيت إيد زوبة لمست إيدى ، وضغطت عليها بخفة، كأنها بتحاول تفوقنى من الصدمة.
بصيت حواليا على البنات، لقيت نظراتهم مختلفة؛ واحدة مستغربة، واحدة فرحانة إنها نجت، وواحدة باصة لى بشفقة.
كنت حاسة إن الأرض بتتحرك من تحتى ، بصيت لـ جدى اللى كان مستنى رد فعلى.
ـ ليه أنا يا جدى؟
جدى عدل قعدته، وقال بمنتهى الثبات:
ـ لأنى شايفك أنسب واحدة.
ضحكت بعدم تصديق ، و قولت بعصبية :
ـ أنسب واحدة لإيه؟ للجواز من واحد عمرى ما شوفته؟ للجواز من واحد كل حياته عايشها فى أمريكا و الله اعلم بيه بقى !
جدى اتعصب و قام و قف :
ـ دينااااا !
بدأ يهدى و هو ساند على العصايا بأيده الاتنين :
ـ ابن عمك محترم متربى فى أمريكا بس فيه عرق عيلة الدهبى.
قومت وقفت و انا باخد نفسى بصعوبة :
ـ و لو قلت مش موافقة يا جدى ؟
سكت ثوانى ، و قال بهدوء :
ـ يبقى هيتنفذ عليكى العقاب يا دينا.
ضحكت بوجع :
ـ يعنى أنا مجبرة دلوقتى صح !
= قدامك خيارين اختارى اللى يعجبك !
دموعى نزلت ، و انا بقوله وسط دموعى :
ـ و دراساتى هسيبها ؟
بصلى بثبات قصاد دموعى :
ـ مين قالك انك هتسبيها .. عزيز هيبقى معاكى فى اسكندرية في مكان كليتك .. كدا معندكيش اى اعتراض!
= مستحيل يا جدى اتجوز بالطريقة دى ... مستحيل !
