رواية نقطة ضعف الفصل الاول 1 بقلم يارا علاء الدين


 

رواية نقطة ضعف الفصل الاول 


"نقطة ضعف"

بقلم د. يارا علاء الدين

الجزء الأول
ـــــــــــــــــــــ
بعد ستة أشهر من الطلاق، بدأت ليان تشعر للمرة الأولى أن حياتها عادت إليها.

لم تكن الحياة التي حلمت بها، لكنها كانت حياة تستطيع أن تتنفس داخلها من جديد.

أغلقت صفحة زواج دام عامين، وانتهى بهدوء لم يكن يشبه النهايات التي تسمع عنها في حكايات الآخرين. لم تكن هناك خيانات، ولا فضائح، ولا مشاجرات وصلت إلى أبواب العائلة. فقط مشاعر انطفأت بالتدريج، حتى أصبح البقاء معًا أثقل من الرحيل.

في البداية، ظنت ليان أن الطلاق سيحطمها, لكن الأيام أثبتت العكس.

عادت إلى عملها، بدأت تهتم بنفسها، صارت تخرج مع صديقتها من حين إلى آخر، وعادت تضحك دون أن تشعر بالذنب.

حتى علاقتها بطليقها، كريم، أصبحت هادئة, لم يتحدثا كثيرًا، لكن لم تكن بينهما حرب أيضًا.

ولهذا، حين ظهر اسمه على شاشة هاتفها في مساء عادي، لم تشعر بالخوف.
فتحت الرسالة, كانت صورة.
صورة قديمة لها.
توقفت أنفاسها للحظة.
لم تكن صورة عادية؛ كانت من الصور الخاصة التي التقطها لها خلال فترة زواجهما.
ثم وصلت رسالة أخرى.
فاكرة الصورة دي؟
ظلت تحدق في الشاشة دون رد.
ظهرت الرسالة الثالثة:
أنا مش عايز أأذيكي يا ليان، بس لو رجعتي، كل حاجة هتخلص.
رفعت حاجبيها في صدمة وكتبت بسرعة:
— إنت بتتكلم بجد؟
جاء الرد بعد ثوانٍ:
طبعًا.
— يعني إيه أرجعلك؟ إحنا اتطلقنا وكل واحد في حاله.. والموضوع خلص من فترة!
-يبقى اختاري... ترجعي، أو الصور توصل لكل اللي تعرفيهم!
شعرت ببرودة تسري في أطرافها, لم تكن تتوقع منه ذلك.
اتصلت به فورًا.

جاء صوته هادئًا بصورة أثارت غضبها أكثر:
— إنت اتجننت يا كريم؟
— اهدي بس واسمعيني.
— أسمع إيه؟ إنت بتهددني؟
صمت لحظة، ثم قال:
— أنا بديكي فرصة تحافظي على نفسك وعلى سمعتك!
ضحكت بمرارة:
— الصور دي بينا واحنا متجوزين يعني مش حاجة حرام!
— آخر مرة هقولهالك يا ليان...ارجعي، وأنا أمسح كل حاجة.
— مش هرجع وأخبط دماغك في الحيط!
ثم أغلقت الهاتف.
كانت يدها ترتجف، لكنها أقنعت نفسها بأنه لن يفعلها, ربما كان غاضبًا.
ربما أراد تخويفها فقط.
وبعد دقائق، حذفت الرسائل، وأغلقت هاتفها.
لكنها لم تستطع النوم تلك الليلة.
مرّ اليوم التالي دون شيء, ثم اليوم الذي يليه.
وبدأت ليان تستعيد هدوءها.
حتى دخلت مكتبها صباحًا، فوجدت نظرات زملائها مختلفة.
كانت الهمسات تتوقف كلما مرت بجوار أحدهم.

وحين وصلت إلى مكتبها، وجدت هاتفها يهتز بلا توقف.
رسائل.
مكالمات فائتة.
أرقام لا تعرفها.
فتحت أول رسالة.
ثم تجمدت.
كانت صورة, لكنها لم تكن على هاتفها فقط هذه المرة. 
الصورة قد انتشرت!
انتشرت في مجموعات العائلة، وبين زملائها، وعلى حسابات مجهولة.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
فتحت رسالة من والدتها.
"تعالي البيت حالًا."
ثم رسالة أخرى من شقيقتها:
"إيه اللي حصل ده؟"
وأخرى من رقم لا تعرفه:
ده انتي طلعتي......
أغلقت الهاتف.
رفعت رأسها، فوجدت مديرها يقف أمام مكتبها وقال بوجه جامد:
— ليان، تعالي معايا المكتب.
دخلت خلفه، وجلست أمامه وهي تحاول السيطرة على ارتجاف يديها.
قال دون مقدمات:
— إحنا محتاجين منك تاخدي إجازة كام يوم.
نظرت إليه غير مصدقة:
— ليه؟
تردد قليلًا، ثم قال:
— الموضوع بقى منتشر، وإحنا مش عايزين مشاكل في الشركة.
— بس أنا ما عملتش حاجة! ده طليقي أكيد اللي عمل كده!
خفض عينيه:
— أنا مش بتهمك.
صرخت:
— أمال إيه؟
ساد الصمت, ثم قال بهدوء:
— خدي وقتك لحد ما الموضوع يهدى, والناس تنسى!
خرجت من المكتب وهي تشعر أن الجميع ينظر إليها.
لم يسألها أحد إن كانت بخير.
الجميع كان يسأل بعينيه سؤالًا واحدًا:
كيف فعلت ذلك؟
عندما وصلت إلى منزل والدتها، كان الصمت أثقل من أي صراخ.
جلست أمها في غرفة المعيشة، بينما وقفت شقيقتها أمام النافذة.
ما إن دخلت حتى قالت:
— قوليلي إن الصور دي مش حقيقية.

اقتربت منها وقالت:
— دي صور كانت مع كريم يانهى!
نظرت إليها طويلًا:
— وإيه اللي نشرها كده!
— كريم بيهددني من يومين. ولما رفضت أرجعله، نشر الصور.
قالت بعصبية:
— يعني الصور بتاعتك فعلًا؟
ابتلعت ريقها.
-أيوه، فيه صور خاصة بيني وبينه. بس اللي اتنشر ده...
توقفت فسألتها:
— إيه؟
نظرت إلى والدتها:
— أنا مش فاهمة حاجة ولا عارفة أعمل إيه!
قالت أمها بصوت مكسور:
— وإحنا كمان مش فاهمين.
دخلت ليان غرفتها وأغلقت الباب.
وضعت هاتفها أمامها وبدأت تنظر إلى الصور واحدة تلو الأخرى.
كانت تعرف الصور الأصلية.
تعرف متى التُقطت، وأين، وحتى الملابس التي كانت ترتديها.
لكن الصور المنتشرة...كانت غريبة.

في البداية ظنت أن الصدمة جعلتها تتوهم.
كبّرت إحدى الصور.ثم أخرى.
حدقت في التفاصيل.
شيء ما لم يكن صحيحًا, كانت ملامح الوجه ملامحها.
لكن هناك اختلافًا صغيرًا في الجسد.
تفصيل بسيط.
ثم تفصيل آخر.
وضعت يدها على فمها.
فتحت صورة قديمة محفوظة على هاتفها، ثم قارنتها بالصورة المنتشرة.
الصورة الأصلية أمامها,والصورة المزيفة بجوارها.
بدأ قلبها يخفق بسرعة, ثم قالت بصوت خافت:
— دي مش أنا.
ظلت تحدق في الشاشة.
لم تنكر الصورة خوفًا من أهلها, ولم تحاول إنقاذ نفسها بالكذب.
كانت متأكدة.
الصور ليست لها.
لكن وجهها عليها, ملامحها, عيناها,ابتسامتها.
كل شيء يبدو حقيقيًا بدرجة مرعبة.
شعرت بقشعريرة في جسدها..إذا كانت هذه الصورة مزيفة فعلًا...
فهذا يعني أن كريم لم يكن بحاجة إلى امتلاك صور حقيقية ليحطم حياتها.

كان يكفي أن يمتلك وجهها.
وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة جديدة من رقم مجهول:
لسه فاكرة إنك تقدري تثبتي إنها مش صورتك؟
توقفت أنفاسها, ثم وصلت الرسالة التالية:
الناس صدقت خلاص.
رفعت ليان عينيها عن الهاتف.
وللمرة الأولى منذ بدأت هذه الكارثة، فهمت الحقيقة المرعبة:
لم تكن معركتها لإثبات أن الصور خاصة بمرحلة زواجها...
بل لإثبات أنها ليست هي أصلًا!


تعليقات