رواية زينة الصياد الفصل الاول 1
نزلت من سيارة الأجرة وهي تعدل من هندام فستانها الرقيق عقدت حاجبيها بانزعاج عندما استنشقت رائحة البنزين وزيوت السيارات التي تملأ المكان.
رفعت رأسها ونظرت إلى اللافتة الضخمة المضيئة المكتوب عليها
(إمبراطورية الصياد لتعديل وصيانة السيارات)
لم تبالى بالضجيج وأصوات المعدات نظرت إلى العلبة التي تحملها بيدها وابتسمت برقة. كادت أن تخطو للداخل، لكن أوقفها عامل يرتدي ملابس عمل ملطخة بالشحم، قائلاً بصوت عالي ليغطي على ضجة المكان
على فين يا أبلة؟ المكان هنا كله شحم ومعدات، مينفعش تدخلي كده!
توترت "زينة" وقالت بارتباك وصوتها الناعم يكاد يختفي
أنا... أنا كنت جاية لطارق باشمهندس طارق.
نظر لها العامل من أعلى لأسفل باستغراب وقال
طارق مين؟ قصدك طارق البلي؟ الميكانيكي الجديد؟
زينة بضيق طفيف ودفاع عن خطيبها
ميكانيكي إيه؟ طارق مهندس ميكانيكا، وهو قالي إنه بيشتغل هنا في الإدارة.
مسح العامل جبهته بظهر يده الملطخة وقال بسخرية
إدارة إيه يا عروسة؟ إحنا هنا ورشة وتوكيل سيارات طارق شغال جوه تحت العربيات... استني هنا هندهولك، لو دخلتي بفستانك ده هيطلع لون تاني.
وضعت زينة يدها على فمها بصدمة وهمست لنفسها
تحت العربيات؟! أومال إيه شركة الاستيراد اللي قالي عليها دي؟
نظرت للعامل وقالت برجاء
طب ممكن بس أروحله أديله الأكل ده وأمشي على طول؟ أنا مش هتأخر.
تنهد العامل وكاد أن يمنعها، لكن صوتاً رجولياً عميقاً وحازماً جعل أوصاله ترتعد، هتف من خلفه
في إيه يا واد يا سيد؟ موقف الزبونة عندك ليه؟
شهقت زينة بخفة وتراجعت خطوة للخلف عندما رأت ذلك الرجل الضخم يقترب. لم يكن سوى "نادر الصياد"، صاحب الإمبراطورية والذي كان يتابع الموقف من واجهة مكتبه الزجاجي بالدور العلوي.
لمعت عينا نادر المظلمتين وهو يتأمل ملامحها الهادئة وعينيها الواسعتين اللتين ترمشان بتوتر. ابتسم وهو يرى تناقضها الصارخ مع هذا المكان
اقترب نادر وأشار للعامل بالانصراف، ثم مرر نظراته الجريئة عليها من رأسها حتى قدميها، وقال بنبرة تحمل إعجاباً صريحاً
إيه اللي جاب غزل البنات ده في وسط الشحم والحديد؟
عقدت زينة حاجبيها بعدم فهم، وتوردت وجنتاها من نظراته وقالت برقة
أفندم؟ غزل بنات إيه؟ أنا بس كنت جاية أشوف طارق.
ضحك نادر بخشونة جعلت صدره العريض يهتز، واقترب خطوة أخرى فتراجعت هي بتلقائية. قال بمشاكسة وهو يضع يديه في جيوب بنطاله الجينز الداكن
المكان هنا خشن على الرقة دي يا قمر... تعالي استريحي في مكتبي فوق عقبال ما أشوفلك طارق ده.
شعرت زينة بانقباض في قلبها من جرأته ونبرته المبطنة بالسيطرة، فقالت بتوتر وهي تضم علبة الطعام
لا شكراً لحضرتك. أنا هستناه هنا النهاردة أخد أول مكافأة ليه وحبيت أحتفل معاه.
ابتسم نادر بتهكم خفي، وقال بوقاحة وهو يقترب بوجهه قليلاً
بذمتك في حد يسيب الوردة دي تستنى في الشارع؟ ده طارق ده أعمى ومبيفهمش
غضبت زينة من تجاوزاته، رفعت ذقنها وقالت بحدة حاولت أن تجعلها قوية
لو سمحت الزم حدودك، إنت إزاي تتكلم معايا كده أصلاً؟
اتسعت ابتسامة نادر المستفزة وقال:
شرسة... بس لايق عليكي.
كادت زينة أن تلتف وتغادر، لكن صوت خطيبها "طارق" جاء من خلفها
زينة!! إيه اللي جابك هنا؟
التفتت زينة فوراً وابتسمت متناسية وجود ذلك الرجل الوقح. تقدمت نحو طارق الذي كانت ملابسه مليئة ببقع الزيت، وقالت بحب:
جيت أعملك مفاجأة، وأجيبلك الغدا اللي بتحبه بمناسبة المكافأة.
نظر لها طارق بضيق شديد، ثم رمق نادر الذي يقف يراقبهم ببرود ويداه في جيوبه، وقال طارق بتعنيف لزينة
مفاجأة إيه وزفت إيه؟! أنا مش قولتلك ميت مليون مرة متجيش هنا؟ إنتي إيه الغباء ده؟!
تلاشت ابتسامة زينة في ثانية واحدة، وتجمعت الدموع في عينيها. نظرت إلى العلبة في يدها ثم إليه وقالت بصوت مختنق
أنا... أنا كنت عاوزة أفرحك بس...
قاطعها طارق بجفاء وهو يخطف العلبة من يدها
فرحتيني يا ستي، يلا هوينا بقى وامشي من هنا، مش فاضي لدلع البنات ده
نزلت دمعة حارة على وجنتها رغماً عنها، شعرت بالإهانة والانكسار أمام الجميع. أرادت الأرض أن تنشق وتبتلعها.
كل هذا كان يحدث تحت أنظار "نادر" الذي تحولت نظراته المتسلية إلى غضب عارم عندما رأى دموعها. واقترب منهم بخطوات
التفت له طارق فوراً بابتسامة متملقة وتوتر
نادر باشا، أنا بعتذر لحضرتك والله... دي زينة خطيبتي لسه صغيرة ومبتفهمش في الأصول أوي.
رفعت زينة عينيها الباكيتين ونظرت لطارق بصدمة من إهانته لها أمام الغريب. تلك النظرة المنكسرة كانت الشرارة التي أشعلت غضب "الصياد"
نظر نادر إلى طارق بازدراء تام، ثم قال ببرود مميت
خطيبتك؟
طارق بتبجح وهو يمسك ذراع زينة بقوة ليجذبها إليه
أيوة يا فندم، خطيبتي وهتمشي حالاً...
تأوهت زينة بألم وحاولت تخليص ذراعها من قبضته القاسية. وفي لمح البصر، كانت يد نادر تطبق على معصم طارق، ضاغطاً عليه بقوة كادت أن تحطم عظامه، وقال من بين أسنانه بهمس مرعب
سيب إيدها يا حيلة أمك، بدل ما أقطعهالك.
شحب وجه طارق وترك ذراعها فوراً وهو يبتلع ريقه برعب. تراجعت زينة للخلف وهي تفرك ذراعها وتبكي بصمت، لم تستطع البقاء لحظة أخرى، فاستدارت وركضت هاربة من المكان بأكمله.
تابعها نادر بنظراته حتى اختفت ثم التفت لطارق وقال بصوت هادر أرعب كل من في الورشة
قسماً بالله يا طارق، الوردة اللي إنت دوست عليها دي لتدفع تمنها غالي... غور على شغلك، وحسابك معايا بعدين
هرول طارق من أمامه برعب. أما نادر، فوقف ينظر إلى الطريق الذي اختفت فيه زينة، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيه، همس لنفسه
زينة... اسم على مسمى.
الجوهرة دي خسارة في العيل ده وأنا مبسيبش حاجة تعجبني في إيد غيري
أغمض نادر عينيه، مستمتعاً بذكرى رائحتها التي تشبه الياسمين والتي علقت في أنفه...
يا صياد... يا نادر
فتح نادر عينيه بانزعاج شديد عندما سمع صوت صديقه وذراعه الأيمن "كرم" يوقظه من شروده.
نظر نادر حوله، ليجد نفسه يجلس في المقعد الخلفي لسيارته الـ(رانج روفر) الفارهة.
مسح وجهه بيده واستغفر بصوت خافت، مسترجعاً تفاصيل ذلك اللقاء الأول الذي حدث منذ شهر والذي جعل تلك الـ "زينة" تحتل عقله بالكامل.
قال كرم وهو ينظر له من المرآة الأمامية
وصلنا للفيلا يا باشا... انزل يلا المدام جوه وعاملة قلق علشان حضرتك مجيتش إمبارح.
تغيرت ملامح نادر للجمود والقسوة بمجرد ذكر اسم زوجته "شيرين" ابنة عمه التي تزوجها إرضاءً للعائلة، والتي تمثل له كل ما هو مزعج في هذه الحياة.
نزل نادر من السيارة بخطوات واثقة، دخل إلى الفيلا الفخمة. وكالعادة، وجد والدته تجلس في بهو الفيلا، بينما شيرين تقف بانتظاره مكتوفة الأيدي وبنظرات غاضبة.
تجاهل نادر زوجته تماماً وكأنها هواء، توجه إلى والدته، انحنى وقبل يدها قائلاً بصوته العميق
ست الكل، أخبارك إيه النهاردة؟
ابتسمت والدته بحنان وربتت على كتفه
طول ما إنت بخير أنا بخير يا حبيبي، غبت عننا إمبارح ليه؟
تدخلت شيرين بصوت حاد ومستفز
غاب ليه؟ تلاقيه كان سهران في الورشة كالعادة، أو بيصرف فلوسه على...
قاطعها نادر بنظرة واحدة من عينيه المظلمتين كانت كفيلة بإخراسها تماماً. التفت لوالدته وقال بهدوء
شغل يا أمي، ضغط شغل. أنا طالع أغير هدومي ومحدش يزعجني.
صعد نادر إلى جناحه الخاص بخطوات سريعة. أغلق الباب خلفه وأول شيء فعله هو إخراج هاتفه من جيبه.
فتح تطبيقاً معيناً، لتتحول ملامحه القاسية إلى نظرة مهووسة وعاشقة. ظهرت أمامه شاشة مقسمة لكاميرات مراقبة خفية إحداها تعرض مكتباً صغيراً في إحدى الشركات.
ابتسم وهو يراها تجلس على مكتبها، تكتب شيئاً بتركيز، وقد فسخت خطوبتها من ذلك المعتوه بناءً على "تدخلات" غير مباشرة منه...
همس نادر وهو يمرر إبهامه على الشاشة فوق وجهها
هانت يا زينة... هانت أوي وهتبقي في حضني
