رواية لأنك انت الحب الفصل الاول 1
كان المطر يهطل بغزارة على شوارع القاهرة الجانبية. ركضت يارا بخطواتٍ متسارعة، فيما كان صوت كعب حذائها يضرب الرصيف المبتل بإيقاعٍ متوتر، يماثل ضربات قلبها. كانت قبضتها تعتصر حقيبتها الجلدية الكبيرة التي تحتضن ذاكرة فلاش تحتوي على قنبلة موقوتة: مستندات غسيل الأموال الخاصة برجل الأعمال شريف زهران.
مسحت قطرات المطر عن وجهها بظهر يدها المرتجفة، وألقت نظرة خاطفة خلفها. كان الشارع شبه مهجور، ولم يكن يبدد عتمته سوى الأضواء الخافتة للمحلات المغلقة. فجأة، توقفت حافلة صغيرة ذات زجاجٍ معتم على بُعد أمتارٍ منها من دون أن يصدر عنها أي صوتٍ للمحرّك.
انقبض صدرها. لم تتردد لحظة واحدة، استدارت تركض في الاتجاه المعاكس، لكن الطريق قُطع أمامها فورًا.
برز من بين أزقة الظلام رجلان يرتديان ملابس داكنة، وقبل أن تفتح فمها كي تصرخ؛ اندفعت سيارة دفعٍ رباعي سوداء من الخلف، وتوقفت بحركة حادة بجوارها مباشرة. انفتح الباب الخلفي، وامتدت يد قوية كالحديد قبضت على معصمها بإحكامٍ لا يرحم، وسحبتها إلى الداخل في لمح البصر قبل أن تستوعب ما يحدث.
صرخت يارا بكل ما أوتيت من قوة، وهي تتخبط فوق المقعد الخلفي:
- أوعى إيدك يا مجرم. يا نهاركم أسود فاكرين إني هسكت؟!
ضربت بجسدها، ويديها في كل اتجاه محاولة الوصول إلى مقبض الباب، لكن اليد القوية امتدت مجددًا، وثبتت كتفيها بقسوة إلى الخلف محاصرة إياها بالكامل. دوى صوت إغلاق الأبواب الأوتوماتيكي، وانطلقت السيارة بأقصى سرعة متجاوزة الرجلين اللذين كانا يطاردانها في الشارع.
كانت أنفاسها متلاحقة، ورائحة عطر خشب الصندل الممزوجة برائحة الجلد الدافئ تملأ رئتيها. هذه الرائحة كانت تعرفها جيدًا. رفعت رأسها بحركة هجومية، والتقطت عيناها في ضوء خفيض لوحة قيادة السيارة الخافت، ملامح الوجه الجالس بجوارها. فك حاد، وندبة صغيرة عند طرف الحاجب الأيسر، وعينان بنيتان قاتمتان كالليل، بلا نجوم؛ تجمدت الدماء في عروقها، واستحالت صرختها إلى حسرة مشتعلة:
- سليم؟!
لم يتحرك قيد أنملة. كان يرتدي سترة جلدية سوداء، وينظر إليها ببرود مستفز، بينما يعدل ساعته ذات التصميم العسكري على معصمه. قال بنبرة هادئة إلى حد مخيف خرجت من حنجرته كحفيف الأوراق الجافة:
- وفري طاقتك في الصريخ لما نوصل يا يارا، الطريق لسه طويل.
دفعت صدره بكلتا يديها بغِلً مكتوم، لكن جسده كان أشبه بجدارٍ خرساني لا يهتز.
- أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت شغال لحساب مين المرة دي؟ ولا خلاص خلصة خيانتك، وجاي تخلص عليَّ زي ما عملت في زياد؟
اشتعلت عيناه لأقل من الثانية، لكن وجهه ظل قناعًا من الشمع الصلب. التفت نحو النافذة، وقال لحارس الأمن الذي يقود السيارة:
- اطلع على الطريق الصحراوي فورًا. أمن الكوخ، وبلغ المجموعة إننا اتحركنا.
التفتت إليه يارا بذهول، وارتفع صوتها بحشرجة غاضبة:
- سيبني أنزل هنا. بقولك نزلني، أنت فاكر إنك تقدر تحبسني؟ أنا مش أخويا الغلبان اللي ضحكت عليه ولبسته قضية. أنا هوديك في داهية.
تحرك سليم فجأة في حركة خاطفة لم تتوقعها، ومال بجسده الضخم عليها محاصرًا إياها بين المقعد وجسده. اقتربت أنفاسه من وجهها حتى شعرت بحرارتها تلامس بشرتها. تضاءلت المسافة بينهما، وانقطعت أنفاس يارا إثر ذلك الاقتراب الجسدي الحاد والمباغت.
قال بصوتٍ خفيض، وكل كلمة فيه تقطر تحذيرًا:
- لو كنت عايز أخلص منك، كنت سيبت الكلاب اللي وراكِ في الشارع يقطعوكِ ويفصلوكِ على مزاج شريف زهران. بس أنتِ غبية فاكرة إن شغل الصحافة بتاعك هيحميكِ لما تلعبي مع ناس يبلعوا الدولة باللي فيها في لقمة واحدة.
ردت وهي تحدجه بنظرة كره متأججة، محاولة الابتعاد عن ذلك الالتصاق الذي أربك ضربات قلبها:
- أحسن ما أكون خاينه زيك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة سخرية باردة، ثم هبطت يده سريعًا نحو جيب معطفها. صرخت، وهي تنتفض:
- بتعمل إيه؟ بتمد إيدك عليَّ ليه؟
سحب هاتفها المحمول بمهارة خاطفة، وضغط زر التشغيل، ثم أخرج شريحة الاتصال، وكسرها إلى نصفين بين إبهامه وسبابته بسهولة قبل أن يُلقي بالقطعتين من النافذة المفتوحة قليلًا.
شاطت يارا غضبًا، ورفعت يدها كي تخدش وجهه بأظافرها:
- يا بني آدم يا متخلف بتكسر شريحة تليفوني ليه؟!
قبض على معصمها في الهواء بسرعة مذهلة، وأحكم السيطرة على أصابعها بحركة هادئة وماكرة من دون أن يؤذيها حتى شل حركتها تمامًا، ثم مال نحو أذنها حتى لامس طرف أنفه خصلات شعرها الغجري المبتل بالمطر، وقال بنبرة مشحونة بتوتر خفي لم تستطع تفسيره:
- عشان التليفون ده كان مكشوف، والمكان اللي رايحين فيه مفيش فيه مجال لأي غلطة يا شاطرة. الساعات الجاية حياتك في إيدي، وأنا مش ناوي أخسرك.
واصلت السيارة شق الطريق الخالي نحو المناطق الجبلية المظلمة، بينما كانت الرؤية في الخارج تتلاشى مع اشتداد العاصفة، وبدأ المطر والثلج يرتطمان بزجاج السيارة بعنف. بعد أكثر من ساعة من الصمت الخانق، والتوتر المشحون الذي ملأ المقصورة كقوة مغناطيسية خفية، توقفت السيارة أمام كوخ خشبي مرتفع، يعزله الشجر الكثيف والظلام الدامس عن أي أثرٍ للحياة. نزل سليم أولًا، ثم فتح الباب وأمسك بيدها يجبرها على النزول. كانت البرودة في الخارج تقطع الأنفاس، لكن حرارة قبضته تسللت عبر أصابعها كتيار كهربائي. دخلت يارا معه الكوخ، وهي تنفض المطر عن ملابسها، وأخذت تتفحص المكان بعيني صحفية مدربة. مدفأة حطب قديمة، وأجهزة مراقبة حديثة، ومستشعرات حركة مثبتة على الجدران الخشبية، وسرير عريض يتوسط المكان، وإلى جواره أريكة خشبية ضيقة.
التفتت إليه واضعة يديها على خصرها:
- أنا مش هقعد هنا معاك ثانية واحدة. لو شريف زهران بيدفع لك فلوس عشان تخفيني قولي سعرك كام، وأنا أردها لك بس طلعني من هنا.
أغلق سليم الباب الخشبي الثقيل، وأحكم إغلاق المزلاج الحديدي بصوتٍ حاد، ثم سار نحوها بخطوات هادئة وحازمة، وهو يخلع سترته الجلدية؛ ليكشف عن قميص أسود يلتصق بعضلات صدره وجسده الممشوق. توقف أمامها مباشرة، ولم يكن يفصل بينهما سوى شبرٍ واحد.
- أول حاجة حطي لسانك جوه بؤك وبطلي قلة أدب. تاني حاجة أنا ما بخدش فلوس من حد عشان أحميكِ يا يارا. أنا داخل المهمة دي بطلب شخصي.
ضيقت عينيها بشك، وقالت:
- طلب شخصي من مين؟
وقبل أن ينطق بحرف واحد انقطعت الكهرباء فجأة عن الكوخ بأكمله، وغرق المكان في ظلامٍ دامس، وفي اللحظة نفسها، دوى صوت طلقة قنص مزق سكون الجبل، واخترقت رصاصة الزجاج العلوي للنافذة؛ ليتناثر شظايا الزجاج فوق رأسيهما كالمطر.
