رواية لأنك انت الحب الفصل الثاني
في أسرع من لمح البصر اندفع سليم بجسده الضخم، محتضنًا يارا وهوى بها إلى الأرض يغطي جسدها بالكامل بجسده الثقيل. كان صوت تهشم الزجاج، وتناثر الشظايا الخشبية والزجاجية على الأرض يعزف موسيقى الموت في ذلك الظلام الدامس. فتحت يارا فمها كي تطلق صرخة ذعر، لكن كف سليم الكبير الذي يفوح منه رائحة المطر والبارود، استقر على فمها بحزمٍ يحمل شيئًا من الحنان، فكتم صوتها تمامًا. كانت أنفاسه المتلاحقة تصطدم بأذنها مباشرة، وجسده الصلب كالفولاذ يضغط على جسدها المرتجف فوق أرضية الكوخ الخشبية الباردة.
قال بصوتٍ خفيض للغاية، كالهمس:
- ولا كلمة، ولا نفس القناص بره، ومستني أي حركة.
تجمد الدم في عروقها. كانت تستشعر كل إنش من جسده الضاغط فوقها، وضربات قلبه القوية المتسارعة الملتصقة بظهرها، وحرارة جسده التي بدأت تتسلل إلى جسدها البارد. أومأت برأسها بصعوبة، وهي تحاول التنفس من بين أصابعه. رفع سليم كفه ببطء شديد، ثم انزلق بجسده بضعة سنتيمترات حتى أصبح مستلقيًا إلى جوارها على جنبه. أحاط خصرها بيده اليمنى يُثبتها في مكانها، بينما سحبت يده الأخرى مسدسه المزود بكاتم صوت من حزامه. ساد الصمت عدة لحظات، ولم يكن يُسمع سوى عواء الرياح العاتية، وارتطام المطر المتواصل بالسقف الخشبي.
قالت يارا بصوتٍ مبحوح، وهي تدير رأسها قليلًا نحوه وسط الظلام:
- هم.... هما عرفوا المكان إزاي؟
رد سليم، وهو يثبت نظره نحو النافذة المحطمة:
- المكان متكشفش، دي كانت طلقة عشوائية بيشوفوا بيها إذا كان فيه حد جوه ولا لأ. لو كنا فتحنا النور أو صرختي كانت الطلقة التانية هتيجي في دماغنا على طول.
شعر بها ترتجف بين ذراعيه، ليس فقط من البرد، بل من الرهبة التي بدأت تتسلل إليها. ضغط بساقيه وجسده نحوها أكثر بحركة تلقائية هدفها حمايتها حتى كادت المسافة بينهما تتلاشى.
قالت بصوت حاولت أن تجعله متماسكًا رغم ارتجافها:
- طب ابعد شوية أنت مضيق عليَّ النفس.
التفت إليها سليم، وكانت ومضات البرق التي تخترق النافذة بين الحين والآخر تضيء وجهها الشاحب، وعينيها المتألقتين بتحدٍّ يخالطه الخوف. انخفضت عيناه إلى شفتيها اللتين لم يفصل بينهما، وبين شفتيه سوى سنتيمترات قليلة، ثم قال بنبرة هادئة وحاسمة:
- المكان محاصر، والرصاص ممكن ييجي من أي زاوية لو اتحركتِ إنش واحد بره المساحة دي، مش هضمن إنك تعيشي للدقيقة الجاية. فهمتِ؟
ابتلعت يارا ريقها، وشعرت بأن كبرياءها ينزف أمام هذا الالتصاق الإجباري. كرهت قدرته على فرض سيطرته عليها، وكرهت ذلك الشعور الغريب الذي جعل نبضها يتسارع، ليس بسبب الخطر، بل بسبب قربه الشديد المربك. مرت عشر دقائق من الصمت التام، بدت كأنها عشر سنوات من التوتر العصبي. لم تُطلق أي طلقة أخرى، ويبدو أن القناص في الخارج ظن أن الكوخ مهجور، بعدما لم تصدر أي حركة أو إضاءة من الداخل. بدأ سليم يتحرك بحذر شديد. زحف على بطنه نحو زاوية الغرفة، وأخرج من حقيبةٍ عسكرية قماشية كشافًا ذا إضاءة حمراء خافتة لا تنعكس إلى الخارج، ثم ثبته على الأرض. بعد ذلك اتجه إلى النوافذ، وأغلق الستائر المعدنية الثقيلة المصممة خصيصًا لمقاومة الاختراق. تنفس كلاهما الصعداء، لكن الكوخ ظل غارقًا في عتمةٍ حمراء شاحبة؛ أضفت على الأجواء توترًا من نوعٍ آخر.
نهضت يارا من الأرض تنفض الغبار عن ملابسها، ثم أخذت تدلك معصمها الذي علقت به بعض الشظايا الخشبية. نظرت إليه، فوجدته يضع المسدس على الطاولة الخشبية، ويخلع قفازه. قالت، وهي تضيق عينيها بسخط:
- دلوقتي الكهرباء قطعت، والمكان متأمن على كلامك بالحديد والستاير تقدر تقولي بقى إحنا هنفضل هنا لحد إمتى؟ ومين اللي باعتك أصلًا؟
جلس سليم على مقعد خشبي، وأسند رأسه إلى الخلف مغمض عينيه بإرهاق قبل أن يفتحهما مجددًا وينظر إليها بثبات:
- هتفضلي هنا لحد ما أصلح العك اللي عملتيها بالملف ده، وشريف زهران مش هيرتاح إلا لما ياخد الشريحة اللي معاكِ، ويقطع لسانك.
سارت يارا نحوه بخطواتٍ غاضبة، وتوقفت أمامه مباشرة، وهي تشير بإصبعها إلى وجهه.
- أنا معملتش أي عك. أنا بمارس شغلي، أنت اللي دخلت حياتنا ودمرتها، أنت اللي دخلت زياد السجن عشان تخدم أسيادك، وجاي دلوقتي تعمل عليَّ البطل القومي؟
نهض سليم فجأة من المقعد. جعل طوله الفارع، وهيبته العسكرية يارا تتراجع خطوة إلى الخلف رغمًا عنها. تقدم نحوها حتى اصطدم ظهرها بحافة الطاولة الخشبية. أسند يديه إلى الطاولة عن يمينها ويسارها محاصرًا إياها بجسده من جديد، ثم مال نحوها بجدية طغت على ملامحه:
- أنتِ فاكرة إنك فاهمة كل حاجة؟ فاكرة إن شنطة الفلوس والأدلة اللي كانت في مكتب أخوكِ زياد أنا اللي حطيتها له؟
صرخت بصوتٍ مكتوم، وهي تحدق في عينيه بضغينة:
- أيوه أنت. شهادتك هي اللي لبسته القضية، أنت اللي قلت في المحكمة إن الملفات كانت تحت إيده.
اشتعلت نظرات سليم بالغضب، واندفعت يده تقبض على جانب فكها بحزم مجبرًا إياها على النظر مباشرة في عينيه:
- أنا شهدت بكده عشان القاضي يديه خمس سنين سجن، بدل ما كنتوا تلاقوه جثة مرمية في نفس الليلة.
تجمدت يارا في مكانها، ونزلت كلماته عليها كالصاعقة، واتسعت عيناها بذهول:
- إيه؟ أنت بتقول إيه؟
انخفض صوت سليم إلى أعمق درجات الخشونة، وهو يقترب منها أكثر حتى أصبحت أنفاسه الساخنة تضرب بشرة وجهها المشدودة:
- زياد أخوكِ كان غبي، دخل في لعبة أكبر منه، وافتكر إنه يقدر يساوم شريف زهران. القرار كان صدر بتصفيته فورًا. أنا دخلت القضية وتلفت الأدلة، وخليتها مجرد قضية أموال مشبوهة، وشهدت ضده عشان يتقبض عليه رسمي، ويدخل السجن المكان الوحيد اللي شريف زهران ما يقدرش يتجرأ ويوصله فيه.
شعرت يارا بأن قواها تخذلها، وكأن الطاقة انسحبت من جسدها دفعة واحدة. اختفى الكره الصريح من عينيها، ليحل محله ذهول وارتباك شديدان:
- أنت... أنت بتكذب عليَّ عشان أصدقك.
تعثرت كلماتها، وخرج صوتها واهنًا يشي بالصدمة التي هزت كل ما كانت تؤمن به. مرر سليم إبهامه بعفوية وجرأة فوق شفتها السفلى، كأنه يزيل عنها جفاف التوتر. كانت لمسة خاطفة، لكنها بدت بطيئة في إحساسها، فأرسلت قشعريرة كهربائية في جسد يارا، وفضحت ارتجافة أنفاسها، قال بصلابة، وصوتٍ مخمور بالسيطرة:
- أنا مبعرفش أكذب يا يارا، وأخوكِ عايش في السجن بسببي. والنهارده أنتِ كمان هتعيشي بسببي حتى لو كرهتِني بقية حياتك.
انحبست الأنفاس بينهما داخل تلك المساحة الضيقة. كان التوتر المشحون بينهما أشبه بحبل مشدود على وشك الانقطاع. سنوات من الغضب، والعشق المكبوت، والشك، تتصادم داخل غرفة واحدة مغلقة يغمرها ذلك الضوء الأحمر الخافت. وفجأة، وبينما كانت يارا تحاول استجماع شتات نفسها، والابتعاد عن يده التي ما زالت تستقر على فكها، دوت صفارة حادة رفيعة من جهاز استشعار الحركة الموضوع على الطاولة.
التفت سليم بسرعة البرق. كان جهاز المراقبة الصغير الموصول بمصدر الطاقة الاحتياطي يعرض نقطة حمراء تتحرك بسرعة نحو الباب الخلفي للكوخ. في جزءٍ من الثانية استل مسدسه، وأمسك بيد يارا بقوة، وسحبها يقذف بها خلف الأريكة الخشبية المحصنة، وهو يهمس بأمرٍ صارم:
- انزلي تحت، ومتتحركيش. الاقتحام بدأ.
وفي اللحظة نفسها... انفك مزلاج الباب الخلفي مصحوبًا بصوت انفجارٍ مكتوم، وانفتحت ضلفتاه تظهر ظلال ثلاثة رجال مدججين بالسلاح.
