رواية ظل الحقيقه الفصل الاول
وانطلق مدفع الإفطار...
وتردد صوته في أرجاء الحي كأنه إعلان رسمي بانتهاء يوم طويل من الصيام.
قالت جيهان وهي تغلق الراديو وتلتفت إلى المائدة العامرة
"أتمنى لكم صومًا مقبولًا وإفطارًا شهيًا."
ثم ابتسمت وهي توزع أكواب الخشاف على الجالسين حول السفرة.
وأضافت بدفء:
"كل سنة وأنتم طيبين... ودايمًا يا رب متجمعين كده في الفرح."
قال هاني، زوجها، وهو يمد يده إلى طبق التمر:
"والله رمضان جري... محسّناش بيه."
ضحك جاسر وقال وهو يهز رأسه:
"وإنت عاوز تحس بيه إزاي؟ طول النهار مدفون وسط القضايا والملفات."
ضحك الجميع.
كانوا أربعة أصدقاء، جمعتهم صداقة بدأت منذ أيام الثانوية، ولم تنقطع رغم السنين.
هاني وطاهر يعملان وكلاء نيابة.
هاني متزوج من جيهان.
وطاهر متزوج من أفنان.
أما جاسر، فيعمل في المعمل الجنائي...
وقد توفيت زوجته منذ سنوات، ولم يتزوج بعدها.
أما حسن، الطبيب الشرعي بينهم، فقد طلق مرتين...
وأصبح يقول دائمًا مازحًا إن لديه حساسية مزمنة من الزواج.
كانوا معتادين أن يجتمعوا كل رمضان في بيت هاني للإفطار.
وسط الضحكات وتبادل الأحاديث...
فجأة ارتفع صوت هاتف هاني.نظر إلى الشاشة ثم تأفف بضيق
"أنا قلت لو التليفون مرنش... أكيد هيكون معمولي عمل."
ضحكت جيهان وهي تضع طبق الشوربة أمامه:
"ما تردش يا هاني... دي أول مرة من أول رمضان تفطر معانا من غير ما المباحث الجنائية تخطفك."
أيدتها أفنان بسرعة:
"أيوه والله... كأنهم اشتروكم! إحنا مبنشوفكمش غير بالصدفة."
ضحك جاسر وحسن على ملامح هاني المتجهمة.
وقال حسن بخفة دمه المعتادة:
"أنا قلت إن السنجلة چنتله ... بس إحنا اللي بنحب نجرب!"
ضحك الجميع مرة أخرى.
لكن تليفون هاني رنّ بإلحاح.
لكن المرة دي مسك هاني الهاتف وفتح الاسبيكر وهو يقول بضيق:
"خير يا جلاب المصايب... إنت مش هتتصل في الوقت ده غير بمصيبة. ارغي... إيه حصل؟"
جاءه صوت عادل، معاون المباحث، متوترًا:
"والله يا باشا مش بإيدي... عارف إنها ساعة الفطار بس غصب عني."
قال هاني بنفاد صبر:
"اختصر يا عادل."
"كنت بفطر في المكتب... زي ما حضرتك عارف."
هتف هاني:
"ما تخلص! ياعادل انت هتنقطتي بكلام في ايه
تنحنح عادل وقال:
"فجأة سمعنا صوت صريخ جاي من آخر القسم..."
تبادل الجالسون النظرات.
أكمل عادل:
"طلعت أجري... لقيت واحدة ست بتصرخ تقول قتيل قتيل
تجمد هاني لحظة.ثم قال:
"يعني إيه؟ مش فاهم ؟"
جاء صوت عادل مرتبكًا:
"دي المشكلة يا باشا... الست نفسها مش عارفة عماله تصوت وبس ."
سكت لحظة ثم أضاف:
"والجثة دلوقتي قدامنا."
قطب هاني حاجبيه.
"طب ما تبلغ النيابة."
رد عادل بسرعة:
"بلغنا يا باشا... بس الموضوع غريب."
سأل هاني:
"غريب إزاي؟" عادل انا خلاص ماعدتش عندى صبر لتنقيط الكلام ده
انخفض صوت عادل وهو يقول:
معلش يا باشا اصل الموضوع غريب "لأن الجثة..."
وقف حبه متردد
"انطق يا عادل!"قالها هاني بحدة.
ابتلع عادل ريقه وقال:
"الجثة موجودة... بس ما حدش عارف هي جات القسم إزاي."
ساد صمت ثقيل حول السفرة
.قال هاني ببطء:
"يعني إيه جات القسم إزاي؟ ماشت وهي ميته عادل اخلص
قال عادل بارتباك:
"يعني يا باشا... الجثة لقيناها مرمية قدام باب القسم."
ساد صمت ثقيل حول السفرة.حتى حسن توقف عن الأكل.
قال هاني ببطء:
"يعني إيه جات القسم إزاي؟"
قال عادل:
"يعني يا باشا... الجثة لقيناها مرمية قدام باب القسم."
نظر الأصدقاء لبعضهم.
لكن عادل لم ينتهِ بعد.اضاف بصوت خافت:
- والمشكلة الأكبر..."
+ إيه؟"
"إن باب القسم كان مقفول طول الوقت... والكاميرات ما سجلتش أي حد دخل."
انقبض وجه هاني.بينما قال جاسر فجأة:
+ غريبة...يعني ايه الكاميرات ميجلتش
نظر إليه الجميع.
قال جاسر وهو يفكر:
"أنا اشتغلت في قضايا كتير... بس جثة تظهر فجأة قدام قسم شرطة؟"ايه عفريته
تدخل حسن وهو يمسح فمه:
- دي أول مرة أسمع عنها برضه."
وقف هاني فجأة.
"أنا رايح القسم."
قالت جيهان بسرعة:
"دلوقتي؟!"
أنا رايح القسم."
قالت جيهان بسرعة:
"دلوقتي؟!"
رد وهو يلتقط مفاتيحه:
"واضح إن رمضان السنة دي مش ناوي يسيبنا في حالنا."
وقبل أن يخرج...
عاد صوت عادل من الهاتف:
"استنى يا باشا... في حاجة تانية."
قال هاني:
"إيه؟"انا قلت جلاب المصائب قول يا اخرة صبري
قال عادل ببطء:
"في ورقة كانت في إيد الجثة."
تجمد هاني مكانه.
"مكتوب فيها إيه؟"
كانت أنفاس عادل المتوترة عبر الهاتف.وقال بصوت خافت:
— الورقة فيها جملة واحدة يا باشا…
قبض هاني على الهاتف بقوة.
— انطق يا عادل… خلصني.
ابتلع عادل ريقه ثم قال:
— مكتوب فيها… "باقي 3."
ساد صمت ثقيل.
قطب هاني حاجبيه. — ثلاثة إيه؟
لكن عادل لم يُجب فورًا، وكأنه يحاول استيعاب ما يراه أمامه.
— وفي حاجة تانية يا باشا…
اشتد توتر الجالسين حول السفرة.
قال هاني بحدة:
— قول بقااااااااااا
جاء صوت عادل مرتجفًا:
— تحت الجملة… في أربع أسامي مكتوبين.
شعر هاني بانقباض في صدره.
— أسامي مين؟ اخلص
صمت عادل لحظة قبل أن ينطق:
— حضرتكوا… إنت والأستاذ طاهر والدكتور حسن والأستاذ جاسر.
شهقت جيهان دون إرادة.أما جاسر فتجمد مكانه.
قال هاني بصوت منخفض لكنه حاد:
— كمّل.
قال عادل:
— فيه اسم متشطب بالقلم الأحمر يا باشا…
تبادل الأربعة النظرات.
سأل هاني ببطء:
— اسم مين؟
صمت عادل قليلا ولكن لم يتماك هاني اعصابه وقال
تمام تمام يا عادل اقفل انا جي حالا
خرج هاني من البيت مسرع وهو يضع الموبايل في جيبه.
قالت جيهان وهي تجري خلفه بقلق:
"طب استنى بس كُل لقمتين انت صائم طول النهار
رد وهو بيفتح الباب:
"اللُقمة هتفضل موجودة... بس الجثة مش هتستنى."
نظروا باقي الاصدقاء له وضحك حسن وهو بيقول:
"أهو ده اللي أنا بقوله... الشغلانة دي بتخلي الواحد حتى فطار رمضان ما يعرفش يكمله."
قام طاهر بسرعة وقال:
"استنى يا عم... أنا جاي معاك. اهدا الجثة مش هتركب جناحات ما هي مستنية وجاتلك برجليها لحد عندك عاوز ايه اكتر من كده
التفت له هاني وقال وهو يكتم ضحكته علي كلامة وقال :
"تعالى... وبطل استخفاف واضح إن الليلة طويلة."
قام جاسر هو الآخر وقال:
"استنوا... أنا كمان جاي معاكم
"ما تنسوش إني انا المعمل الجنائي... والجثة دي شكلها مش عادية
ضحك حسن وقال:
"وأنا كمان هاجي... ما يمكن تطلع قضية تشغلنا يومين بدل الملل اللي أنا فيه.
قال هاني وهو بيهز راسه:
"يلا بينا... بس ما حدش يلومني علي ضياع العزومة لو طلع الموضوع سخيف." علشان مش هتكرر تاني اتحسبت عليكم وخلصنا
بعد نصف ساعة وصلوا الاصدقاء الأربعة القسم.
المكان كان متوتر بشكل واضح. كانت مجموعة من العساكر واقفين عند الباب.
عندما لمح عادل هاني يدخل من باب القسم جري مسرعا وهو يقول
"حمد الله على السلامة يا باشا واسف
قطع هاني كلامة وقال بجدية ؛
"فين الجثة؟ ومش عاوز اسمع اي كلام خارج الشغل اتفضل قدامي
شاور عادل ناحية الممر وقال:
"جوه الأوضة انا حطيتها وقفلت عليها
توجه الجميع اتجاه الغرفة
كانت جثة بنت في أواخر العشرينات تقريبًا.
ملامحها هادية... بشكل غريب.كأنها نايمة مش ميتة.
اتقدم حسن بحكم شغله كطبيب شرعي، ونظر عليها وتفحصها بدقة
قال وهو بيقطب حواجبه:
"غريبة."
قال هاني:
"إيه اللي غريب؟"
اجاب حسن:
"مافيش أي جروح... ولا آثار خنق... ولا ضرب. وكان الوفاه طبيعية
قال جاسر وهو بيبص للجثة:
"يعني ماتت إزاي؟"
هز حسن كتفه:
"لسه مش عارف بس اكيد هعرف
قال هاني:
"ياتري تبقي مين دي وايه حكايتها؟"
